منهجية المعجم الطبي الموحد
منهجية المعجم الطبي الموحد
الطبعة الرابعة
المُعجَم الطبِّيّ المُوحَّد وما اشتق منه من معاجم موحِّدة ،في الصيدلة وطب الأسنان وغيرھما، مَعْلمٌ من المَعالم المُھمَّة على دَرْب تعريب العلوم الصحيَّة في العصر الحديث. ونعني بتعريب العلوم الصحية نقلَھا إلى اللسان العربيّ، والتَّفاعُل معھا من قِبَل الفكر العربيّ، واستيعابھا من قِبَل عامَّة العرب وخاصَّتھم، كلٌّ بِحَسْبه. وقد وَضَعته، أوَّلَ ما وضعته، لجنةٌ ألَّفھا اتحاد الأطباء العرب سنة ستّ وستِّين، ثم تَحوَّلت إلى لجنة المُصطَلحات الطبية العربيّة في منظمة الصحة العالمية، بطلب من اتَّحاد الأطباء العرب ومن مجلس وزراء الصحة العرب .وضمَّت اللجنة في مرحلتَيْھا عدداً من «المؤمنين بوجوب التوحيد الـمُتمِّكنين من المعرفة بالطبّ واللغة، من الأقطار التي فيھا كُلِّياتُ طب وطنية راسخة القدم»(١). وكان منھم عدد من المَجمعيِّين الأعضاء في عدَّة مجامع لغويّة عربية في وقت واحد، وفي طليعتھم فقيدا العلم والفضل والطبّ واللغة، الأستاذان الجليلان «حسني سَبَح» و«محمد أحمد سليمان» تغمَّدھما الله بواسع رحمته وأحسن مَثُوبَتَھما. ً وقد سارت اللجنة في عملھا مُستھدية بما سار عليه السابقون، من النَّقَلَة في صدر الإسلام، والتابعين لھم بإحسان حتى عصر النھضة الحديثة، وبما وَضعته مَجامع اللغة العربية من قواعد، وبما اتَّخذه الذين علَّموا الطب في العصر الحديث بالعربية من ضوابط،ألزموا بھا أنفسھم وساروا عليھا.
فمِمّا سار عليه النَّقَلَة الأقدمون (١) :تَحوير المعنى اللغويّ القديم للكلمة العربية ،وتضمينھا المعنى العلمي الحديث، و(٢) اشتقاق كلمات جديدة من أصول عربية أو مُعرَّبة للدلالة على المعنى الجديد، و(٣) ترجمة كلمات أعجمية وعَدُّھا صحيحة.
وممّا وَضعته المَجامع -ولا سيَّما مَجمع القاھرة -من قواعد (١) :التوسُّع في الـمُولَّد من الكَلِم ولا سيَّما ذلك القسم الذي جرى فيه المُولِّدون على أقْيسة كلام العرب، من مجاز أو اشتقاق أو نحوھما، كاصطلاحات العلوم والصناعات وغير ذلك، وحكمه أنه عربيّ سائغ، و(٢) إجازة استعمال بعض الألفاظ الأعجمية – عند الضرورة – على طريقة العرب في تعريبھم، و(٣) الاتِّفاق على قياسيّة عدد من الصِّيغ الاشتقاقية المُھمَّة كصيغة فِعَالة للحِرَف أو شبھھا، وصيغة مَفْعَلَة للمكان الذي تكثر فيه الأعيان، وصيغَتيْ فُعَال و فَعَل للمَرَض، وصيغة فَعَلان لما يدّل على تقلُّب واضطراب ...وغيرُھا كثير، و(٤) إقرار قياسيّة المَصادر الصِّناعية، بأن يُزاد على الكلمة ياء النسب والتاء، و(٥) إجازة الاشتقاق من أسماء الأعيان – للضرورة – في لغة العلوم، و(٦) تفضيل العربيّ على المُعرَّب القديم إلا إذا اشتھر المُعرَّب؛ وتَفضيل المُصطَلح العربيّ القديم على الجديد إلا إذا شاع الجديد؛ وتفضيل الكلمة الواحدة على الكلمتين فأكثر إذا أمكن ،فإذا لم يمكن فُضِّلت الترجمةالحرْفية؛ ووجُوب الاقتصار بقَدْر الإمكان في المُصطلَحات العلميّة والتقنية على اسم واحد خاص لكل معنى، و(٧) استعمال لا النافية مُرَّكبة مع الاسم المُفرَد إذا وافق ھذا الاستعمال الذوق ولم يَنفر منه السَّمْع ،و( (٨جواز النَّحت والتركيب المَزجيّ عندما تُلجئ الضرورة العلمية إليه، و(٩) جواز جمع المَصدر عندما تختلف أنواعه ،و(١٠) ترجمة اللاحقة الدالَّة على التشبيه بالنَّسَب مع الألف والنون ...وغيرُ ذلك كثير.
فكانت اللَّجنة تَعمِد قبل كل شئ ،إلى تحرِّي لفظ عربيّ يُؤدِّي معنى اللَّفظ الأعجميّ ،من بين الألفاظ العلميّة المَبثوثة في المَعاجم العربيّة ،أو المُستعمَلة في الكتب العلميّة القديمة ،مُفضِّلةً في ذلك الصالح مِن الأقدم على الصالح ممّا يليه في القِدَم، ابتداءً بأطبّاء العرب الأقدمين في صدْر الحضارة العربية الإسلامية كالرازي وابن سينا وعلي بن العبّاس ،ثم الذين يَلونھم في مَشرق الدولة العربية الإسلامية ومغربھا ،ثم ما استعمله الأساتذة الترك في عھد الدولة العثمانية إذْ كانت مصطلحاتھم كلھا عربية أو تكاد ،وما استعمله أساتذة كليّة الطب في أبي زعبل ثم قصر العيني زَمَنَ محمد علي ،ثم ما استعمله أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت أيامَ كانت تُدرِّس الطب بالعربية ،ثم ما استعمله أساتذة الجامعة السورية – جامعة دمشق – في مَطالع ھذا القرن، ثم ما أقرَّه مَجمع اللغة العربية بالقاھرة.
