انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 11

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

١١

اذ قد وعد ميخائيل خالة حنة بزيارتها عند سماح الوقت انتهز فرصة في الغد وذهب ليراها فاقتبلته بكل ترحاب وابدت له كل ودّ ومحبة تعدّ والدية. وشرعت تستعلم منه عن حال الشرق وعظامه السالفين. فكان يخبرها عن كل ما يفيدها وسرد لها حوادث كثيرة جرت في فلسطين مشفوعة بعجائب اذهلتها وقد شاقها هذا الحديث الى استماع اشياء كثيرة عن ارض الميعاد

فذكر لها ميخائيل حادثة جرت لديه فكان بمشهد ومسمع من كل ما جرّياتها وذلك في قرية معلولا المجاورة جبل القلمون من اعمال قضاء النبك من اجناد الشام. ومعلولا كانت تدعى في العهد القديم (سلوقية او سلفكية) وفيها دير للقديسة تقلا المعظمة في الشهيدات واولهن. الذي يؤمه الزائرون على تباين الملل والنحل من جميع الاصواب للزيارة والبرء تبركا بالقديسة تقلا وندر من جاءَ الدير بنفس شريفة ونية صافية وعاد خائبًا. واما تحرير الخبر فهو:

ان المسلمين سكان جبل القلمون يعتقدون بالقديسة تقلا وباعمالها و يدعونها—المنتقلة—وعندما تعروهم الامراض العصبية لا يلبثون ان يقصدوا—المنتقلة—

فكان في مدينة بعلبك امرأَة مسكينة ساذجة قد اصيبت ​بالفالج منذ امد غير بعيد وهي بحال الفقر المدقع اذ ليس معها ما تنفقه في امر التطبيب او على الاقل نفقة الطريق الى دير القديسة تقلا

وبعد مضي بضعة أسابيع تأهب البعض للسفر لزيارة القديسة تقلا وهم جيرة المريضة ومنهم من ذوي العلل. فتألمت تلك المسكينة حزنا لكونها صفراء اليدين ولا مكنة لها لاكتراء دابة لتصحبهم. و بعد ان فكرت قليلًا في هذا الامر وفي حرمانها من زيارة البتول والشوق بالتبرك منها يقيمها ويقعدها فشامت وميض امل ملؤه ايمان وللحال التمست من احد من يحسنون الكتابة ليسطر لها عريضة الى مقام—المنتقلة—بها تتوسل الى البتول ان تشفيها وهذا هو نص الكتاب بالحرف الواحد كما هو محفوظ لدى ميخائيل:


﴿معلولا﴾

«الى حضرة الوليه»

معروض من جاريتك مريم بنت محمد علي وهبه بان حصل لها مرض وضعف من برهة قوية ولحد الان لم اخذت راحة وما رأت صحة. فقصدت تعرض لحضرتك وتتدخل عليكِ بان بلا مأمورية على حضرتك بأن تمري عليها وتتكرمي بأن تأمري بشفائها ولك عليها بان إذا حصلت على الشفاء على يد اللّٰه ويدك تروح مخصوص ​الى حضرتك تزورك وتبات بحضرتك ليلة. فعيله بادرت باعراضها لديكِ. وهي تطلب الشفاء والصحة والامر الى اللّٰه والى اوليائه ولكِ

بنده
جاريتك
مريم بنت محمد
علي وهبه

فطوت رسالتها مريم وسلمت بعض المسافرين اياها وطلحت عليه في وضعها في مقام القديسة باسم مريم قائلة انني اثق واعتقد يانني انقه تماماً من مرضي اذا وضعت هذه العريضة في مقام —المنتقلة— فوعدها الرجل خيرًا وعمل بقوله

واذ بلغ القوم الدير وباتوا الليلة الاولى حقق اللّٰه امالهم فمجدوه على اعماله وعادوا في اليوم الثاني على الاعقاب وسلموا الكتاب الى رئيس الدير بعد ما ابلغوه خبر المفلوجة ووعدوه بانبائه عما يحدث لها

واذ بلغوا بعلبك ذهبوا توًّا الى منزل تلك الفقيرة ليروا ماذا جد لها فالفوها نالت الشفاء وهي تقضي مهام بيتها بنفسها مبتهجة وحامدة اللّٰه على نعمائه وشاكرة له حسن صنيعه بها بشفاعة قديسته. وكانت بين الشك واليقين اذ كانت تخال نفسها غارقة في لجج الاحلام لما تراها تمشي على قدميها وتنتقل من زاوية الى اخرى في بيتها الصغير. وكانت متوقعة بذاهب الصبر عودة الزائرين ​لتبشرهم بما صنع اللّٰه بها

وفي الاسبوع الثاني امتطت تلك المسكينة متن قدميها وامت دير القديسة تقلا وقدمت فروضها مسبحة اللّٰه. تمت

ثم قال ميخائيل هذه الحادثة يا خالة واحدة مني المئات والالوف التي تجري في معاهد بلادنا المقدسة. ولو تذهبين مع اختكِ لزيارة هاتيك الاراضي الفلسطينية لسررت وبلغتِ منًى في النفس

فاجابت: آه يا ولدي كم اتمني ذلك وانى يتسنى لي وانا قد تقدمت في سني والمراحل بيني وبين ارضكم تقضي عليّ قبل اجتيازها

انني قد تصفحت تواريخ الشرق وعلمت شيئًا عن احواله واتوق الى استماع كثير عن حوادث جرت فيه وعن سير اوليائه وعظامه وكاني بك ممثل الشرقيين فارغب اليك ان تحدثني بما يفيدني وطالما صبت نفسي اليه

فاخبرها ميخائيل عن كل ما افادها وسرها وحملها على الاعتقاد بان السور بين قوم كرام سليمو القلوب ولينو الجانب وقد اجاد في حديثه حتى لم يدع في نفسها حاجة

وما زالوا يتنقلون في حدائق الحوادث والاحاديث حتى اشرفا على هضبة موضوع (ميخائيل وحنة) فسبقها هو الى القمة[errata 1] وافسح للسانه المجال فكانت السيدة كلها اذانًا تسمع وعيونًا تلحظ ​ولم تشم وميض داع تطرقت به الى الجواب حتى أَبرزت من مخبآت ما يكنه ضميرها نحوه ومن نحو حنة فاسترعته السمع وقالت:

يا عزيزي ان سروري يفوق الوصف لعلمي عزمك الجديد على العلاقة مع حنة فكم تكون هي سعيدة بمشاركتك اياها في حياتها وكم تكون انت حسن الطالع وفي هنيء الحالة وكلاكما رافلين بمطارف المحبة ورغادة العيش. فان حنة سيدة شريفة وعفيفة مخلصة ولطيفة (جميلة ووديعة) سيدة جديرة بان تلقى اليها مقاليد الامور البيتية وان يعتمد عليها في احوال كثيرة فانها تجب الاقتصاد والسعي الى ما يؤُول الى راحة وسعادة زوجها. ابنة تربت في عهد الاداب وشبت على روح الفضيلة متقلبة على سرير الدلال ومتخلـقة باخلاق الملاينة والحس وخير الطباع . فتاة منقطعة الى شغلها موجية عن الجنس النشيط لا ترفعًا بل اهتمامًا بنفسها وخيرها وعملها

تأتي بيتها مساءً فتلقى امها الصالحة التي صرفت همها عن كل شيء وحنت على بنيها. وهي خير مثال صالح لها في التقوى وخوف اللّٰه والادب ويكفي ان تكون البنت كامها

اوكد لك يا حبيبي ان الذين تقدموك الى حنة في طلبها ما ورت بها زنادهم لانهم لا يستحقونها حقيقة فانت خليق بها وهي مرآة بك وقد وافق شن طبقه

​افضلك يا ولدي على ابناء وطني هنا نظراً لعلمك الغزير وفهمك الكبير وادبك الكثير ولما كانك حنة في اخلاقها فجئتها الان في الاجل الحقيقي والحسن فتنالها عفوا وحباً اذ تعطى القوس باريها

