مجلة الرسالة/العدد 691/هَْزلٌ. . .!

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 691/هَْزلٌ. . .!

مجلة الرسالة - العدد 691
هَْزلٌ. . .!
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 30 - 09 - 1946


للأستاذ محمود محمد شاكر

يخيل إلى أن بين قلمي والليل صبابة أو هوى قديما. فطالما رأيتني اعقد الرأي والعزم نهارا على شئ اجعل الكتابة له قيدا إذا جنّ الليل، فما أكاد احمل القلم وابدأ حتى أرى القلم ينقض عليّ رأيي وعزمي ويمضي إلى حيث شاء كما شاء، فما يبقى من آية النهار المبصرة شيئا إلا طمسه أو إزالة أو نكّر من معارفه. وما أظنّ إلا أن كل كاتب قد ابتلى من قلمه بمثل الذي ابتليت به أو بشيء يقاربه. ومن اعسر شئ ألقاه من هذا القلم ربما بدأت الكتابة، فإذا هو مطواع حثيث ماض لا يتوقف، وإذا كلمة مرسلة إليه ليقيدها، فإذا هو كالفرس الحرون قد ركب رأسه وأبى اباء، فلا أزال أترفق به واستحثه وأديره بين أناملي ليلين ما استعصى من طباعه، ولكنه يأبى إلا لجاجة وعنادا، ثم ينزع إلى وجه غير الذي أردت، وإذا أنا مضطر أن أعود من حيث بدأ هو لا من حيث أردت أنا أن ابدأ، وعندئذ يمضى على هواه وعلى ما خيّلت. وقد عرفت ذلك من عاداته قديما، فما يكاد يفعل ذلك حتى أثوب به إلى ورقة أخرى فإبداء الكتابة من حيث أراد، وأمري لله.

أفتراني أخطئ إذا أنا زعمت إن لقلم الكاتب شخصية مستقلة بل منفصلة تكاد أحيانا تغلب حامله على رأيه وعلى تقديره وعلى عزائمه؟ أم الإنسان المفكر صاحب العقل شئ آخر غير الإنسان الكاتب حامل القلم؟ فهو حين يفكر يعطي أفكاره من الحرية والسعة والحماسة ما يجعلها اقدر على التصرف في وجوده الرأي وشعابه ونواحيه، فإذا حمل القلم ليملي عليه بعض أفكاره، استقل قلمه بالفكرة بعد الفكرة يزنها ويقدرها على قدر عقله هو لا على عقل حامله، فربما عرض له أن ينبذ منها أو ينتقَّصها أو يتجافى عن طريقها فيسد عليها المسالك ويضرب عليها بالأسداد، ثم يشرع إلى وجه غير الذي يراد له؟ أم الإنسان إذا فكر ثم أراد أن يكتب وحمل القلم صار هو نفسه شخصا أخر غير الإنسان المفكر بغير قلم محمول؟ كل ذلك ممكن، ولكنه على كل حال متعبة وشقاء لحامل القلم ما بعده شقاء ولا تعب.

وأعرف رجلا من أصدقائي الكتاب، إذا حمل القلم وكتب كلمات ألقى قلمه ضجرا يائسا متململا من عسر المدخل الذي دخل به على ما أراد، فإذا عاد القلم إلى جماحه وتعذره، ولا يزال كذلك مرة بعد مرة حتى يرى قلمه قد رضى وأطاع ومضى إلى أخر حرف في المقالة غير متوقف ولا متلعثم، وقد قال لي: انه ربما مضت الأيام على ذلك الحِران، مع انه يعلم مستيقنا إن الفكرة كانت قد اختمرت واستوت وتهيأت له من قبل أن يحمل القلم بأيام، وانه كان يظن انه لن يحمل قلمه حتى يراه قد انساب انسيابا لا يعوقه شئ، فإذا فرغ من كتابة ما أراد لم يجد انه زاد قليلا ولا كثيرا عما كان فكر فيه وعزم على كتابته. فأي سر هذا الذي ينطوي عليه القلم حتى يكون هو المتصرف الذي لا يرد لما أراده أمر؟ قد تقول: انه الحالة النفسية التي يكون عليها الكاتب؛ وقد تقول: إنه الجو الذي تعيش فيه الكلمات التي ينبغي استنفارها من مكامنها؛ وقد تقول أشياء كثيرة من هذا وأمثاله، ولكن يبقى انك لا تكاد تميز بعد الكتابة شيئا من الاختلاف عما كنت قد فكرت فيه وأدرته في نفسك وعرفت انه قد أطاع لك، فمن أين جاء هذا التوقف العجيب الذي تعتاده بعض الأقلام؟!