وإذا كان اللفظ الأعجميّ جديداً لم تَجد له اللجنة مُقابلاً في لغة الضاد، ترجمَتْهُ بمعناهُ كُلَّما كان قابلاً للترجمة ،أو ابتكرت له لفظًا عربياً مقارباً ،بالاشتقاق أو المَجاز أو النَّحت أو التركيب المزجيّ، مُستأنِسّةً في ذلك كلّه بما ابتكره السَّلَف، على الترتيب الذي أسلفنا ذِكْره.
وإذا تَعَذَّرَ وضْع لفظٍ عربيّ باللجوء إلى كُلِّ ما تقدَّم ،عَمَدت اللجنة إلى التعريب أو قل: الاستعراب، مراعية قواعده على قَدْر الـمُستطاع .فالعرب حين بدأت بنَقْل العلوم إلى لغتها، لم تقبَلْ أن يكون المُصطَلح َحَجَرَ عثرَةْ في سبيل ھذا النقل .فكان النَّقَلَة يَرْتَجلُون تعريب كثير من الألفاظ التي لم يكونوا يَجدون لھا مقابلاً عربيّاً .ولكنّ العلماء كانوا يتخلّصون شيئاً فشيئاً من كثير من ھذه المُعرَّبات المُرْتَجَلة كلَّما وجدوا لفظةً عارَبة تصلح لھا .فقد قالوا «الأوُرطي» مثلاً ليقابلوا بذلك شريان الجسم الأعظم ،ثم وجدوا أن «الأبھر» يصلح لتأدية ھذا المعنى فأحلّوه محلّه .كذلك قالوا «الباريطون» لذلك الغشاء الذي يُغلِّف أحشاء البطن ثم وجدوا أن لفظة «الصِّفاق» تَصلح لذلك فأحلّوھا محلّه ،بل دخلت لفظة الصفاقُ مَلَتَّتَة في اللغات الأجنبية وبقيت مُستعَملةً فيھا بھذا المعنى إلى عھد قريب فأنت تجدھا ھكذا «siphac» في طبعة معجم «دورلاند» قبل ثلاثين سنة ،وفي شرحھا :«اسم للبريتون لم يَعُدْ يستعمل»(٢).
✽✽✽✽✽
وفي ما يلي خلاصة لأھم الأسس التي جَرَيْنا عليھا في عملنا المعجميّ ،ولاسيَّما في الإخراجة الرابعة للمعجم الطبي الموحَّد وما تفرَّع منه ،علماً بأننا قد استفدنا استفادة كبيرة من الآراء والملاحظات التي وردتنا من مُستخدِمي المُعجَم ،ومن المُصطلَحات التي أَقرَّھا مَجمع اللغة العربية في القاھرة منذ إنشائه سنة أربع وثلاثين ،وثابر على إصدارھا في مجموعات سنوية وفي مُعجمات متخصِّصة، وذلك بعد أن قمنا في المكتب الإقليمي بحَوْسبتها ونَشْرها على صفحات الشبكة العالمية (الإنترنت) وعلى أقراص مكتنزة:
| (١) | استعملنا لفظة عربية واحدة مقابل التعبير الأجنبيّ ،ولم نستعمل المُترادِفات إلا في ما نَدر وعند الضرورة القُصوى ،فبذلك يَتحقَّق توحيد المُصطلَحات. وقد عَمَدنا في بعض الألفاظ الشائعة في بعض البُلدان العربية دون بعض ،والتي فَضَّلنا عليھا مُصطلحات أخرى ،إلى أن نكتب المُصطلَح المفضول بَعْدَ المُصطلَح المُفضَّل ،وبأحْرفٍ أصغر حجماً ،وذلك تسھيلًا لائتلاف المُصطلَح المُفضَّل من جھة ،مع الإيحاء بضرورة العُدول عن المُصطلَح المفضول في الوقت نفسه. |
| (٢) | إذا وُجدَت عِدَّة مُترادِفات أجنبية للمفھوم الواحد لأسباب تاريخيّة، عمدنا إلى ترجمة أصلحھا لتأدية المعنى ،ووضعناه في مُقابلھا جميعاً ،مع الإشارة بجانب المُترادِفات الأخرى إلى التعبير الذي اتُّفق على ترجمته ،بوضعه بعد سھم أفقي (←) بين قَوْسَيْن. |
| (٣) | لم نَعتمد لغةً أجنبية واحدة – مھما بدا لھما من السيادة – مصدراً وحيداً للمُصطلحات الأجنبية ،وإنما ترجمنا اللفظ الأجنبي الذي ھو أفضل في تأدية المعنى ،فترجمنا اللفظ الإنكليزي أحياناً والفرنسي أحياناً ،أو غيرھما من ألفاظ اللغات الأخرى ،مُستھدِفين دائماً دقَّة المعنى ووضوحه. |
| (٤) | استعملنا الألفاظ العربية المُتَداولة أو التي سبق أن استعملھا علماء العرب الأقدمون ،إذا كانت تفي بالغرض العلميّ ،وإلا اجتھدنا في وَضْع لفظ جديد مُناسِب .وأخذنا بنظر الاعتبار المُصطلحات التي وضعتھا المجامع، واللجان المتخصصة، والعلماء، ولاسيَّما المصطلحات العلميَّة والفنيَّة التي أصدرھا مجمع اللغة العربية بالقاھرة منذ إنشائه سنة أربع وثلاثين، بعد أن قامت وحدة المُصطَلحات في المكتب الإقليمي لمنظمة الصحةالعالمية لشرق المتوسط بجمعھا في قاعدة معطيات واحدة ،ووافق المجمع مشكوراً على نشرھا على صفحات الشبكة العالمية (الإنترنت) وعلى أقراص مكتنزة. |
| (٥) | اجتھدنا أن نبتعد عن الكلمات المُثْقَلَة بعدَّة مَعَانٍ ،فحاولنا أن نجد ألفاظاً أخرى لا تشترك مع سواھا بقدر الإمكان ،ولا سيَّما تلك التي تشترك في حقل دلالي واحد ،ومن أجل ذلك أَعددنا عدداً من القوائم الدلالية ،أدرجنا في كلٍّ منھا مجموعة الكلمات التي تشترك في حقل دلالي واحد؛ وسوف تطبع ھذه القوائم في معجم خاصّ بالموضوعات في المستقبل القريب إن شاء الله. |
| (٦) | توسَّعنا في القياس دون حَرَج مستأنسين بما قاله أحمد بن فارس في «الصاحبي»: «أجمع أھل اللغة إلا مَنْ شَذَّ عنھم ،أنَّ للغة العرب قياساً، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض». ما قاله أبو عثمان المازني: «ما قيس على كلام العرب فھو من كلام العرب». |
| (٧) | ثبَّتنا سوابق ولواحق وحرصنا على الالتزام بها، وذكرناھا في ملحق المعجم، والتزمنا قدر الإمكان بالصِّيغ القياسية ،ولا سيَّما ما أقرَّته المجامع. |
| (٨) | لم نجد حرجاً في الخروج على مألوف اللغة للضرورة العلمية(٣). فأجزنا مثلًا كالبصريِّين صرف ما لا ينصرف، وأجزنا مع الكوفيِّين، ترك صرفِ ما ينصرف؛ وأجزنا مع البصريِّين قَصْرَ الممدود لأن الأصل ھو القصر فالرجوع إلى الأصل مقبول ،وأجزنا مع الكوفيِّين مَدَّ المقصور لأنه عندھم من باب إشباع الحركات في الضرورة .واقتدينا بالكوفيِّين حين أجازوا قلب الياء الأصليّة واواً ،فصغَّروا «شيخاً» على «شُوَيْخ» ،كما أجازوا قلب الألف المنقلبة عن ياء ،واواً ،كما في «ناب» و«نُوَيْب» ،مُستَدِلِّين لذلك بأنه سُمِعَ «بُويضة» تصغيراً للبيضة ،وقالوا كذلك «عُوَينة» في تصغير العين .وأخذنا بما ورد في حديث شريف في تفسير قوله تعالى) :وعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّھَا) :علَّمه حتى القصعة والقُصَيْعة والفَسْوة والفُسَيْوة ،فقلنا «الكُلَيْوة» تصغيراً للكلوة لأن «الكُلَيَّة» لا تُقرَأ إلا «كُلْية» أو «كُلِّية». وھكذا ..واقتدينا بمَجمع القاھرة حين أقرّ صيغة «تَمَفْعَل» بتَوَھُّم أصالة الميم ،فصغنا ألفاظاً من مثل تَمَحْوَرَ وتَمَرْكَز وتَمَفْصَل... إلخ ..وحين أجاز لحوق التاء بالأسماء على أنھا فيھا للدلالة على الوَحْدة أو التأكيد، كقولنا :اللوحة والكيسة والنجمة والجيبة وما إلى ذلك. |
| (٩) | لجأنا أحياناً إلى النَّحت أو التركيب المَزجيّ، إذا كانت اللفظة المنحوتة مفھومة مقبولة، شائعة ،أو منسوبة؛ وفضَّلنا في كثير من الأحيان ترجمة الكلمة الأعجمية بكلمتَيْن عربيَّتَيْن أو أكثر، إذا كان ذلك أصلحَ وأدَلَّ على المعنى من نحت كلمة يَمجُّھا الذَّوْق ويَستغلق فيھا المعنى .وراعينا في المُركَّبات المّزْجِيّة التي تُعتبَر مُصطلَحات أن تُجْعَلَ اسماً واحداً، إعراباً وبناءً ،بحيث لا يُعْرَبُ الجزء الأول من مُصطلَح «الاثنا عَشَريّ» مثلاً ،وإنما يَحتفظ ھذا المصطلح بشكله في جميع أحواله .وبَنَيْنا الجزء الأول من المركَّب المزجي على الفتح دائماً فقلنا «القشرَ كظريّ» و«النصفَ قُطريّ»؛ واستعملنا «لا» النافية مع الاسم المفرد إذا شاعت وقَبِلها الذوق ،كقولھم «اللإرادي» و«اللانھاية». |
| (١٠) | لم نَجِد حَرَجاً في استعمال الكلمات الدخيلة «الأعجمية المُعرَّبة» حين اللزوم ،ولا سيَّما حين يَتعذَّر العثور على لفظة عربية تُقابل اللفظة الأجنبية، أو يَتعذَّر إيجاد لفظة عربية تفيد معناھا بوسائل الاشتقاق المعروفة(٤)، أو حين تكون الكلمة العربية المُقتَرحة أشدُّ عُجْمَةً من الكلمة الدخيلة، أو يكون اللفظ مما اشتھر وشاع استعماله ،أو يكون من الألفاظ التي اكتسبت صفة العالمية بدخوله كما ھو في كل لغات العالم أو جُلِّھا. فالكلمات التي تَنطق بھا العرب كالعرب نَفْسھا ،منھا كلمات عاربة ،كالعرب العاربة، وھم الخُلَّصُ منھم، ومنھا كلمات مُعرَّبة أو مُستعربة ،كالعرب المستعربة وھم الدخلاء الذين ليسوا بخُلَّص. قال الليث :«والعرب المستعربة ھم الذين دخلوا فيھم بَعْدُ فاستعربوا». وقال الأزھري: «المُستعربة عندي قوم من العجم دخلوا في العرب لتكلَّموا بلسانھم وحَكَوْا ھيئاتھم وليسوا بصرحاء فيھم»(٥). فھذه الكلمات المستعربة كذلك |
| أعجمية دخيلة ،دخلت في العربية ،وحكت هيئتها، ونطقت بھا العرب بلسانھا .قال أبو ھلال العسكري في «التلخيص»: «والكلمة الأعجمية إذا عُرِّبت فھي عربية! لأن العربيَّ إذا تكلّم بھا مُعرَّبةً لم يُقَل إنه يتكلم بالعجميَّة!»(٦) وقال الشوكاني في «إرشاد الفحول» في حديثه عن المُعرَّب ھل ھو موجود في القرآن أم لا: «... وقد أجمع أھل العربية على أن العُجْمة علَّةٌ من العِلَل المانعة للصرف في كثير من الأسماء الموجودة في القرآن ...وفي القرآن من اللغات الرومية والھندية والفارسية والسريانية ما لا يجحده جاحد ولا يخالف فيه مخالف»(٧). | |
| (١١) | حرصنا في استعراب الكلمة على أن نضعھا في صيغة يَسھل جمعھا والنِّسبة إليھا والاشتقاق منھا ،وفضَّلنا عَدَم استعرابھا إن لم تَتحقَّق فيھا ھذه الشروط. |
| (١٢) | اعتبرنا المُصطلَح المُعرَّب عربياً ،َيَخضع لِقَواعد اللغة العربية، ويَجوز فيه الاشتقاق، وأدخلنا فيه أدوات البدء والإلحاق. |
| (١٣) | التزمنا في ھذه الكلمات الدخيلة أو المستعربة أن نختار اللفظ الأسهل من بين مُختلِف اللغات الأجنبية ،ولا سيَّما اللاتينية والإنكليزية والفرنسية ،لنقله إلى العربية بأخفِّ ما يمكن على اللسان العربيّ ،دون التزام لغة أجنبية واحدة .فقلنا مثلاً في مُصطلَح الكيمياء «ھيدروكسيد» لا «ھايدركسايد» وقلنا «يورانيوم» لا «أورانيوم» وقلنا «بزموت» لا «بِزْمَثْ» وقلنا «ليباز» «لايبيز» و«كيناز» لا «كاينيز» وھكذا ...وسَعَينا إلى الانسجام قَدْرَ الإمكان ،فقلنا «فيزيولوجيا» لا «فيسيولوجيا» لأننا قلنا «الفيزياء» ولم نقل «الفيسياء». كما َحَرَصنا في نھاية الكلمات على التمييز بين اسم العِلْم وبين ما يُنسَب إليه ،فقلنا «الجيولوجيا» و«الباثولوجيا» مثلاً بالألف ،وقلنا «الطبقات الجيولوجية» و«التغيُّرات الباثولوجيَّة» بالتاء. |
| (١٤) | لم نجد داعياً لاستعمال حروف غير الحروف العربية ،وإنما نقلنا الحرف إلى أقرب حرف عربي إليه .فالأمم الأخرى لم تَخترع حروفاً جديدة لرسم ما تَقْتَرِضُه من لغات أخرى، وإنما تكتب الحرف بأقرب حرف إليه من لغتھا وَتلفظه كذلك .فالإغريقية مثلاً تنقل الدال «ذلتا» والباء «فيتا» ولا تبتكر أي حرف جديد؛ وقل مِثْلَ ذلك في سائر اللغات .أضِفْ إلى ذلك أنه لم يُتَّفَقْ بَعْدُ على أمثال ھذه الحروف ولو كانت قليلة اللھمَّ إلا الباء الفارسية التي بين الباء والفاء، إذ يَفھمھا الناس منقوطةً بثلاث من أسفل ،ولكن قلَّ من الناس من يَنطقھا كما يَنطق بھا الأعاجم ،حتى أولئك الذين يتكلمون الإنكليزية أو الفرنسية ِمنْ قَوْمنا فإنَّ كثيراً منھم ينطقون «الباء» باءً في الكلام الأعجمي نفسه! أما الحرف الذي يقابل حرف «V» الأعجمي فيَرسمه بعضُ المشارقة فاءً فوقھا ثلاث نقط، ولكن المَغاربة يستعملون ھذه الفاء المنقوطة بثلاثٍ من فوق للدلالة على الحرف الذي يقابل حرف «G» الأعجميّ، وھو الذي يستعمل له القاھريّون الجيم غير المُعطَّشة، ويرى بعضھم أن يَستعمل له الكاف الفارسية التي لھا خطَّان من فوق .ثم إننا في استعمالنا الشائع لا نفعل ذلك .فنحن نلفظ كثيراً من أسماء البلدان والمدن مثلاً على |
| منھاج العرب في استعرابھا لا كما يلفظھا أھلھا. فنقول مثلاً باريس أو باريز لا «باغي»، ونقول «إنكلترة» لا «إنجلاند» ،ونقول ألمانيا لا «دويتشالند» ، ونقول النمسا لا «أوستيّرايخ»، ونقول موسكو لا «موسكفا»، وبراغ لا «براھا» ،ولاھاي لا «دِنھاخ»، والسويد والنرويج لا «سفيريغه» و«نورغه» ،وبكين لا «بيجينغ» ،والأرجنتين لا «أرجنتينا» والمكسيك لا «ميخيكو» واليونان لا «إيلَّاس» ،وھكذا ..وعلى ھذا فقد رَسمنا الباء الفارسية «P» التي بين الباء والفاء «باءً» ،والفاء «V»التي بين الواو والفاء «فاءً». أما الحرف المُشْكِل الذي بين الكاف والقاف «G» فقد نقله العرب الأقدمون غيناً في الغالب وھذا ھو الذي اعتمدناه ،أما نَقْلُهُ جيماً فغيرُ منطقيّ، لأن معظم الشعوب العربية تلفظ الجيم إما جيماً معطشة «g» إلا سكان جنوب اليمن والقاھرة وبعض القبائل البدوية، وھم قِلَّةٌ لا تتجاوز عُشْرَ الفريقَيْن الثاني والثالث .ونُطْقُ ھذه المعرَّبات بالجيم المعطشة أو المخفَّفة قبيح. | |
| (١٥) | على الرَّغم من أن المَعجم قد ضُبِطَ بالشكل (التشكيل) ضبطاً يُبعد اللَّبْس ،فقد أخذنا في الاعتبار صعوبة توافُر الشكل في المَطابع والمَناسخ ،فأكثرنا من استعمال الأحرف اللَّيِّنة في الكلمات المُعرَّبة حتى لا يَلتبس اللفظ ،واستغنينا عنھا إذا لم يكن ثَمَّة التباس، ولم نتحرَّج – في استعمال ھذه الأحرف اللَّيِّنة – من التقاء الساكَنيْن ،فالمَدُّ اللازم في القرآن الكريم يلتقي فيه حرف اللين بحرف ساكن يُولِّف الجزء الأول من الحرف المُشدَّد .ولن نَجِدْ حاجة لِبَدْء بعض الكلمات الساكنة الأوَّل بألِف، مكتفين بالاختلاس في نُطْق ھذا الحرف الساكن. |
| (١٦) | تَصرَّفنا في صِيَغ النسبة، للتمييز أو منع اللَّبْس ،كما استجزنا النسبة إلى المُفرَد والجمع .فالنسبة باب شذوذ وتغيير ،وجُلُّ التغيير الذي يَحدث فيھا مَرَدُّهُ إلى ضرورةالدِّقَّة العلمية في التفريق بين منسوب ومنسوب .ومن أمثلة ذلك ضرورة النسبة إلى الجمع بلا حَرَج للتمييز مثلاً بين ما ھو منسوب إلى مجموعة الدول وھذا ھو «الدُّوَلي» وبين ما ھو منسوب إلى الدولة من حيث ھي كيان أو إلى مُؤسَّساتھا ،وھذا ھو «الدَّوْلي». وقُلْ مثل ذلك في قولھم :وظائفي ،وأحيائي ، وحشراتي ،ودواجني ،وأخلاقي، وجراثيمي ...كما قالت العرب من قَبْل :أعرابي ،وأنصاري ... وقد أجاز مَجمع القاھرة النَّسب إلى جمع التكسير عند الحاجة كإرادة التمييز أو نحو ذلك(٨). |
| (١٧) | واستعملنا أكثر من صيغة واحدة من صِيَغ النسبة للتفريق بين المُتشابِھات .فقلنا «بيضي» مثلاً لما نريد نسبته إلى مادَّة البيضة ،وقلنا «بيضوي أو بيضاوي» لما نريد نسبته إلى شكل البيضة ،وقلنا «بيضاني» لشكل يُشبه شكل البيضة ولكنه لا يطابقه ،وھكذا. وقُلنا مثل ذلك في التفريق بين النسبة إلى «النواة الحمراء» فقلنا «حمرائي» والنسبة إلى الكرية الحمراء فقلنا «حمراوي»؛ وكذا التفريق بين النسبة إلى «النواة السوداء» فقلنا «سودائي» والإشارة إلى المزاج الذي ندعوه المزاج «السوداوي». وقد جاء في «الھَمْع» من باب النَّسَب ما نصّه(٩): «وتقلب أيضاً واواً ھمزةٌ أُبْدِلَتْ من ألف التأنيث ،فيقال في (حمراء وصفراء) :حمراوي وصفراوي .ومن العرب مَن يقول: حمرائي وصفرائي |
| من غير قَلْب ،تشبيھاً بألف كساء ،قال في «التوشيح» لھذه اللغة لا يَمنع القياس عليھا، فقد قال ابن جنّي في «باب اختلاف اللغات وكلھا حجّة»: «فالناطق على قياس لغةٍ من لغات العرب مصيبٌ غير مخطئ ،وإن كان غير ما جاء به خيراً منه»(١٠). وقال السيوطي في «الاقتراح»: «وفي شرح التسھيل لأبي حيَّان :كُلُّ ما كان لغةً لقبيلة قِس عليه»(١١). والأمثلة في باب النِّسبة كثيرة منھا على سبيل المثال العضو الذي نُسمِّيه «الاثنا عَشَريّ»، فليس يَخْفَى مبلغ اللبس الذي يُمكن أن يحصل لو اتَّبعنا فيه القاعدة التقليدية في النَّسب فقلنا «الاثنِيّ». | |
| (١٨) | في الألفاظ المُقتَبَسة من علوم أخرى ،َتَبنَّينا المصطلحات التي وَضَعھا أصحاب كل اختصاص في اختصاصھم ولاسيَّما ما تم توحيده .أما العلوم التي لم يتم توحيد مصطلحاتھا ،فقد اخترنا واحداً من بين المصطلحات المُتداوَلة ،ريثما يتم التوحيد فنلتزم به. |
| (١٩) | توسَّعنا في استعمال لام الإضافة ضماناً لوضوح المصطلحات التي تتألَّف من جملة، ففضَّلنا مثلاً أن نقول: «الطبقة الحبيبة للبشرة» لا «طبقة البشرة الحبيبة» وقلنا: «الرأس الأمامي للعضلة ذات الرأسين» لا «رأس العضلة ذات الرأسين الأمامي» .واستأنسنا في ذلك بأن من مَواضع اللام أن تكون بمعنى «منْ» وذلك قولهم: «سمعت لزيد صياحاً» أي :مِنْ زيد صياحاً(١٢). كما توسَّعنا في استعمال اللام الأخرى التي تكون مُوصلة لبعض الأفعال إلى مفعولھا(١٣) فقلنا مثلاً: «العامل المُطْلِق للھرمون المُنبِّه للجُرَيْب». |
| (٢٠) | فضَّلنا أحياناً تقديرَ محذوف في بعض المُصطلحات التشريحية التي تتألَّف من جملة، على التركيب المزجيّ أو النحت ،فقلنا مثلاً: «الشريان تحت الترقُوي» بتقدير محذوف ھو «العظم» ولم نقل «الشريان التحترقُوي» أو «التحت ترقُوي». |
| (٢١) | ترجمنا أسماء الأجناس والأنواع في تصانيف الأحياء من حيوان ونبات وجراثيم ولم نستغربھا كما يُفضِّل بعض زملائنا الأجلّاء بحجَّة أنھا أسماء أعلام. فما اسمُ العَلَم إلا جزءٌ من اسم الفرد ،والفرد تحت النوع وتحت الجنس .ونحن نَستقبح مثل الجملة التالية: «ينجم الخراج عن جراثيم من جنس الإستافيلوكوكس .وللإستافيلوكوكس أنواع ،أھمُّھا الإستافيلوكوكس أوريوس والإستافيلوكوكس إبيديرميديس والإستافيلوكوكس ھيموليتيكس». ونستحسن أن يقال َبدَلَ ذلك :«ينجم الخراج عن جراثيم من جنس العنقودية .وللعنقوديات أنواع أھمھا العنقودية الذھبية والعنقودية المُلْھِبَةُ للجلد والعنقودية الحالَّةُ للدم». |
| (٢٢) | استجزنا التخصيص بتاء التأنيث لضرورة التمييز ،فقلنا اللوح واللوحة ،والكيس والكيسة، والجيب والجيبة وما أشبه ذلك. |
| (٢٣) | حرصنا – ما استطعنا – على ذِكْر صيغة جمع المُصطلح بين زفراتَيْن [ ] ،ولاسيَّما إذا كان غير قياسيّ. |
| (٢٤) | إذا كان للمُصطلح الأجنبيّ أكثر من دلالة واحدة، وَضعنا مُصطلحاً عربياً مُقابل كل دلالة، مع ترقيم ھذه المقابلات إظھاراً لتمايُزھا ،وبيان الحقل الدلالي أو التخصُّص الذي ينتمي إليه كلُّ مُقابلٍ على حِدَة. |
| (٢٥) | بَذَلْنا جُھداً كبيراً في دراسة كُلْ مُصطلح أجنبيّ دراسة وافية، والتعرُّف على مدلوله العلميّ ومفھومه الدقيق ومعناه الاصطلاحي الخاص المُستعمَل في كلّ حَقْل تخصُّصيّ، قبل الإقدام على صوغ مُقابِل عربيّ له .ولم نلتزم بترجمة المُصطلَح ترجمة حرفيَّة، ولاسيَّما إذا كانت الترجمة بعيدةً عن المعنى العلميّ المراد من المُصطلح. |
| (٢٦) | اكتفينا ،في مَواضع قليلة ،بوجود مُناسَبة أو مُشاركة أو مُشابَھة بين مدلول المُصطلح اللغويّ ومدلوله الاصطلاحيّ، آخذين في الحسبان أنه لا يشترط في المُصطلح أن يستوعب كُلّ المعنى العلميّ. |
| (٢٧) | دأبنا على الاستئناس بالعادة وتحكيمھا ،والركون إلى ما استعمله الناس من ألفاظٍ وشاع بينھم من مُصطلحات ،واتَّخذنا منه مُسوِّغاً لترجيح أحَد المقابِلَيْن لمصطلح ما .ونحن نرى أن الغالب الشائع خير من القليل النادر ،والمصطلح المشھور خير من المتروك المھجور. |
| (٢٨) | رغم التزامنا بالضوابط التي تضمن صَوْغ المصطلحات على أكمل وجه وأجوده ،وبما يكفُل الدقَّة العلميّة إلى أبعد مدىً ،فإننا لم نَنظر إلى تلك الضوابط على أنھا قوالب جامدة لا يُباح الخروج عليھا أبداً ،بل إننا قيَّدنا التزامنا بتلك الضوابط بإمكانية تطبيقھا وبمقبوليتھا لدى الناس ،لم نَرَ بأساً في الجنوح إلى الليونة وتوخي المرونة في الحالات التي يُخشَى فيھا من الالتباس بين معان شائعة وبين المعنى المخصوص للمصطلح، ولئن كانت ھذه الحالات قليلة معدودة، فإنھا كانت ضرورية ولاسيَّما إذا كان ذلك يضمن المزيد من «المقبولية» للمصطلح دون أن يُفرِّط في شيء من دقته العلمية، وقد علَّلنا عملنا ھذا «بالضرورة العلمية». |
| (٢٩) | لم نقتصر في مصادر المصطلحات على المعاجم ،فالمعاجم وَحْدَھا لا تشتمل على كلّ كلام العرب .وقد روى ابن منظور في «اللسان» في مادَّة «ب خ ع» عن ابن الأثير: «وطال ما بَحثتُ عنه في كتب اللغة والطب والتشريح فلم أجد البِخَاخ بالباء مذكوراً في شيء منھا»(14). فكتبُ الطب والتشريح إذن مصدر من مصادر ابن الأثير إلى جانب كتب اللغة .ومن الأمثلة على ذلك أن كلمة «الحدقة» في جميع المَعاجم، تَعني ما نطلق عليه في مصطلح اليوم اسم «القُزَحية» ،ولكنك تجد في كتاب «المنصوري» للرازي ما يلي – في وصف ھيئة العين: «... ويعلو الرطوبة البيضية جسمٌ رقيق مُخْمَلُ الداخل حيث يلي البيضية ،أملسُ الخارج ،ويختلف لونه في الأبدان فربما كان شديد السَّواد، وربما كان دون ذلك ،وفي وَسَطه حيث يحاذي الجليدية ثقب يتَّسع ويضيق في حال دون حال بمقدار حاجة الجليدية إلى الضوء، فيضيق عند الضوء الشديد ويتَّسع في الظلمة ،وھذا الثقب ھو الحدقة»(١٥). و«الحدقة» كذلك في كثير من كتب الطب |
| والتشريح .ومثالٌ آخر ،ھو ذلك الغشاء من أغشية الجنين الذي يُقال له بالأجنبية allantoisوالذي حار الأطباء المُحدَثون في ترجمته فقالوا: «الوشيق» وقالوا: «اللقانقي» تشبيھاً بھذه الأمعاء التي تؤكل ،وقال بعضھم بل ھي «اللفائفي» تحرَّفت إلى «اللقانقي» وھكذا ..إلى أن رأينا في «كامل الصناعة» لعليّ بن العباس قوله :«وقد يتولَّد على الجنين من داخل غشاءان ،أحدھما يُقال له «السقاء» وھو اللفائفي ،ويشبَّه من شكله باللفافة وھو نافذٌ إلى مثانة الجنين ومنفعته أن يقبل بول الجنين ...»(١٦). فقد أطلق على ھذا الغشاء اسم «السِقاء» كما تَرى ،وھي كلمة جميلة ولكنك لا تجدھا في المعاجم بھذا المعنى فھل ندعھا؟ ومثل ذلك بعضُ ما تواطأ عربُ العصر الحاضر على استعماله بالمعنى نفسه ،على اختلاف أمصارھم وأقطارھم ،كمصطلح «الكاحل» الذي تجده مستعملاً في جميع البلدان العربية بمعنى «ذلك الجزء من الطرف السفلي الذي يعلو القدم» ،وفي ظَننا أن مثل ھذا التواطؤ يُؤَثِّل لھذا الحرف في لغة الضاد ويَنْأى به عن عامِّيِّ الكلام. | |
| (٣٠) | يقوم ابن جنّي في «الخصائص»(17): «اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر ،وكان موقع أحدھما يَتعدَّى بحرف والآخر بحرف ،فإن العرب تتَّسع فتُوقعُ أحد الحرفين موقع صاحبه، مجازاً وإيذاناً بأن ھذا الفعل في معنى ذلك الآخر؛ كما صحَّحوا «عَوِرَ» و«حَوِلَ» إيذاناً بأنھما بمعنى «اعْوَرَّ» و«احْوَلَّ»، و«اجتَوَرُوا» إشعاراً بأنه بمعنى «تجاوروا»، وكما جاؤوا بمصادر بعض الأفعال على غير ما يقتضيه القياس ،حملاً لذلك الفعل على فعل ھو في معناه، كقوله: «وإن شئتم تعاوذنا عِواذا» وكان القياس «تعاوُذاً» فجاء به على «عاوذ» إذ كان «تعاوَذ» راجعاً إلى معنى «عاوذ»»، ثم قال بَعْدُ: «ووجدت في اللغة شيئاً كثيراً لا يكاد يحاط به ،ولعله لو جُمعَ أكثرُه لا جميعُه لجاء كتاباً ضخماً» ،أو كما قال الشيخ الإسكندري: «ما ورد من التضمين كثير يجمع في مئين أوراقاً». ويقول ابن جنّي في «المحتسب»: «متى كان فعلٌ من الأفعال في معنى آخر ،فكثيراً ما يُجري أحدھما مُجرى صاحبه ،فيُعدَل في الاستعمال به إليه ،ويُحتذى في تصرُّفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضدَّ مأخذه!»