مقدمة ابن خلدون/الفصل الحادي و العشرون في أنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقدمة ابن خلدون الجزء الثاني
المؤلف: ابن خلدون



الفصل الحادي و العشرون في أنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع[عدل]

وذلك لأنّهم أقدر على التّغلب والاستبداد كما قلناه واستعباد الطّوائف لقدرتهم على محاربة الأمم سواهم ولأنّهم يتنزّلون من الأهلين منزلة المفترس من الحيوانات العجم وهؤلاء مثل العرب [1] وزناتة ومن في معناهم من الأكراد والتّركمان وأهل اللّثام من صنهاجة وأيضا فهؤلاء المتوحّشون ليس لهم وطن يرتافون [2] منه ولا بلد يجنحون إليه فنسبة الأقطار والمواطن إليهم على السّواء فلهذا لا يقتصرون على ملكة قطرهم وما جاورهم من البلاد ولا يقفون عند حدود أفقهم بل يظفرون إلى الأقاليم البعيدة ويتغلّبون على الأمم النّائية وانظر ما يحكى في ذلك عن عمر رضي الله عنه لمّا بويع وقام يحرّض النّاس على العراق فقال: إنّ الحجاز ليس لكم بدار إلّا على النّجعة ولا يقوى عليه أهله إلّا بذلك أين القرّاء المهاجرون عن موعد الله سيروا في الأرض الّتي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها، فقال: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 9: 33» [3] واعتبر ذلك أيضا بحال العرب السّالفة من قبل مثل التّبابعة وحمير كيف كانوا يخطون من اليمن إلى المغرب مرّة وإلى العراق والهند أخرى ولم يكن ذلك لغير العرب من الأمم وكذا حال الملثّمين من المغرب لمّا نزعوا إلى الملك طفروا من الإقليم الأوّل ومجالاتهم منه في جوار السّودان إلى الإقليم الرّابع والخامس في ممالك الأندلس من غير واسطة وهذا شأن هذه الأمم الوحشيّة فلذلك تكون دولتهم أوسع نطاقا وأبعد من مراكزها نهاية «وَالله يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ 73: 20» [4] وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ 13: 16 لا شريك له.

حواش[عدل]

  1. يعني ابن خلدون العرب المتوحشون الذين ذكرهم في مواضع عدة.
  2. يعتاشون منه.
  3. سورة الصف الآية 9.
  4. سورة المزّمل الآية 20.