مجلة المقتبس/العدد 62/كتاب المدهش

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة المقتبس/العدد 62/كتاب المدهش

مجلة المقتبس - العدد 62
كتاب المدهش
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 4 - 1911


الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي هو محدث حافظ مفسر فقيه واعظ أديب قال فيه العليمي في طبقاته أنه أستاذ الأئمة حبر الأمة بحر العلوم سيد الحفاظ فارس المعاني والألفاظ فريد العصر قريع الدهر شيخ الإسلام قدوة الأنام علامة الزمان ترجمان القرآن قامع المبتدعين سلطان المتكلمين ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة لأنه وجد بخطه تصنيف له في الوعظ ذكر أنه صنفه سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وقال (ولي من العمر سبع عشرة سنة وكان يحزر مجلسه في الوعظ على الدوام بعشرة آلاف أو خمسة عشر ألفاً قال علي المنبر في آخر عمري كتبت بإصبعي هاتين الفي مجلد وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره سئل عن عدد مصنفاته فقال زيادة على ثلثمائة وأربعين مصنفاً منها ما هو عشرون مجلداً ومنها ما هو كراس واحد ولم يترك فناً من الفنون إلا وله فيه مصنف.

وقال بعضهم أنه كان يحضر مجلس وعظه مائة ألف أو يزيدون وهذا مبالغة لا يستطيع إنسان يوصل صوته إليهم ولا جامع أو ساحة أن تجمعهم والمقصود أنهم كانوا ألوفاً من المستمعين وقد قال عن نفسه أنه صنف وله من العمر ثلاث عشرة سنة وقيل عنه أنه كان يراعي حفظ صحته وتلطيف مزاجه وما يفيد عقله قوة وذهنه حدة وجل غذائه الفراريج والمزاوير ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات ولباسه الأبيض الناعم المطيب.

والمدهش من جملة كتبه ورد ذكره في قائمتها وهو في مجلدين مكتوب بخط مشرقيّ مشكول كله وقد دفعناه إلى صديقنا السيد عبد القادر المبارك فكتب عليه ما يلي:

من المخطوطات القديمة لابن الجوزي كتاب المدهش قال كاتبه في خاتمته كان الفراغ من نسخه في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبعمائة جاء في مقدمته بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر يا كريم.

قال شيخ الأمة وعلم الأئمة ناصر السنة جمال الدين فخر الإسلام زين الأنام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي ابن الجوزي قدس الله روحه ونور ضريحه: الحمدلله الذي لا منتهى لعطاياه ومنحه حمداً يقوم بالواجب في شكره ومدحه وصلى الله على أشرف نبي وأفصحه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ما أستن طرف في مرحه (أما بعد) فإني قمت بحمد الله في علم الوعظ بأصحه وأملحه وآثرت أن أنتقي في هذا الكتاب من ملحه و الموفق في كل عمل لأصلحه وقد قسمته خمسة أبواب، الباب الأول في علوم القرآن وبيانه، الباب الثاني في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها، الباب الثالث في علوم الحديث، الباب الرابع في عيون التواريخ، الباب الخامس في ذكر المواعظ وهذا الباب ينقسم قسمين، قسم فيه ذكر القصص وقسم فيه المواعظ مطلقاً والله الموفق.

وذكر في باب علوم القرآن وبيانه ستة فصول يقع كل فصل منها في نحو صفحة واحدة فذكر في الفصل الأول أقسام الخطاب في القرآن وفي الثاني ما ورد فيه من ضروب الأمثال وفي الثالث ما جاء فيه أخص وأحسن مما بمعناه من الكلمات التي تدور على الألسنة وفي الرابع ما اتحد من الآيات المتشابهة في المعنى واختلف في اللفظ وفي الخامس ما تغاير من الآيات بزيادة بعض الحروف والكلمات أو نقصانها وفي السادس ما تغاير من الآيات بتقديم أو تأخير.

ثم ذكر بعد هذه الفصول أربعة وعشرين باباً سماها أبواباً منتخبة من الوجوه والنظائر ذكر فيها معاني هذه الكلمات: أو، أدنى، الإنزال، الأرض، الأمر، الإنسان، الباء، الحق، الخير، الدين، الذكر، الروح، الصلاة عن، الفتنة، في، القرية، كان، كلا، اللام، لولا، من، الواو، الهدى.

ثم أتى على الباب الثاني في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها وقسمه على ثلاثة عشر فصلاً قال في أول فصل منه: لما كانت اللغة تنقسم قسمين أحدهما الظاهر الذي لا يخفى على سامعيه ولا يحتمل غير ظاهره والثاني المشتمل على الكنايات والإشارات والتجوزات وكان هذا القسم هو المستحلى عند العرب نزل القرآن بالقسمين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله فكأنما قال عرضوه بأي القسمين شئتم ولو نزل كله واضحاً لقالوا هلا نزل بالقسم المستحلى عندنا ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية أو استعارة أو تعريض أو تشبيه كان أحلى وأحسن قال امرؤ القيس:

وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل

فشبه النظر بالسهم فحلي عند السامع وقال أيضاً:

فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل

فجعل لليل صلباً وعجزاً وصدراً على جهة التشبيه وقال غيره: من كميت أجادها طابخاها ... لم تمت كل موتها في القدور

أراد بالطابخين الليل والنهار، فنزل القرآن على عادة العرب في كلامهم ومن عاداتهم التجوز، وفي القرآن فما ربحت تجارتهم، يريد أن ينقض، ومن عادتهم الكناية، ولكن لا تواعدوهن سراً، أو جاء أحد منكم من الغائط وأكثر الفصول الباقية ترجع إلى بيان سعة اللغة وفقهها على أسلوب فقه اللغة لأبي منصور الثعالبي.

والباب الثالث في علوم الحديث وجله يتعلق ببيان أسماء المحدثين والمحدثات وتمييز ما يكثر فيه الالتباس وبيان المتفق والمفترق ويقال له أيضاً المؤتلف والمختلف ثم انتقل إلى الباب الرابع في عيون التواريخ أتى فيه على نبذ من أمهات المسائل التاريخية فمنها قوله: كان أول ملوك الأرض ملك فارس وملكهم دارا ملك نحو مائتي سنة ثم ملك بعده خمسة وعشرون ملكاً فيهم امرأتان وكان آخر القوم يزدجرد هلك في زمن عثمان رضي الله عنه فكان ملكهم خمسمائة سنة وكسراً وكان أظرهم ولاية ذو الأكتاف فإنه لا يعرف من ملك وهو في بطن أمه غيره لأن أباه كان قد مات ولا ولد له وإنما كان هذا حملاً فقال المنجمون هذا الحمل يملك الأرض فوضع التاج على بطن الأم وكتب إلى الآفاق وهو جنين وسمي سابورا وإنما سمي ذا الأكتاف لأنه حين ملك كان ينزع أكتاف مخالفيه وهو الذي بنى الإيوان وبنى نيسابور وسجستان والسوس وما زال الملك يتنقل بعده فيهم إلى أن ملك انوشروان وكان آخرهم وكان له اثنا عشر ألف امرأة وجارية وخمسون ألف دابة وألف فيل إلا واحداً وفي زمانه ولد النبي ﷺ ومات لثمان مضين من مولد نبينا ﷺ ولما دخل المسلمون المدائن أحرقوا ستر باب الايوان وأخرجوا منه ألف ألف مثقال ذهباً.

قال ومن العجائب أنه ولد في ليلة السبت لاربع عشرة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسعين ومائة المأمون ومات الهادي واستخلف الرشيد وفيه أجدبت الأرض في سنة ثماني عشرة وكانت الريح تسفي ترباً كالرماد فسمي عام الرمادة وجعلت الوحوش تأوي إلى الأنس فآلى عمر رضي الله عنه أن لا يذوق سمناً ولا لبناً ولا لحماً حتى يحيي الناس واستسقى الناس بالعباس فسقوا وفيها كان طاعون عمواس مات فيه أبو عبيدة ومعاذ وأنس وفي سنة أربع وستين وقع طاعون بالبصرة وماتت أم أميرهم فما وجدوا من يحملها وفي سنة ست وتسعين كان طاعون الجارف هلك في ثلاثة أيام سبعون ألفاً ومات في لأنس ثمانون ولداً وكان يموت أهل الدار فيطبق عليهم الباب وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة مات أول يوم في الطاعون سبعون ألفاً وفي اليوم الثاني سبعون ألفاً وفي اليوم الثالث خمدت الناس وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة ذبح الأطفال وأكلت الجيف وبيع العقار برغيفين واشترى لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم.

وقد عقد المؤلف رحمه الله في الباب الرابع في عيون التواريخ فصلاً مستقلاً أفرده بذكر الزلازل والآيات المشتملة على دواعي العبر والمواعظ والزواجر وها هو ينص حروفه.

زلزلت الأرض على عهد عمر رضي الله عنه في سنة عشرين، ودامت الزلازل في سنة أربع وتسعين أربعين يوماً فوقعت الأبنية الشاهقة وتهدمت أنطاكية، وفي سنة أربع وعشرين ومائتين زلزلت فرغانة فمات منها خمسة عشر ألفاً، وفي السنة التي تليها رجفت الأهواز وتصدعت الجبال وهرب أهل البلد إلى البر والسفن ودامت ستة عشر يوماً، وفي السنة التي تليها مطر أهل تيماء مطراً وبرداً كالبيض فقتل بها ثلاثمائة وسبعون إنساناً وسمع في ذلك صوت يقول: ارحم عبادك اعف عن عبادك، ونظروا إلى أثر قدم طولها ذراع بلا أصابع وعرضها شبران والخطوة إلى الخطوة خمسة أذرع أو ست تبعوا الصوت فجعلوا يسمعون صوتاً ولا يرون شخصاً، وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين رجفت دمشق رجفة انتفضت البيوت على سكانها فمات منهم خلق كثير وانكفأت قرية بالغوطة على أهلها فلم ينج منهم أحد إلا رجل واحد، وزلزلت أنطاكية فمات منها عشرون ألفاً، وفي السنة التي تليها هبت ريح شديدة لم يعهد مثلها فأقامت نيفاً وخمسين يوماً وشملت بغداد والبصرة والكوفة وواسط وعبادان والأهواز ثم ذهبت إلى همذان فأحرقت الزرع ثم ذهبت إلى الموصل فمنعت الناس من السعي فبطلت الأسواق وزلزلت هراة فوقعت الدور، وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين وجه طاهر بن عبد عبد الله إلى المتوكل حجراً سقط بناحية طبرستان وزنه ثمانمائة وأربعون درهماً وفيه صدع وذكر أنه سمع لسقوطه هدة مسيرة أربعة فراسخ في مثلها وأنه ساخ في الأرض خمسة أذرع، وفي سنة أربعين ومائتين خرجت ربح من بلاد الترك فمرت بمروَ فقتلت خلقاً كثيراً بالزكام ثم صارت إلى نيسابور وإلى الري ثم إلى همذان وإلى حلوان ثم إلى العراق فأصاب أهل بغداد (وسر من رأى) حمى وسعال وزكام وجاءت كتب من المغرب أن ثلاث عشرة قرية من قرى القيروان خسف بأهلها فلم ينج منهم إلا اثنان وأربعون رجلاً سود الوجوه فاتوا إلى القيروان فأخرجهم أهلها وقالوا لهم أنتم مسخوط عليكم فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوا فيها.

وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء وجعلت تتطاير شرقاً وغرباً كالجراد من غروب الشمس إلى الفجر ولم يكن مثل هذا إلا عند ولادة رسول الله ﷺ، وفي السنة التي تليها رجمت قرية يقال لها السويداء بناحية مصر بخمسة أحجار فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فأحرقها ووزن منها حجر فكانت زنته عشرة أرطال، وزلزلت الريُّ وجرجان وطبرستان ونيسابور وأصبهان وقم وقاشان كلها في وقت واحد، وزلزلت الدامغان فهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفاً وتقطعت جبال ودنا بعضها من بعض وسمع للسماء والأرض أصوات عالية وسار جبل باليمن عليه مزارع حتى أتى مزارع قوم آخرين، ووقع طائر أبيض دون الرخمة وفوق الغراب على دلبة بحلب لسبع مضين من شهر رمضان فصاح يا معشر الناس اتقوا الله حتى صاح أربعين صوتاً ثم طار فجاء من الغد فصاح أربعين صوتاً وكتب صاحب البريد بذلك وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه، ومات رجل في بعض كور الأهواز فسقط طائر أبيض على جنازته فصاح بالفارسية والخوزية: إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهده، وفي سنة خمس وأربعين ومائتين زلزلت أنطاكية فسقط منها ألف وخمسمائة دار ووقع من سورها نيف وتسعون برجاً وسمع أهلها أصواتاً هائلة من كوى المنازل، وسمع أهل تنيس صيحة هائلة دامت فمات منها خلق كثير وذهبت جبلة بأهلها، وفي سنة خمس وثمانين ومائتين مطرت قرية حجارة بيضاً وسوداً، وفي سنة ثمان وثمانين زلزلت دنبل (كذا) فأصبحوا ولم يبق من المدينة إلا اليسير فأخرجوا من تحت الهدم خمسين ومائة ألف بيت، وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة عدل الحاج عن الجادة خوفاً من العرب فرأوا في البرية صور أناس من حجارة ورأوا امرأة قائمة على التنور وهي من حجارة والخبز الذي في التنور من حجارة، وفي سنة ثمان سبعين وثلاثمائة هبت ريح بفم الصلح شبهت بالتنين جرفت دجلة حتى ذكر أنه بانت أرضها وأهلكت خلقاً كثيراً واحتملت زورقاً منحدراً وفيه دواب فطرحته في أرض عوجا (كذا).

وفي سنة عشرين وأربعمائة جاء برد هائل وقعت بردة حزرت ثمانية وخمسين رطلاً فكانت كالثور النائم، وفي سنة أربع وثلاثين زلزلت تبريز فهدم سورها وقلعتها وهلك تحت الهدم خمسون ألفاً، وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة كانت بارجان زلازل انقلعت منها الحيطان فحكى من يعتمد على قوله أنه كان قاعداً في ابوان داره فانفرج سقفه حتى رأى السماء من وسطه ثم عاد، وفي سنة ستين وأربعمائة كنت زلزلة بفلسطين هلك فيها خمسة عشر ألفاً وانشقت صخرة بيت المقدس ثم عادت فالتأمت وغاب البحر فساح في الأرض فدخل الناس يلتقطون فرجع عليهم فأهلك منهم خلقاً كثيراً، وفي سنة اثنتين وستين خسف بابلة، وفي سنة ست وخمسمائة سمع ببغداد هدة عظيمة في أقطار بغداد، قال شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي: أنا سمعتها فظننت حائطاً قد وقع ولم يعلم ما ذلك ولم يكن في السماء غيم فيقال رعد، وفي السنة التي تليها وقعت زلزلة بناحية الشام فوقع من سور الرها ثلاثة عشر برجاً وخسف بسميساط وقلب بنصف القلعة، وفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة زلزلت الأرض ببغداد يوم عرفة فكانت الحيطان تمر وتجيء، وفي سنة خمس عشرة وقع الثلج ببغداد فامتلأت منه الشوارع والدروب ولم يسمع قبله بمثله، وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة كانت زلزلة بحيرة أتت على مائتي ألف وثلاثين ألفاً فأهلكتهم وكانت في مقدار عشرة فراسخ في مثلها، وفي السنة التي تليها خسف بحيرة وصار مكان البلد ماء أسود وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر يبكون على أهلهم، وزلزلت حلوان فقلع الجبل وأهلك خلقاً كثيراً، وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة كانت زلازل بالشام في ثلاثة عشر بلداً من بلاد الإسلام فمنها ما هلك كله ومنها ما هلك بعضه.

