انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 10

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

١٠

ففي سحابة النهار كان يقيم ميخائيل مع الام في حديقتها امام منزلها متفيئين في ظلال الازاهر والورود ومتحدثين بمواضيع مختلفة الى ان لمح مخائيل الى محبته حنة وكيف صار واياها خلين ودودين وفيين في برهة وجيزة

وكان يبين لها من خلال حديثه ميله الحبي الثابت والمتواطد الى حنة التي حاكته بنفس الميل وانهما لما يخرجان معًا للتنزه كانا يعترفان بارتياح الواحد الى معاشرة الآخر وان بوده مفاتحتها (الام) بطلب حنة كخطيبة حتى يحون أن فيه تصير زوجة له

فقالت الام: يا حبيبي اقول لك بجرأة حبية انني قد سررت منك لاول وهلة رابتك وقد جالستك وحادثتك واختبرت بعض طوارك التي منها فهمت انك كريم الخلق. ولذلك فاعتبرك ​اعتباراً حقيقياً واكرمك اكثر من كل مَن تقدمك من الخطاب لان الكرامة لا تليق الا بذويها. وفي الوقت نفسه اضيف الى قولي انني مهما عرفت من حقائق طباعك لا ازال جاهلة معظمها وتعلم بان امرًا كهذا اهمُّ من كل مهم. لان تلك المعاشرة والحياة الزوجية هما مدى عمر احد الزوجين

فكم من الواجب عليّ قبل منابهة هذا الامر ان اعلل واسائل واستعلم عن صفات من يطلب ابنتي بعد ان اتحقق حبها لطالبها حيث تتبادل المحبة بينهما واطمئن انا ايضاً من حيث التوافق في خلالهما[errata 1]

الا تعلم ان اهم الاسباب العائدة الى حسن التوافق هي ان يكون الفردان مثيلين في السن والاخلاق والسجايا كالكرم والتساهل واخلاص المحبة وعدم الغيرة والجمال

كما ان امر الوطنية ايضًا سرٌ عظيم. فانت وابنتي لستما من بلد او وطن واحد او ابني لغة واحدة. وذلك يقتضي التمعن مليًا في الامر بقطع النظر عن حبكما

انني يا ولدي قد رفضت طلب الكثيرين ممن تقدمك من الخطاب لانني لم ارَ بهم الاهلية الى مركز كهذا من حيث الخلل في الصفات الآنف ذكرها. واريك الان بعض محررات مرسلة الى حنة من محبيها لاني اقرأ كل رسالة كانت تردها من الاصدقاء ورجعى كل رسالة كانت تبعث بها لانها لا تأتي سوى كل عمل ​ينطبق على خطتي منذ نعومة اظفارها

ففي تلك الرسائل تفهم كم كانوا يعظمون حبهم لتجله هي وكم كانوا يتفانون في اساليب الكلام لها كي يستميلوها اليهم وتعطف عليهم فتقابلهم ولو بجزء من محبتهم. ولكنها لم تهتم باقوالهم وانا كنت اشير عليها بعدم الاعتداد بهم وعدم الجواب بتاتًا وبجواب وجيز احيانا عند الاقتضاء

فانت سوري وغريب عن جنسيتنا. انت شرقي وحنة غربية. انت عثماني وهي انكليزية. لغتك عربية ولغتها فرنساوية. انت ارثودكسي وهي كاثوليكية. فتباين الامر جوهريًا من حيث المذهب والمشرب . ولا ادري كيف ينبغي ان اوفقه

اجابها ميخائيل:

ان قولك ايتها الام الصالحة لهو عين الحقيقة ولكني اجيبك عن امر الخلاف الذي اعنيتيه. فاما كوني شرقياً وهي غربية وكوني عثمانيًا وهي انكليزية ولغتي عربية ولغتها فرنساوية فذلك لا يشوه محيا الامر الجوهري. وطالما انا هنا واتكلم بلغتها ومتخذ نفس العوائد التي هي نمت عليها ومتشرع بشريعة الحكومة الانكليزية ما زلت تحت سيطرتها كاحد رعاياها—فالامر سهل اجراؤه ولا من مانع يحول دون امنيتي