(١٨). ويقول ابن ھشام في «المغني»: «وقد يُشرِبون لفظاً معنى لفظ آخر فيعطونه حكمه ،ويسمّون ذلك تضميناً» ثم يقول: «وفائدته أن تُؤدِّي كلمة مُؤدَّى كلمتين»(١٩). فالتضمين إذن :إشراب لفظٍ معنى لفظٍ آخر وإعطاؤه حكمه(٢٠). وقد اختلف علماء العربية في التضمين، فقال جماعة من البصريِّين بقياسيَّته على أنه ضربٌ من ضروب المجاز، المجاز قياس ،وإذا كان التوسُّع في الفعل كان التضمين من قبيل المجاز المرسل .وقال ابن جنّي – كما روى محمد الأمير في حاشية «المغني»: «لو جمعت تضمينات العرب ملأت مُجلَّدات» وعقَّب على ذلك بقوله: «فظاھره القول بأنه قياس»(٢١). وفي «حاشية الصبَّان» على «الأشموني»(٢٢) تفريقٌ بين تضمين نحوي ،ھو إشرابُ كلمة معنى كلمة أخرى تُؤدِّي المعنيين ،وأنه قياس عند الأكثرين ،وتضمين بياني ،بتقدير حال يناسبھا المعمول بھا، وھو قياسٌ اتفاقاً. ومِنْ خير ما ورد فيه قول الإمام الأكبر السيد محمد الخضر حسين: «للتضمين غرضٌ ھو الإيجاز. وللتضمين قرينةٌ ھي تعدية الفعل بالحرف وھو يتعدّى |
وبعد ،فھذه – باختصار – منھجيّة وضع المصطلح العلمي العربي وتوحيده، كما اعتمدناھا وزاولناھا في مجال العلوم الصحية، آملين أن يفيد منھا كل من يريد المساھمة في إغناء ھذه اللغة الشريفة بالمصطلح العلمي ،وأن تكون نواةً لمنھجية موحَّدة يُتَّفق عليھا ويُنْسَج على منوالھا وتكون بمثابة الركن الركين لحركة التعريب المباركة.
والله يقول الحق وھو يھدي السبيل. من المراجع
| (١) | من مقدمة الطبعة الأولى من المعجم الطبي الموحَّد ،بقلم الدكتور عِزَّة مصطفى ،مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد.١٩٧٣ ، |
| (٢) | Dorland's Illustrated Medical Dictionary, ٢٢nd edition, Saunders, p. ١٢٥٦ |
| (٣) | «المصطلحات الطبية الموحَّدة ونظرية الضرورة العلمية :حديث في المنھج والتطبيق»: محاضرة للدكتور محمد ھيثم الخياط في الموسم الثقافي لمجمع اللغة العربية الأردني (شوّال = ١٤٠٩أيار/مايو .(١٩٨٩ |
| (٤) | المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث، للأمير مصطفى الشھابي، مجمع اللغة العربية بدمشق.١٩٦٥:١٩ ، |
| (٥) | لسان العرب لابن منظور :مادة «ع ر ب». |
| (٦) | التلخيص لأبي ھلال العسكري تحقيق مجمع اللغة العربية بدمشق.٢٦٧/١ : |
| (٧) | إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ،لمحمد بن علي الشوكاني :ص .٣٢ |
| (٨) | مجلة مجمع القاھرة :ج ٢ ص .٥٠-٤٥ |
| (٩) | ھمع الھوامع ،للسيوطي، بعناية النعساني ،مطبعة السعادة ١٣٢٧ ،ھ.١٩٤/٢ : |
| (١٠) | الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني ،تحقيق محمد علي النجار ، دار الكتب، - ١٩٥٢ ١٩٥٦: .١٠/٢ |
| (١١) | الاقتراح للسيوطي ،دار المعارف بحلب.٩٣ : |
| (١٢) | كتاب الأزھية في علم الحروف ،لعلي بن محمد الھروي ،تحقيق عبد المعين الملوحي، مجمع اللغة العربية بدمشق.٢٨٨ :١٩٨٢ ، |
| (١٣) | اللامات ،للزجاجي ،بتحقيق مازن المبارك ،مجمع اللغة العربية بدمشق ،المطبعة الھاشمية، ١٩٦٩: ١٦٢-١٦١. |
| (١٤) | اللسان :مادة «ب خ ع». |
| (١٥) | كتاب المنصوري في حفظ الصحة ومعالجة الأمراض لمن يحضره الطبيب ،للرازي، مخطوط ،ق .٣٠ |
| (١٦) | كامل الصناعة الطبية ،لعلي بن العباس ،القاھرة،١٢٩٤ھ: ١١٨/١. |
| (١٧) | الخصائص.٢٠٨/٢ : |
| ((١٨ | المحتسب ،لابن جني، تحقيق علي النجدي ناصف وآخرين، القاھرة، ١٣٨٦ھ.٥٨/١ : |
| ((١٩ | مغني اللبيب ،لابن ھشام ،تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي، بيروت.١٨٥/٢ : |
| (٢٠) | التضمين ،للأستاذ صالح الدين الزعبلاوي ،مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق :مج :٥٥ ٦١ - ١٠٧. |
| (٢١) | المغني.١١٦/٢ : |
| (٢٢) | حاشية الصبّان على الأشموني.٢٣٢/٢ : |
| (٢٣) | دراسات في العربية وتاريخھا ،للسيد محمد الخضر حسين. |