وأنا قد جربت نفسي، فرأيتني إذا أردت أن اكتب أحيانا شعرا يدور في قلبي ويلح على خاطري، فأمسكت أي الأقلام وقعت عليه يدي، فإذا هو عصيٌّ عنيد لا تلين له سنٌّ - أو قناة على ما يقولون - فإذا ألقيته وحملت القلم الذي اعتدت زمانا أن اكتب به الشعر، أو الذي اعتاد هو أن يكتب لي الشعر، انطلق على سجيته طيعا رفيقا سهل المقادة حسن التهدي إلى قبله الشعر. فاحب الآراء إليّ أن اجعل للقلم شخصية منفصلة تعين الكاتب أو تعانده، فذلك أشبه بالسلطان العريض الذي فرضته الأقلام على الحياة، والذي لولاه لعاش الإنسان ومات وكأنه لم يوجد قط.

كنت أردت أن اكتب شيئا عن المتنبي وعن حكمته وبصره الحياة وبالناس وبما يعتلج في القلوب على اختلافها , وذلك لحديث جرى بيني وبين أحد ضيوف مصر من أهل العراق. وأردت أن أقارن بين ما يسمونه شعر الحكمة، وبين حكمة المتنبي في شعره، وأين وقع منه سائر الشعراء؛ فما كدت ابدأ حتى عرضت لي أبيات المتنبي التي يقول فيها:

إنما انفسُ الأنيس سباعٌ ... يتفارسنَ جهرةً واغتيالا

من أطاق التماس شئٍ غلاباً ... واغتصاباً لم يلتمسه سؤالا

كل غادٍ لحاجةٍ يتمنى ... أن يكون الغضنفَر الرئبالا

وذكرت عندئذ ذلك البيت الذي أحيته أم كلثوم حين غنت في شعر شوقي:

وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا وما استعصى على قومٍ منالٌ ... إذا الإقدام كان لهم ركابا

وأردت أن أعرض للفرق بين القولين، وبين العبارتين، وبين القوتين، وبين البيانين. فأي دقة وأي هداية كانت لهذا الرجل الفذ الذي لو احتلت على بعض ألفاظه أن تجد لها بديلا في كلامه لأفسدت معنى البيت وقوته وعبارته وبيانه! فخذ مثلا لفظ (الأنيس)، وتخير ما شئت من حروف اللغة وضعه حيث وضع المتنبي لفظه، وأقرا وانظر وتدبر، هل يليق أو يسوغ أو يلين أو يستقر في مكانه من البيت؟ ضع مكانه (الإنس) أو (البشر) أو (الناس) أو (الأنام) أو ما شئت، سواء استقام الوزن أو لم يستقم، تجد الفرق بين الاختيارين عظيما واسعا. فهو قد اختار اللفظ والبناء الذي يدل دلالة على المؤانسة والرقة والتلطف وإظهار المودة والظرف وحلاوة الشمائل ولين الطباع، ليظهر لك أنها تخفي تحت هذا كله طباعا وحشية ضارية مترفقة حينا وباغية أحيانا فمهد للصورة التي أرادها باللفظ الذي لا يستغني عنه في دقة الصورة وحسن بيانها. فأين هذا من ضعف شوقي الذي لم يزد على أن جمع كلمات رص بعضها إلى بعض لا حاصل لها ولا خير فيها. وما قيمة ذكر الركاب، مع الإقدام والاستعصاء والمنال؟ وأما البيت الأول (وما نيل المطالب)، فهو كلام عامي دائر على الألسنة، ولا فضل فيه، بل هو أشبه بتقرير ضعيف عن معنى ليس بشيء.

وعندئذ عرض لي أنا أن هذا الفعل من شوقي هزل للمعاني، وهزل في طِلابَها، وهزل في أدراكها على وجهها. وإذا هذا القلم يسألني - أو يأبى ألا أن يذكرني - بان الهزل الذي كان فيه شوقي خير من كل هذا الهزل الذي أصبحنا وأمسينا نعيش فيه. فالدنيا تجد من حولنا ونحن نهزل، ولا نكاد نجد من كبار رجالنا أحدا قد نهض به جَدُّه وجِدُّه في ناحية إلا وقد سقط به هزله في ناحية أخرى. وان اشد البلاء من مثل هذا الرجل أن يلبس عليه حتى يظن أن هذا الهزل هو أجد الجد، لأنه ظن انه ما بلغ إلا بجدٍّ كان فيه طبيعة مغروزة فظن حتى صار ظنه حقا عنده.

ولسنا نحب أن نطعن على الرجال بالحق فضلا عن الباطل، ولكن بلادنا في كل مكان من مصر إلى الشام إلى لبنان إلى فلسطين إلى العراق إلى بلاد الهند إلى أند ونسيا إلى الجزائر وتونس ومراكش؛ قد أحست شعوبها أن ساعة الجد قد آذنت ودنت، وأنها ساعة إذا أفلتت فلن تعود إلا بلاء وعناء وشقاء. ومع ذلك فالرجال والزعماء وأصحاب الرأي أيضا، وهو اشد البلاء، قد ركَّبوا في رؤوسهم أذنا من طين وأذنا من عجين - كما يقول المثل العامي - فما يسمعون حسيس النار التي تشتعل في صدور أبناء هذا الشرق ألا كحشرجة الميت، فهم يعالجون أمورنا على صورة من اليأس والملل، كأنما يرجون الظفر بأي شئ كان، ماداموا يحسبون انهم إذا رفعوا لأعين الناس هذا الذي ظفروا به، وقالوا لهم لقد ظفرنا لكم بخير ما ترجون، صدّقهم الناس وصفقوا لهم ومشوا في ركاب مجدهم، وجأروا إلى الله بالشكر على ما انعم على أيديهم. فهم ليسوا طلاب حق ضائع بل طلاب مجد كاذب، يظنون انهم يختمون به أعمالهم الصالحات.

فأي هزل كهزل رجال الهند مثلا، وهم الذين عركوا ساسة الإنجليز مائة وخمسين عاما أو تزيد، ولقوا من خداعهم وكذبهم وتغريرهم وقسوتهم وشناعة أحقادهم مالا ينسى مواجعه ألا غِرٌّ غافل؟ وإذا الذين كانوا بالأمس نار الثورة وضرامها قد رضوا أن يستمتعوا بالحكم ويصيروا وزراء في شعب مستعبد تدوسه أقدام الغاصبين، وهو لا يزال يسمع منهم أن الهند جزء لا يتجزأ من هذه الأمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن أملاكها - فأي هزل اسخف وابعد في الغفلة والسذاجة وسوء التقدير من هذا الحكم؟ وفيم يدلس هؤلاء على إخوانهم الذين لا يعرفون كما يعرفون من خبايا النيات البريطانية التي تدس لهم السم في الدسم؟ أو لم تكفهم العبرة التي لا تزال أختهم مصر ترفل في أغلالها منذ سنة 1924 إلى يوم الناس هذا، حين قبل رجال الثورة إن يكونوا للناس حكاما تحت ظلال الغصب والاحتلال؟

