مجلة الرسالة/العدد 416/بمناسبة المهاجرين من منكوبي الغارات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 416/بمناسبة المهاجرين من منكوبي الغارات

مجلة الرسالة - العدد 416
بمناسبة المهاجرين من منكوبي الغارات
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 23 - 06 - 1941


الفقراء

قصيدة لفكتور هوجو

(مهداة إلى السادة: يوسف كمال والبدراوي وقوت القلوب)

- 1 -

الليل مُرخي السدول؛ والكوخ ظاهر الإملاق، ولكنه محكم الإغلاق.

كان المسكن يغشاه الظلام، ولكنك تحس شيئاً فيه يضيء خلال هذه العتمة

على حائطه علق الصياد شباكه؛ وفي أحد ركنيه من الداخل تلمع بعض المواعين الحقيرة على صندوق الخبز؛ وفي الركن الآخر يقوم سرير كبير قد انسدلت عليه أستاره الطويلة

وعلى مقربة منه حشية مفروشة على د كتين باليتين، وخمسة أطفال صغار كعش من أعشاش الأرواح قد رقدوا عليها

وكان في الموقد العالي بقية من الضرم تلقي ضوءها الأحمر على السقف القاتم، وبجانب السرير امرأة وضعت جبينها على حافته وهي جاثية تصلي وفي صدرها نجيّة وعلى وجهها شحوب

تلك كانت الأم، وهي وحدها في الكوخ؛ ومن وراء هذا الكوخ المظلم المحروم، زفرات البحر المزبد المشئوم، يرسلها سوداء في السماء والهواء، وفي الضباب والصخور

- 2 -

كان الزوج يعمل في البحر؛ وكان منذ طفولته بحاراً كُتب عليه أن يلقى الحظوظ السود في أهول المعارك. فهو في المطر الواكف، وفي الهواء العاصف، محتوم عليه أن يخرج إلى الصيد لأن أطفاله يتضاغون من الجوع. . .!

يخرج في المساء إذا مد الماء وغمر سلالم الجسر، ثم يقود وحده سفينته ذات الشرع الأربعة، وتبقى الزوجة في البيت تخيط شراعاً، أو ترتق شبكة، أو تهيئ شصاً؛ وتراق في غضون ذلك القدر وهي تغلي على الكانون بحساء السمك. حتى إذا طاف الكرى بأطفالها الخمسة اتجهت هي إلى الله تصلي وتضرع!

غاب الرجل وحده في ظلمات الليل، وفي لجج المحيط، والأمواج المتجددة تغالبه وتصرعه، والخطوب المترصدة تجذبه وتدفعه

أيهذا العمل الكادح ما أقساك! الظلام شديد الحلك، والجو قارس البرد، والمكان الصالح للصيد لا يكون إلا في مصادم البحر بين الأمواج الرّعن والهوى السحيقة، فترى على مجاهل المحيط الواسع هذا المكان المتنقل المتدلل على هوى السمك ذي الزعانف الفضية، يضيق فيكون بمقدار النقطة، ثم يتسع فيكون في ضعف الغرفة؛ والصياد مقضي عليه أن يجهد جهده، فيحسب حساب المد والهواء، ويوفق بين أفاعيل السماء والماء، ليهتدي في ظلام الليل وفي ضباب ديسمبر إلى هذه النقطة المتنقلة في هذه الصحراء المتحركة!

الأمواج على طول الشاطئ تنساب انسياب الأفاعي الخضر، والهاوية تدور وتدوّم وتدّوي فتصطك أعضاء السفينة من الرعب، وتئن أدواتها من الهلع، والصياد في أحضان البحر المجنون يفكر في زوجه جاني، وزوجه جاني على البعد تناديه وتناجيه وهي تبكي، فتتلاقى أفكارهما في الظلام، وأفكار العشاق طيور قدسية أبراجها القلوب

