مقدمة ابن خلدون/الفصل الثامن عشر في أن من عوائق الملك حصول الترف و انغماس القبيل في النعيم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقدمة ابن خلدون الجزء الثاني
المؤلف: ابن خلدون


الفصل الثامن عشر في أن من عوائق الملك حصول الترف و انغماس القبيل في النعيم[عدل]

وسبب ذلك أنّ القبيل إذا غلبت بعصبيّتها بعض الغلب استولت على النّعمة بمقداره وشاركت أهل النّعم والخصب في نعمتهم وخصبهم وضربت معهم في ذلك بسهم وحصّة بمقدار غلبها واستظهار الدّولة بها فإن كانت الدّولة من القوّة بحيث لا يطمع أحد في انتزاع أمرها ولا مشاركتها فيه أذعن ذلك القبيل لولايتها والقنوع بما يسوّغون من نعمتها ويشركون [1] فيه من جبايتها ولم تسم آمالهم إلى شيء من منازع الملك ولا أسبابه إنّما همّتهم النّعيم والكسب وخصب العيش والسّكون في ظلّ الدّولة إلى الدّعة والرّاحة والأخذ بمذاهب الملك في المباني والملابس والاستكثار من ذلك والتّأنّق فيه بمقدار ما حصل من الرّياش والتّرف وما يدعو إليه من توابع ذلك فتذهب خشونة البداوة وتضعف العصبيّة والبسالة ويتنعّمون فيما أتاهم الله من البسطة وتنشأ بنوهم وأعقابهم في مثل ذلك من التّرفّع عن خدمة أنفسهم وولاية حاجاتهم ويستنكفون عن سائر الأمور الضّروريّة في العصبيّة حتّى يصير ذلك خلقا لهم وسجيّة فتنقص عصبيّتهم وبسالتهم في الأجيال بعدهم يتعاقبها إلى أن تنقرض العصبيّة فيأذنون بالانقراض وعلى قدر ترفهم ونعمتهم يكون إشرافهم على الفناء فضلا عن الملك فإنّ عوارض التّرف والغرق في النّعيم كاسر من سورة العصبيّة الّتي بها التّغلّب وإذا انقرضت العصبيّة قصّر القبيل عن المدافعة والحماية فضلا عن المطالبة والتهمتهم الأمم سواهم فقد تبيّن أنّ التّرف من عوائق الملك وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ من يَشاءُ 2: 247.

حواش[عدل]

  1. شركته في البيع والميراث والأمر، أشركه، إذا صرت له شريكا (قاموس) .