مغامرات حاجي بابا الإصفهاني/08

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مغامرات حاجي بابا الإصفهاني الفصل الثامن.
المؤلف: جيمس موريير
المترجم: Ghainmem (نم)


الفصل الثامن. حاجي بابا يفر من التركمان. المستجير من الرمضاء بالنار[عدل]

حالما انتهى الشاعر من رواية قصته أكّدتُ له أنني سأبذل قصارى جهدي لخدمته، ولكنني أوصيته بالصبر لأنني لم أجد وسيلة لاسترجاع حريتي بعد، وكنت أتوقع مصاعب عظيمة في تخليصه من الأسر في الوقت نفسه. فمن المستحيل أن نحتال على تيقظ آسرينا ما دمنا في الصحراء المكشوفة: كانت خيولهم جيدة مثل حصاني ومعرفتهم بالمنطقة أفضل من معرفتي بها، فمحاولة الفرار في هذه الظروف ضرب من الجنون، لذا لم يبق لي إلا الانتظار حتى تسنح لي الفرصة المناسبة للهروب.

وصلنا إلى تخوم الصحراء الملحية فأصبحنا قرب الطريق الذي يصل طهران بمشهد على مسافة نحو عشرين فرسخاً عن دامغان، فأمر أصلان سلطان جماعته بالتوقف واقترح أن ننتظر يوماً أو يومين في وهدٍ قرب الطريق عسى أن يبعث الله لنا بعض المسافرين لنخطفهم أو قافلة تجارية لننهبها. وفي فجر اليوم التالي هرع إلينا أحد عيوننا الذي كان يقبع على تلة غير بعيدة يخبرنا أنه رأى سحابات من الغبار في الطريق من دامغان تقترب منا متّجهةً إلى مشهد.

وفي غمضة عين امتطينا خيولنا، وترك التركمان أسراهم موثقي الأيدي والأرجل في الوهد ليعودوا إليهم بعد الانتهاء من نهب القافلة، وطلعنا بكل حذر نتوخى الدم والغنائم.

سار أصلان سلطان أمام الجميع لاستطلاع الأوضاع، وناداني إليه قائلاً: «الآن يا حاجي أمامك فرصة للتميُّز والنجاح. سترافقني كي ترى الاحتياطات التي أتّخذها قبل أن أكشف كامل جماعتنا. عليك أن تتعلمها كي تستطيع قيادة حملة مماثلة في المستقبل. آخذك معي لأنني قد أحتاج إلى ترجمان، فنادراً ما يصادف في هذه القوافل أناس يتحدثون لغتنا. سوف ندنو منهم ما استطعنا وقد نحاول الدخول في مفاوضات مع مرشد القافلة، وإن لم نتوصل إلى اتفاق نهجم عليهم بكامل قوانا.»

ومع اقترابنا من المسافرين لاحظت أن أصلان سلطان ظهرت عليه علامات الارتباك، ثم قال: «أخشى أنها ليست قافلة، فصفوفهم متراصة، ولا أسمع الأجراس. الغبار كله متجمع في بقعة صغيرة. أرى الرماح! إنها فرقة فرسان كبيرة تركب جياداً نجيبة! لن نغامر بمواجهتهم.»

في هذه اللحظة رأيت بوضوح أنها ليست قافلة بل رجل رفيع الشأن، ربما أحد الولاة، يسافر برفقة حرسه وخدمه وحشمه وبكل الأبهة والفخامة المعتادة في مثل هذه المناسبات.

قفز قلبي في صدري وأنا أرى هذه الفرصة المؤاتية للفرار. لو أستطيع الاقتراب منهم حتى يأخذوني أسيراً قبل أن أثير شكوك سيدي أصلان سلطان أصل إلى بر الأمان، ومع أنني سأتلقى ضرباً من الحرس بادئ الأمر، سيكون عندي فرصة كي أكشف لهم هويتي وأروي لهم قصتي، وفصاحتي كفيلة بإقناعهم. لذا قلت لرفيقي: «هيا نقترب أكثر لنكشف أمرهم!» ثم نخست حصاني دون أن أنتظر إذنه، فتبعني فوراً ليوقفني، وحالما اجتزنا تلةً على الطريق حتى رأينا الفرقة كاملة على مبعدة مرمى سهم منا وانكشفنا لها، وفور ذلك انفصل عنها ستة أو سبعة فرسان وانطلقوا نحونا بأقصى سرعة، فقفلنا هاربين، وبينما كان أصلان سلطان ينخس حصانه كنت ألجم حصاني، وبعد لحظات لحق بي الفرسان وقبضوا عليّ، وخلال غمضة عين رموني أرضاً وجردوني من سلاحي وسلبوا مني الخمسين توماناً والموسين وكل ما أملك، ورغم أنني كنت أصرخ أنني لا أنوي الهرب وثقوا يديّ وراء ظهري بالشال الذي أخذوه من خصري وجرّوني جرّاً وهم يلطمونني كي أتحرك بسرعة إلى سيدهم الذي توقف يحيط به خدمه.

ومن علامات الطاعة والتبجيل التي كان يبديها مرافقوه أدركت أنه من الأسرة المالكة، وتأكدت من هذا عندما اقتربنا منه، إذ تلقيت بضعة ضربات على رأسي كي أفهم أن عليّ السجود أمام الشاه زاده، أي الأمير. أمرهم الشاه زاده بفك وثاقي، وحالما شعرت بالحرية أفلتُّ من أيدي الرجال من حولي ورميت نفسي نحوه فأمسكت بطرف ثوبه وصرخت: «أستجير بحماية الشاه زاده!» اندفع أحد الحرس نحوي ليعاقبني على وقاحتي، لكن الأمير أصرّ أن عرف الأجداد مقدس لا يجوز الإخلال به ووعدني أني في حمايته، وأمر خدمه ألاّ يضايقوني وطلب مني أن أروي له كيف وقعت في الورطة التي أنا فيها.

وقعت على ركبتي وقبّلت الأرض ورويت له قصتي باختصار، ثم أضفت تأكيداً لكلامي أنه لو أمر فرسانه بمهاجمة جماعة التركمان الذين لا يزالون قريبين من هنا لاستطاعوا إنقاذ شاعر الشاه ورجلين آخرين من رعاياه الذين وقعوا أسرى في أيدي التركمان، وهؤلاء سيؤكدون له كل ما قلت.

ما كدت أنتهي من كلامي حتى عاد الفرسان الذين كانوا يطاردون أصلان سلطان تظهر عليهم علامات الفزع وحلفوا بعليّ ورأس الشاه أن جيشاً ضخماً من التركمان لا يقل عن ألف مقاتل يزحف نحونا، وعلينا التحضير للقتال. سدىً وهباءً حاولت أن أشرح لهم أن عدد التركمان لا يتجاوز العشرين: لا أحد كان يصدقني بل نعتوني بالجاسوس والكذاب، وأجمعوا أنهم سيقتلونني فوراً لو هاجمهم التركمان. ثم تحرك الموكب بسرعة وحذر إلى الأمام والجميع يتلفتون يميناً ويساراً وهم يبدون علامات الرعب الذي يثيره مجرد اسم التركمان في كل أرجاء بلادنا.

بما أن حصاني سُلب مني، سمحوا لي بامتطاء بغل، وعلى ظهره وجدت الوقت الكافي لأفكر في نصيبي المشؤوم ومستقبلي البائس. بلا فلس واحد في جيبي، وبلا أصدقاء، لم أكن أرى أمامي سوى الجوع. لم تساعدني قوة إيماني على مواساة نفسي بأن هذا ما كتب الله عليّ، وكنت أبكي جهراً حماقتي التي قادتني بمحض إرادتي إلى الحال التي أصبحت فيها؛ أما حبي لأهل جلدتي الذي كان يضطرم في صدري عندما كنت أسيراً فقد تخلى عني تماماً، فبدأت أشتمهم علناً، وقلت لمن حولي:

«أنتم تسمون أنفسكم مسلمين، ولكنكم أسوأ من الكلاب! الكلاب؟ بل أنتم أسوأ من كلاب المسيحيين! حتى التركمان بشرٌ أمامكم!»

ولكن هذه الشتائم ما أثارت عند من يسمعني سوى الضحك، فبدأت أفكر كيف أستعطفهم، فقلت: «أستحلفكم بحب الإمام حسين، وبحب النبي، وبأرواح أولادكم، لماذا تعاملون غريباً هكذا؟ ألست مسلماً مثلكم؟ ماذا فعلت لكم كي تطعموني الحزن والغم؟ لجأت إليكم كما ألجأ إلى أصدقاء، فنبذتموني كأنني عدوكم.»

لكن هذا الحديث لم يجدِ أيضاً، عدا عن أن أحد البغالين، واسمه علي قاطر[1]، الذي كان يشعل أركيلته، مدها إلي لآخذ نفساً من الدخان قائلاً: «يا ابني، كل شيء في هذه الدنيا بيد الله.» ثم أشار إلى بغله قائلاً: «إذا خلق الله هذه الدابة بيضاء، فهل بوسع علي قاطر أن يجعلها سوداء؟ اليوم طعامها شعير، وغداً تقتات على الشوك. ما كتبه الخالق لا يغيره مخلوق. دخّن وافرح واحمد الله أنه لم يمتحنك بأسوأ مما أصابك به. قال حافظ: استفد من كل لحظة فرح واحسبها مكسباً لك، فلا يعرف أحدٌ عواقب الأمور.»