- 3 -

كانت جاني تصلي وطير النّورس بصوته الأصحل الساخر يزعجها، وموج البحر بهديره المتكسر الصاخب يرعبها، وأشتات الأطياف تمر بخاطرها فتقلقها. كانت تتمثل ذلك المحيط العجاج والملاح المحمول على ثبجه الغاضب، وترى هذه الساعة الحائطية الباردة تنبض في علبتها كما ينبض الدم في عروقه، فتُساقطُ الأيام والفصول والأعوام في خفاء الغيب قطرة فقطرة؛ وكل نبضة من نبضاتها تفتح لأسراب النفوس: صقورها وحمائمها المهود من جهة، واللحود من جهة أخرى

كانت تفكر في هذا الفقر المدقع الذي قضى على أطفالها أن يمشوا حفاة في القيظ والزمهرير، وأن يعوزهم خبز القمح فيتبلغوا بخبز الشعير!

رباه! إن الهواء يفهق كالكير، والشاطئ يصوت كالسندان، وكأني أرى صور السماء، تتطاير في الزوبعة السوداء، كما تتطاير زوابع الشرر في دخان الموقد هذا هو الوقت الذي ينتصف فيه الليل على الراقص المرح وهو يقصف هيمان بين ضحكات القلوب ومتع الأعين

وهذا هو الوقت الذي ينتصف فيه الليل على قاطع من قطاع الطرق عجيب، ينتقب بالظلام والمطر، ويتصدى لملاح مسكين يرتعد من البرد فيحطمه على الصخرة الهائلة التي تظهر فجأة؛ فيشعر المسكين - والموت يقطع َزويله وعويله - أن السفينة تنشق لتغوص، وأن اللجة تنفتح لتبلع؛ ثم يلمح في خاطره وهو يهوي في غيابة الفناء ولجة الماء ذكرى الحلقة الحديدية في رصيف المرفأ المشمس!

فزّعت هذه الرؤى العابسة قلب جاني فاضطربت اضطراب ليلها، واستكانت لجزعها وويلها، فلم ينفس عنها غير البكاء

- 4 -

لله ما أشقاكن يا نساء الصيادين! إن مما يروع النفس ويلوع الفؤاد أن تقول كل منكن لنفسها: (إن أبي وحبيبي وأخي وولدي وكل عزيز عليّ هم جميعاً في ذمة هذا المضطرب العظيم؛ وإن القدر قد أباح للبحر الأهوج أن يعبث بهذه الرؤوس منذ كان المرء صبياً يتعلم، إلى أن يصير زوجاً يتزعم؛ وإنهم في هذه الساعة قد يحزبهم الأمر، ويكربهم الهم، فلا يدرون أين يسيرون، وهم لا يملكون لمقارعة هذه البحار اللجية التي لا قاع لها، وهذه اللجج المظلمة التي لا نجم فوقها، إلا قطعة من الخشب ومزقة من النسيج! فإذا ما اعتلج في صدرها الهم، هبت مذعورة تجري خلال الصخور وهي تسأل الأمواج ضارعة: (رديهم عليّ!!. . .)

ولكن وا أسفاه! ماذا عسى أن يرد البحر الذي لا يبرح في تقلب واضطراب، على الفكر الذي لا ينفك في تشتت واكتئاب؟

كانت (جاني) أشد هماً وغماً من ترائبها جميعاً؛ لأن زوجها وحيد في جوف هذا الليل الشديد وتحت هذا الكفن الأسود؛ وأطفاله لا يزالون صغاراً فلا وزر له فيهم ولا عون!

أيتها الأم! إنك تقولين اليوم وأنت ترين أباهم وحيداً: ليتهم كانوا كباراً! ولكنك ستقولين غداّ عندما ترينهم يذهبون مع الأب: ليتهم كانوا صغاراً!)

- 5 - أخذت (جاني) مصباحها ورداءها وذهبت ترى: هل عاد الزوج، وهل سكن البحر، وهل أشرق الصبح، وهل ومض النور في سارية الإشارة؟

هاهي ذي تسرع الخطى في الطريق، ولكن هواء الصبح لم يهب، وضياء الفجر لم يلح. وكانت السماء تمطر؛ ولا تجد أشد ظلاماً من مطر الصباح! كأنما كان النهار يضطرب مخافة أن يوجد، وكأنما كان الفجر يبكي كالطفل ساعة يولد!

