مجموع الفتاوى/المجلد الثاني/فصل: وقد تفرق الناس في هذا المقام الذي هو غاية مطالب العباد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع الفتاوى
فصل: وقد تفرق الناس في هذا المقام الذي هو غاية مطالب العباد
ابن تيمية


فصل: وقد تفرق الناس في هذا المقام الذي هو غاية مطالب العباد[عدل]

وقال:

وقد تفرق الناس في هذا المقام الذي هو غاية مطالب العباد فطائفة من الفلاسفة ونحوهم، يظنون أن كمال النفس في مجرد العلم، ويجعلون العلم - الذي به تكمل ما يعرفونه هم من - علم ما بعد الطبيعة، ويجعلون العبادات رياضة لأخلاق النفس، حتى تستعد للعلم. فتصير النفس عالما، معتزلا، موازيا للعالم الموجود.

وهؤلاء ضالون، بل كافرون من وجوه:

منها: أنهم اعتقدوا الكمال من مجرد العلم، كما اعتقد جهم، والصالحي، والأشعري في المشهور من قوليه وأكثر أتباعه: أن الإيمان مجرد العلم، لكن المتفلسفة أسوأ حالا من الجهمية، فإن الجهمية يجعلون الإيمان هو العلم بالله، وأولئك يجعلون كمال النفس في أن تعلم الوجود المطلق، من حيث هو وجود، والمطلق بشرط الإطلاق، إنما يكون في الأذهان لا في الأعيان، والمطلق لا بشرط لا يوجد أيضا في الخارج إلا معينا.

وإن علموا الوجود الكلي، المنقسم إلى واجب وممكن، فليس لمعلوم علمهم وجود في الخارج، وهكذا من تصوف وتأله على طريقتهم، كابن عربي، وابن سبعين ونحوهما.

وأيضا: فإن الجهمية يقرون بالرسل، وبما جاؤوا به، فهم في الجملة يقرون بأن الله خلق السموات، والأرض، وغير ذلك مما جاءت به الرسل؛ بخلاف المتفلسفة.

وبالجملة، فكمال النفس ليس في مجرد العلم، بل لا بد مع العلم بالله من محبته، وعبادته، والإنابة إليه، فهذا عمل النفس وإرادتها، ودال علمها ومعرفتها.

الوجه الثاني: أنهم ظنوا أن العلم الذي تكمل به النفس هو علمهم، وكثير منه جهل لا علم.

الوجه الثالث: أنهم لم يعرفوا العلم الإلهي، الذي جاءت به الرسل، وهو العلم الأعلى، الذي تكمل به النفس، مع العمل بموجبه.

الرابع: أنهم يرون أنه إذا حصل لهم ذاك العلم، سقطت عنهم واجبات الشرع، وأبيحت لهم محرماته، وهذه طريقة الباطنية، من الإسماعيلية وغيرهم، مثل أبي يعقوب السجستاني، صاحب الأقاليد الملكوتية، وأتباعه، وطريقة من وافقهم من ملاحدة الصوفية، الذين يتأولون قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [1]: أنك تعمل حتي يحصل لك العلم، فإذا حصل العلم سقط عنك العمل، وقد قيل للجنيد: إن قوما يقولون: إنهم يَصِلُون من طريق البر، إلى أن تسقط عنهم الفرائض، وتباح لهم المحارم أو نحو هذا الكلام فقال: الزنا، والسرقة، وشرب الخمر خير من هذا. ومن هؤلاء من يكون طلبه للمكاشفة ونحوها من العلم، أعظم من طلبه لما فرض الله عليه، ويقول في دعائه: اللهم أسألك العصمة في الحركات، والسكنات، والخطوات، والإرادات، والكلمات، من الشكوك، والظنون، والإرادة، والأوهام الساترة للقلوب، عن مطالعة الغيوب، وأصل المسألة: أن المكنة التي هي الكمال عندهم من المكنة.

وطائفة أخرى: عندهم أن الكمال في القدرة والسلطان، والتصرف في الوجود نفاذ الأمر والنهي، إما بالملك والولاية الظاهرة، وإما بالباطن. وتكون عبادتهم، ومجاهدتهم لذلك، وكثير من هؤلاء يدخل في الشرك، والسحر، فيعبد الكواكب، والأصنام، لتعينه الشياطين على مقاصده، وهؤلاء أضل وأجهل من الذين قبلهم، وغاية من يعبد الله يطلب خوارق العادات، يكون له نصيب من هذا، ولهذا كان منهم من يرى طائرا ومنهم يرى ماشيا ومنهم. وفيهم جهال ضلال.

وطائفة تجعل الكمال في مجموع الأمرين، فيدخلون في أقوال وأعمال من الشرك، والسحر، ليستعينوا بالشياطين على ما يطلبونه، من الإخبار بالأمور الغائبة، وعلى ما ينفذ به تصرفهم في العالم.

والحق المبين: أن كمال الإنسان أن يعبد الله علما، وعملا، كما أمره ربه، وهؤلاء هم عباد الله، وهم المؤمنون والمسلمون، وهم أولياء الله المتقون، وحزب الله المفلحون، وجند الله الغالبون، وهم أهل العلم النافع، والعمل الصالح، وهم الذين زكوا نفوسهم وكملوها، كملوا القوة النظرية العلمية، والقوة الإرادية العملية، كما قال تعالي: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [2]، وقال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [3]، وقال تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } [4]، وقال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [5]، وقال تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [6]، وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [7]، وقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [8].


هامش[عدل]

  1. [الحجر: 99]
  2. [ص: 45]
  3. [النجم: 1-4]
  4. [الفاتحة: 6، 7]
  5. [طه: 123]
  6. [البقرة: 5]
  7. [فاطر: 10]
  8. [العصر: 3]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الثاني
توحيد الربوبية | قاعدة أولية: أصل العلم الإلهي ومبدأه عند الرسول والذين آمنوا | في تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل ببيان أصل العلم والإيمان | قد تكلم طائفة من المتكلمة والمتفلسفة والمتصوفة في قيام الممكنات بالواجب القديم | ثم يقال هذا أيضا يقتضي | أصل الإثبات والنفي والحب والبغض هو شعور نفسي | الإيمان هو أصل السعادة وهو قول القلب وعمله | إن المنحرفين المشابهين للصابئة | تفرق الناس في هذا المقام الذي هو غاية مطالب العباد | حقيقة مذهب الاتحادية | سئل عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد | الذي يدعي النبوة ويبيح الفاحشة اللوطية ويحرم النكاح فإنه من الكافرين وأخبث المرتدين | وسئل: عن كتاب فصوص الحكم | السلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا إنه في كل مكان | حكم الاتحادية ومن اعتذر عنهم | تصور مذهبهم كاف في فساده | حقيقة قول هؤلاء أن وجود الكائنات هو عين وجود الله | بنوا أصلهم على ثلاث مقالات | في قولهم إن وجود الأعيان نفس وجود الحق وعينه | فيما خالف فيه الصدر الرومي ابن عربي | أما التلمساني ونحوه فلا يفرق بين ماهية ووجود | هذه المقالات لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء | مذهب هؤلاء الاتحادية مركب من ثلاث مواد | هذا أكفر من قول النصارى من وجوه | الوجه الأول | الثاني | الثالث | الرابع | الخامس | السادس | السابع | الثامن | التاسع | العاشر | الحادي عشر | ما حكي أن العالم بمجموعه حدقة عين الله هو عين الكفر وذلك من وجوه | في ذكر بعض ألفاظ ابن عربي التي تبين مذهبه | حقيقة قوله وسر مذهب ابن عربي | اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك | في بعض ما يظهر به كفرهم وفساد قولهم وذلك من وجوه | أحدها | الثاني | الثالث | الرابع | الخامس | السادس | السابع | الأصول التي يعتمدها الاتحادية | زعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية أن فرعون كان مؤمنا | سئل عن أعمال تشتمل على الحلول والاتحاد | أما ما ذكره من قول ابن إسرائيل الأمر أمران | ما ذكره من قول ابن إسرائيل الأمر أمران | قول القائل: التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه | سئل عن كتاب فصوص الحكم | أفعال العباد مفعولة مخلوقة لله | فيما عليه أهل العلم والإيمان من الأولين والأخرين | أن المؤمن لا بد أن يقوم بقلبه من معرفة الله والمحبة له | ما يشبه الاتحاد | جاء في أولياء الله الذين هم المتقون نوع من هذا | فهذان المعنيان صحيحان ثابتان | قد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد | فإذا عرف الاتحاد المعين مما يشبه الحلول أو الاتحاد | في الغلط في ذلك | كما يشهد ربوبيته وتدبيره العالم المحيط وحكمته ورحمته فكذلك يشهد إلهيته العامة | فهذا فيما يشبه الاتحاد أو الحلول في معين | وأما كفرهم بالمعبود فإذا كان لهم في بعض المخلوقات هوى | أما اتحاد ذات العبد بذات الرب بل اتحاد ذات عبد بذات عبد | نفي كونه سبحانه والدا لشيء أو متخذا لشيء ولدا | الملاحدة لا يقتصرون في كفرهم بالله على أنه ولد شيئا أو اتخذ ولدا | رسالة شيخ الإسلام إلى نصر المنبجي | سئل عن الحلاج وفيمن قال أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج | الرد على من قال إن الحلاج من أولياء الله | سئل عمن يقول إن ما ثم إلا الله | سئل عن حديث فإن الله هو الدهر فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية