انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 13

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

١٣

اما ذو السين (س) فقد التهب فؤاده حسدًا وغيرة من اعمال ميخائيل ولم يرتح باله كل يوم اطال وقت اقامته هنالك وكان يعلل عن سبب تأخر هذا الضيف الذي اصبح بعرفه ثقيلًا. فلم يعلم لذلك علة سوى محبة البنت التي لم تدعه يسافر ويتركها.

واذ ايقن بعلوقها ميخائيل وثبوتها على محبته ثار جاشه وطار صوابه وعزم على تقويض كل ركنٍ دعمه المحبان ونوى على موالاة العمل الى ان ينال مناه وهو تحبيبها اياه. ولكنه قد خسئ عن مرماه اذ احبط مسعاه وفسد فأله

واما النهار الاخير الذي فيه تنزه ميخائيل وحنة سوية قد كان شؤْمًا على س. إذ جاء اثناء تغيبهما إلى البيت فلم يرَها فسأل لوسيا عن اختها فأجابته انها مع ميخائيل في ظاهر المدينة ​ينتشقان نقي الهواء و يرشفان معا في الخلاء كاس الهناء

لم يجب شيئًا في هذا الصدد بل ازمع ان يأتي ما يثير الخواطر ويحمل القوم على بغض ميخائيل. فترك لوسيا غضوبًا وخرج. فسار توًا الى محل ابنة خالة حنة فألفاها مع مساعدتها لوحدها فسألها: ابن حنة يا سيدة?

اجابته: لا ادري علمت انها اكرامًا لصديقها الجديد لم تات لتشتغل اليوم كما انها البارخ وقبله لم تأت هنا

― عجبًا ابهذا المقدار تحبه وتعبده وماذا حملها على حبه? الانه سوري ساقط حامل ام لانه ماهن محتقر?

― لا ادري سوى انها مسرورة منه لانه اديب وشريف وذلق اللسان

― قد ذهبت الان الى منزلها ولم ارها فقد خرجت منه وميخائيل من الصباح ولم يعودا حتى المساء وفتشت عنهما فلم أجد لهما اثراً ومن مظاهراتهما السابقة وتغيبهما الطويل اليوم فهمت انهما هربًا من هذه المدينة الى منتريال خفية بدون معرفة خالتك. فستغضب حقيقة هذه الليلة من عمل بنتها وقد بلغني ان الام قد نمت ذلك الى الحكومة التي بعثت رجال الخفية للتفتيش على الهاربين حيث يترامى امر رملانهما الى الخذلان وسينالان جزاء ما اقترفا من الذنب كلاهما

― اصدقني المقال بحقي عليك وارفع المزاح

​― هذا ما نُمي الي وفهمته وقد ابلغتك اياه حسبما علمت

― قد يكون ذلك من مرمعات الاخبار فلا تأخذ الامور على عواهنها بل اذهب واستقص لي فيها وعد سريعًا بالخبر اليقين

― على كلٍّ فسنعلم ذلك جيدًا بعد الساعة السابعه اذ ينجلي لها الامر بواقعيته ولكني استغرب كل الاستغراب بل انذهل عندما اعلم ان ابنة كحنة عاقلة اديبة اريبة يفعل بها هوى احد الاغراب الذي اعرف حسبه ونسبه ونشبه. والذي لا يملك شروى نقير بل كفى ان قلت انه صعلوك ايام عطالته اكثر من شغله. فآه ماذا اغرها به. اني احتسبت عليها هذا الامر الذي اعده غلطًا ظاهرًا تؤاخذ به. اذ كان يتوجب عليها عدم الاقدام على امر كهذا وهي العلاقة مع شاب غريب قبل التعليل عنه والاستعلام من ابناء وطنه

قد تغرّين انت وخالتك وابنتها من مظاهرات السوريين في هذه المدينة ظنًا منكنَّ بان بعضهم تجار والآخرين متمولون ولكنكنَّ لم تدرين بانهم ليسوا اغنى مني واذ انني من الخالية جيوبهم هكذا هم. لانهم كلهم مديونون ولا يملك احدهم ريالًا له خاصة

فكلنا متساوون بالخصاصة وان شئتِ ان اعدد لكِ اسماءهم وكلًا ما هو مركزه في الهيئة الاجتماعية والمقدرة المالية لنبذتيهم جمعاء نبذ النواة

