مقدمة ابن خلدون/الفصل الرابع في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
مقدمة ابن خلدون الجزء الثاني
المؤلف: ابن خلدون


الفصل الرابع في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر[عدل]

وسببه أنّ النّفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شرّ قال صلّى الله عليه وسلّم «كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشّرّ وصعب عليه طريقه وكذا صاحب الشّرّ إذا سبقت إليه أيضا عوائده وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذّ وعوائد التّرف والإقبال على الدّنيا والعكوف على شهواتهم منها وقد تلوّنت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشّرّ وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك حتّى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا يصدّهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السّوء في التّظاهر بالفواحش قولا وعملا وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدّنيا مثلهم إلّا أنّه في المقدار الضّروريّ لا فيالتّرف ولا في شيء من أسباب الشّهوات واللّذّات ودواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السّوء ومذمومات الخلق بالنّسبة إلى أهل الحضر أقلّ بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عمّا ينطبع في النّفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها فيسهل علاجهم عن علاج الحضر وهو ظاهر وقد يتوضّح فيما بعد أنّ الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشّرّ والبعد عن الخير فقد تبيّن أنّ أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر والله يحبّ المتّقين ولا يعترض على ذلك بما ورد في صحيح البخاريّ من قول الحجّاج لسلمة بن الأكوع وقد بلغه أنّه خرج إلى سكنى البادية فقال له ارتددت على عقبيك تعرّبت فقال لا ولكنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أذن لي في البدو فاعلم أنّ الهجرة افترضت أوّل الإسلام على أهل مكّة ليكونوا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المظاهرة والحراسة ما لا يمسّ غيرهم من بادية الأعراب وقد كان المهاجرون يستعيذون باللَّه من التّعرّب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة وقال صلّى الله عليه وسلّم في حديث سعد بن أبي وقّاص عند مرضه بمكّة «اللَّهمّ أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم» ومعناه أن يوفّقهم لملازمة المدينة وعدم التّحوّل عنها فلا يرجعوا عن هجرتهم الّتي ابتدءوا بها وهو من باب الرّجوع على العقب في السّعي إلى وجه من الوجوه وقيل أنّ ذلك كان خاصّا بما قبل الفتح حين كانت الحاجة داعية إلى الهجرة لقلّة المسلمين وأمّا بعد الفتح وحين كثر المسلمون واعتزّوا وتكفّل الله لنبيّه بالعصمة من النّاس فإنّ الهجرة ساقطة حينئذ لقوله صلّى الله عليه وسلّم «لا هجرة بعد الفتح» وقيل سقط إنشاؤها عمّن يسلم بعد الفتح وقيل سقط وجوبها عمّن أسلم وهاجر قبل الفتح والكلّ مجمعون على أنّها بعد الوفاة ساقطة لأنّ الصّحابة افترقوا من يومئذ في الآفاق وانتشروا ولم يبق إلّا فضل السّكنى بالمدينة وهو هجرة فقول الحجّاج لسلمة حين سكن البادية ارتددت على عقبيك تعرّبت نعى عليه في ترك السّكنى بالمدينة بالإشارة إلى الدّعاء المأثور الّذي قدمناه وهو قوله لا تردّهم على أعقابهم وقوله تعرّبت إشارة إلى أنّه صار من الأعراب الّذين لا يهاجرون وأجاب سلمة بإنكار ما ألزمه من الأمرين وأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أذن له في البدو ويكون ذلك خاصّا به كشهادة خزيمة [1] وعناق أبي بردة [2] أو يكون الحجّاج إنّما نعى عليه ترك السّكنى بالمدينة فقط لعلمه بسقوط الهجرة بعد الوفاة وأجابه سلمة بأنّ اغتنامه لإذن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أولى وأفضل فما آثره به واختصّه إلّا لمعنى علمه فيه وعلى كلّ تقدير فليس دليلا على مذمّة البدو الّذي عبّر عنه بالتّعرّب لأنّ مشروعيّة الهجرة إنّما كانت كما علمت لمظاهرة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وحراسته لا لمذمّة البدو فليس في النّعي على ترك هذا الواجب دليل على مذمّة التّعرّب والله سبحانه أعلم وبه التّوفيق.


حواش[عدل]

  1. هو خذيمة بن ثابت الأنصاري من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد جعل شهادته بشهادة رجلين.
  2. العناق: أم الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها السنة. وقد أجاز النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبي بردة ابن نيار خاصة أن يضحّي بها قصد ابن خلدون فهو استثناء الخصوصيات من عموم الأحكام، لما ورد بشأنها في أحاديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم.