مجموع الفتاوى/المجلد الثالث عشر/فصل فيمن خالف ما جاء به النبي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل فيمن خالف ما جاء به النبي
ابن تيمية

فصل فيمن خالف ما جاء به النبي[عدل]

وكل من خالف ما جاء به الرسول لم يكن عنده علم بذلك ولا عدل، بل لا يكون عنده إلا جهل وظلم وظن { وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } [1] وذلك لأن ما أخبر به الرسول فهو حق باطنًا وظاهرًا، فلا يمكن أن يتصور أن يكون الحق في نقيضه، وحينئذ فمن اعتقد نقيضه كان اعتقاده باطلا، والاعتقاد الباطل لا يكون علمًا، وما أمر به الرسول فهو عدل لا ظلم فيه، فمن نهى عنه فقد نهى عن العدل، ومن أمر بضده فقد أمر بالظلم؛ فإن ضد العدل الظلم، فلا يكون ما يخالفه إلا جهلا وظلمًا ظنًا وما تهوى الأنفس، وهو لا يخرج عن قسمين، أحسنهما أن يكون كان شرعًا لبعض الأنبياء ثم نسخ، وأدناهما أن يكون ما شرع قط، بل يكون من المبدل، فكل ما خالف حكم الله ورسوله، فإما شرع منسوخ وإما شرع مبدل ما شرعه الله، بل شرعه شارع بغير إذن من الله، كما قال: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ } [2]، لكن هذا وهذا قد يقعان في خفي الأمور ودقيقها باجتهاد من أصحابها استفرغوا فيه وُسْعَهم في طلب الحق، ويكون لهم من الصواب والاتباع ما يغمر ذلك، كما وقع مثل ذلك من بعض الصحابة في مسائل الطلاق والفرائض ونحو ذلك، ولم يكن منهم مثل هذا في جلي الأمور وجليلها؛ لأن بيان هذا من الرسول كان ظاهرًا بينهم فلا يخالفه إلا من يخالف الرسول، وهم معتصمون بحبل الله يحكمون الرسول فيما شجر بينهم، لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله، فضلا عن تعمد مخالفة الله ورسوله.

فلما طال الزمان، خفي على كثير من الناس ما كان ظاهرًا لهم، ودَقَّ على كثير من الناس ما كان جليًا لهم، فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن مثل هذا في السلف.

وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين، يغفر الله لهم خطاياهم، ويثيبهم على اجتهادهم.

وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلا يعملها في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك، لكن تضعيف الأجر لهم في أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة، ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة؛ فإن الذي سبق إليه الصحابة من الإيمان والجهاد، ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه، وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته، وتظهر كلمته، وتكثر أعوانه وأنصاره، وتنتشر دلائل نبوته، بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين، وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقى يحصل مثله لأحد، كما في الصحيحين عنه ﷺ: «لا تَسُبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه».

وقد استفاضت النصوص الصحيحة عنه أنه قال ﷺ: «خير القرون قرْني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فجملة القرن الأول أفضل من القرن الثاني، والثاني أفضل من الثالث، والثالث أفضل من الرابع، لكن قد يكون في الرابع من هو أفضل من بعض الثالث، وكذلك في الثالث مع الثاني، وهل يكون فيمن بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة المفضولين لا الفاضلين؟ هذا فيه نزاع، وفيه قولان، حكاهما القاضي عياض وغيره. ومن الناس من يفرضها في مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز، فإن معاوية له مزية الصحبة والجهاد مع النبي ﷺ، وعمر له مزية فضيلته من العدل والزهد، والخوف من الله تعالى، وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود هنا أن من خالف الرسول فلابد أن يتبع الظن وما تهوى الأنفس، كما قال تعالى في المشركين الذين يعبدون اللات والعزى: { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } [3].

وقال في الذين يخبرون عن الملائكة أنهم إناث: { إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى } [4]، وهم جعلوهم إناثًا كما قال: { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا } [5]، وفي القراءة الأخرى: «عند الرحمن إناثًا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون»، وهؤلاء قال عنهم: { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ } لأنه خبر مَحْض ليس فيه عمل، وهناك: { وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ } لأنهم كانوا يعبدونها ويدعونها، فهناك عبادة وعمل بهوى أنفسهم، فقال: { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ } والذي جاء به الرسول كما قال: { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } [6]. وكل من خالف الرسول لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس؛ فإن كان ممن يعتقد ما قاله، وله فيه حجة يستدل بها، كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، كاحتجاجهم بقياس فاسد، أو نقل كاذب، أو خطاب ألقى إليهم اعتقدوا أنه من الله وكان من إلقاء الشيطان.

وهذه الثلاثة هي عمدة من يخالف السنة بما يراه حجة ودليلا، إما أن يحتج بأدلة عقلية ويظنها برهانًا وأدلة قطعية، وتكون شبهات فاسدة مركبة من ألفاظ مجملة، ومعان متشابهة، لم يميز بين حقها وباطلها، كما يوجد مثل ذلك في جميع ما يحتج به من خالف الكتاب والسنة، إنما يركب حججه من ألفاظ متشابهة، فإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل، وهذه هي الحجج العقلية. وإن تمسك المبطل بحجج سمعية فإما أن تكون كذبًا على الرسول، أو تكون غير دالة على ما احتج بها أهل البُطُول، فالمنع إما في الإسناد وإما في المتن ودلالته على ما ذكر، وهذه الحجة السمعية هذه حجة أهل العلم الظاهر.

وأما حجة أهل الذوق والوَجْد والمكاشفة والمخاطبة، فإن أهل الحق من هؤلاء لهم إلهامات صحيحة مطابقة، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثُونَ، فإن يكن في أمتي أحد فَعُمَر»، وكان عمر يقول: اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقُولون، فإنها تجلى لهم أمور صادقة.

وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله»، ثم قرأ قوله: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ } [7]، وقال بعض الصحابة: أظنه والله للحق يقذفه الله على قلوبهم وأسماعهم، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» وفي رواية: «فَبِي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي»، فقد أخبر أنه يسمع بالحق ويبصر به.

وكانوا يقولون: إن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه. وقال ﷺ: «من سأل القضاء واستعان عليه وُكِلَ إليه، ومن لم يسأله ولم يستعن عليه أنزل الله عليه مَلَكا يسدده»، وقال الله تعالى: { نُّورٌ عَلَى نُورٍ } [8]، نور الإيمان مع نور القرآن، وقال تعالى: { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْه } [9]، وهو المؤمن على بينة من ربه، ويتبعه شاهد من الله، وهو القرآن، شهد الله في القرآن بمثل ما عليه المؤمن من بينة الإيمان، وهذا القدر مما أقر به حُذَّاق النظار لما تكلموا في وجوب النظر وتحصيله للعلم، فقيل لهم: أهل التصفية والرياضة والعبادة والتأله تحصل لهم المعارف والعلوم اليقينية بدون النظر، كما قال الشيخ الملقب بالكبيري للرازي ورفيقه، وقد قالا له: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين. فقال: نعم! فقالا: كيف تعلم ونحن نتناظرفي زمان طويل كلما ذكر شيئًا أفسدته، وكلما ذكرت شيئًا أفسده؟ فقال: هو واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، فجعلا يعجبان من ذلك ويكرران الكلام، وطلب أحدهما أن تحصل له هذه الواردات فعلمه الشيخ وأدبه حتى حصلت له، وكان من المعتزلة النفاة.

فتبين له أن الحق مع أهل الإثبات، وأن الله سبحانه فوق سمواته، وعلم ذلك بالضرورة، رأيت هذه الحكاية بخط القاضي نجم الدين أحمد بن محمد بن خلف المقدسي، وذكر أن الشيخ الكبيري حكاها له، وكان قد حدثني بها عنه غير واحد حتى رأيتها بخطه، وكلام المشايخ في مثل هذا كثير، وهذا الوصف الذي ذكره الشيخ جواب لهم بحسب ما يعرفون، فإنهم قد قسموا العلم إلى ضروري ونظري، والنظري مستند إلى الضروري، والضروري هو العلم الذي يلزم نفس المخلوق لزومًا لا يمكنه معه الانفكاك عنه، هذا حد القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره. فخاصته أنه يلزم النفس لزومًا لا يمكن مع ذلك دفعه، فقال لهم: علم اليقين عندنا هو من هذا الجنس، وهو علم يلزم النفس لزومًا لا يمكنه مع ذلك الانفكاك عنه، وقال: واردات؛ لأنه يحصل مع العلم طمأنينة وسكينة توجب العمل به، فالواردات تحصل بهذا وهذا، وهذا قد أقر به كثير من حذاق النظار، متقدميهم كالكيا الهراسي والغزالي وغيرهما ومتأخريهم كالرازي والآمدي وقالوا: نحن لا ننكر أن يحصل لناس علم ضروري بما يحصل لنا بالنظر، هذا لا ندفعه، لكن إن لم يكن علمًا ضروريًا فلابد له من دليل، والدليل يكون مستلزمًا للمدلول عليه، بحيث يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول عليه. قالوا: فإن كان لو دفع ذلك الاعتقاد الذي حصل له لزم دفع شيء مما يعلم بالضرورة، فهذا هو الدليل، وإن لم يكن كذلك فهذا هَوَس لا يلتفت إليه، وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود أن هذا الجنس واقع، لكن يقع أيضا ما يظن أنه منه كثير. أو لا يميز كثير منهم الحق من الباطل، كما يقع في الأدلة العقلية والسمعية. فمن هؤلاء من يسمع خطابًا أو يرى من يأمره بقضية ويكون ذلك الخطاب من الشيطان، ويكون ذلك الذي يخاطبه الشيطان وهو يحسب أنه من أولياء الله من رجال الغيب.

ورجال الغيب هم الجن، وهو يحسب أنه إنسي، وقد يقول له: أنا الخضر، أو إلياس. بل أنا محمد، أو إبراهيم الخليل أو المسيح، أو أبو بكر، أو عمر، أو أنا الشيخ فلان، أو الشيخ فلان ممن يحسن بهم الظن، وقد يطير به في الهواء، أو يأتيه بطعام أو شراب أو نفقة، فيظن هذا كرامة، بل آية ومعجزة تدل على أن هذا من رجال الغيب أو من الملائكة، ويكون ذلك شيطانًا لَبَّس عليه، فهذا ومثله واقع كثيرًا، أعرف منه وقائع كثيرة، كما أعرف من الغلط في السمعيات والعقليات.

فهؤلاء يتبعون ظنًا لا يغني من الحق شيئًا، ولو لم يتقدموا بين يدي الله ورسوله، بل اعتصموا بالكتاب والسنة، لتبين لهم أن هذا من الشيطان، وكثير من هؤلاء يتبع ذوقه ووَجْده وما يجده محبوبًا إليه بغير علم ولا هدى ولا بصيرة، فيكون متبعًا لهواه بلا ظن، وخيارهم من يتبع الظن وما تهوى الأنفس. وهؤلاء إذا طلب من أحدهم حجة ذكر تقليده لمن يحبه من آبائه وأسلافه، كقول المشركين: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُون } [10]، وإن عكسوا احتجوا بالقدر، وهو أن الله أراد هذا وسلطنا عليه، فهم يعملون بهواهم وإرادة نفوسهم بحسب قدرتهم كالملوك المسلطين، وكان الواجب عليهم أن يعملوا بما أمر الله، فيتبعون أمر الله وما يحبه ويرضاه، لا يتبعون إرادتهم وما يحبونه هم ويرضونه، وأن يستعينوا بالله، فيقولون: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [11]، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا يعتمدون على ما أوتوه من القوة والتصرف والحال؛ فإن هذا من الجَدّ، وقد كان النبي ﷺ يقول عقب الصلاة وفي الاعتدال بعد الركوع: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ».

فالذوق والوَجْد هو يرجع إلى حب الإنسان ووجده بحلاوته وذوقه وطعمه، وكل صاحب محبة فله في محبوبه ذوق ووجد، فإن لم يكن ذلك بسلطان من الله وهو ما أنزله على رسوله ﷺ كان صاحبه متبعًا لهواه بغير هدى، وقد قال الله تعالى: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْر هُدًى مِّنَ اللَّهِ } [12]، وقال تعالى: { مَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } [13].

وكذلك من اتبع ما يرد عليه من الخطاب أو ما يراه من الأنوار والأشخاص الغيبية، ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسنة، فإنما يتبع ظنًا لا يغني من الحق شيئًا.

فليس في المحدثين الملهمين أفضل من عمر، كما قال ﷺ: «إنه قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثُون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فَعُمَر منهم»، وقد وافق عمر ربه في عدة أشياء، ومع هذا فكان عليه أن يعتصم بما جاء به الرسول، ولا يقبل ما يرد عليه حتى يعرضه على الرسول، ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله، بل يجعل ما ورد عليه إذا تبين له من ذلك أشياء خلاف ما وقع له فيرجع إلى السنة، وكان أبو بكر يبين له أشياء خفيت عليه، فيرجع إلى بيان الصديق وإرشاده وتعليمه، كما جرى يوم الحديبية، ويوم مات الرسول، ويوم ناظره في مانعي الزكاة وغير ذلك، وكانت المرأة ترد عليه ما يقوله وتذكر الحجة من القرآن، فيرجع إليها؛ كما جري في مهور النساء، ومثل هذا كثير.

فكل من كان من أهل الإلهام والخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل من عمر، فعليه أن يسلك سبيله في الاعتصام بالكتاب والسنة، تبعًا لما جاء به الرسول، لا يجعل ما جاء به الرسول تبعًا لما ورد عليه، وهؤلاء الذين أخطؤوا وضلوا وتركوا ذلك واستغنوا بما ورد عليهم، وظنوا أن ذلك يغنيهم عن اتباع العلم المنقول.

وصار أحدهم يقول: أخذوا علمهم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، فيقال له: أما ما نقله الثقات عن المعصوم فهو حق، ولولا النقل المعصوم لكنت أنت وأمثالك إما من المشركين، وإما من اليهود والنصارى، وأما ما ورد عليك فمن أين لك أنه وحي من الله؟ ومن أين لك أنه ليس من وحي الشيطان؟

والوحي وحيان: وحي من الرحمن، ووحي من الشيطان، قال تعالى: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } [14]، وقال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } [15]، وقال تعالى: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ } [16]، وقد كان المختار بن أبي عبيد من هذا الضرب، حتى قيل لابن عمر وابن عباس، قيل لأحدهما: إنه يقول: إنه يوحى إليه، فقال: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } وقيل للآخر: إنه يقول: إنه ينزل عليه، فقال: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ } .

فهؤلاء يحتاجون إلى الفرقان الإيماني القرآني النبوي الشرعي أعظم من حاجة غيرهم، وهؤلاء لهم حسيات يرونها ويسمعونها، والحسيات يضطر إليها الإنسان بغير اختياره، كما قد يرى الإنسان أشياء ويسمع أشياء بغير اختياره، كما أن النظار لهم قياس ومعقول، وأهل السمع لهم أخبار منقولات، وهذه الأنواع الثلاثة هي طرق العلم: الحس والخبر والنظر، وكل إنسان يستدل من هذه الثلاثة في بعض الأمور، لكن يكون بعض الأنواع أغلب على بعض الناس في الدين وغير الدين، كالطب فإنه تجربات وقياسات، وأهله منهم من تغلب عليه التجربة ومنهم من يغلب عليه القياس، والقياس أصله التجربة، والتجربة لابد فيها من قياس، لكن مثل قياس العاديات لا تعرف فيه العلة والمناسبة، وصاحب القياس من يستخرج العلة المناسبة ويعلق الحكم بها، والعقل خاصة القياس والاعتبار والقضايا الكلية، فلا بد له من الحسيات التي هي الأصل ليعتبر بها، والحس إن لم يكن مع صاحبه عقل وإلا فقد يغلط.

والناس يقولون: غلط الحس. والغلط تارة من الحس، وتارة من صاحبه؛ فإن الحس يرى أمرًا معينًا، فيظن صاحبه فيه شيئًا آخر فيؤتي من ظنه، فلابد له من العقل.

ولهذا؛ النائم يرى شيئًا وتلك الأمور لها وجود وتحقيق، ولكن هي خيالات وأمثلة، فلما عَزَب [17] ظنها الرائي نفس الحقائق كالذي يرى نفسه في مكان آخر يكلم أمواتًا ويكلمونه، ويفعل أمورًا كثيرة وهو في النوم، يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل؛ لأن عقله عزب عنه، وتلك الصورة التي رآها مثال صورته وخيالها؛ لكن غاب عقله عن نفسه، حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه، فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك خيالات ومثالات، ومن الناس من لا يغيب عقله بل يعلم في المنام أن ذلك في المنام، وهذا كالذي يرى صورته في المرآة أو صورة غيره، فإذا كان ضعيف العقل ظن أن تلك الصورة هي الشخص، حتى إنه يفعل به ما يفعل بالشخص. وهذا يقع للصبيان والبُلْه، كما يخيل لأحدهم في الضوء شخص يتحرك ويصعد وينزل، فيظنونه شخصًا حقيقة، ولا يعلمون أنه خيال، فالحس إذا أحس حسًا صحيحًا لم يغلط، لكن معه عقل لم يميز بين هذا العين والمثال؛ فإن العقل قد عقل قبل ذا أن مثل هذا يكون مثالا، وقد عقل لوازم الشخص بعينه، وأنه لا يكون في الهواء ولا في المرآة، ولا يكون بدنه في غير مكانه، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين.

وهؤلاء الذين لهم مكاشفات ومخاطبات يرون ويسمعون ما له وجود في الخارج، وما لا يكون موجودًا إلا في أنفسهم كحال النائم، وهذا يعرفه كل أحد، ولكن قد يرون في الخارج أشخاصًا يرونها عيانًا، وما في خيال الإنسان لا يراه غيره ويخاطبهم أولئك الأشخاص، ويحملونهم ويذهبون بهم إلى عرفات فيقفون بها، وإما إلى غير عرفات، ويأتونهم بذهب وفضة، وطعام ولباس، وسلاح وغير ذلك، ويخرجون إلى الناس ويأتونهم أيضا بمن يطلبونه، مثل من يكون له إرادة في امرأة أو صبي، فيأتونه بذلك إما محمولا في الهواء وإما بسعي شديد، ويخبر أنه وجد في نفسه من الباعث القوي ما لم يمكنه المقام معه أو يخبر أنه سمع خطابًا، وقد يقتلون له من يريد قتله من أعدائه أو يمرضونه. فهذا كله موجود كثيرًا، لكن من الناس من يعلم أن هذا من الشيطان، وأنه من السحر، وأن ذلك حصل بما قاله وعمله من السحر.

ومنهم من يعلم أن ذلك من الجن، ويقول: هذا كرامة أكرمنا بتسخير الجن لنا، ومنهم من لا يظن أولئك الأشخاص إلا آدميين أو ملائكة، فإن كانوا غير معروفين قال: هؤلاء رجال الغيب، وإن تسموا فقالوا: هذا هو الخضر، وهذا هو إلياس، وهذا هو أبو بكر وعمر، وهذا هو الشيخ عبد القادر أو الشيخ عدي أو الشيخ أحمد الرفاعي أو غير ذلك، ظن أن الأمر كذلك.

فهنا لم يغلط لكن غلط عقله حيث لم يعرف أن هذه شياطين تمثلت على صور هؤلاء، وكثير من هؤلاء يظن أن النبي ﷺ نفسه أو غيره من الأنبياء أو الصالحين يأتيه في اليقظة، ومن يرى ذلك عند قبر النبي ﷺ أو الشيخ وهو صادق في أنه إياه من قال: إنه النبي، أو الشيخ، أو قيل له ذلك فيه، لكن غلط حيث ظن صدق أولئك.

والذي له عقل وعلم يعلم أن هذا ليس هو النبي ﷺ، تارة لما يراه منهم من مخالفة الشرع، مثل أن يأمروه بما يخالف أمر الله ورسوله، وتارة يعلم أن النبي ﷺ ما كان يأتي أحدًا من أصحابه بعد موته في اليقظة، ولا كان يخاطبهم من قبره، فكيف يكون هذا لي، وتارة يعلم أن الميت لم يقم من قبره، وأن روحه في الجنة لا تصير في الدنيا هكذا.

وهذا يقع كثيرًا لكثير من هؤلاء، ويسمون تلك الصورة رقيقة فلان، وقد يقولون: هو معناه تَشَكّل، وقد يقولون: روحانيته. ومن هؤلاء من يقول: إذا مت فلا تدعوا أحدًا يغسلني ولا فلانًا يحضرني، فإني أنا أغسل نفسي، فإذا مات رأوه قد جاء وغسل ذلك البدن، ويكون ذلك جِنِّيًّا قد قال لهذا الميت: إنك تجىء بعد الموت، واعتقد ذلك حقًا؛ فإنه كان في حياته يقول له أمورًا، وغرض الشيطان أن يضل أصحابه، وأما بلاد المشركين كالهند فهذا كثيرًا ما يرون الميت بعد موته جاء وفتح حانوته، ورد ودائع وقضى ديونًا، ودخل إلى منزله ثم ذهب، وهم لا يَشُكُّون أنه الشخص نفسه، وإنما هو شيطان تصور في صورته.

ومن هؤلاء من يكون في جنازة أبيه أو غيره، والميت على سريره، وهو يراه آخذًا يمشي مع الناس بيد ابنه وأبيه قد جعل شيخًا بعد أبيه، فلا يشك ابنه أن أباه نفسه هو كان الماشي معه الذي رآه هو دون غيره، وإنما كان شيطانًا، ويكون مثل هذا الشيطان قد سمي نفسه خالدًا وغير خالد، وقال لهم: إنه من رجال الغيب، وهم يعتقدون أنه من الإنس الصالحين، ويسمونه خالدًا الغيبي، وينسبون الشيخ إليه فيقولون: محمد الخالدي ونحو ذلك.

فإن الجن مأمورون ومنهيون كالإنس، وقد بعث الله الرسل من الإنس إليهم وإلى الإنس، وأمر الجميع بطاعة الرسل، كما قالتعالى: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } [18]، وهذا بعد قوله: { وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ } [19].

قال غير واحد من السلف: أي كثير من أغويتم من الإنس وأضللتموهم. قال البغوي: قال بعضهم: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون لهم من الأراجيف، والسحر، والكهانة، وتزيينهم لهم الأمور التي يهيئونها ويسهل سبيلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي. قال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم لبعض، وموافقة بعضهم بعضًا، وذكر ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس، وعن محمد بن كعب قال: هو الصِّحابة في الدنيا، وقال ابن السائب: استمتاع الإنس بالجن استعاذتهم بهم، واستمتاع الجن بالإنس أن قالوا: قد أسرنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا، فيزدادون شرفًا في أنفسهم، وعظمًا في نفوسهم، وهذا كقوله: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } [20].

قلت: الاستمتاع بالشيء: هو أن يتمتع به، فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه، ويدخل في ذلك استمتاع الرجال بالنساء بعضهم ببعض كما قال: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًّ } [21]. ومن ذلك الفواحش، كاستمتاع الذكور بالذكور والإناث بالإناث.

ويدخل في هذا: الاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كما يتمتع الملوك والسادة بجنودهم ومماليكهم، ويدخل في ذلك: الاستمتاع بالأموال كاللباس، ومنه قوله: { وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ } [22] وكان من السلف من يمتع المرأة بخادم فهي تستمتع بخدمته، ومنهم من يمتع بكسوة أو نفقة؛ ولهذا قال الفقهاء: أعلى المتعة خادم، وأدناها كسوة تجزي فيها الصلاة.

وفي الجملة، استمتاع الإنس بالجن والجن بالإنس يشبه استمتاع الإنس بالإنس، قال تعالى: { الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } [23]، وقال تعالى: { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَاب } [24]، وقال مجاهد: هي المودَّات التي كانت لغير الله، وقال الخليل: { إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا } [25]، وقال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } [26] فالمشرك يعبد ما يهواه. واتباع الهوى هو استمتاع من صاحبه بما يهواه. وقد وقع في الإنس والجن هذا كله.

وتارة يخدم هؤلاء لهؤلاء في أغراضهم، وهؤلاء لهؤلاء في أغراضهم، فالجن تأتيه بما يريد من صورة أو مال أو قتل عدوه، والإنس تطيع الجن، فتارة تسجد له، وتارة تسجد لما يأمره بالسجود له، وتارة تمكنه من نفسه، فيفعل به الفاحشة، وكذلك الجنيات منهن من يريد من الإنس الذي يخدمنه ما يريد نساء الإنس من الرجال، وهذا كثير في رجال الجن ونسائهم، فكثير من رجالهم ينال من نساء الإنس ما يناله الإنسي، وقد يفعل ذلك بالذُّكْران.

وصرع الجن للإنس هو لأسباب ثلاثة: تارة يكون الجني يحب المصروع فيصرعه ليتمتع به، وهذا الصرع يكون أرفق من غيره وأسهل.

وتارة يكون الإنسي آذاهم إذا بال عليهم، أو صب عليهم ماء حارًا، أو يكون قتل بعضهم أو غير ذلك من أنواع الأذى، وهذا أشد الصرع، وكثيرًا ما يقتلون المصروع.

وتارة يكون بطريق العبث به كما يعبث سفهاء الإنس بأبناء السبيل.

ومن استمتاع الإنس بالجن: استخدامهم في الإخبار بالأمور الغائبة، كما يخبر الكهان، فإن في الإنس من له غرض في هذا؛ لما يحصل به من الرياسة والمال وغير ذلك، فإن كان القوم كفارًا- كما كانت العرب- لم تبال بأن يقال: إنه كاهن كما كان بعض العرب كهانًا، وقدم النبي ﷺ المدينة وفيها كهان، وكان المنافقون يطلبون التحاكم إلى الكهان، وكان أبو أيرق الأسلمي أحد الكهان قبل أن يسلم، وإن كان القوم مسلمين لم يظهر أنه كاهن، بل يجعل ذلك من باب الكرامات، وهو من جنس الكهان، فإنه لا يخدم الإنسي بهذه الأخبار إلا لما يستمتع به من الإنسي، بأن يطيعه الإنسي في بعض ما يريده، إما في شرك، وإما في فاحشة، وإما في أكل حرام، وإما في قتل نفس بغير حق.

فالشياطين لهم غرض فيما نهى الله عنه من الكفر والفسوق والعصيان، ولهم لذة في الشر والفتن، يحبون ذلك وإن لم يكن فيه منفعة لهم، وهم يأمرون السارق أن يسرق، ويذهبون إلى أهل المال، فيقولون: فلان سرق متاعكم؛ ولهذا يقال: القوة الملَكِيَّة والبهيمية والسَّبْعِيَّة والشيطانية، فإن الملكية فيها العلم النافع والعمل الصالح. والبهيمية فيها الشهوات كالأكل والشرب. والسبعية فيها الغضب وهو دفع المؤذي. وأما الشيطانية فشَرٌّ مَحْض ليس فيها جلب منفعة ولا دفع مضرة.

والفلاسفة ونحوهم ممن لا يعرف الجن والشياطين لا يعرفون هذه، وإنما يعرفون الشهوة والغضب، والشهوة والغضب خلقا لمصلحة ومنفعة، لكن المذموم هو العدوان فيهما، وأما الشيطان فيأمر بالشر الذي لا منفعة فيه، ويحب ذلك، كما فعل إبليس بآدم لما وسوس له، وكما امتنع من السجود له، فالحسد يأمر به الشيطان، والحاسد لا ينتفع بزوال النعمة عن المحسود، لكن يبغض ذلك، وقد يكون بغضه لفوات غرضه، وقد لا يكون.

ومن استمتاع الإنس بالجن: استخدامهم في إحضار بعض ما يطلبونه من مال وطعام، وثياب ونفقة، فقد يأتون ببعض ذلك، وقد يدلونه على كنز وغيره، واستمتاع الجن بالإنس استعمالهم فيما يريده الشيطان من كفر وفسوق ومعصية.