وهنا أنشأ المصنف رحمه الله الباب الخامس في ذكر المواعظ فبدأ في القسم الأول منه بقصة آدم وبناء الكعبة وقصة نوح وعاد وثمود والخليل والذبيح وذي القرنين ولوط ويوسف وأيوب وشعيب وموسى والخضر وبلعام وقارون وداود ومريم وعيسى وسليمان وزكريا ويحيى وأهل الكهف وبداية أمر نبينا محمد عليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام وقصة الغار وأهل بدر وذكر أسماء من شهدها مرتبة على حروف المعجم ثم من يعرف بالكنية دون الاسم وختم هذا القسم من الوعظ بفصل ذكر فيه بناء علي بن أبي طالب بالسيدة البتول فاطمة الزهراء رضي الله عنهما وها أنا ذا أنقل للقراء أقصر قصة من تلك القصص الستة والعشرين لتكون انموذجاً يتعرف به أسلوبه الغريب في بابه قال في قصة ثمود ما نصه: لما أعرضت ثمود عن كل فعل صالح بعث إليهم للإصلاح صالح فنعنت عليه ناقة هو أهم بطلب ناقة فخرجت من صخرة صماء تقبقب ثم فصل عنها (أي خرج منها) فصيل يرغو فارتعت حول نهي (بكسر فسكون أي غدير ماء) نهيهم عنها في حمى حماية (ولا تمسوها بسوء) فاحتاجت إلى الماء وهو قليل عندهم فقال حاكم الوحي لها شرب ولكم شرب يوم معلوم وكانت يوم وردها تقضي دين الماء بماء درها فاجتمعوا في حلة الحيلة على شاطئ غدير الغرور فدار قدار ابن سالف عاقر ناقة صالح الذي هو أشقى ثمود حول عطن (فتعاطى فعقر) فصب عليهم صبيب صاعقة العذاب الهون فحين دنا ودندن دمغهم دمار (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم) فأصبحت المنازل لهول ذلك النازل كان لم تغن بالأمس.

والقسم الثاني يشتمل على مائة فصل كمقامات الزمخشري في أطواق الذهب وعبد المؤمن الأصفهاني في أطباق الذهب من حيث الموضوع والتفنن في الأساليب الناجعة المؤثرة في الموعوظ وهذا القسم يستوعب نحواً من خمسة أسداس الكتاب وقد أكثر فيه من الأشعار مستشهداً بها على حسب ما يقتضيه المعنى الذي يريد تصويره في مخيلة السامع وربما كان الشعر في هذا القسم مساوياً للنثر أو يزيد وكله أو جله من نظم غيره وإنما يذكره تمثلاً واستشهاداً.

قال في الفصل السادس والسبعين:

ذكر الأحباب والوطنا ... والصبا والألف والسكنا

فبكى شجواً فحن له ... مدنف بالشجو حلف ضنى

أبعدت مرمى يد رجمت ... من خراسان به اليمنا

من لمشتاق تميل به ... ذات سجع ميلت فننا

لم تعرض في الحنين بمن ... مسعد إلا وقلت أنا

لك يا ورقاء أسوة من ... لم تذيقي طرفه الوسنا

بك انسي مثل انسك بي ... فتعالي نبد ما كمنا

نتشاكى ما يجن فإن ... نحت شجواص صحت واحزنا أنا لا أنت البعيد هوى ... أنا لا أنت الغريب هنا

أنا فرد يا حمام وها ... أنت والألف القرين ثنا

اسرحا رأد النهار معاً ... واسكنا جنح الدجى غصنا

وابكيا يا جارتي لما ... لعبت أيدي الفراق بنا

أين قلبي ما صنعت به ... ما أرى قلبي له سكنا

كان يوم النفر وهو معي ... فأبى أن يصحب البدنا

أنه حادي الفراق حدا ... أم له داعي الفراق عنى

ومن قوله في بعض الفصول: ويحك اجتنب حلواء الشره فإنها سبب الحمى وخل خل البخل فإنه يؤذي عصب المروءة، إن عوجلت أمراضك فعولجت وإلا مللت وأمللت، لو احتميت عن الخطأ لم تحتج إلى طبيب، من ركب ظهر التفريط نزل به دار الندامة.