كلام البغّال أراح بالي قليلاً، وعندما وجد أنني مثله أحفظ الشعر ولا أرفض مؤاساته لي عاملني بكل لطف وتقاسم معي طعامه حتى نهاية الرحلة. أخبرني أن الأمير الذي وقعت في يده كان الابن الخامس للشاه الذي ولاه مؤخراً على خراسان، وكان الآن في طريقه إلى مشهد مقعد حكمه، ويرافقه حرس أكثر من المعتاد بسبب الوضع المزعج على الحدود التركمانية، ويقال أنه مكلف بالشروع بعمليات حاسمة ضدهم وعليه أن يبعث بأكبر عدد ممكن من رؤوسهم إلى طهران لتكويمها أمام بوابة قصر الشاه، وأضاف: «أنت محظوظ أن عنقك بقي سليماً. لو كنت أشقر ذا عينين صغيرتين وقليل الشعر، وليس أسمر، لقتلوك وملّحوا رأسك بكل عناية وأرسلوه إلى طهران على أنه رأس أمير تركماني.»

حاجب الأمير يضرب حاجي بابا بكعب حذائه.

عندما وصلنا مساءً إلى مبيتنا في خان مهجور متهدم على تخوم الصحراء قررت أن أسعى إلى الوصول إلى حضرة الشاه زاده كي أحاول استرجاع نقودي وحصاني وسلاحي، ولم أتردد في اعتبارها ملكاً لي رغم أن صوتاً خافتاً في قلبي كان يهمس أن أحداً غيري له مثل حقي فيها. كنت أتصيد الفرصة المناسبة فوجدتها قبل صلاة العشاء فقدمت نفسي للأمير. كان جالساً على سجادة مفروشة على سطح الخان متّكئاً إلى وسادة، وقبل أن يرميني الحاضرون خارجاً صرخت: «عندي تظلُّم!». فأمرني الشاه زاده بالاقتراب منه وسألني عن مبتغاي، فشكوت له معاملة خدمه لي إذ سلبوني من خمسين توماناً، وتوسلت إليه أن يعاد إلي حصاني وسلاحي؛ فسأل المحيطين به عن أسماء هؤلاء الرجال، وعندما أخبروه أرسل خيّامه ليحضرهم أمامه، وحالما حضرا عرفتهما وأكّدت ذلك للشاه زاده، فقال لهم:

«يا أولاد الكلاب، أين النقود التي سرقتموها من هذا الرجل؟»

فصاحا على الفور: «لم نأخذ شيئاً!»

فأجابهما: «سنعرف ذلك حالاً. نادوا الفرّاشين، وليضربوا هذين النذلين على أقدامهما حتى يعيدا الخمسين توماناً.»

وفي نفس اللحظة أمسكوا بهما ورفعوا أقدامهما في الهواء بعد أن ربطوها بحبل، وبعد عدة ضربات اعترفا أنهما أخذا النقود، وأخرجاها من جيوبهما، فأُخِذت إلى الشاه زاده الذي عدّها بتأنٍّ ووضعها تحت الوسادة التي كان يتّكئ عليها ثم قال لي: «انصرف.» تجمدت مفتوح الفم من الدهشة إذ كنت أتوقع أن تعاد نقودي إلي، فتقدم مني حاجبه وأمسكني من كتفيّ ودفعني بقوة، وهنا صرخت: «نقودي! أين هي؟»

فقال الأمير: «ماذا يقول؟ اضربوه بالأحذية إذا تكلّم ثانيةً.» فنزع الحاجب حذاءه الأخضر وضربني على فمي بكعبه المقوّى بالحديد قائلاً: «أتتكلم مع ابن الشاه بهذه اللهجة؟ اذهب بأمان الله وفتّح عينيك وإلا قطعت أذنيك!» ثم سحبوني ودفعوني بعيداً.

عدت يائساً إلى صديقي البغال الذي لم يتفاجأ البتة بما حدث وقال: «وهل توقعت غير ذلك؟ أليس هو شاه زاده أولاً وأخيراً؟ متى استولى أي رجل ذو سلطة على غرض، أتعتقد أنك تستطيع استعادته منه؟ والله، أسهل أن تسحب عضة عشب من فم البغل من أن تحصل على نقودٍ وقعت في يد أمير.»

هوامش[عدل]

  1. قاطر (فارسية): بغل. (ملاحظة المترجم)