ومن استمتاع الإنس بالجن: استخدامهم فيما يطلبه الإنس من شرك وقتل وفواحش، فتارة يتمثل الجني في صورة الإنسي، فإذا استغاث به بعض أتباعه أتاه فظن أنه الشيخ نفسه، وتارة يكون التابع قد نادى شيخه وهتف به: يا سيدي فلان، فينقل الجني ذلك الكلام إلى الشيخ بمثل صوت الإنسي حتى يظن الشيخ أنه صوت الإنسي بعينه، ثم إن الشيخ يقول: نعم! ويشير إشارة يدفع بها ذلك المكروه، فيأتي الجني بمثل ذلك الصوت والفعل، فيظن ذلك الشخص أنه شيخه نفسه وهو الذي أجابه، وهو الذي فعل ذلك حتى إن تابع الشيخ قد يكون يده في إناء يأكل، فيضع الجني يده في صورة يد الشيخ ويأخذ من الطعام، فيظن ذلك التابع أنه شيخه حاضر معه، والجني يمثل للشيخ نفسه مثل ذلك الإناء، فيضع يده فيه حتى يظن الشيخ أن يده في ذلك الإناء، فإذا حضر المريد ذكر له الشيخ أن يدي كانت في الإناء فيصدقه، ويكون بينهما مسافة شهر، والشيخ موضعه، ويده لم تطل، ولكن الجني مثل للشيخ ومثل للمريد، حتى ظن كل منهما أن أحدهما عند الآخر، وإنما كان عنده ما مَثَّله الجني وخيله.

وإذا سئل الشيخ المخدوم عن أمر غائب إما سرقة وإما شخص مات، وطلب منه أن يخبر بحاله، أو علة في النساء أو غير ذلك، فإن الجني قد يمثل ذلك فيريه صورة المسروق، فيقول الشيخ: ذهب لكم كذا وكذا، ثم إن كان صاحب المال معظمًا، وأراد أن يدله على سرقته، مثل له الشيخ الذي أخذه أو المكان الذي فيه المال فيذهبون إليه فيجدونه كما قال، والأكثر منهم أنهم يظهرون صورة المال ولا يكون عليه؛ لأن الذي سرق المال معه أيضا جني يخدمه، والجن يخاف بعضهم من بعض كما أن الإنس يخاف بعضهم بعضًا، فإذا دل الجني عليه جاء إليه أولياء السارق فآذوه، وأحيانًا لا يدل لكون السارق وأعوانه يخدمونه ويرشونه، كما يصيب من يعرف اللصوص من الإنس تارة يعرف السارق ولا يعرف به، إما لرغبة ينالها منه، وإما لرهبة وخوف منه، وإذا كان المال المسروق لكبير يخافه ويرجوه عرف سارقه. فهذا وأمثاله من استمتاع بعضهم ببعض.

والجن مكلفون كتكليف الإنس، ومحمد ﷺ مرسل إلى الثقلين الجن والإنس، وكفار الجن يدخلون النار بالنصوص وإجماع المسلمين.

وأما مؤمنوهم، ففيهم قولان، وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون الجنة، وقد روى أنهم يكونون في ربضها يراهم الإنس من حيث لا يرون الإنس عكس الحال في الدنيا، وهو حديث رواه الطبراني في معجمه الصغير يحتاج إلى النظر في إسناده.

وقد احتج ابن أبي ليلى وأبو يوسف على ذلك بقوله تعالى: { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا } [27]، وقد ذكر الجن والإنس: الأبرار والفجار في الأحقاف والأنعام. واحتج الأوزاعي وغيره بقوله تعالى: { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ } [28]، وقد قال تعالى في الأحقاف: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا } [29]، وقد تقدم قبل هذا ذكر أهل الجنة، وقوله: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ } [30]، ثم قال: { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } . قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات أهل الجنة تذهب علوًا ودرجات أهل النار تذهب سفلا، وقد قال تعالى عن قول الجن: { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا } [31]، وقالوا: { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } [32]، ففيهم الكفار والفساق والعصاة، وفيهم من فيه عبادة ودين بنوع من قلة العلم كما في الإنس، وكل نوع من الجن يميل إلى نظيره من الإنس، فاليهود مع اليهود، والنصارى مع النصارى، والمسلمون مع المسلمين، والفساق مع الفساق، وأهل الجهل والبدع مع أهل الجهل والبدع.

واستخدام الإنس لهم مثل استخدام الإنس للإنس بشيء، منهم من يستخدمهم في المحرمات من الفواحش، والظلم، والشرك، والقول على الله بلا علم، وقد يظنون ذلك من كرامات الصالحين، وإنما هو من أفعال الشياطين.

ومنهم من يستخدمهم في أمور مباحة، إما إحضار ماله، أو دلالة على مكان فيه مال ليس له مالك معصوم، أو دفع من يؤذيه ونحو ذلك، فهذا كاستعانة الإنس بعضهم ببعض في ذلك.

والنوع الثالث: أن يستعملهم في طاعة الله ورسوله، كما يستعمل الإنس في مثل ذلك، فيأمرهم بما أمر الله به ورسوله، وينهاهم عما نهاهم الله عنه ورسوله كما يأمر الإنس وينهاهم، وهذه حال نبينا ﷺ وحال من اتبعه واقتدى به من أمته، وهم أفضل الخلق، فإنهم يأمرون الإنس والجن بما أمرهم الله به ورسوله، وينهون الإنس والجن عما نهاهم الله عنه ورسوله؛ إذ كان نبينا محمد ﷺ مبعوثًا بذلك إلى الثقلين الإنس والجن، وقد قال الله له: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [33]، وقال: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [34].

وعمر رضي الله عنه لما نادى: يا سارية، الجبل، قال: إن للّه جنودًا يبلغون صوتي، وجنود الله هم من الملائكة ومن صالحي الجن، فجنود الله بلغوا صوت عمر إلى سارية، وهو أنهم نادوه بمثل صوت عمر، وإلا نفس صوت عمر لا يصل نفسه في هذه المسافة البعيدة، وهذا كالرجل يدعو آخر وهو بعيد عنه، فيقول: يا فلان، فيعان على ذلك فيقول الواسطة بينهما: يا فلان، وقد يقول لمن هو بعيد عنه: يا فلان، احبس الماء، تعال إلينا، وهو لا يسمع صوته، فيناديه الواسطة بمثل ذلك: يا فلان، احبس الماء، أرسل الماء، إما بمثل صوت الأول إن كان لا يقبل إلا صوته، وإلا فلا يضر بأي صوت كان، إذا عرف أن صاحبه قد ناداه.

وهذه حكاية: كان عمر مرة قد أرسل جيشًا، فجاء شخص وأخبر أهل المدينة بانتصار الجيش وشاع الخبر، فقال عمر: من أين لكم هذا؟ قالوا: شخص صفته كيت وكيت فأخبرنا، فقال عمر: ذاك أبو الهيثم بريد الجن، وسيجىء بريد الإنسان بعد ذلك بأيام.

وقد يأمر الملك بعض الناس بأمر ويستكتمه إياه فيخرج فيرى الناس يتحدثون به، فإن الجن تسمعه وتخبر به الناس، والذين يستخدمون الجن في المباحات يشبه استخدام سليمان، لكن أعطى ملكًا لا ينبغي لأحد بعده، وسخرت له الإنس والجن، وهذا لم يحصل لغيره. والنبي ﷺ لما تَفَلَّتَ عليه العفريت ليقطع عليه صلاته قال: «فأخذته، فَذَعَتُّه حتى سال لعابه على يدي، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، ثم ذكرت دعوة أخي سليمان فأرسلته» [35]. فلم يستخدم الجن أصلا، لكن دعاهم إلى الإيمان بالله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم الرسالة، وبايعهم كما فعل بالإنس.

والذي أوتيه ﷺ أعظم مما أوتيه سليمان؛ فإنه استعمل الجن والإنس في عبادة الله وحده، وسعادتهم في الدنيا والآخرة، لا لغرض يرجع إليه إلا ابتغاء وجه الله وطلب مرضاته، واختار أن يكون عبدًا رسولا على أن يكون نبيًا ملكا، فداود وسليمان ويوسف أنبياء ملوك، وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد رسل عبيد، فهو أفضل، كفضل السابقين المقربين على الأبرار أصحاب اليمين. وكثير ممن يرى هذه العجائب الخارقة يعتقد أنها من كرامات الأولياء، وكثير من أهل الكلام والعلم لم يعرفوا الفرق بين الأنبياء والصالحين في الآيات الخارقة وما لأولياء الشيطان من ذلك من السحرة والكهان والكفار من المشركين وأهل الكتاب، وأهل البدع والضلال من الداخلين في الإسلام فجعلوا الخوارق جنسًا واحدًا، وقالوا: كلها يمكن أن تكون معجزة إذا اقترنت بدعوى النبوة والاستدلال بها والتحدي بمثلها.

وإذا ادعى النبوة من ليس بنبي من الكفار والسحرة فلابد أن يسلبه الله ما كان معه من ذلك، وأن يقيض له من يعارضه، ولو عارض واحد من هؤلاء النبي لأعجزه الله، فخاصة المعجزات عندهم مجرد كون المرسل إليهم لا يأتون بمثل ما أتى به النبي مما لم يكن معتادًا للناس، قالوا: إن عجز الناس عن المعارضة خرق عادة، فهذه هي المعجزات عندهم، وهم ضاهوا سلفهم من المعتزلة الذين قالوا: المعجزات هي خرق العادة، لكن أنكروا كرامات الصالحين، وأنكروا أن يكون السحر والكهانة إلا من جنس الشعبذة والحيل، لم يعلموا أن الشياطين تعين على ذلك، وأولئك أثبتوا الكرامات ثم زعموا أن المسلمين أجمعوا على أن هذه لا تكون إلا لرجل صالح أو نبي، قالوا: فإذا ظهرت على يد رجل كان صالحًا بهذا الإجماع.

وهؤلاء أنفسهم قد ذكروا أنه يكون للسحرة ما هو مثلها، وتناقضوا في ذلك، كما قد بسط في غير هذا الموضع.

فصار كثير من الناس لا يعلمون ما للسحرة والكهان، وما يفعله الشياطين من العجائب، وظنوا أنها لا تكون إلا لرجل صالح، فصار من ظهرت هذه له يظن أنها كرامة، فيقوى قلبه بأن طريقته هي طريقة الأولياء، وكذلك غيرهم يظن فيه ذلك، ثم يقولون: الولي إذا تولى لا يعترض عليه، فمنهم من يراه مخالفًا لما علم بالاضطرار من دين الرسول مثل: ترك الصلاة المفروضة، وأكل الخبائث كالخمر، والحشيشة، والميتة، وغير ذلك، وفعل الفواحش، والفحش والتفحش في المنطق، وظلم الناس، وقتل النفس بغير حق، والشرك بالله، وهو مع ذلك يظن فيه أنه ولي من أولياء الله قد وهبه هذه الكرامات بلا عمل، فضلا من الله تعالى، ولا يعلمون أن هذه من أعمال الشياطين، وأن هذه من أولياء الشياطين تضل بها الناس وتغويهم.

ودخلت الشياطين في أنواع من ذلك، فتارة يأتون الشخص في النوم، يقول أحدهم: أنا أبو بكر الصديق، وأنا أتوِّبك لي، وأصير شيخك، وأنت تتوب الناس لي، ويلبسه فيصبح وعلى رأسه ما ألبسه، فلا يشك أن الصديق هو الذي جاءه ولا يعلم أنه الشيطان، وقد جرى مثل هذا لعدة من المشايخ بالعراق والجزيرة والشام. وتارة يقص شعره في النوم فيصبح فيجد شعره مقصوصًا. وتارة يقول: أنا الشيخ فلان، فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه وقص شعره.

وكثيرًا ما يستغيث الرجل بشيخه الحي أو الميت، فيأتونه في صورة ذلك الشيخ، وقد يخلصونه مما يكره فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه، أو أن ملكًا تصور بصورته وجاءه، ولا يعلم أن ذلك الذي تمثل إنما هو الشيطان لما أشرك بالله أضلته الشياطين، والملائكة لا تجيب مشركًا.

وتارة يأتون إلى من هو خال في البرية، وقد يكون ملكًا أو أميرًا كبيرًا، ويكون كافرًا، وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف الموت، فيأتيه في صورة إنسي ويسقيه ويدعوه إلى الإسلام ويتوبه، فيسلم على يديه ويتوبه ويطعمه، ويدله على الطريق، ويقول: من أنت؟ فيقول: أنا فلان ويكون من مؤمني الجن.

كما جرى مثل هذا لي. كنت في مصر في قلعتها، وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ناحية المشرق، وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية، فلم يشك ذلك الأمير أني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين، وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولا وكنت في الحبس، فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنيًا يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم؛ لما جاؤوا إلى دمشق: كنت أدعوهم إلى الإسلام، فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ما تيسر، فعمل معهم مثل ما كنت أعمل، وأراد بذلك إكرامي ليظن ذاك أني أنا الذي فعلت ذلك.

قال لي طائفة من الناس: فلم لا يجوز أن يكون ملكًا؟ قلت: لا. إن الملك لا يكذب، وهذا قد قال: أنا ابن تيمية، وهو يعلم أنه كاذب في ذلك.

وكثير من الناس رأى من قال: إني أنا الخضر، وإنما كان جنيًا.

ثم صار من الناس من يكذب بهذه الحكايات إنكارًا لموت الخضر، والذين قد عرفوا صدقها يقطعون بحياة الخضر، وكلا الطائفتين مخطئ، فإن الذين رأوا من قال: إني أنا الخضر، هم كثيرون صادقون، والحكايات متواترات، لكن أخطؤوا في ظنهم أنه الخضر، وإنما كان جنيًا؛ ولهذا يجري مثل هذا لليهود والنصارى، فكثيرًا ما يأتيهم في كنائسهم من يقول: إنه الخضر، وكذلك اليهود يأتيهم في كنائسهم من يقول: إنه الخضر، وفي ذلك من الحكايات الصادقة ما يضيق عنه هذا الموضع، يبين صدق من رأى شخصًا وظن أنه الخضر، وأنه غلط في ظنه أنه الخضر، وإنما كان جنيًا، وقد يقول: أنا المسيح، أو موسى، أو محمد، أو أبو بكر، أو عمر، أو الشيخ فلان، فكل هذا قد وقع، والنبي ﷺ قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي». قال ابن عباس: في صورته التي كان عليها في حياته. وهذه رؤية في المنام، وأما في اليقظة فمن ظن أن أحدًا من الموتى يجىء بنفسه للناس عيانًا قبل يوم القيامة، فمن جهله أتي.

ومن هنا ضلت النصارى؛ حيث اعتقدوا أن المسيح بعد أن صلب كما يظنون أنه أتى إلى الحواريين وكلمهم ووصاهم. وهذا مذكور في أناجيلهم، وكلها تشهد بذلك، وذاك الذي جاء كان شيطانًا، قال: أنا المسيح، ولم يكن هو المسيح نفسه، ويجوز أن يشتبه مثل هذا على الحواريين كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين، ولكن ما أخبرهم المسيح قبل أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذي يجب عليهم تبليغه، ولم يرفع حتى بلغ رسالات ربه، فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء.

وأصحاب الحلاج لما قتل كان يأتيهم من يقول: أنا الحلاج، فيرونه في صورته عيانًا، وكذلك شيخ بمصر يقال له: الدسوقي بعد أن مات كان يأتي أصحابه من جهته رسائل وكتب مكتوبة، وأراني صادق من أصحابه الكتاب الذي أرسله، فرأيته بخط الجن وقد رأيت خط الجن غير مرة وفيه كلام من كلام الجن، وذاك المعتقد يعتقد أن الشيخ حي، وكان يقول: انتقل ثم مات. وكذلك شيخ آخر كان بالمشرق وكان له خوارق من الجن. وقيل: كان بعد هذا يأتي خواص أصحابه في صورته فيعتقدون أنه هو، وهكذا الذين كانوا يعتقدون بقاء على أو بقاء محمد ابن الحنفية، قد كان يأتي إلى بعض أصحابهم جني في صورته، وكذا منتظر الرافضة قد يراه أحدهم أحيانًا ويكون المرئي جنيًا.

فهذا باب واسع واقع كثيرًا، وكلما كان القوم أجهل كان عندهم أكثر، ففي المشركين أكثر مما في النصارى، وهو في النصارى كما هو في الداخلين في الإسلام، وهذه الأمور يسلم بسببها ناس، ويتوب بسببها ناس يكونون أضل من أصحابها، فينتقلون بسببها إلى ما هو خير مما كان عليه، كالشيخ الذي فيه كذب وفجور من الإنس، قد يأتيه قوم كفار فيدعوهم إلى الإسلام فيسلمون ويصيرون خيرًا مما كانوا، وإن كان قصد ذلك الرجل فاسدًا، وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم».

وهذا كالحجج والأدلة التي يذكرها كثير من أهل الكلام والرأي؛ فإنه ينقطع بها كثير من أهل الباطل، ويقوى بها قلوب كثير من أهل الحق، وإن كانت في نفسها باطلة فغيرها أبطل منها، والخير والشر درجات، فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ما هو خير منه.

وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارًا، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوًا يظلم فيه المسلمين والكفار، ويكون آثمًا بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارًا فصاروا مسلمين، وذاك كان شرًا بالنسبة إلى القائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير.

وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب والفضائل والأحكام والقصص، قد يسمعها أقوام فينتقلون بها إلى خير مما كانوا عليه، وإن كانت كذبًا، وهذا كالرجل يسلم رغبة في الدنيا ورهبة من السيف، ثم إذا أسلم وطال مكثه بين المسلمين دخل الإيمان في قلبه، فنفس ذل الكفر الذي كان عليه وانقهاره ودخوله في حكم المسلمين خير من أن يبقى كافرًا، فانتقل إلى خير مما كان عليه، وخف الشر الذي كان فيه، ثم إذا أراد الله هدايته أدخل الإيمان في قلبه.

والله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والنبي ﷺ دعا الخلق بغاية الإمكان، ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان، { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [36]. وأكثر المتكلمين يردون باطلا بباطل، وبدعة ببدعة، لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب بباطل المسلمين، فيصير الكافر مسلمًا مبتدعًا، وأخص من هؤلاء من يرد البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها وهي بدعة أهل السنة- وقد ذكرنا فيما تقدم أصناف البدع.

ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة ومن الخوارج؛ فإن المعتزلة تقر بخلافة الخلفاء الأربعة، وكلهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان، وكذلك المعروف عنهم أنهم يتولون عليًا، ومنهم من يفضله على أبي بكر وعمر، ولكن حكى عن بعض متقدميهم أنه قال: فسق يوم الجمل إحدى الطائفتين، ولا أعلم عينها. وقالوا: إنه قال: لو شهد علي والزبير لم أقبل شهادتهما لفسق أحدهما لا بعينه، ولو شهد على مع آخر ففي قبول شهادته قولان، وهذا القول شاذ فيهم، والذي عليه عامتهم تعظيم على.

ومن المشهور عندهم ذم معاوية وأبي موسى وعمرو بن العاص لأجل علي، ومنهم من يكفر هؤلاء ويفسقهم، بخلاف طلحة والزبير وعائشة، فإنهم يقولون: إن هؤلاء تابوا من قتاله، وكلهم يتولى عثمان ويعظمون أبا بكر وعمر، ويعظمون الذنوب، فهم يتحرون الصدق كالخوارج، لا يختلقون الكذب كالرافضة، ولا يرون أيضا اتخاذ دار غير دار الإسلام كالخوارج، ولهم كتب في تفسير القرآن ونصر الرسول، ولهم محاسن كثيرة يترجحون على الخوارج والروافض، وهم قصدهم إثبات توحيد الله ورحمته، وحكمته وصدقه، وطاعته. وأصولهم الخمس عن هذه الصفات الخمس، لكنهم غلطوا في بعض ما قالوه في كل واحد من أصولهم الخمس، فجعلوا من التوحيد نفي الصفات وإنكار الرؤية، والقول بأن القرآن مخلوق، فوافقوا في ذلك الجهمية. وجعلوا من العدل أنه لا يشاء ما يكون، ويكون ما لا يشاء، وأنه لم يخلق أفعال العباد، فنفوا قدرته ومشيئته وخلقه لإثبات العدل. وجعلوا من الرحمة نفي أمور خلقها لم يعرفوا ما فيها من الحكمة.

وكذلك هم والخوارج قالوا ب إنفاذ الوعيد ليثبتوا أن الرب صادق لا يكذب؛ إذ كان عندهم قد أخبر بالوعيد العام، فمتى لم يقل بذلك لزم كذبه، وغلطوا في فهم الوعيد. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف قصدوا به طاعة الله ورسوله، كما يقصده الخوارج والزيدية، فغلطوا في ذلك.

وكذلك إنكارهم للخوارق غير المعجزات، قصدوا به إثبات النبوة ونصرها، وغلطوا فيما سلكوه؛ فإن النصر لا يكون بتكذيب الحق، وذلك لكونهم لم يحققوا خاصة آيات الأنبياء.

والأشعرية ما ردوه من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية، وغيرهم، وبينوا ما بينوه من تناقضهم، وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة، فحصل بما قالوه من بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير.

فإن الأشعري كان من المعتزلة، وبقى على مذهبهم أربعين سنة يقرأ على أبي علي الجبائي [37]، فلما انتقل عن مذهبهم كان خبيرًا بأصولهم وبالرد عليهم، وبيان تناقضهم، وأما ما بقى عليه من السنة فليس هو من خصائص المعتزلة، بل هو من القدر المشترك بينهم وبين الجهمية، وأما خصائص المعتزلة فلم يوالهم الأشعري في شيء منها؛ بل ناقضهم في جميع أصولهم، ومال في مسائل العدل، والأسماء والأحكام إلى مذهب جَهْم ونحوه.