واما المذاهب فهم عديدون مختلفو الاديان ولكنهم متوافقون فاما ان يعتنق الواحد دين الاخر او ان يتخذ كل التساهل حليفه ​وخصوصًا عصرنا الحالي الذي في ربيعه الزاهر الان لا يهتم احد بامر الدين لان صاحبه بتركة اما من وفرة علمه او لغاية في نفسه ولا اعني بذلك كرهي الدين او ابتعادي عنه بل تساهلي فيه. وهذه النقطة عرضية في كلمة موضوعنا. انما الجوهري منه ومن حديثنا مهما تشعب هو ان حنة تحبني كحبي اياها ويتوقف الامر على اذعانك الى مطلبي ومطلبها ولو منعها حياؤها عن اعلانه

اجابته الام:

وانا يا عزيزي اتخذ التساهل مبداي ولكن ليس ما يخان الضمير به. سبقت فقلت لك انتي اعتبرك كثيرًا واعتبر شريف قولك وسديد رايك فان كنت عازمًا على طلب ابنتي رسميًا اطيب خاطرك ولا اخيب املك ولكني اطلب اليك الا تلج في الامر وتلح في انهائه ان بالقبول أو بالرفض

واعدك ان حنة ستكتب اليك وانت تكاتبها اثناءَ تغيبك عنا الى ان تسمح ظروف زمانك بعودتك الينا حيث تراك ثانية فنخوض اكثر في هذا الموضوع. فاتكل على اللّٰه اذن وانسب اليّ الحكمة بعدم تسرعي في جواب نعم. لئلا يعقبه الندم. وعلى كل فانت لست بعيدًا عنا. وانا ساذهب الى منتريال لادخل ولدي الاصغر المدرسة فاراك هنالك ونتكلم في هذا الصدد

فقال ميخائيل: ارغب اليكِ يا سيدتي ان تعلميني عن موعد سفركِ الى منتريال كي الاقيكِ في المحطة حال بلوغكِ ​اياها. وان يكون حلولكِ ضيفة كريمة المثوى عندي فقط ولا عند قريب لكِ فان المنزل منذ اليوم معد لقدومكِ وان ترفقكِ حنة في تلك الزيارة ولا اقبل لك عذرا في عدم اجراء احد مطاليبي الثلاثة

فشكرته الام شكرًا جزيلًا واثنت على كرم اخلاقه ورامت التملص من العمل بشروطه الثلاثة فقبلت اثنين منهما انما الثالث وهو اصطحاب حنة فلم تسلم به

فتأثر ميخائيل قليلاً وقال لها: ان كنت تحبينني حقيقة وتعتبريني تحققي امنيتي وتجيبي طلبي بوعدك اياي شرفًا بان حنة ستكون رفيقتك الى منتريال

فاجابت سؤله ووعدته خيرًا. ثم استحسنت الخوض في نفس الموضوع الاسبق فقالت

اسمح لي بان اقول لك. انني اسمع ان السوريين قوم فظاظ الطباع يحكمون على نساءهم بقسوة ويمتهونهنَّ ويجبروهنَّ على الاشغال الشاقة. والمراة تعد ذاتها لديهم مجتقرة ولا اعتبار لها. وهذا مما يجعل عندي ارتياب بحسن اخلاق السوريين مهما اظهروا انها سليمة ولينة وانهم يكرمون نساءهم وقد سمعت قصة عن جارة سورية كانت في حينا هذا. كان زوجها يشبعها ضربًا ييديه وعصاه ويصفعها على خديها اللطيفين براحتيه الخشنتين ويوليها كل امتهان ما جعلها تولي مدبرة منه. فمرة كانت تلوذ ​بجارتها السورية واخرى بالاحتضار مدة الى ان يصفو عكر غضبه المتقد

فكيف تقضي هذه حياتها بعيش مرّ مع زوجها القاسي? كيف يحتمل جسمها اللطيف الضرب الدائم? فليست بحيوان ولم توجد لتهان. لم لتكن لتمت كمدًا وحسرة وعذاباً. فانها مثل الرجل ان لم تكن ارفع منزلة منه وارقى عقلًا واوفر تمدنًا

البلاد والشعوب والحكومات في العالم المتمدن باسره تجلُّ قدر المرأَة وتاخذ بناصرها وتقتص من كل من يناوئها ويعاديها ويروم اظهار بأْسه عليها. فلو كانت تلك المرأَة السورية البائسة ذات نصراء او عاقلة لابلغت الحكومة امرها فتبرر هذه لها الحق وتنتانها من مآتي ذلك الضاري

انني احزن كثيرًا على حالة تلك المسكينة ولا استطيع الحكم بان كل السوريين يعاملون زوجاتهم كذلك ولكني لا انا في قول القائلين بان السوريين بوجه الاجمال لا يعتبرون نساءهم حق الاعتبار المقتضى للمرأَة وبان نساءهم يجهدن نفوسهن في عناء الاشغال اكثر من رجالهنّ اذا اقتضى الحال

بجل انني اعتقد بان الشغل مهما كان لا يعيب صاحبه ولكني ارى افراد الجالية السورية هنا من نساء ورجال كل يوم يخرجون للتجول والبيع في البراري والقرى المجاورة مسمطين على مناكبهم العلب الخشبية والجزدانات المملوة من البضائع ما يدعني اظن بان ​ذلك يحط من مقاماتهم في اعين الوطنيين هنا اذ ان اولئك الباعة يمزجون حركاتهم اثناء بيعهم بالذل والخداع. ولذلك فابنتي حنة لما تصادف بعضهم في الشوارع تتجاهل معرفتهم وان ذلك سوى ضنًا باسمها لدى مواطنيها هنا. مع انها تكرم البعض منهم لانهم ذوو لياقة وادب

يحدثني س. عن السوريين في بلادهم وعن خمولهم وذلهم وانحطاطهم ما يحملني على تصديق ما يذكر عن السوريون من الهمجية والجهل ولا غرو اذًا من امتهان الرجل المرأة لانهم قوم فيهم خلتان ان لم تكن الاولى موجودة في فردهم فنقيضها اي الثانية متملكة فيه. وتانك الخلتان هما السيادة والذل الناجم عنهما الاستعباد والعبودية ففضلوا اطلاق عنان السيادة للرجل ووضع اغلال الذل في رجلي المرأة وشكيمة الصمت في فمها

اني وان كنت لا اعتقد بصدق قول س. اقتبس من زباد تقريره علماً يحتمل التصديق. ولكني لا اشمل من كان مثلك من السوريين النبلاءِ والاشراف. وحاشا لي ان اجعل مقامك من مقام ذلك الابله الذي ينطبق عليه ما سبق من الحديث وما الفرق بين الثريا والثرى

اجابها میخائیل

سلي ان جهلتِ الناس عنا وعنهمُ
فليس سواءً عالمٌ وجهولُ

​وقال لها ايضًا

اسمحي لي يا سيدتي ان اقول لك ان الرجل الذي يهين امرأته فلا هو ولا هي من ذوي الفهم والتمدن ولو لم تكن راضية باعمالة لما بقيت معه ولا استمرت باحتمال الاهانات بل كانت وشت به الى الحكومة العادلة وتملصت من ريقة العذاب الجدّ

واما قولك عن اولئك الباعة الذين يطوفون في البلاد فمنهم شريفو النفوس واحواالهم الضيقة اضطرتهم الى التجوال وهم يحافظون على حقوق الاداب والصدق ويتخذون كل زبائنهم اصدقاءً لهم ومنهم بعكس ذلك كما انك ترين هذا في مدينتك المؤلفة من رفيعين ووضيعين وليس كل السوريين باعة متجولين في اميركا لان منهم تجار مهمون واطباء نطاسيون وصناع حاذقون وعلماء شهيرون وكتاب ماهرون

