من الملوم/الفصل 14
١٤
لما بلغ ميخائيل منتريال ضاقت الدنيا لديه وادلهمَّ كل نور ولم يستقر فكره الّا عند حنة وقد عنَّ له امر العودة على الاثر إلى مدينة (ثلاثة الانهر) اذ لم يعد له جلد على احتمال النوى مع انه حكيم صبور وقد صح فيه قول الشاعر:
فاحتمل مرارة مصابه وجاءَ محل العمل الذي انصرف اليه بنشاط حتى انهى ما تأخر من شغله
ولم تأتِ الساعة السادسة حتى اتخذ يراعه وشرع يسوّد الصفحات الى الحبيبة حنة مبديًا وجده وهذه خلاصته:
حبيبتي حنة:
ان كتبتُ اليكِ بدون ترتيب فلا ألام لان المرتب ليس هنا الآن. وان لم احسن كفاية رسالتي هذه فلا عجب لان يدي تخطُّ وما من قريحة تملي
اكتب اليكِ وانا على رغم تحققي وجودي هنا لا ازال ظانًا انني بقربك فكتابتي اليك الآن كمخاطبتي اياك شفاهًا
حبيبتي من فرط حزني على انفصالي عنك قد عراني صداع حتى لم يعد لي طاقة للعمل في شغل الغير —الضروري— فكيف العمل وحبك قد اخذ مني ماخذًا عظيمًا بعده لا استطيع احتمال فراقك?
فاسالك وذلك حقيقة واقترح عليك أحد أمرين ولكِ حق الاختيار
ان لم تات الى هنا سريعاً حملتني على ترك شغلي ومغادرة منتريال. فانت مطلقة الحرية اكثر مني. وتقدرين ان تجيئي باكثر سهولة من ذهابي انا اليك. ومن ذلك اقدر على الحكم بماهية حبك اياي
عفوًا حبيبتي لا امتحنك بذلك لانني اعتقد ان حبك اياي هو ثابت مخلص وحقيقي. ولكن ماذا اقول لاضطرك الى المجيء السريع?
وبما ان والدتك تروم الاتيان الى هنا مع اخيك الاصغر وانت ستكونين رفيقتها ارجوك ان تلحي عليها بالاسراع لئلا اتألم كثيرا من جرَّى الفراق والوحدة
هذا كتابي الأول لك ارجو ان يكون جوابه حال الاطلاع عليه لاطمئن من نحوك واطيب نفسًا بوعدك اياي باجابة الطلب
اني ارى الان النور ظلامًا والناس اشباحًا واحاديثهم هذيانًا وكل شيءٍ لا شيءَ وانت لا تزالين نصب عيني وموضوع كل حديثي. ومصباحي في الدجى الذي صار يجل الليل والنهار
فلا تدعي نورك بعيدا عني لئلا اعثر في الظلام الحالك بل اقربي اقربي واتيني بنبراسك حالًا
ادني مني وأنعشي فؤادي بانفاسك الذكية وشنفي اذاني بدررك العسجدية واحبي آمالي بوعودك الحقيقية. وحققي امنيتي بطلعتك البهية. حفظك سالمة رب البرية
فالجواب الجواب عند اخذ هذا الكتاب. واسمحي لي بقبلة واحدة من فمك اللطيف
ميخائيل
سلم الوكته رسل البريد الذي سار على قوة البخار وقدمها الى الحبيبة حنة التي تلقتها بوفر السرور فتهلل منها الفؤاد وبادرت للدقيقة برجعى الجواب وهذا فحواه
حبيب الفواد ميخائيل
تمكنتَ ايها الحبيب ان تجلي عن نفسك بعبارات نهبت من قلبي سواده واطارته اليك مع عقلي الذي صحبك مذ بارحتني ولذلك اقصر عن ان اعبر عن ضميري لك ما اقاسي من الم الفراق
فان عملتُ مثلك او حاكيتني بعملي لما احتملنا مر التنائي بل همنا على وجهينا في فيافي الهيام واصبحنا كريشة في مهب الريح
فلنستقرَّ بحكمة الى ان يمنّ مولاك بانفراج هذه الازمة. وان ذلك سوى قريب. فلا تقنطنّ بل فلنسلم الامر بارينا وهو يهدينا الى خير الوسائل الآئلة الى الصبر.
واما امر سفرنا الى مدينتكم فسيتمُّ في الحين القريب ويبدو لي ان والدتي لا راي لها في مسئلة مرافقتي اياها وانا افاتحها صباح مساء في هذا الصدد واسألها وعدي ذا الوفاء
فطب نفسًا من هذا القبيل وساراك قريبًا بعد ان انبئك بذلك فتلاقينا قبل ان تؤم امي اقاربها
اختتم كتابي بمقابلتك بختام رسالتك ودم في هناءٍ
حنة
وقد تواصلت المراسلة بينهما الي ان صارت يومية. ثم بلغ ميخائيل نبأ الفتنة التي اضرم نارها س. وماذا عمل وما هي النتيجة التي نجمت عن حركته الشيطانية. وكيف كاده وشأن الاسم السوري وانكى من الكل نسبته الى ميخائيل كل حقارة وصغارة نفس وللسوريين كل ذلة وحطة
فعظم لديه الامر واخذ منه التاثر ماخذا عظيما لان س. يسعى ان يحط من مقامه وهو يقصر دون ذلك. ففكر في معاقبته على ما كان منه مستكبراً الامر ومرددًا قول المعري:
الا انه فضل الحلم على مؤاخذة اللئيم المعتوه. وحوّل همه الى حنة وألحَّ عليها بحضورها الى ان تمّ ذلك بعد اسبوعين من مبارحته اياها