مجلة الرسالة/العدد 892/الاجتهاد في التشريع الإسلامي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 892/الاجتهاد في التشريع الإسلامي

مجلة الرسالة - العدد 892
الاجتهاد في التشريع الإسلامي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 08 - 1950


للأستاذ محمد سعيد أحمد بك

باب الاجتهاد لا يزال مفتوحا

لقد أخطأ من قال إن باب الاجتهاد قد أقفل بعد الأئمة الأربعة فقد أباح القرآن الاستنباط صراحة وهو الأصل الذي بنى عليه مبدأ اجتهاد المسلمين في وضع أحكامهم - وقد كان اجتهاد الصحابة شائعاً في عصر الرسول - وقد قررت المجالس المكونة من علماء الصحابة والتي أنشأها الخلفاء كثيراً من الأحكام الجديدة. وقد أضاف التابعون كثيراً من الأحكام إلى ما قررت الصحابة. وهكذا كان كل جيل يقرر بكل حرية الأحكام بما يناسب حاجات وسائله الخاصة به والتي لم يسبق تقرير أحكام فيها. ثم ظهر الأئمة الأربعة في أفق الاجتهاد في القرن الثاني للهجري الواحد تلو الآخر وكان لكل واحد منهم رأيه واجتهاده بما لا يدع مجالا للشك في أن الإسلام أباح للعقل حريته وللفكر استقلاله في وضع الأحكام التي تناسب حاجات العصر الجديد - فلم يقتنع الإمام مالك بآراء سلفه الامامأبي حنيفة وكذلك الإمام الشافعي كان له رأيه في المذهبين السابقين، وأما الإمام أحمد بن حنبل فإنه أخرج للعالم الإسلامي - الذي كان متعطشاً دائماً للازدياد من العلوم - ثمرة اجتهاده الشخصي مستقلا عن أسلافه من الأئمة على وضع الأحكام لمواجهة حاجات العصر الجديد بل إنهم اجتهدوا في الآراء الفقهية واختلفوا فيها ولم يعتقد أحدهم أن الآخرين كانوا معصومين من الخطأ - فإذا كان هذا اعتقادهم في أنفسهم فكيف نستسيغ لأنفسنا أن نقول عنهم أنهم معصومون من الخطأ بعد مرور هذه القرون العديدة، فلم لا نضع من القوانين الجديدة ما يلائم الأحوال الجديدة. وواضح أن النبي ﷺ فتح باب الاجتهاد ولم يقل أحد بأنه أمر بأقفاله في وقت معين، كما أن الأئمة أنفسهم لم يقولوا بأقفال هذا الباب بعدهم ولم يحرموا على أحد اجتهاده ولم يقولوا أنهم معصومون ولم يذكر في أي كتاب من كتب الأصول أن اجتهاد الإنسان ممنوع بعد الأئمة الأربعة أو أن للاجتهاد حجة مثل حجة القرآن فلا يمكن الرجوع فيه. ولم يقل الرسول ولا الصحابة ولا المجتهدون أنفسهم بأن المسلمين ممنوعون من الاجتهاد في وقت معين؛ فالاجتهاد نعمة من نعم الله على المسلمين فهو المنفذ الوحيد لاستنباط الأحكام المناسبة للشعوب الجديدة التي دخلت في دين والملائمة لحاجات الناس المتزايدة ولم يقل أحد ولن يقول إن الناس قد جعدوا ولن تكون لهم حاجات جديدة تحتاج إلى تشريعات جديدة بعد القرن التاسع الهجري - وكل ما حدث هو أن الأفكار قد اتجهت في القرن الثالث إلى الحديث ونقده وجمعه وتدوينه وأن الأئمة الأربعة قد ارتفعوا إلى مكانة في الاجتهاد تضاءلت أمامهم همم من داهم من المجتهدين فلم يجسر أحد أن يعطى رأيه مستقلا عنهم قد أدى ذلك إلى الحد من حرية الفكر والاجتهاد في الأحكام الذي دعا إليه الإسلام وإلى وقف النشاط التشريعي الذي دعا إليه تزايد حاجات المسلمين فأقفل بذلك باب الاجتهاد وحل محله جمود قي التشريع.

استقلال الفكر

قال الله تعالى: -

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول) 4 - 95

تتكلم هذه الآية عن طاعة أولي الأمر في سياق طاعة الله وطاعة الرسول في الشطر الأول منها ولم يذكر (أولو الأمر) في الشطر الثاني من الآية ليبين أن النزاع المشار إليه إنما هو نزاع مع أولي الأمر وفي هذه الحالة يجب رد النزاع إلى الله وإلى الرسول، أو بعبارة أخرى إلى الكتاب والسنة. ويدخل في معنى أولي الأمر كل سلطة في الإسلام سواء أكانت زمنية أم روحية، وعلى هذا فاستقلال الفكر أمر قائم بين المسلمين بحكم هذه الآية؛ فإذا اختلفوا وتنازعوا في مسألة وجب ردها إلى القرآن والحديث. ويدخل في نطاق أولي الأمر الصحابة والمحدثون والأئمة والأربعة والمجتهدون؛ فهؤلاء يجب طاعتهم وتقدير أحكامهم ما دامت هذه الأحكام مطابقة لما جاء به القرآن والحديث.

وبما أنه من المسلم به أن الحديث يحب أن لا يتعارض مع القرآن فيمكن القول بأن الإسلام قد أباح استقلال الفكر على شريطة عدم مخالفة المبادئ الإسلامية الواردة في القرآن.

ترى مما تقدم أن لأي جماعة من المسلمين الحق في أن يقننوا لأنفسهم القوانين الصالحة لهم بشرط ألا يخرجوا فيها عن المبادئ الإسلامية الواردة في القرآن والسنة وانه لا أساس للزعم القائم للعالم الإسلامي والقائل أنه لا حق لإنسان أن يرى خلاف ما رآه الأئمة الأربعة منذ ألف سنة ونيف مهما تكن الظروف، وتوسع العمران وازدادت حاجات الناس، فالاجتهاد حق طبيعي ومقرر لكل فرد بعد الرسول في حدوده المشروعة. وفي حرمان المسلمين من هذا الحق ضربة قاضية على حرية الفكر بل وعلى الإسلام نفسه. وفي هذه الأيام التي تغيرت فيها الأحوال بعد سير العالم ألف سنة ونيف كان المسلمون خلالها جامدين. وعلى هذا يجب على كل حكومة إسلامية وكل شعب إسلامي أن يستعملوا حكمتهم أمام هذه الأحوال المتغيرة ويحرروا أفكارهم ويعملوا على خلاصها.

محمود سعيد أحمد