هكذا اقول لك بجرأة وحرية وانا ابذل طاقتي في سبيل السعي في هذه القضية الى ان افلح لانني احب حنة كثيرًا فوق محبتي لابنتي وقد خصصت لها هذا المقعد الذي تشغله انت الان وهو لها فقط. وكم يتهلل فؤادي عندما اسمعها تناديني باسم عمتي بالانكليزية (أنت) (Aunt) وكم اردد هذه الكلمة في فمي اثناء تغيب ناطقتها عني وكم اتأمل في اعمالها وحركاتها واقوالها فتتخيل لي ملاك اللطف وذات قدم في العلم وربة الجمال والخلاصة من شدة تعلقي بها اراها مستكملة الشروط المقتضية للنساء اذ انني صرفت الامي المنصرمة والمتعددة في معاشرة الملا فلم ارَ بعد ابنة تفي بالغرض المطلوب سوى حبيبتي وحبة قلبي حنة. فارجوك ان تعذرني ان كنت قد اطرأتها في المدح وللحال نهضت ودهقت كاسًا من الخمرة المتقة الجيدة وناولت ميخائيل اياه قائلة انني اعتياديًا اقدم لزائري مقدار نصف هذا الكاس واذ انني اعتبرك اولًا مضاعفًا وثانيًا ممثلًا حنة اسأَلك ان تجرع النصف باسمك والآخر باسم ولاجل حبيبتك حنة

فابتسم ميخائيل وقبل الكاس منها واعتذر لها بعدم ​استطاعته رشف ملئه فلم تسمح له بل قالت: ان كنت تحب نفسك وتحبني وتعز حنة تتناول كل المقدم لك

فشرب نخب الخالة والابنة وشكر لها لطفها وحنانها وقال

ان ما تكرمتي به من الكلام قد حل على نفسي حلول الغيث على الارض الظمأى فقبلته بفرح كبلسمٍ لكلمٍ من سنان بهاء وذكاء حبيبتي حنة الذي سيدمى الم يتداركه ابراز قولكِ الى حيز العمل. لانني احببت حنة حباً عميقاً لن تدرس رسومه من داخلي ما دمت حيًا. فهي ذات المحامد والمكارم والعفة والاداب

ولو ان النساء كمثل هذي
لفضلت النساءُ على الرجال

وهي ابنة الفضل واخت الرجال يوثق بها ويؤمن جانبها واجزأها ارتقاء عرش الامانة وقبضها على صولجان الوفاء فقد تملكت قلوب رعايا باقي الصفات بدون مشقة

فاعترف بحبي اياها الذي افتخر به وبالاخص عند ايقاني بمبادلتها اياي مثل ذلك. اذ قد بلل الهوى قلبينا ولا اخجل بهذا التصريح بل اعتقد بان لا يطيب لاحدٍ منا عيش فيما بعد الا بتحقيق مناه من الآخر وهو الاجتماع الدائم الى ان يقضي اللّٰه امرًا كان مفعولًا وتدفعني مقدمات ذلك مع الامل بصحة نتائجها ​الى ترديد قول الشاعر

ولو تلتقي اصداؤنا بعد موتنا
ومن دون رمسينا من الارض سبسب
لظل صدى صوتي وان كنت رمةً
لصوت صدى حنه يهشُّ ويطربُ

فادعي لنا يا خالة بالتوفيق وبصحة الاحلام فنذكر بعدئذ هذه المساعدة بوفر السرور ونقول سقيًا لذلك اليوم الميمون الذي فيه تيمنا في خير[errata 2] موضوع استفضنا

اجابت الخالة: اعلم يا ولدي انني الان كلي السنة تهتف بالطلب الى العزة الالهية ان تتمم الامر على غاية مرامنا جمعاء وان توفقك وتسهل لك طرق الارتزاق والنجاح وتفتح لك كل ابواب الفلاح المعجمة فانك اهل لكل خير وكرامة وانا لا آلو جهدا في هذا السبيل الى ان اتوصل بسعيي الى النقطة الغائية من هذا الغرض

وبعد ان اسداها ميخائيل بعبارات الثناء قال لها: انني ساغادر هذه المدينة مساء اليوم وساودعك في ساعة الانصراف. واعدك بانني ما كتب اليكِ من منتريال دوما على امل اخذ رجعى كل رسالة فاطمئن من نحوك واسمع كل جديد في هذا الشان

​فاجابت بالايجاب وهكذا تم القول وانصرف مخائيل شاكرًا للخالة ما حبته من الحفاوة والاكرام والايناس


  1. ↑ الأصل: التحية عُدّل إلى القمة: تفاصيل
  2. ↑ الأصل: غير عُدّل إلى خير: تفاصيل