​― كيف اذًا يدعون بانهم تجار ومتملكون ومثرون العلهم كلهم كاذبون وفي دعوة الفشار مستبضعون

― نعم صدقتِ فيما نطقتِ وكلهم في تلك الرتبة متساوون بل شهاب الدين اقبح من اخيه. فاذا دعا حنة الى حب ميخائيل هل تاهت عن عقلها ام ضلت عن سواء السبيل فيا للعار ماذا يقال غدًا: ان حنة احبت سوريًا احد أولئك الباعة المتجولين المتسوّلين. فما احسن ذلك الوسام الذي ستحرزه باتخاذها سائلًا بعلاً لها. فيا للشنار

انهيها عن غيها ان كانت لا تزال باقية في هذه المدينة ولم تصحّ الاشاعة والّا فستلبسوا كلكم يا اقارب حنة جلباب الخزي والعار. وانا اكون اول من سخر بكم

فصدّقت (ابنة الخالة) قوله ولم تسترب به لان (كلام النمام مثل لقم حلوة فينزل الى مخادع البطن)

فكم يضرّ بالهيأة الاجتماعية وغد ذميم كهذا وكم يحمل قومًا على الاساءَة لاخرين بوشايته وسعيه بهم وكم يغضب فاطره امرءٌ عطل مثله لانه ذو (قلب ينشئُ افكارا رديئة ارجل سريعة الجريان الى السوء) وهو (شاهد زور يفوه بالاكاذيب وزارع خصومات بين اخوة)

وفي المساء جعلت البنت تسائل عن ابنة خالتها حنة فعلمت انها في بيتها فهداَ روعها انما الذي غرسه س. في داخلها فقد ​تمكنت جراثيمه واخفت في ما يكنه الضمير الى الصباح حتى اذا ما افضح ذهبت الى شغلها وانتظرت حنة

فجاءَت هذه المحل لتشتغل فالفت كلًّا من ابنة خالتها وصانعتها شانفة اليها فابتدرتهما الى الحديث وسالت ابنة خالتها عن الداعي الى شزرهما اليها

اجابت تلك: انني مستعدة للاستقصاء في أمر ذهابك البارح انت وصديقك السوري الى ظاهر المدينة وكيف تم ذلك?

― وماذا يعنيك هذا الامر

لانني تبلغتُ انك فررتِ واياه الى منتريال وارسلت قوة لالقاء القبض عليكما افلعل ذلك كان صحيحًا

― ان كنتُ هربت ام قُبض عليَّ فانا لستُ انت ولذلك ارجوك عدم مباحثتي في هذه المسالة

― لا يشقُّ عليك ذلك يا حنة ولا تغتاظي عند ذكرنا اسم حبيبك السوري. كفاكِ فخرًا انه سوري

― انني اقبل بذلك فماذا يهمكِ

― قد غرّكِ باقواله واعماله ولم يبدُ لك منه سوى الثوب الخارجي واما الداخلي فهو بخلاف ما تظنين او تزعمين. فاريحي بالك من عناء الافتكار به واهتمي بشغلك فترتاحي من كل هذه المشاغل والمتاعب

― ما لكِ الان ولهذا الحديث الذي لا يجديك نفعاً فالان ​وقت شغل لا حديث وبطالة

― تغييرك الموضوع وتنقلك في الحديث يثبتان لي حبك ميخائيل السوري وتعلقك به. فاقلعي يا حنة عن ذلك واعلمي ان مقامك ينحط وتصيرين مضغة في افواه الناس. والشامتون بك كثيرون. بل تصوّري ان السوري ليس شريفًا. ليس عفيفاً ولا رفيعًا ولا من مقامنا

الا تخجلين اذا قيل لك يا امراة السوري الذي يمر بنا ليبيعنا او ليجدينا ونحن مرة نتصدق عليه واخرى نمتهنه ومثلها نطرده

الا تتمنين ساعتئذٍ الموت او ان تفتح الارض فاها فتزدردك فيا للخجل والعيب والعار

― الستُ انا حرة ووالدتي. فهذا ميلي وهذا رأيي وهذا مذهبي فماذا يهمك انت. فان كنت لا تحافظين على حقوقك الادبية دفعتني للعود الى بيتي وانا في غنى عن الشغل ابدًا

― لك ملءُ الحرية فيما تشائين اجراءَهُ ولكنني على يقين من صدق قولي لان شهادة س. السوري بابناء وطنه الذين يعرفهم قلبًا وقالبًا ادمغ حجة على صحة اعتراضي عليك وتانيبي اياك

― طالما وثقتِ بكلام ذلك الارعن س. ارجوك عدم ذكر كلمة واحدة بعدُ في هذا الموضوع وهو هو لا ريب نمّ اليك هذا النبأ وروى لك هذا الحديث فسأريه هذه الليلة ماذا اعمل ​به وما هي نتيجة زرعه بذور الشقاق والضغائن في القلوب فيتعلم عندئذٍ اهمية هذه الامور وسوء مغبتها

قُطع كل حديث في هذا الصدد وشرعت كل تشتغل شغلها العادي الى الظهيرة. فانصرفت حنة الى بيتها واطلعت والدتها على سر الامر

فهاج غضب الام واتقدت عيناها تأثرًا وعزمت على تسليم س. الى الحكومة لتقتصّ منه وتربيهُ ولكنها تمالكت عن ذلك نفسها ووجهت افكارها نحو التروّي والحكمة عملًا بقول الحكيم (لا تبرز عاجلًا الى الخصام لئلا تفعل شيئًا في الآخر حين يجزيك قريبك)

فدعت بعض السوريين من اقارب س. واخبرتهم عن ذلك فا عتم احدهم ان تتبعه فاهانه ولطمه وانذره بعدم مجيئه الى بيت حنة ابدًا وبعدم ذكر كلمة عنها لئلا يودع قاع السجن فيذوق من عذابه في هذه البلاد الوانًا

فسامحته الام ولكنها أخذت ابنة اختها بقولها لحنة ذلك وبعملها فتاثرت هذه منها وعرّضت بابنتها وعنفتهما. فحقد كل فريق على الآخر وقطعت حنة الشغل عند ابنة خالتها التي حملت امها على بغض اختها فتنافر القومان وتفاقم الامر بهما الى ان نقمت الاسرة كلها من حنة وامها واشقائها لان هؤلاء يريدون التقرب من سوري ومصاهرته

​تذهب حنة الى بيت خالتها فيقطب آله وجوههم ولا ترى منهم سوى نفور وذاك ما تعاملها به منازل عمها وخالها وجدتها فعراها سآمة من ذلك

فذهب شقيقها الاكبر الى البلدة التي فيها شارل يشتغل ليهيء نزلًا لعائلته فيسكنوا هناك ويبتعدوا عن ثرثرة هذا وذاك

فما لبثت العائلة ان اجلولت الى تلك البلدة وكارت منزلها لتريح اذنيها ونفسها

فاشمأَز ذووها كثيرًا وانتقدوا عملها اذ كبر الامر عليهم لزعمهم ان الامّ قد هجرت آلها من اجلال السوري. وحكموا انها لم تات عمل الادراك

واما هي فلم تحفل بكل تقوُّلاتهم بل اصرت على تنفيذ مأربها ولو كره المتشدقون

وفي تلك المدة كان قد تغيب غلام سوري في مدينة منتريال عن بيته وبقي نحوًا من عشرين ساعة تحت ظل الاختفاء ما اقلق راحة آله وذوي قرباه ففتشوا في النواحي المتعددة دون ان يقفوا على اثر فاعلنوا عندئذ ذلك على صفحات الجرائد الافرنسية المحلية ناشرين رسمه ومعددين صفاته الحميدة

فلما اطلع على تلك المقالة بعض مناهضي حنة قطعوا تلك ​القطعة برمتها مع الرسم وكتبوا تحته اذهبي (يا حنة) وتقصقصي اثره واعيديه الى اهله

فدرجوا القصاصة في بطاقة وارسلوها الى حنة حيث هي مقيمة والتي لدن اخذها تلك الرقعة ومطالعتها تاثرت من اعمال الحاسدين وغايات المفسدين ولم تحكم بتاتًا من الفاعل

فاستعظمت امها ذلك واتخذتا لهما الصبر خير وسيلة واتكلتا على اللّٰه تاركتين المبغضين مسترسلين في غوايتهم الى ان يتيخبوا

كان الصبي الكبير يعمل جلاء نهاره وياتي بيته مساء متأسيًا مع والدته وشقيقته وبقية الاسرة على مضض العزلة لانهم الفوا معاشرة افراد اسرتهم الكبيرة