من الملوم/الفصل 15
١٥
ولم يصل مدينة منتريال القطار الذي يقل حنة وامها وشقيقها حتى كان مخائيل وبعض ذويه واحبابه بالانتظار لاقتبال الزائرين في المحطة ولدن الالتقاء استقبل ميخائيل زائريه بكل ترحاب واخذهم توًّا الى منزله فقدم لهم كل حفاوة واكرام ممثلًا الكرم السوري الذي سمعوا به ولم يروهُ بعد
فتضاعف حبهم لميخائيل لا لبذله بل لحسن اهتمامه بهم ولكونه اهلًا لاستلام قيادة بيت وان كان حديث السن
كانت فرصة اقامتهم في منتريال ثمانية ايام في خلالها لم بدع منتزهًا الا اخذهم اليه ولا مشهدًا أو مرسح تمثيل الا ادخلهم اليه
ولما كان يدعوهم اقاربهم من الفرنسيس الى منازلهم كان ميخائيل يرافقهم ولا يدعهم يبيتون خارجًا بل يعود واياهم. حاميهم كآلهِ
اما حنة فقد سرّت كثيرًا من رؤية حبيبها ثانية فتهلل فؤَاده فرحاً لتمتعه بمشاهدتها ايضاً كلقائه الخروف الضال. واما الأم فسرورها كان يتضاعف كلما فهمت بان حبّ الحبيبين يتزايد وكانت تدعو لها بالثبات وخير النتيجة
فعاود ميخائيل استعلامه الام عن عزمها الاخير والحديث في امر تسليمها بمطلبه واعترافها بقبول الفتيين خطيبين لا صديقين بسيطين كي ينقطع الاول الى حب الثاني ويعلم انه ينتسب الى الاخر اجباريًا من حيث العلاقة ولا مفرّ له من ذلك فيما بعد عند التقائه بطرف آخر يحسن او يتحسن في عينيه
فأبت الامُّ الاذعان معللة نفس التعليل الاول وراشدة ميخائيل الى ما فيه خيره وداعية له بكل خير وتقدم. وقالت:
قد تحققتَ ايها الحبيب ان حنة تستحقّ ان تُحب وتنال كل كرامة لادبها الرائع واستقامتها ومراعاتها حرمة واجباتها البنوية وصيانة الذات. وقد تاكد لي انها قد مالت اليك فوق المنتظر وهذا ما سرَّني وجعل املي وطيدًا بثبات حبكما وبتتميم الامر حسبما تترجى واياها
وفي هذا الصباح قد بدا لي راي اخر. تعلم ايها الحبيب بان الانسان لا يقدر ان يحكم غيابيًا عن ضمير غيره وعهدي بك من الاذكياء والمطيعي والديهم. فانا قد قبلتُ بك ورضيتُ عنكَ ولا يهمني تسليم افراد اسرتي بذلك لاني انظر الى صالحي ومتى علمتُ أن رايي سديدٌ اقتصرتُ عن استشارة سواي. فكم بالاحرى وقد رأيت ابنتي حنة التي اعدُّها حكيمة قد انقطعت الى حبك كثيرًا. هذا من نحونا. واما ما هو بشان آلك واقاربك فقد يستاؤون من اقدامك على عمل قد يقاومونه ولا يرضون به. فكم ارى من الانسب قبل التاميل والوعد ومباشرة ادنى شيء ان تسال ذويك لعلهم يقبلون او يرفضون.
حتى اذا اخذتَ الجواب بالقبول هممتُ انا بدون معارضة واعتراض بتحقيق امنيتك والتفاوض في هذا الامر معًا.
قال هو اعتقد ان ما يسرُّني يفرح آلي وما يرضيني يهلل افئدتهم وانا لم اخابرهم بهذه المسئلة بعدُ الى ان يتمُّ ما نجن بصدده: واني على يقين انهم سيجيبون بالقبول مع الادعية الحارة بالتوفيق والنجاح: فاذا لم يبتهجوا لسروري فمتى يكون فرحهم اذن
هي: لا اعني انهم يمقتونك لا سمح اللّٰه او لا يبالون بك وبسرائك وسرورك. بل قد لا يوافقونك على رايك من اتخاذك اجنبية زوجة لا يفهمون لغتها ولا يتوافقون واياها ذوقًا ومشربًا ان اجتمعوا بها هنا او هناك
وهذا ما قدمته لك بادئ بدءٍ واخلصتك النصيحة به من حيث الاختلاف بين عوائد[errata 1] الزوجين وما شاكل.
اجابها: اعلمى يا اماه ان والديّ لا يأتون عمل ما اشرتِ اليه بل يذعنون الى طلبي ويسلمون برايي و يتمنون لي كلما ابتغي.
وحنة جلّ المبتغى الآن. فما لنا ولاشغال افكارنا بذلك وهو لن يكون. فلنعرض عن التنبؤ ولنهتمَّ في ما هو خير لنا وافيد.
― اني اخمد هذه النار الان وانتظر ماذا سيكون من اهلك الدمشقيين على امل ان تخبرني ذلك منك فارتاح من هذا القبيل. واعود لسؤالك متى تاتي لتزورنا في بلدتنا الجديدة التي حللناها لاجلك هربًا من سك مسامعنا من اقوال تافهة مآلها التعريض بنا
― كم تكدرتُ من ذلك وكم احزنني عمل س. الذي عدم الاهتمام به وبعمله اولى. ولكن ما كنت لا اريده قد تم الآن بانتزاحكم عن مدينتكم (ثلاثة الانهر) واتمنى لكم كل صحة وراحة في ارضكم الجديدة التي وطئتموها وانا اسعى جهدي في سبيل زيارتكم بأقرب حين انما الوقت غير محدود
― لا احب ان تعمل على تعطيل شغلك بل ان تاتي الينا في الآن المناسب لك.
وفي اليوم السادس من اقامة الام وحنة في مدينة منتريال سأَلتا ميخائيل ان يسمح لهما بالانصراف فلم يفعل بل وعدهما لليوم الثاني وفي الثاني للثالث الى ان صرحت الأم بعدم استطاعتها الى المكث اطول من ذلك لان اولادها الباقين بانتظارها وقد طلبوا اليها برسائلهم الضافية الحضور العاجل
وفي النهار الثامن جاءَ ميخائيل بعض اشياءٍ كحلى وقماش هدية لحنة وذهب لوداع المسافرتين مشيعًا اياهما بكل اكرام واسف لفراقهما وقد صحبه الى محطة القطار كثيرون من آلال والخلان اجلالًا له ما عمظه في عيني الام
وبقوا هنالك الى ان تحرك القطار وسار مهيجًا ما سكن من القلوب فاسال العبرات الحارة ونزف من الافئدة قطرات صحراء تقابل تلك السائلة من المآقي. ودعا الخواطر ثائرة وشروط الراحة مضطربة والالسنة تلهجُ بماجريات فرصة ثمانية الايام . الى ان اوفد اول رسول من حنة وهو كتابها الاول المعربة فيه عما نابها من القلق والحزن والاسف مشتركة مع والدتها بذلك
وكانت عبارات ذلك التحرير صادرة عن قلب مدى فتئت قلب القارى، واجري دمعه السخين