مجلة الرسالة/العدد 518/حصاد القمر. . .!

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 518/حصاد القمر. . .!

مجلة الرسالة - العدد 518
حصاد القمر. . .!
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 06 - 1943


(وحي سياحة قمرية في ليلة من ليالي الحصاد بين حقول

القمح، والنخيل. حيث كان الشاعر ضيف القمر بقرية (أم

خنان) الهاجعة في مروج الجيزة الخضراء)

للأستاذ محمود حسن إسماعيل

سِيَّانِ في جَفْنِهِ اْلإغْفَاءُ وَالسَّهَرُ ... نَامَتْ سَنَابِلُهُ وَاسْتَيْقَظَ القَمَرُ!

نَعْسَانُ يَحلُمُ وَاْلأَضْوَاءُ سَاهِدَةٌ ... قَلْبُ النَّسِيم لَهَا وَلْهَانُ يَنْفَطِرُ

مَالَ السَّنَا جَاثِياً يُلْقى بِمَسْمَعِهِ ... هَمْساً مِنَ الْوحْي لاَ يُدْرَى لَهُ خَبَرُ

وَأَطْرَقَتْ نَخْلَةٌ قامَتْ بِتَلْعَتِهِِ ... كأَنَّهَا زَاهِدٌ في اللهِ يَفْتَكِرُ

إِنْ هَفَّ نَسْيم بها، خِيلَتْ ذَوَائبُهَا ... أَنَامِلاً مُرْعَشاَتٍ هَزَّهَا الْكِبرُ!

كأَنَّماَ ظِلُّهَا في الحَقْلِ مُضْطَهَدْ ... صَمْتُ السَّكِينَةِ عَنْ جَانِيهِ يَعْتَذِرُ

الدَّوْحُ نشوَانُ! فَاخشَعْ إِنْ مَرَرتَ بِهِ ... فَضَيْفُهُ الْباطِشاَنِ: الّليْلُ، وَالْقَدَرُ!

كأَنَّ أَغْصَانَهُ أَشبَاحُ قاَفِلَةٍ ... غَابَ الرَّفِيقَانِ عَنَّهَا: الرَّكْبُ، وَالسّفرُ

مّبْهوُرَةُ شَخَصَتْ في الجَوِّ ذَاهِلَةً ... كأَنَّهَا لحَبيبٍ غَابَ تَنْتَظِرُ!

أوْ أَنَّهَا نَسِيَتْ عَهْداً، وَأَنْعَشَهَا ... شَجْوُ الرِّياح فَهَاجَتْ قَلْبَهَا الذِّكَرُ

أَوْ أَنَّهَا وَاْلأَسَى الْمَكْبوُتُ في فَمِهَا ... بَنَاتُ وَعْدٍ بها عُشقُهَا غَدَرُوا

عَجْمَاَء تَنْبِسُ كالتمْتَامِ عَاتِبَةً ... وَمِلْءُ أَفْوَاضهَا التَّهْوِيمُ وَالْحدَرُ!

يَا سَاكِبَ النُّورِ لا يَدْري مَناَبِعَهُ ... لأَنْتَ قَلْبٌ يُشِعُّ الْحُبَّ، لا قمرُ!

هَيْمَانُ تَحْمِلُ وَجْدَ الّليْلِ أَضْلُعُهُ ... وَالّليْلُ تقْتُلُهُ اْلأَشْجَانُ وَالْفِكَرُ

كأَنَّهُ زَوْرَقٌ في الخُلْدِ رحْلَتُهُ ... تَيَّارُهُ مِنْ ضِفَافِ الْحُورِ مُنْحَدِرُ

ياَ طَائِراً في رُبَى اْلأَفلاَكِ مُخْتَفِياً ... يَمْشِي عَلَى خَطْوهِ الإِجْفَالُ والْحَذَرُ

أََرْخِ الِّلثَامَ، فمهْمَا سِرْتَ مُحْتَجِباً ... نمَّتْ عَلَى نُورِكَ الأسْدالُ وَالسُّترُ

عَلاَمَ ضَنُّكَ بالأنْوَارِ في زَمَنٍ ... إِليْكَ يَظْمأُ فِيهِ الرَّوح والْبَصَرُ!

اْلأَرضُ مُظْلمَةُ الأسْرَارِ سَاخِرَةٌ ... كأَنَّهَا شَيْخَةٌ بالنَّاس تَتَّجِرُ تَقَبَّلَتْ كلَّ مَوْلُودٍ بِقَهْقَهَةٍ ... وَقَهْقَهَ الّلحْدُ لَّما جَاَء يَنْدَثِرُ!