ومن قوله في هذا الفصل: كان داود إذا أراد النياحة نادى مناديه في أندية المحزونين فيجتمعون في مأتم الندب فتزداد الحرق بالتعاون:

يا بعيد الدار عن وطنه ... مفرداً يبكي على شجنه

كلما جد النحيب به ... زادت الأسقام في بدنه

ولقد زاد الفؤاد جوى ... هاتف يبكي على فننه

شاقه ما شاقني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه

يا مذنبين مصيبتنا في التفريط واحدة وكل غريب للغريب نسيب، ومن قوله في فصل آخر:

إخواني انتبهوا من رقدات الأغمار وانتبهوا لحظات الأعمار وقاطعوا الكسل فقد قطع الأعذار الأعذار واسمعوا زواجر الزمن فما داجى الدجى ولقد نهر النهار وخذوا بالحزم فقد شقي من رضي بشفا جرف هار، ومنه: وأعجبا يتأمل الحيوان البهيم العواقب وأنت لا ترى إلا الحاضر ما تكاد تهتم بمؤنة الشتاء حتى يقوى البرد ولا بمؤنة الصيف حتى يشتد الحر ومن هذه صفته في أمور الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.

ومنه: ما دامت النفس حية تسعى فهي حية تسعى، أول فعل لها تمزيق العمر بكف التبذير كالخرقاء وجدت صوفاً، أخل بها في بيت الفكر ساعة وانظر هل هي معك أو عليك، نادها بلسان التذكرة يا نفس ذهب عرش بلقيس وبلي جمال شيرين وتمزق فرش بوران، وبقي ذلك رابعة.

ومنه: يا صبيان التوبة طبيبكم متلطف تارة بالتشويق وتارة بالتخويف هذه الطير إذا انشق بيضها عن الفراخ علم الأب والأم أن حوصلة الفرخ لا تحتمل الغذاء فينفخان الريح في حلقه لتتسع الحوصلة ثم يعلمان أن الحوصلة تحتاج إلى دبغ وتقوية فيأكلان من صاروج الحيظان وهو شيء فيه ملوحة كالسبخ ثم يزقانه إياه فإذا اشتدت الحوصلة رقياه إلى الحب فإذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع فإذا جاع لقط فإذا راياه قد استقل باللقط ضرباه بالأجنحة إذا سألهما الزق فتأملوا تدبيري لكم في المواعظ، ومنه: الدنيا غرارة غدارة مكارة، تظن مقيمة وهي سيارة، ومصالحة وقد شنت الغارة

نح عن نفسك القبيح وصنها ... وتوق الدنيا ولا تأتمنها

لا تثق بالدنا فما أبقت الدن ... يا لحي وديعة لم تخنها

إنما جئتها لتستقبل المو ... ت وأسكنتها لتخرج عنها

تستحل الدنيا وما لك إلا ... ما تبلغت أو تزودت منها

وسيبقى الحديث بعدك فانظر ... خير أحدوثة تكون فكنها

ومن فصل آخر:

يا ساعياً لنفسه في المهالك، دنا الرحيل ونضو النقلة بارك، متى تذكر وحشتك بعد إيناسك، متى تقتدي من ناسك بناسك، كأنك بك قد خرجت عن أهلك وولدك، وانفردت عن عددك وعددك، وقتلك سيف الندم ولم يدك (يدفع ديتك) ورحلت ولم تحصل من ندمك إلى على عض يدك:

كأنك لم تسمع بأخبار من مضى ... ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر

فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم ... محاها مجال الريح بعدك والقطر

على ذاك مروا أجمعين وهكذا ... يمرون حتى ينشرنهم الحشر

فحتام لا تصحو وقد قرب المدى ... وحتى مَ لا ينجاب عن قلبك السكر

بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا ... وتذكر قولي حين لا ينفع الذكر

ومن فصل آخر: كان محمد بن المنكدر كثير البكاء فسئل عن ذلك فقال آية من القرآن أبكتني: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) كيف لا تذهب العيون من البكا وما تدري ماذا أعد لها سبقت السعادة لمحمد ﷺ قبل كونه ومضت الشقاوة لأبي جهل قبل وجوده، وخوف العارفين من سوابق الأقدار قلقل الأرواح هيبة، لا تسل مع تحكم (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) قوي قلق العلماء:

