انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 16

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

١٦

اما ميخائيل فقد كان اثناء تغيبها وانحجاب شمس انسها عن افق مركزه هائماً لا يدري ماذا يعمل ولا يجد وسيلة للتعزية سوی باعراب افكاره وما يخطر له يوميًا على القرطاس الذي كان يرسل منه عددًا الى حنة. وهي كانت تفيه الكيل كيلين. وتريه انها غارقة في لجة بحر الهيام الذي هو على وجهه

ودام على تلك الحال الى ان تسنى له مغادرة شغله بتة في منتريال وللمحال انبأ حنة بذلك التي ما لبثت ان اجابته على الفور بالطلب اليه زيارتها قبل ان يوصل حبل العلائق الشغلية ​في محل اخر لانها بشوق وافر لرؤْيته

فما عتم ان عمل باشارتها وامتطى القطار توًا الى البلدة الجديدة البعيدة حيث ألقى قوم حنة بانتظاره في المحطة هنالك الذين اقتبلوه بكل اكرام وسرور واخصهم شقيقها الأكبر الذي لم يكن يعرفه قبلاً

فكم كانت انوار السرور متالقةً تلك الليلة وكم كانت الافئدة مبتهجة وكم كانت العيون متلأْلئة بقطرات الحبور واعني بها عيون المحبين اللذين لم يقطعا مراسلتهما ساعة عن الموعد المضروب بينهما حتى التقيا

فقال لها ميخائيل: كم اراني سعيدًا الان يا حنة لاجتماعي بك ايضا بعد قلق عظيم واضطراب كثير وهذٍّ بكِ مؤْلم وافكارٍ ابعدت عني الراحة ووسمتني وهوذا اثار تلك السمة بادية على محياي. وكنت اسعى جهدي في اخماد جذوة هذه الشدة بصرف افكاري عن هذه القوة الفاعلية وكنت اداوم مراسلتي لعلي اتأسي فلم يجدني ذلك فتيلًا. وكله دون الحظوى بكِ وجها لوجه والتمتع بانسك شخصيًا:

جمع المهيمن شملنا بعد النوى
وأنالنا من جوده الاوطارا

فشكرته حنة كثيرًا واثبتت له سرًّا وعلنًا بان عندها له اكثر منه

​وفي بدء تلك الليلة قبل انارة المصباح اي نحو الساعة السادسة دخل شابٌ دون قرع على الباب. وتقدم الى القسم الداخلي من البيت دون استئذان. فاستغرب ميخائيل هذا الامر وانكره على الشاب

واذ لحظت حنة ذلك من ميخائيل قالت له اتعلم من هذا الشاب?

اجابها: لا يا سيدتي لم تسبق لي حنة معرفة برجلٍ كهذا عارٍ من الادب ولولا حب الاستقصاء من كنه امره لما رغبت في معرفة ذي قحة مثله

― ارجوك ان تخفض صوتك وجس يدي بل وجسمي فترَ انني ارتجفُ رهبةً من هذا الشقي وفرائصي ترتعد عندما تظلم عليّ هيئته المرعبة ولدن ذكر اسمه. الا وهو شارل الذي حدثتك عنه واخبرتك عن قبيح صفاته

― أهذا هو شارل الغير اللطيف? أهذا هو السمج الاخلاق? أهذا هو الفظ الطباع?? انني لم اتحققه جيدًا لحول السواد بيني وبينه. وان كنت ايضًا لا احب ان اراه. اودُّ ان انظره حتى اذا ما اجتمعت به او صادفته ایان کنا اعرفه واحذره....

― ارجوك ان تقطع ذكره والا تنكر به والا تطلب معرفته. وقد سألني مرارًا عنده ومن اي البلاد انت. فاجبته بانك من لوندرا انكلترا وبان اسمك «مكدونالد» واذ علم ​بانك في منتريال قد قصدها وجعل يستعلم عن مركزك ليراك ويتعرف بك ويلقي نار الفتنة بيني وبينك فلم يتوفق الى ذلك وعاد يخفي حنين ولا ادري الآن ماذا يعمل. ولكني لن ادعه يحادثك او يخاطبك او تجتمع به ابدا. وفضلًا عن ذلك لا اريد ان آتي بسراج الى ان يخرج وسافصل لك عن حال هذا الشقي وما ياتيه من الاعمال. ومعظمها نحوي

واما شارل فدخل الى صدر البيت حيث وجد الام في المطبخ فقطبت وجهها ولم ترد عليه السلام وقالت له: كيف تدخل علينا وما تقرع الباب. وماذا تبغي بذلك?

― لاي شيء ولكن فرط املي بكِ دفعني الى ذلك?