ياَ طَائِفاً لم يَنَمْ سِرٌّ عَلَى كَبِدٍ ... إّلا وَحَفَّكَ مِنْ أَحْلامِهِ أَثَرُ

تمْشِي الْهُوَيْنَا، كما لو كُنْتَ مُقتْفِياً ... آثاَرَ مَنْ دَنَّسُوا مَغْناَكَ وَاسْتَتَرُوا

ليْلاَتُكَ الْبِيضُ وَاْلأَيَّام تَحْسُدُهَا ... عَرَائِسٌ عَنْ صِبَاهَا انْحَلَّتْ اْلازُرُ

سَمِعْتُ سِحْرَكَ في الأضْواءِ أَغْنِيَةً ... حَيْرَى تَأَوهَ عَنْهَا الرِّيحُ وَالشَّجَرُ!

وَعَيْتُها وَنَقلْتُ السِّرَّ عَنْ فمها ... لِمنْ أَبوُحُ به وَالنَّاسُ قد كَفَروا؟!

آمَنْتُ باللهِ! كلُّ الْكَوْنِ في خَلَدِي ... هَادٍ إلَيْهِ. . . الْحَصَى، والذَّرُّ، وَاَلْحَجَرُ!

ذرَتْ عُيُونكَ دَمْعاً لَيْسَ يَعْرفُهُ ... إلا غَرِيبٌ بصَدْرِي حَائِرٌ ضَجِرُ!

قلْبٌ، كَقَلْبِكَ مَجْرُوحٌ. . . وَفي دَمِهِ ... هَالاتُ نورٍ إليهَا يَفْزَعُ الْبَشَرُ!

إِنَّ الْعَذَابَ الَّذِي أَضنَاكَ في كَبِدِي ... مِنْ نَارِهِ جَذْوَةٌ تَغْلِي وتَسْتَعِرُ

سَرَى كِلاَناَ وَنَبْعُ النُّورِ في يَدِهِ ... أَنْتَ السَّناَ! وَأَناَ الإنْشَادُ وَالْوَتَرُ!

وَأَشْرَبَتْناَ اللّيالِي السُّودُ أَدْمُعَناَ ... وَأَنْتَ سَالٍ وَنَفَسِي غَالَهَا الشَّرَرُ!

كأَنَّ وَجْهَكَ في الشُّطْآنِ حِينَ غَدَا ... إليْكَ يُومِئُ مِنْ أَدْوَاحِهَا نَظَرُ. . .

مُبَشِرٌ بِنَبيٍّ. . . ذَاعَ مُؤْتَلِقاً ... عَلَى الْعَوَالمِ مِنْ أَضوَائِهِ الْخبَرُ!

اللهُ أَكْبرُ! يا ابْنَ الّليْلِ. . . يا كَبِداً ... لم يُضْنِ أَسْرَارَهَا التِّطْوافُ وَالسَّهَرُ!

بَكَى الْحَيارَى عَلَى الدُّنْياَ مَوَاجِعَهُمْ ... وَصَرَّعَتْهُمْ بَلاياَ الدَّهْرِ وَالْغِيَرُ

وَأَنْتَ حَيْرَانُ مُنْذُ الْمَهدِْ. . . لا وَطَنٌ ... وَلا رَفِيقٌ، وَلا درْبٌ. . . وَلا سَفَرُ!

لكن طَرفَكَ نَشوانُ السنا، ذَهَبَتْ ... منابِعُ السِّحْرِ من بلواهُ تنهَمِرُ!

قِفْ مرةً في سماء النيلِ واضْعَ إِلى ... محيرينَ سَرَوْا في الحَقلِ وانتشروا

قومٌ. . . هُمُ الدَّمْعُ والآهاتَ تحمِلُها ... أقفاصُ عظمٍ لَهُمْ مِنْ خَطوِها نُذُرُ!

كادتْ مناجِلَهم والله مُشرِبُها ... بأس الحديدِ من البأساءِ تنصهِرُ!

مَشوا بها في مغاني النورِ تحسَبُهُمْ ... جَنائِزاً. . . زُمَرٌ أنتْ لها زُمَرُ!

جاسوا الحقولَ مساكياً جلائِبُهُمْ ... توراةُ بُؤْسٍ عليها تُقرأُ العبَرُ

يجنونَ أيامهُمْ ضَنكاً ومسغبةً ... مِما أفاَء لهم وأدبهُمُ النَّضِرُ!

ساءلْتُ سُنبُلَهم: ما سِرُّ شقوتِهِمْ ... ومِنْ غُبارِ يديهم مَرْجُكَ العَطِرُ؟ فمالَ واسترجَعَتْ عيدانُهُ نغَماً ... يلغُو من الموتِ في أصدائِهِ سَمَرُ!

وإذ بها في تُرابِ الحقلِ نائمةً ... تحكِي توابيتَ لم توجد لها حُفَرُ

بكى الحصيدُ على أحزانِ غارِسِهِ. . . ... متى سَيُحْصَدُ هذا الدمعُ. . . يا قَمَرُ؟!