ما لك يا سيدتي ولوذه مقال الوشاة الحسودين فلو سألت عن السوريين في الديار الاميركية لعرفت ان بعضهم يقدرون بالوف وملايين من الريات الاميركية وعلمتِ انهم عمومًا قومٌ كريمو المحتد عنيفو النفوس مترفعون عن الدنايا

قومٌ قد هاجروا الى اميركا الشمالية والجنوبية او بالحري الى سائر اقطار المعمور فخلدوا احسن الاسماء ان بصحفهم اليومية ونصف الاسبوعية والاسبوعية والشهرية او بتجاراتهم التي يفاخر بها تجار الاميركان او بشهامتهم التي يحسدهم عليها بنو الانسان ​ويحلو بي ان اعرب لك ما وصفهم به احد شعرائنا البلغاء حيث قال:

ورجال الشام في كرة الارضِ
يبارون في المسير الغماما
ركبوا البحر جاوزوا القطب فاتوا
موقع النيرين خاضوا الظلاما
يمتطون الخطوب في طلب العيش
ويبرون للنصال السهاما

قومٌ عنه اخذت العلوم والصنائع والفنون وعنه نقلت الرسوم والآثار القديمة واليه مرجع الفضل في كل ما تشاهدينه من العجائب والغرائب. ومسكنه الاراضي المقدسة التي فيها وُلد سيدنا يسوع المسيح ونما ومات وقام واليها ارسلت الانبياء وفيها مدينة اورشليم الشريفة التي يزورها السواد الاعظم من شعوب اوربا واميركا المقتدرين ان يسيحوا في الدنيا. والخلاصة انه شعب عريق كريم انيس لطيف. فلو رأَيتِ دنياً فلا يقوم مقام الشريف. او شاهدت وضيعًا فلا يكون بمثابة الرفيع العريف

فسرت الام كثيرًا من جواب ميخائيل المقنع وتهللت خفية اذ انتقلت الى معهد التصورات في كيفية سعادة ابنتها لو اسعدها ​الحظ بصيرورتها حليلة له. اذ وجدت به شاباً اديباً صنع اللسان محباً وطنه ومدافعا عن ابنائه ما امكن

فاطرقت قليلاً ثم نظرت الى ميخائيل وقالت له: قد سرتني حميتك وغيرتك لانك قد اخذت للامر نبله. فاعتقد بصدق مقالك واعترف بلطف وكرم اخلاق السوريين

فسأَلها ميخائيل وهل من جواب ابعد منالاً مما اعطيتني بشان قضيتنا?

― لا ازال مصوبة رأيي وهو خير الاراۤء في حالتنا الحاضرة فانت تكتب الى حنة وتطمنها عن احوالك وهي تقابلك بمثل ذلك الى ان يتسنى لكما اجتماع آخر ببعضكما

واذ آذنت الشمس بالغروب طلب ميخائيل الى الام لتدعه ينصرف فلم تفعل الى ان جاءت حنة من شغلها فعملت على ابقائه ليتناول الطعام معها فبقي في منزلها حتى موعد الرقاد. وقبل الانصراف اشعر الجماعة بسفره الى مدينة منتريال مساء اليوم الثاني فاوعزت الام الى ابنتها بعدم ذهابها الى العمل في الغد اكرامًا لميخائيل فأبى هو اولًا اذ لم يشأ ان يوقف مجرى شغلها اليومي وقبل اخيرًا لما تحقق اصرارها على ذلك. وشكرها كثيرًا. فودعهما على امل اللقا عند سطع الصباح وخلفهما يهذیان به وبسفره مضى لينام


  1. ↑ الأصل: خلالها عُدّل إلى خلالهما: تفاصيل