وكثير من الطوائف كالنجارية أتباع حسين النجار، و الضرارية أتباع ضرار بن عمرو يخالفون المعتزلة في القدر والأسماء والأحكام، وإنفاذ الوعيد. والمعتزلة من أبعد الناس عن طريق أهل الكشف والخوارق، والصوفية يذمونها ويعيبونها.

وكذلك يبالغون في ذم النصارى أكثر مما يبالغون في ذم اليهود، وهم إلى اليهود أقرب، كما أن الصوفية ونحوهم إلى النصارى أقرب؛ فإن النصارى عندهم عبادة وزهد وأخلاق بلا معرفة ولا بصيرة فهم ضالون، واليهود عندهم علم ونظر بلا قصد صالح ولا عبادة ولا زهد ولا أخلاق كريمة، فهم مغضوب عليهم، والنصارى ضالون.

قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين، وروى بإسناده عن أبي رَوْق، عن ابن عباس: وغير طريق الضالين وهم النصارى الذين أضلهم الله بفريتهم عليه، يقول: فألهمنا دينك الحق وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود، ولا تضلنا كما أضللت النصارى فتعذبنا كما تعذبهم، يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك ورأفتك وقدرتك. قال ابن أبي حاتم: ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين، وقد قال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى.

فأهل الكلام أصل أمرهم هو النظر في العلم ودليله، فيعظمون العلم وطريقه، وهو الدليل، والسلوك في طريقه، وهو النظر.

وأهل الزهد يعظمون الإرادة والمريد، وطريق أهل الإرادة. فهؤلاء يبنون أمرهم على الإرادة، وأولئك يبنون أمرهم على النظر، وهذه هي القوة العلمية، ولابد لأهل الصراط المستقيم من هذا وهذا، ولابد أن يكون هذا وهذا موافقًا لما جاء به الرسول.

فالإيمان قول وعمل وموافقة السنة، وأولئك عظموا النظر وأعرضوا عن الإرادة، وعظموا جنس النظر ولم يلتزموا النظر الشرعي، فغلطوا من جهة كون جانب الإرادة لم يعظموه، وإن كانوا يوجبون الأعمال الظاهرة، فهم لا يعرفون أعمال القلوب وحقائقها، ومن جهة أن النظر لم يميزوا فيه بين النظر الشرعي الحق الذي أمر به الشارع وأخبر به، وبين النظر البدعي الباطل المنهي عنه.

وكذلك الصوفية، عظموا جنس الإرادة إرادة القلب، وذموا الهوى وبالغوا في الباب، ولم يميز كثير منهم بين الإرادة الشرعية الموافقة لأمر الله ورسوله، وبين الإرادة البدعية، بل أقبلوا على طريق الإرادة دون طريقة النظر، وأعرض كثير منهم فدخل عليهم الداخل من هاتين الجهتين؛ ولهذا صار هؤلاء يميل إليهم النصارى ويميلون إليهم، وأولئك يميل إليهم اليهود ويميلون إليهم، وبين اليهود والنصارى غاية التنافر والتباغض.

وكذلك بين أهل الكلام والرأي، وبين أهل التصوف والزهد تنافر وتباغض، وهذا وهذا من الخروج عن الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

نسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين.

هامش

  1. [النجم: 23]
  2. [الشورى: 21]
  3. [النجم: 23]
  4. [النجم: 27 30]
  5. [الزخرف: 19]
  6. [النجم: 1 5]
  7. [الحجر: 75]
  8. [النور: 35]
  9. [هود: 17]
  10. [الزخرف: 23]
  11. [الفاتحة: 5]
  12. [القصص: 50]
  13. [الأنعام: 119]
  14. [الأنعام: 121]
  15. [الأنعام: 112]
  16. [الشعراء: 221]
  17. [أي: غاب وخفى]
  18. [الأنعام: 130]
  19. [الأنعام: 128]
  20. [الجن: 6]
  21. [النساء: 24]
  22. [البقرة: 236]
  23. [الزخرف: 67]
  24. [البقرة: 166]
  25. [العنكبوت: 25]
  26. [الجاثية: 23]
  27. [الأنعام: 132]
  28. [الرحمن: 74]
  29. [الآيتان: 18، 19]
  30. [الأحقاف: 16]
  31. [الجن: 11]
  32. [الجن: 14، 15]
  33. [يوسف: 108]
  34. [آل عمران: 31]
  35. [قوله: «فَذَعَتُّهُ»: أي خنقته]
  36. [الأحقاف: 19]
  37. [هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حُمْران بن أبان الجبائي، أحد أئمة المعتزلة، وله في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة كانت ولادته في سنة خمس وثلاثين ومائتين، وتوفى في سنة ثلاث وثلاثمائة]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الثالث عشر
فصل في الفرقان بين الحق والباطل | فصل في أن الله يجمع بين الأمور المتماثلة | فصل إذا عرف تفسير القرآن والحديث من جهة النبي فلا يحتاج إلى أقوال أهل اللغة | فصل فيمن خالف ما جاء به النبي | فصل في تحريف الإنجيل | فصل في تفسير قوله تعالى ما لهم به من علم | فصل في تأويل حججهم الباطلة | فصل في اشتراك الجهمية والمعتزلة في نفي الصفات | فصل في أن ما أنزله الله على رسله هو الحق | فصل في أحوال أهل الضلال والبدع | تابع فصل في أحوال أهل الضلال والبدع | فصل من أعظم أسباب ضلالهم مشاركتهم للفلاسفة | فصل في أول التفرق والابتداع في الإسلام | فصل في ظهور القدرية في آخر عهد الصحابة | سئل عن طائفة من المتفقرة يدعون أن للقرآن باطنا | فصل في ماهية العلم الباطن | فصل في قول من قال إن النبي خص كل قوم بما يصلح لهم | فصل في أقسام القلوب | فصل في حكم إدخال أسماء الله وصفاته في المتشابه | فصل في أقسام القرآن | فصل في قسمه تعالى بالصافات والذاريات والمرسلات | مقدمة في التفسير وعلوم القرأن | فصل في أن النبي بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه | فصل في ذكر خلاف السلف في التفسير | فصل في الاختلاف في التفسير | فصل في ذكر النوع الثاني من الاختلاف في التفسير | فصل في قول القائل ما أحسن طرق التفسير | فصل في تفسير التابعين للقرآن الكريم | فصل في ذكر من انحرف عن القرآن الكريم | فصل في حكم إجراء القرآن على الظاهر | سئل عمن فسر القرآن برأيه | سئل عمن نسخ القرآن والحديث بيده | سئل عن قول النبي أنزل القرآن على سبعة أحرف | سئل عن جمع القراءات السبع | فصل في تحزيب القرآن | سئل عمن يقرؤون القرآن في ختمة إلى سورة الضحى ولم يهللوا ولم يكبروا | وسئل عن قول الإمام مالك من كتب مصحف بغير الرسم العثماني فقد أثم | سئل عن قوم يقرؤون القرآن ويلحنون فيه | سئل عن رجل يتلو القرآن مخافة النسيان