من الملوم/الفصل 12
١٢
خلف ميخائيل الخالة في منزلها وقصد بيت حنة فألفاها بانتظاره وقد ابت الذهاب الى محل شغلها يومئذٍ اكرامًا له ولوداعه فسرّ ميخائيل لذلك كثيرا لمعرفته منزلتهُ العليا لدى تلك العائلة الغريبة الشريفة
ولم يستقر بالمكان وقتاً الا وابنة خالة حنة قد جاءَت للتعرف بميخائيل فكان كذلك وفرحت هي اذ وجدت ان صديق ابنة خالتها اديب فصيح اللسان في اللغة الافرنسية فقالت لحنة: اهنئك يا حبيبتي لحظوتك بنعمة حقيقية وباقتبالك عافي البشارة براحتك الدائمة فطوباكِ. واسرعت وانصرفت الى شغلها وقد سأَلت ميخائيل زيارتها عند والدتها وهي المعهودة خالة حنة التي كان زائرًا عندها
وعند القائلة طلب ميخائيل الى الام ان تدع حنة ترفقه للتنزه في ظاهر المدينة آنًا قصيرا فعملت بقوله
فهندمت سربالها وخرجت وميخائيل فحملا احدهما الاخر بالحديث حتى بلغا طرق المدينة واجتازا هنالك جسرًا طويلًا فمكثا على الضفة الاخرى من النهر وبعد مسامرة طويلة قال لها ميخائيل
اعلمي يا حبيبتي حنة انني قد وهبتك قلبي بطيبة خاطر ولن أوهن عزمي عن ندم فانتِ الاولى والاخيرة التي احببت. اني وان كنت حديث السن ولم يهرمني الدهر بعد باختباراته واخصها في الامور الغرامية لاعتقد باني محنك في الفهم والتروي والفراسة فارني مصوباً سهمي ولست بمخطئ في رأيي عندما عولت على علوقك والثبات على قدم حبك الراسخ، وأواصل عزمي المتواطد على عدم النكوب عن الافتكار بسر والاهتمام بأمركِ والعمل على التوصل الى الحظوة بكِ عاجلًا لا اجلًا
فلا يغرنك حبيبتي زعم البعض الفاسد بان (من ياخذ من غير ملته يموت بعلة غبر علته) بل احذي حذوي في الاعتقاد وايقني بان الراحة تستتبُّ للزوجين متى كان قلباهما متحدين وهما مخلصين احدهما للاخر بقطع النظر عن القرب والبعد في الوطنية حتى امرها لا يهم ابناء هذا العصر
كم اسمع عن البيض الذين يتعشقون الصفر والزنوج في الاونة الحاضرة وهم غير مبالين باقاويل غيرهم ان عذلوا او عذروا بل متبعون اهواءَهم فكم بالحري نحن البيض المتساوون في اللون والقامة واللباس واللطف والكياسة حتى اللغة فماذا اذًا يفرقا عن بعضنا او يدعنا متبايني المراسي غير امر الصيغة الوطنية والمذهبية فهل تسلمين بذلك يا عزيزتي وثقتفين اثر الاعتقادات القديمة والترهات الخرفة?
اجابت حنة: انني اذهب مذهبك وانهج منهجك واسلم برايك الذي اعتقد بسداده. فانا انت في كل ما ترتئي اذعن لكل ما تشير اليه
فسألها: اذا كتبت لك رسائل ضافية اتملين منها وتعرضين عن احارة الجواب?
― لما تكتب اليّ تحريراً ذا صفحتين اجيبك بآخر ذي ثلاثة
― اذا خاطبتك بالآلة التليفونية اتجيبي ام لا تريدين اشغال الاسلاك الكهربائية بصوتك اللطيف?
― اذا خاطبتني اليوم اقابلك بالمثل غدا اذ انني ارغب باستماع صوتك الحي يومياً فضلاً عن رجائي اياك ان تداوم مكاتبتك لي ويوميًا ان امكن واما انا فلك علي الوعد الصادق بوفد رسول يراعي اليك عشية كل صباح. ايدعك ذلك راضٍ عني
― اني ابذل النفس والنفيس في سبيل سروركِ ورضاك فكم بالاحرى وانتِ تسألين رضاي . فآه يا حبيبتي كم اقاسي حرّ الجفا في حال تنائي عنك فكيف العمل? اتودين أن اترك الشغل في مدينة منتريال وابقى قربكِ متمتعًا بمشاهدتك وشمولًا بنظرك السعيد?
― كم اتمنى ذلك من صميم الفواد ولكن الشغل اهم من كل مهم ايها الحبيب. فلا اشور عليك الا بملازمة شغلك المعطى خير الصيت (لان الصيت افضل من الغنى العظيم) والناجم عن كل نتيجة مادية عاملة على المعيشة...فكم القلب علي احرُّ من جمر الغضا اثناء تغيبك. ولكني اسأل عزته تعالى انه اكرم مسؤول أن يجعل حياة هذا الفراق قصيرة جدًا
فقال ميخائيل: اعلمي يا حنة ان امر تعرفنا بعضنا بعضًا وحب الواحد الآخر وعزمنا على اتمامه حتى الغاية لسديد جدًا فاننا حسبما ارى مستاهلان أحدنا الثاني وقد نذهب الى وطننا السوري فتلفين اراضٍ غير هذه وترتيبًا سوى هذا وخلائق دونها هذه فتسرين جدًا وتنالين صحة لم تكوني لترجيها. اذ ان هنالك المناخ الجيد والهواء النقي الطيب وارواح النباتات الذكية الوفرة. حيث المعيشة البسيطة الهنيئة
تلك هي ارض الميعاد والاراضي المقدسة هنالك الاماكن التي يؤمها القاصي والداني من ذوي الثراء للتبرك بمعاهدها الدينية. فنقضي فيها فصلاً أو فصولاً ونعود الى هنا ان لم يطب لك العيش فيها
فهكذا تكون حياتنا بسيطة متوسطة الحال ما دمنا بعيدين عن المدد الوالدي الوطني. ونسير في خطة الاعتدال والاستقامة. وذلك افضل لنا وكلانا موضوع قابل لنهج سبيل التقوى والخير. الا تذكري ما قاله الحكيم: (الفقير السالك باستقامته خيرٌ من معوج الطرق وهو غني)
واوكد لك حبيبتي بانك متى جئت الشام ترغبين بها عن سواها من اعظم مدن العالم. فطيبي نفساً من هذا القبيل وايقني بحظ وافر فيما ياتينا من الايام. وسوف آتيكِ بتاريخ فلسطين فتثقين بصدق قولي ومتى سمعتِ او قرأتِ وصف الشام لنزعتِ من هذه الدقيقة اليها ونتسبب بها قطانها وانتزحتِ عن ديارك طالبة جلق الفيحاء التي اجاد في وصفها الشعراء المغرمون بها ومنه قول بعضهم
اجابت حنة: ان نفسي حقيقة قد تاقت الى بلادك وزيارتها وانا اعدك بانني أشئم معك (اتي الشام) بلا تكلف وقد نبقى فيها دهرنا او نؤوب الى هنا مع آلك ان احبوا مرافقتنا. وكيفما تقلب الحال فسآتي بكلما ترتاح اليه ويكون عاملا على مسرتك
فشكرها ميخائيل والحّ عليها بعدم اهمالها امر المراسلة وقال لها انني لا اوصيك بشي ولا انبهك عليه ابداً فالامانة والوفاه هما منكِ وعليك ادائهما وأنا في ذلك اعتمد على اخلاصك. واسأَلك ان لا تهتمي بامر س. ابداً ولا تصدقي حرف كلمة من كتاب اقواله السمجة ولا تهتمي بذرة من اعظم اعماله المستقبحة فان اقواله وافعاله تحقره وتنبذه من الهيئة الاجتماعية
فلا تعتدي به وبجفلقته
فصادقت على قوله واجمعت عدم الاعتداد بذلك الشاب مطلقاً لانه ليس سوى نذير سوءٍ وعامل على الشرّ وقد قال سليمان الحكيم عن مثله (الرجل اللئيم. الرجل الاثيم يسعى باعوجاج الفم. في قلبه اكاذيب. يخترع الشرّ في كل حين يزرع خصومات)
ثم طلبت الى ميخائيل ان يعودا لئلا يبطئا. فرجعا وبخت الحديث الحلو المذاق يمخر لجج يمُّ الحب العميق وقد طابت لهما ريح المواضيع المتعددة الى ان رسى في مينا منزل حنة فدخلاه وعندليب البهجة ينشد اغنية الاخلاص على افانين دوحيتي محبتهما المكتسبتين باوراق الاقبال السندسية. والمكللتين ببراعم الامال النقية الوطيدة والحقيقية. والتي ناحت اغصانها طربًا
فاقتبلتهما الام المحبة بكل ترحاب وقالت لها قد اخلفهماني ما وعدتماني به وهو عودكما قبل هذه الساعة. ولكني اعفو عنكما الان بطيبة خاطر «وابتسمتُ مُرِية اياهما ان ذاك مزاح». ثم سألت میخائیل ان يصرف تلك الليلة ايضًا في المدينة وياخذ قطار نصف الليل والحت بذلك فاضطرارًا اجاب طلبها واستأذن منها ان تدعه يقتبل اصحابه السوريين هنالك الذين جاءوا على بكرة ابيهم لوداعه في بيت نسيبه توفيق فاطلقت سراحه مشترطة عليه بعود غير بطيء
فذهب والتقى باصحابه الذين ابدوا استياءَهم من مبارحته اياهم اذ وجدوا به شابًا اديبًا ومحبًا اصدقهم الاخاء. فاكد لهم شدة تاثره من مغادرتهم وحرمانه من مشاهدتهم الى حين فيه يتسنى له العودة الى مدينتهم. ونحو الساعة العاشرة انصرفوا داعين له بسفر میمون وببلوغه منتریال سالمًا فشكرهم وشيعهم الى الطريق وقفل راجعًا نحو حنة التي كانت بانتظاره مع والدتها وشقيقتها
رام وداعهم فأبوا الا مساهرته ايضاً الى موعد مجيء القطار حيث فيه يرقد حتى الصباح فقبل وجلس بقرب حنة. فلم يكن من الام وابنتها لوسيا سوى ان دخلتا غرفة محاذية وخلفتا الحبيبين لوحدهما ربما يفاتحان احدهما الآخر بامور شخصية سرية —ادبية—
لم يستنر الظبيان بمصباح الوحدة الا واشعرا باهمية الفراق الذي اظلم داخليهما ولعثم لسانيهما اذ شخص باصرا كلٍّ منهما بالثاني ويداهما اليمين متقابضتين وقد اتصلت بالجسمين الكهربائية الحبية. فالفت لغة تفهم كليهما بسكون وصمت. فقال میخائیل بنفسه هذه البرهه الوجيزة هي الوقت الاخير الذي ارى فيه حنة وكل دقيقة تنصرم تقرب اجل الاجتماع فكم اشعر بعد ذلك بأَلم الفراق وكم اذكر هذه الدقائق الاخيرة التي في خلالها اتملى برؤْية الحبيب وكم احزن لوجداني في ظلام الوحشة وكم اردد قول ابن بقي:
او قول سواه:
وبعد بكامة طويلة فتح ميخائيل فاه وقال لحنة كم اشعر بحرارة الفراق من ملامسة يدكِ اللطيفة التي ستكون يدي بعيدة عنها. ولكني اثق بيقين بانني ساراكِ زائرة عندي مع والدتك بعد بضعة ايام التي ستصفو لنا وفي اثنائها سنستفيد من كل ثانية من دقائقها كيلا تفوتنا منفعتها
فوعدته ببذل المستطاع في سبيل اقناع والدتها لتصطحبها إلى منتریال
وقبل ان دقت الساعة الثانية عشر همَّ ميخائيل بالذهاب وودع الجميع فاشعر وقتئذٍ في داخله بتغير من حالة الحرارة الى البرودة وبالعكس وكان هول هذه الحال اشد وقعًا على قلب حنة التي كررت اعتذارها مرارًا له لخللٍ افترط من الجميع نحوه في تقديم واجباتهم له
فشكر لهم حفاوتهم به ولكل لطفٍ وايناس ابدوه له طالبًا الى الام عدم الحنث بوعدها بالذهاب الى منتريال مع حنة. فاجابته بالايجاب. ثم عطف ميخائيل الى حنة فودعها ثانية ولسان حاله ينشد:
فدعوا له بالتوفيق والسلامة واستلفتوا انتباهه الى امر مراسلتهم وتطمينهم عنه فاثبت لهم ذلك بوعد حر. وبارحهم وفي قلب كل فرد منه ومنهم حسرات وزفرات اصعدوها عملًا بحكم العوامل
ثم تنكب عنهم نحو بيت قريبه توفيق لوداعهم فصحبه نسيبه الى المحطة فبلغها والقطار الذي سار به يخترق التلول والسهول البطح الى منتريال فوصلها صباحاً