― ان املك غير محقق بي وعملك هذا متجاوز الحدود الادبية. فان لم ترعوِ عن جهلك وتتزبا بكساء الآداب ولو لم تكن من شيمتك لا اريدك ان تاتي بيتي ولا تؤمل بي ابدا. فاجزاك ما اسات به الي في السابق وكفاك همجية وغطرسة فان الكيل قد طفح. والا الزمتني الى رفع كل حنان وابعاد كل شفقة. فانت تكون الجاني على نفسك والملوم على ذلك.

فصار شارل يهدئُ روع الامّ بابدال الحديث وبابتسامه وهشاشته وبقوله لها: انتِ امي وما تريدين ان تفعلي بي فلكِ مطلق الارادة ومتى جئتكم فيما بعد ساشعركم بقرعي الباب

وبعد هنيهةٍ تناول من جيبه مسدسًا محشوًّا بالرصاص ​وقال لها: خذي وانظري هذا النوع من السلاح الجديد والحسن الطرز والكبير الحجم والذي يلمع كالشمس

فتغاضبت الام كثيرا وقالت له: ولم تحمل هذه الآلة الجهنمية ومن كلفك باراءِي اياها وماذا تقصد من عملك هذا والى مَ اتملك وحتى مَ اتصبر. قم الان واخرج من ييتي ولا تعد تريني وجهك فلا طاقة لي باحتمال توحشك

فقال لها شارل: ان هذا المسدس هو لهذه الساعة الذهبية التي اتقلدها الان. انظري ما احسنها وما اثمنها وكنت اريد ابتياع أخرى نسائية ولكن لم تاتِ الساعة بعد

حدث ذلك على مشهد ومسمع من ميخائيل وحنة ولوسيا وهم بجانب الباب الخارجي. فهامست حنة صديقها بان ما يذكره شارل عن الساعة هو لاسماع حنة اذ يقصدها بكلامه واما المسدس فهو لارهاب الجميع بأسه ولكنهم غير مبالين به وكلامه التافه كالهباء لا يجعل تأثيرًا

ولشدة ما عرا شارل من الخجل وما ناله من الخيبة والاهانة قال للام: الان وقت العشاء فاريد الذهاب ٭ فلم تجبه الام ٭ كانها تقول له ٭ لا يعيقك شيء عن الرحيل بالعجل ٭ فنهض واقترب من الام واسرَّ اليها شيئًا وخرج من باب المطبخ ٭ غير متجاسر على المرور بقرب الاحداث حرّاس الباب الثلاثة

فطلبت حنة الى امها ان تخبرها عما ابلغه اياها شارل سرا ​فاجابت

قد سالني من هو هذا المقيم بجانب حنة ولعله (مكدونالد) الانكليزي. فإن كان هو اريد ان اتعرَّف به صباح غد حتى اذا رايته يليق بحنة اشور[errata 1] عليك بان تزوجيه اياها.

فضحك الجميع من هذه الخفة والطياشة وكيف تحدثه نفسه بالاوهام ويبني آماله على رمال الاوهام المجزاء

لو كان خفة عقله في رجله
سبق الغزال ولم يفته الارنبُ

فسهر الجماعة واخو حنة الاكبر الى ما بعد منتصف الليل مع انهم اعتياديًّا يرقدون الساعة التاسعة ولكن السرور ابعد عنهم كل ميل الى الوسن

واذ هبوا من الرقاد صباح الغد تناولوا الطعام وجلسوا يتحادثون برهة واذا بناقر على الباب بلطف فتطالت حنة من النافذة فرأت شارل فاشعرت والدتها بقدوم «الغير اللطيف» فاشارت الام على الحبيبين بالتواري عن عيني القادم حتى لا يكون له نصيب يرؤية ميخائيل والمتعرف به

فتوارى الاثنان في حجرة واحدة واوصدا الباب واقاما بكل سكينة ينتظران انصراف شارل..انما حنة كانت تضطرب اضطراباً هائلاً وكل فرائصها ترعد وقد شحب لونها بعد تورد وجنتيها على رغم كونها مع من يحفظها وداخل الاقفال

​دخل صاحبنا شارل. فحيا الام السلام وقال. اين حنة? فاجابته. ليست هنا

― واين هي هذا الصباح?

― قد ذهبت الى ادارة البريد لتستعلم عن رسائل وردتها

― كيف تم ذلك وانا في ذلك القصر الاخضر انظر هنا واترقب كل حركة تجري عندكم?

― قد قلتُ لك قد ذهبت الى بيت البريد وماذا تبغي بهذه المحاولة وعدم التصديق?

― اهل هي وحدها ام مع رفيقها «مكدونالد»?