وعلى حين فجأة لاح لعينيها وهما تتحسسان الطريق كوخ واهي الدعائم قاتم الأعماق فلا نور ولا نار. له باب لا يستقر من الريح، وعليه سقف لا يسكن من القلق، ومن فوقه تعبث الريح الصرصر بهشيم من القش الأصفر الكريه المنظر؛ فقالت (جاني): (عجيب! ما لي لم أفكر في هذه الأرملة الفقيرة التي عثر عليها زوجي ذات يوم وهي وحدها تكابد غصص المرض؟! لا بد أن أعود لأنظر ما حالها!)

قرعت جاني الباب وتسمعت فلم يجبها أحد. فقالت لنفسها وهي تنتفض من البرد: (لا تزال مريضة؛ وأولادها، لا ريب، يقاسون سوء التغذية! لم يبق للمسكينة غير طفلين!) ثم طرقت الباب ثانية ونادت: يا جارتي! يا جارتي! فلم يرد عليها أحد.

فقالت جاني: لقد أثقلها النوم فلا لابد من تكرار الطرق ومعاودة النداء. ولكن الباب في هذه اللحظة أدركته نفحة من عناية الله فانفتح من ذات نفسه!

- 6 -

دخلت جاني الكوخ المظلم الصامت ونور مصباحها يسعى بين يديها، فوجدت سقفه كالغربال لا يمسك المطر، ورأت في صدره امرأة هامدة لا نبض بها ولا حس! قدماها عاريتان، وعيناها مظلمتان، وهيئتها فظيعة. كانت هذه هي الأم المرحة التي قضت حياتها الأولى في بهجة وقوة، فلم تزل الأيام والآلام تعُركها وتريحها وتيريها حتى لم يبق منها غير هذا الهيكل. كانت إحدى ذراعيها قد تدلت على جانب الفراش الخشن، وكان فمها المغفور ينبعث منه الرعب بعد أن لفظ الروح وهي تصيح صيحة الموت إذا سمع نداء الأبد

وعلى مقربة من سرير الميتة كان طفلان ذكر وأنثى ينامان باسمين في مهد واحد. وكانت الأم حين أحست دبيب المنية قد وضعت معطفها على قدميهما، وثوبها على جسميهما، حتى يحسا الدفء في الساعة التي تسري في جثمانها برودة الموت!

- 7 -

كان الطفلان ينامان ملء الجفون في مهدهما النابي القلق؛ وكان المطر يهدر خارج الكوخ هدير السيل، والسقف العتيق يُساقط الحين بعد الحين على جبين الميتة قطرة، فتسيل على خدها الشاحب فتكون عَبرة؛ وكان الموج يصلصل كناقوس الخطر، والميتة تتسمع في الظلام والسكون في هيئة الأبله؛ لأن الجسم متى فارقته الروح بدت عليه حال الباحث عنها. وكأنك تسمع هذا الحوار بين الفم الذابل والعين الحزينة:

تقول العين للفم: ماذا صنعت بزفراتك؟

ويقول الفم للعين: وماذا صنعتِ أنتِ بنظراتك؟

وا أسفاه! عيشوا أيها الناس وأحبوا، وارقصوا، واضحكوا، واقطفوا الزهور، وارشفوا الغور، واحرقوا القلوب، وأفرغوا الكؤوس، فإن الله قد جعل مآل كل لذة إلى القبر، كما جعل مآل كل نهر إلى البحر!

- 8 -

ماذا صنعت جاني عند الأرملة الميتة؟ ماذا تحمل تحت ردائها الضافي وهي تمشي؟ لماذا يخفق قلبها وتسرع خطاها؟ لماذا تعدو في الطريق ولا تجرؤ أن تلتفت؟ أي شيء في الظلام خفية على السرير؟ ليت شعري ماذا سرقت جاني؟

- 9 -

عادت جاني بما تحمل إلى بيتها، ثم وضعت كرسياً بجانب السرير وجلست عليه ساهمة الوجه كأنما تعاني وخز الضمير. ثم ضاق ذرعها بما تجد فألقت جبينها على حافة السرير وأخذت تغمغم بهذه الكلمات المتقطعة:

