مجموع الفتاوى/المجلد الخامس/فصل في إبطال تأويل من تأول الاستواء بمعنى الاستيلاء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل في إبطال تأويل من تأول الاستواء بمعنى الاستيلاء
ابن تيمية

فصل في إبطال تأويل من تأول الاستواء بمعنى الاستيلاء[عدل]

والمبطل لتأويل من تأول استوى بمعنى: استولى، وجوه:

أحدها: أن هذا التفسير لم يفسره أحد من السلف من سائر المسلمين من الصحابة والتابعين، فإنه لم يفسره أحد في الكتب الصحيحة عنهم، بل أول من قال ذلك بعض الجهمية والمعتزلة؛ كما ذكره أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات وكتاب الإبانة.

الثاني: أن معنى هذه الكلمة مشهور؛ ولهذا لما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك ابن أنس عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [1] قالا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ولا يريد أن: الاستواء معلوم في اللغة دون الآية لأن السؤال عن الاستواء في الآية كما يستوى الناس.

الثالث: أنه إذا كان معلومًا في اللغة التي نزل بها القرآن كان معلومًا في القرآن.

الرابع: أنه لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلومًا لم يحتج أن يقول: الكيف مجهول؛ لأن نفي العلم بالكيف لا ينفي إلا ما قد علم أصله، كما نقول: إنا نقر بالله، ونؤمن به، ولا نعلم كيف هو.

الخامس: الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك، هو عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره، كما في قوله: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [2]، وكما في دعاء الكرب؛ فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو عام في الموجودات كلها لجاز مع إضافته إلى العرش أن يقال: استوى على السماء، وعلى الهواء، والبحار، والأرض، وعليها ودونها ونحوها؛إذ هو مستو على العرش. فلما اتفق المسلمون على أنه يقال: استوى على العرش ولا يقال: استوى على هذه الأشياء، مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء علم أن معنى [3] خاص بالعرش، ليس عامًا كعموم الأشياء.

السادس: أنه أخبر بخلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأخبر أن عرشه كان على الماء قبل خلقها، وثبت ذلك في صحيح البخاري عن عمران ابن حصين عن النبي ﷺ قال: «كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض»، مع أن العرش كان مخلوقًا قبل ذلك، فمعلوم أنه ما زال مستوليا عليه قبل وبعد، فامتنع أن يكون الاستيلاء العام هذا الاستيلاء الخاص بزمان كما كان مختصًا بالعرش.

السابع: أنه لم يثبت أن لفظ استوى في اللغة بمعنى: استولى؛ إذ الذين قالوا ذلك عمدتهم البيت المشهور.

ثم استوى بشر على العراق ** من غير سيف ولا دم مهراق

ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة، وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده؟ وقد طعن فيه أئمة اللغة، وذكر عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه الإفصاح قال: سئل الخليل: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى: استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب، ولا هو جائز في لغتها وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل.

الثامن: أنه روى عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: لا يجوز استوى بمعنى: استولى، إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء، والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى: استولى. فإذا تبين هذا فقول الشاعر:

ثم استوى بشر على العراق **

لفظ مجازي لا يجوز حمل الكلام عليه إلا مع قرينة تدل على إرادته، واللفظ المشترك بطريق الأولى، ومعلوم أنه ليس في الخطاب قرينة أنه أراد بالآية الاستيلاء.

وأيضا، فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى: استولى، إلا فيما كان منازعا مغالبًا، فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل: استولى، والله لم ينازعه أحد في العرش، فلو ثبت استعماله في هذا المعنى الأخص مع النزاع في إرادة المعنى الأعم، لم يجب حمله عليه بمجرد قول بعض أهل اللغة مع تنازعهم فيه، وهؤلاء ادعوا أنه بمعنى: استولى في اللغة مطلقًا، والاستواء في القرآن في غير موضع، مثل قوله: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لله الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [4]، {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [5]، {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [6]، وفي حديث عدي: أن رسول الله ﷺ أتى بدابته فلما وضع رجله في الغَرْزِ قال: «بسم الله». فلما استوى على ظهرها قال: «الحمد لله». [7]

التاسع: أنه لو ثبت أنه من اللغة العربية لم يجب أن يكون من لغة العرب العرباء، ولو كان من لفظ بعض العرب العرباء، لم يجب أن يكون من لغة رسول ﷺ وقوله، ولو كان من لغته لكان بالمعنى المعروف في الكتاب والسنة وهو الذي يراد به، ولا يجوز أن يراد معنى آخر.

العاشر: أنه لو حمل على هذا المعنى لأدى إلى محذور يجب تنزيه بعض الأئمة عنه، فضلا عن الصحابة، فضلًا عن الله ورسوله. فلو كان الكلام في الكتاب والسنة كلامًا نفهم منه معنى، ويريدون به آخر، لكان في ذلك تدليس وتلبيس، ومعاذ الله أن يكون ذلك! فيجب أن يكون استعمال هذا الشاعر في هذا اللفظ في هذا المعنى ليس حقيقة بالاتفاق؛ بل حقيقة في غيره، ولوكان حقيقة فيه للزم الاشتراك المجازي فيه، وإذا كان مجازًا عن بعض العرب أو مجازًا اخترعه من بعده، أفتترك اللغة التي يخاطب بها رسول الله ﷺ أمته؟

الحادي عشر: أن هذا اللفظ الذي تكرر في الكتاب والسنة والدواعي متوفرة على فهم معناه من الخاصة والعامة عادة ودينًا إن جعل الطريق إلى فهمه ببيت شعر أحدث فيؤدي إلى محذور، فلو حمل على معنى هذا البيت للزم تخطئة الأئمة الذين لهم مصنفات في الرد على من تأول ذلك، ولكان يؤدي إلى الكذب على الله ورسوله ﷺ والصحابة والأئمة، وللزم أن الله امتحن عباده بفهم هذا دون هذا، مع ما تقرر في نفوسهم وما ورد به نص الكتاب والسنة، والله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهذا مستحيل على الله ورسوله ﷺ والصحابة والأئمة .

الثاني عشر: أن معنى الاستواء معلوم علمًا ظاهرًا بين الصحابة والتابعين وتابعيهم، فيكون التفسير المحدث بعده باطلا قطعًا، وهذا قول يزيد بن هارون الواسطي؛ فإنه قال: إن من قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [8] خلاف ما تقرر في نفوس العامة فهو جهمى. ومنه قول مالك: الاستواء معلوم، وليس المراد أن هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قال بعض الناس: استوى أم لا ؟ أو أنه سئل عن الكيفية ومالك جعلها معلومة. والسؤال عن النزول ولفظ الاستواء ليس بدعة ولا الكلام فيه، فقد تكلم فيه الصحابة والتابعون، وإنما البدعة السؤال عن الكيفية.

ومن أراد أن يزداد في هذه القاعدة نورًا، فلينظر في شيء من الهيئة، وهي الإحاطة والكُرِّيّة، ولا بد من ذكر الإحاطة ليعلم ذلك.

هامش

  1. [طه: 5]
  2. [المؤمنون: 86]
  3. [استوى]
  4. [المؤمنون: 28]
  5. [هود: 44]
  6. [الزخرف: 13]
  7. [والغَرْز: ركاب كور الجمل إذا كان من جِلْد أو خشب. والمراد بوضع الرجل في الغرز: السفر]
  8. [طه: 5]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الخامس
الأسماء والصفات | سئل شيخ الإسلام ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات | فصل في أن وصف الله لا يتجاوز القرآن والسنة | فصل في مخالفات المعتزلة والجهمية والحرورية | جماع الأمر في الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها | سئل شيخ الإسلام عن علو الله تعالى واستوائه على عرشه | قول ابن عربي في معنى اسمه تعالى العلي | إنكار جماعة على أبي طالب بعض كلامه في الصفات | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن علو الله على سائر مخلوقاته | فصل في قول المعتزلة والجهمية والحرورية إن الاستواء معناه الاستيلاء والملك والقهر | فصل في إبطال تأويل من تأول الاستواء بمعنى الاستيلاء | فصل في الإخبار بكروية الأرض | قاعدة عظيمة في إثبات علوه تعالى | سئل شيخ الإسلام عن مسألة الإثبات للصفات والجزم بإثبات العلو على العرش | فصل في وجوب إثبات العلو لله تعالى | فصل في معنى الحقيقة | فصل | فصل في الجمع بين علو الرب عز وجل وبين قربه من داعيه وعابديه | فصل في تمام الكلام في القرب | فصل في قرب الرب من قلوب المؤمنين وقرب قلوبهم منه | ما يحصل لصاحب المحبة والذكر والتأله | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجلين اختلفا في الاعتقاد أن الله في السماء | سئل شيخ الإسلام عمن يعتقد الجهة هل هو مبتدع أو كافر أو لا | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن هذه الأبيات | فصل في مباينة الله لخلقه وعلوه على عرشه | سئل شيخ الإسلام في رجلين تنازعا في حديث النزول أحدهما مثبت والآخر ناف | فصل في معرفة أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدناه | فصل في علمنا بصفاته تعالى وجهلنا بكيفيتها | سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في أقوال أهل السنة | فصل في تأول قوم من المنتسبين إلى السنة والحديث حديث النزول | اختلاق كلام على الإمام أحمد يناقض المنقول المتواتر عنه | كفر من زعم أن الرب يقبل التفرق والانقسام | زعم ابن حزم أن العود لم يروه إلا زاذان عن البراء | معنى وسع ربنا كل شيء علما | فصل في معنى أن الله هو العلي الأعلى | فصل في نزاع الناس في معنى حديث النزول | قولان ضعيفان للجهمية ونحوهم