― كلاهما ذهبا منذ نصف ساعة

― اذًا انتظر هنا الى ان يعودا

فصرف نحوًا من ساعنين مع الام وهو يشغلها بالحديث ويتنقل في آجام انواعه حتى ضجرت واذ لمح علامة السآمة على وجهها قال لها:

ان ادارة البريد لا تبعد عن هنا مئة خطوة افتستغرق هذا الوقت الطويل للذهاب والاياب وهبي بان الصديقين يتنزهان الان في هذا البرد القارس ٭ يجب ان لا يغيبا اكثر من ذلك وقد مللنا من انتظارهما ٭ ولكني (مدام) اعتقد كل الاعتقاد بان قدم حنة لم تطئ ظاهر الباب هذا ​الصباح بل هي في حجرتها هذه المغلقة وان كنتِ لا تصدقينني فالبرهان فتح هذا الباب فقط

― ارح نفسك من عناء هذا المقال وثق بصدق جوابي ولا تكن طفوليا وكفى

― اذا كانت حنة خرجت هذا الصباح فكيف تدع رداءها هاهنا الامر الذي يدعني ارتاب بمبارحتها هذا المنزل

― قد ارتدت كساء شقيقتها

― وهو ذا الآخر معلقًا فلمَ تريدين ان تحمليني على تصديق ما يخالف ضميري?

فانتقلت به بالموضوع الى سواه لاهيةً اياه عن الحدس والهدس خشية من ان يدفعه حمقه وحنقه الى اقتحام الباب من باب المزاح فتكون النتيجة وخيمة جدًا من كل حيثيتها

فقالت له: شارل٭شارل٭ارجوك ان ترفق لوسيا الى مستودع الحطب وتساعدها في احضار قليل منه مؤونة للمساء

― سمعا وطاعة٭ولعلي التقي بحنة لما اعود. فخرج ولوسيا الى الخارج

اما الام فنادت المختبئين ففتحا الباب حالًا وعملًا بالرأي الثلاثي انتقلا من غرفتها الى غرفته واقفلا بابها وحنة لا تزال موجشة خيفة من ذلك الغدار فوق كل ملاطفة ميخائيل اياها وتشجيعها وكانت تقول له: لا اعرف كيف تحل بي الرهبة منه ولا ادري كيف ارتعش لدن رؤيته واستماع صوته

​فقال لها ميخائيل لا ترهبي له بأساً ولا تخشي جانبًا فانه ان تهدد فتهديده ليس سوى نباحٍ فلا تلقي له ما تلهيه به بل اريه بانك غير مكترثة و بان لك نصراء كثيرين من يردون كيده الى نحره

ولم تمضِ بضعُ دقائق حتى سمع الحبيبان خفق اقدام شارل محملًا حطبًا ولاهثًا كالثور من شقه. واذ دخل البيت هرع الى غرفة حنة فاقتحم الباب املًا يغشوه الضحك المتعالي الصوت فلم يرها فقالت له الام: ولمَ فعلت ذلك كانك لم تصدقني بانها ليست هنا

اجلْ انني اصدقك هذه الدقيقة ولكن فكري يحدثني بحركة جرت منذ هنيهة فلا ادري اهي صاعقة انقضت من العلا ام بركان انفجر ام نهرٌ طغى ام قيامة قامة ام معركة حدثت بهول ام انتقال عظام من مملكة الى اخرى

― وما مغزى كل ذلك?

― لا شيء بل اقول ان لا احد في العالم يقدر على النساء سوى فاطرهنّ العظيم. وان حنة قد سافرت من القرية اذ فات على وجودها خارجًا ثلاث ساعات واريد الان ان اذهب الى ادارة البريد لاتفقد من فيها.

فلبس قبعته وخرج..

وللحال اطلق سراح الظبيين من كناسها باسمي الثغر لعدم ​انزعاجهما بمجالسة ذلك الضيف الثقيل فقالت لهما الام: لا مشاحة بان شارل سيأتينا هذه الليلة ويثقلنا فالاولى بكم ان تذهبوا كلكم وتتنزهوا في شوارع وضواحي هذه البلدة وتعودوا موعد الرقاد فترتاحون من الاسر والقلق

وفي الوقت عينه عملوا كذلك حيث جاء شارل ولم يلفِ احدا في البيت سوى الام فلم يقم فيه اكثر من بضع دقائق وانصرف متأثرًا كثيرًا من سوء معاملة تلك العائلة له عند حضور (ماكدونالد)

فاضمر له كل مكر وخداعٍ وعزم على التنكيل به عند اول فرصة تمكنه منه ولم يطلع احدًا على هذا السرّ


  1. ↑ الأصل: احور عُدّل إلى اشور: تفاصيل