وا حسرتاه عليك يا زوجي المسكين! رباه! ماذا عسى أن يقول؟ ألا يكفيه ما يحمل من الهم؟ وهل فضل كدحه المرهق عن قوت أطفاله الصغار حتى أثقل كاهله بهذا العبء الجديد؟ أهو هذا؟ كلا! لا شيء. لئن ضربني زوجي لأقولن له: حسناً فعلت أهو هذا؟ كلا! حسن! إن الباب يتحرك كأن إنساناً دخل، ولكن لا

رباه! مالي أصبحت الآن أخشى عودة زوجي؟

ثم اعتراها الوجوم فظلت ساهمة تغوص في الهم كما يغوص الغريق في اللجة؛ ثم فقدت الشعور بالدنيا فلم تسمع في الخارج حركة ولا ضجة

انفتح الباب فجأة فانسكب في الكوخ شعاع أبيض، ثم لاح الصياد على العتبة يجر شبكته وهي تقطر من البلل ويقول بلهجة المبتهج: تلك مهنة البحر!

- 10 -

رأت جاني زوجها فهتفت به وعانقته عناق الحبيب. وكان الزوج في أثناء ذلك جذلان يقول: هأنذا يا امرأتي! ثم ينعكس على جبينه الذي يضيئه نور الكانون، قلبه المسرور الطيب الذي يضيئه حب جاني

- كيف كان الجو؟ - كان قاسياً. وكيف كان الصيد؟

- كان سيئاً! ومع ذلك أجدني قد وجدت السرور والراحة حين قبلتك!

لقد خرقت شباكي ولم أصد شيئاً! ما كان أهول ذلك الجو! لقد كان يخيل إليّ أن الشيطان ينفخ في الهواء، وأن السفينة المضطربة توشك أن ترقد في الماء!

- وأنت ماذا صنعت في هذا الجو القاسي؟

فاستقلت الرعدة جاني وقالت:

- أنا؟ لا شيء. لقد كنت أخيط كالعادة؛ وكنت أسمع البحر يزمجر كالرعد فتدركني روعة شديدة

- أجل إن الشتاء شديد؛ ولكن الزمن كله في حياتنا سواء! ثم قالت جاني وهي تضطرب اضطراب من فعل شرا:

- إن جارتنا الأرملة قد ماتت. ولعل موتها كان في عشية الأمس بعد أن خرجت أنت. لقد تركت طفلين صغيرين: غليوم ومادلين. ذاك يحبو ولا يمشي، وتلك تغمغم ولا تبين. لشد ما كابدت هذه المرأة الصالحة برحاء الهم والفقر!

فلما سمع الرجل هذا الخبر اتخذ هيئة الجد ورمى بقبعته المبللة في كسر الكوخ ثم قال وهو يحك بأظفاره جلدة رأسه: - يا للشيطان! إن لنا خمسة أطفال فهل يصبحون سبعة؟ إننا في هذا الفصل الشديد نقضي بعض أيامنا على الحساء فماذا نصنع؟ ليس الذنب ذنبي؛ إنما هي مشيئة الله. إن من الحوادث ما يحار في تعليله الفكر. لماذا حرم الله هذين الطفلين أمهما وهما في هذه السن وهذه الحاجة؟ لا جَرَم أن أعمال الله لحكمة، ولكنها كثيراً ما تخفى على غير البصير

اذهبي يا جاني فأتي بهما. إني لأخشى أن يستيقظا فيستشعرا الخوف من وجودهما وحيدين مع الميتة

أبقي بهما يا جاني نخلطهما بأبنائنا، ونشركهما في سرائنا، وأنا واثق أن الله سبحانه وتعالى سيرزقنا من حيث لا نحتسب، ويبارك صيدنا فنكتسب أكثر مما كنا نكتسب

ماذا بك يا جاني! أهذا يغضبك؟ ما لك لا تسرعين إلى تنفيذ رغبتي كالعادة!

فلم يكن جواب جاني إلا أن كشفت الستار وقالت متهللة:

(هاهما ذان!!)

أحمد حسن الزيات