وأي هزل اشد على النفس الشاعرة مرارة وغضاضة من رجال قاموا من غفلتم ومنامهم يسمعون الشعب كله ينادي (الجلاء ووحدة وادي النيل)، أي ينادي بالحق الطبيعي الذي لا يحتاج إلى تفسير ولا بيان ولا شروط، والذي ظلت مصر الصابرة تهمس به أحيانا وتصرخ به أحيانا أخرى منذ سنة 1882، وإذا هم يطالبون بالذي يطالب به الشعب، ولكنهم لا يلبثون ألا قليلا حتى يرضوا لأنفسهم أن يدخلوا من باب المفاوضة مع البريطانيين، فلما دخلوا داروا فيها كما تدور بهم، وهم كانوا أولى الناس بان يعرفوا بعد طول التجربة ما عرفه الشاب مصطفى كامل إذ قال لهم: (لا مفاوضة إلا بعد الجلاء)، لأنه أدرك إن المفاوضة معناها أن ينزل الضعيف عن أكثر حقه للقوى الطائش الباغي؛ فما ظنك به وهو ليس بقوي طائش باغ وحسب، بل أيضاً منصور مظفر قد خرج من الحرب وهو يظن أن الدنيا له، وانه وان كان ضعيفا بين الأقوياء، إلا انه هو الجبار العظيم بين الضعفاء؟ وانه سوف ينال من الأقوياء والضعفاء بحيلته وسياسته ما لا ينال بالعنف، فلذلك آثر طريق المفاوضة، واتخذ أعوانه لينيموا الشعب إليها حتى يهدأ ويسكن ويظن انه بالغ ما يريد؛ لان الدنيا تغيرت، ولان العالم في حاجة إلى نظام جديد ليس بينه وبين القديم شبه. وظلت المفاوضات اشهرا وهي تسير فينا على عكازتين كأنها هي الأخرى من ذوي العاهات الذين خلفتهم الحرب عرجا وظلَّعا أو شرا من ذلك. فأي هزل هذا؟

أي هزل هذا الذي يؤمن به رجال يخالهم الناس من أصحاب العقل والحكمة وسداد الرأي في المعضلات؟ وماذا فعلوا منذ بدءوا إلا إن قدم الإنجليز مشروعا وقدموا مشروعا؟ ولا يزالون على ذلك إلى يومنا هذا. فهم إنما يتقارضون كلاما لا يغنى عنهم ولا عن مصر. وفيم يتفاوضون؟ ألا أن الحق بيّن والغصب بيّن، فقولوا لأصحابكم الذين تفاوضون إن مصر لا تريد إلا تحقيق هذه الكلمات: (الجلاء ووحدة وادي النيل). إننا نريد مصرنا وسوداننا، إننا لا نريد منكم إلا أن تدعونا وشأننا، اخرجوا من بلادنا، فارقونا. قولوا ذلك وعلموا الشعوب بأيمانكم وإصراركم أن تكون اشد إصرارا وأيمانا وأوفى شجاعة واقدر صبرا، وإلا سوف يأتي يوم يجدُّ فيه الشعب جدَّه، فإذا الذي ظننتم انه مجد لكم هو ابغض شئ إلى الشعب، واعلموا انه لا مجد إلا بفعال، والهزل مخبثة للفعال، فجدوا إذن وعودوا إلى الإنجليز من حيث بدءوا بكم.

إن هذا الذي يحدث في الهند وفي مصر حسرة للنفوس تطوي تحتها أسوا مغبة، فهل من رجال ينقذون بلادهم من شر هذه الموبقة المستطيرة؟ إن الحكام والمفاوضين طلاب المجد لن يذوقوا لذة المجد حتى يكون الشعب هو الذي يذوق لهم طعمه، فإذا إستكرهه، فلا تخدعنهم الحلاوة التي يجدونها في ألسنتهم، فإنها مرارة الدهر وذل الأبد. ورحم الله المتنبي:

من أطاق التماس شئ غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا

فعلام المفاوضة، وفيم السعي إلى الحكم؟

محمود محمد شاكر