أترى سئلوا لما رحلوا ... ماذا فعلوا أم من قتلوا

أحليف النوم أقل اللوم ... فعندي اليوم لهم شغل

أدنى جزعي لم يبق معي ... قلب فيعي منذ احتملوا

جلدي سلبوا جسدي نهبوا ... كمدي وهبوا كبدي تبلوا

هيهات أفيق اذليس تطيق ... هذا ايليق فما العذل

لما ذرفت عين وقفت ... أترى عرفت ما بي الإبل

ولحى اللاحي وهو الصاحي ... وهمو راحي وأنا الثمل

ومن فصل آخر: يا تائهاً في ظلمة ظلمه، يا موغلا في مفازة تيهه، يا باحثاً عن مدية حتفه، يا حافراً زبية هلكه، يا معمقاً مهواة مصرعه بئسما اخترت لأحب الأنفس إليك، ويحك تطلب النجاة ولست على الطريق، هز الزمان بوعظه فماً فما سمعت: لينذر من كان حياً ومنه:

إلى أي حين أنت في زي مجرم ... وحتى متى في شقوة والي كم

وإلا تمت تحت السيوف مكرماً ... تمت وتلاقي الذل غير مكرم

فثب واثقاً بالله وثبة ماجد ... ترى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم

ومن فصل آخر:

تبني وتجمع والآثار تندرس ... وتأمل اللبث والأرواح تختلس

ذا اللب فكر فما في الخلد من طمع ... لا بد ما ينتهي أمر وينعكس

أين الملوك وأبناء الملوك ومن ... كانوا إذا الناس قاموا هيبة جلسوا

ومن سيوفهمو في كل معترك ... تخشى ودونهم الحجاب والحرس

اضحوا بمهلكة في وسط معركة ... صرعى وماشي الورى من فوقهم يطس

وعمهم حدث أو ضمهم جدث ... باتوا وهم جثث في الرمس قد حبسوا كأنهم قط ما كانوا ولا خلقوا ... ومات ذكرهمو بين الورى ونسوا

والله لو نظرت عيناك ما صنعت ... يد البلى بهمو والدود يفترس

من أوجه ناضرات حار ناظرها ... في رونق الحسن منها كيف تنطمس

وأعظم باليات ملبها رمق ... فليس نبقى وهذا وهي تنتهس

وألسن ناطقات زانها أدب ... جفت وما شانها بالآفة الخرس

لستهمو السن للدهر فاغرة ... فاها فآهاً لهم إذ بالردى وكسوا

حتى م ياذا النهي لا ترعوي سفهاً ... ودمع عينك لا يهمي وينبجس

ومن قوله في الفصل الأخير: هذه قصص النجاة قد أمليتها فعنونها وهذه جوارشات المواعظ قد جمعتها فاعجنها ثم قال في الختام لمن أصغي واصف، أفي عزمك أتباعي فأقف، الليل يضج من نومك، والنهار يستغيث من قبح فعلك.

يا أيها الراقد كم ترقد ... قم ياخليلي قد دنا الموعد

وخذ من الليل وساعاته ... حظاً إذا ما هجع الرقد

من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل أو يجهد

قل لذوي الألباب أهل التقى ... قنطرة العرض لكم موعد

وكان بودي - لولا خشية الإملال من الإطالة وعدم اتساع نطاق المجلة - أن أستوفي نقل بعض فصول (هذا المدهش) برمتها لما تضمنته من محاسن البلاغة وأسلوب الحكيم وجودة المعنى والمبنى مما جمع بين اللذة والفائدة ودل على سمو مدارك المؤلف وسعة فضله وغزارة مادة علمه كما يظهر من ترجمته فعسى أن يقيض الله له من خدمة العلم وناشري الويته من يجيد طبعه ويستخرج للناس جواهر كنزه فيحظى بالربح عاجلاً وآجلاً مع تخليد الذكر الجميل والأثر الحسن والسلام.