مجلة الرسالة/العدد 31/صفحة سوداء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 31/صفحة سوداء

مجلة الرسالة - العدد 31
صفحة سوداء
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 02 - 1934


بقلم الأستاذ أحمد أمين

رووا أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب في وصف مصر أن: (نيلها عجب، وأرضها ذهب، وهي لمن غلب).

ورووا أن عتبة بن أبي سفيان كان عاملاً لأخيه معاوية على مصر، فبلغه أمور عن اهلها، فصعد عتبة المنبر مغضباً وقال: (أيا حاملين ألأم أنوف ركبت بين أعين، إنما قلمت أظفاري عنكم ليلين مسي إياكم، وسألتكم صلاحكم لكم، إذ كان فسادكم راجعاً اليكم، فاما أد أبيتم إلا الطعن في الولاة والتنقص للسلف، فوالله لأقطعنَّ على ظهوركم بطون السياط، فان حسمت داءكم وإلا فالسيف من ورائكم).

وقبل هذا وذاك، جاء فرعون (فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى)

وجاء أبو نؤاس مصر بعد ذلك فقال:

محضتكم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصح بنصيبَ

رماكم أمير المؤمنين بحية ... أكول لحيات البلاد شروب

فان يك باق إفك فرعون فيكمو ... فان عصا موسى بكف خصيب

واشتهر المصريون عند المؤرخين بالانهماك في الشهوات وعدم النظر في العواقب، ولما رآهم ابن خلدون على هذه الحال قال فيهم: (كأنما فرغوا من الحساب) يريد انهم لا يحاسبون أنفسهم على ما يصدر منهم، ولا يخافون من عاقبة أعمالهم، كأنما فرغوا من الحساب.

وظل مؤرخو العرب يرمون المصريين بالذل، وقبول الضيم في كل ما كتبوا - وكان من أشدهم المقريزي في أول خططه، فقد عقد فصلاً في أخلاق المصريين قال فيه: (وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات، والانهماك في اللذات، والاشتغال بالترهات، والتصديق بالمحالات، وضعف المرائر والعزمات، ولهم خبرة بالكيد والمكر، وفيهم بالفطرة قوة عليه، وتلطف فيه، وهداية إليه). ثم رماهم بالذل، واخذ يحصي الأقوال في ذلك: فروي عن كعب الأحبار أن (الخضب قال: أنا لاحق بمصر؛ قال الذل: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية. فقالت الصحة وأنا معك). وروى ان ابن القرية وصف أهل مصر فقال: (عبيد لمن غلب، أكيس الناس صغرا، وأجهلهم كبارا).

وجاء بعده السيوطي فلم يخجل من أن يضع في كتابه (حسن المحاضرة) فصلاً عنوانه (السبب في كون أهل مصر أذلاء يحملون الضيم) وقد جاء فيه (إن الشيخ تاج الدين كان يقول: إن الحكماء وأهل التجارب ذكروا أن من أقام ببغداد سنة وجد في علمه زيادة، ومن أقام بالموصل سنة وجد في عقله زيادة، ومن أقام بدمشق وجد في طباعه غلظة، ومن أقام بمصر سنة وجد في أخلاقه رقة وحسنا) والرقة والذل قريب بعضهما من بعض. وقال القاضي الفاضل: (أهل مصر على كثرة عددهم، وما ينسب من وفور المال إلى بلدهم، مساكين يعملون في البحر، ومجاهيد يدأبون في البر).

ويذكرون الذل على انه حقيقة ثابتة، ثم يختلفون في السبب في ذلك، فمن قائل إن المصريين غاظوا يوماً سعد بن أبى وقاص، فدعا عليهم أن يضربهم الله بالذل؛ وسعد عرف بإجابة الدعوة.

انو كان ذلك فالخطب هين، فمن الممكن أن يجتمع صلحاء مصر وورعاؤها فيقرءوا الفواتح والدعوات وما تيسر من القران الكريم، ويهبوها لروح سعد ويطلبوا إليه ان يعدل عن دعوته، ويطلب إلى الله تعالى ان يرميهم بالعزة بعد الذل. وما أظن سعداً يصر على دعوته، وقد عرف في حياته بالسماحة والسؤدد.

ومن قائل: إن فرعون لما غرق كان معه أشراف القوم وأعزتهم، فلما غرقوا معه، فلم يبق إلا الحثالة، فأتى من نسلهم الجبناء الأذلاء. وهل ينتج الذليل إلا الذليل؟ وهذا القول أيضاً سهل رده، فالمصريون قد نزل بين أظهرهم كثير من سادة اليونان والرومان، وسادة العرب وسادة الأتراك، وذابوا في مصر واختلطوا بأهلها؛ فلم يغلب الذل العزة وعهدنا دائماً غلبة الأعزاء؟

أخطر الأسباب ما يلمح إليه الماكر (المقريزي) فهو يريد أن يبعث في النفوس اعتقاداً بان هذا سبب طبيعي يرجع إلى الإقليم والى الجو، والى طبيعة الأرض، هو يريد أن يقول إن ذلك خلقة فيهم، بل هو في كل شيء حولهم فيقول (إن هواء مصر يعمل في المعجونات وسائر الأدوية ضعفاً في قوتها، فأعمار الأدوية - المفردة المركبة، المعجون منها وغير المعجون - بمصر اقصر منها في غير مصر) واشد من ذلك وأصرح قوله (ان قوى النفس تابعة لمزاج البدن، وأبدانهم سخيفة سريعة التغير، قليلة الصبر والجلد، وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستحالة والتنقل من شيء إلى شيء، والدعة والجبن. . . ومن اجل توليد أرض مصر الجبن والشرور الدنيئة في النفس لم تسكنها الأُسد، وإذا دخلت ذلت ولم تتناسل، وكلابها اقل جرأة من كلاب غيرها من البلدان، وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر، ما خلا ما كان منها في طبعه ملاءمة لهذه الحال كالحمار والأرنب)

قول قاس أيها المؤرخ! ولو صح ما قلت لكان حكماً أبدياً صارماً، فان لنا طاقة بتغيير كل شيء إلا الجو والإقليم فماذا نصنع فيهما، لو كان صحيحاً قولك لاستوجب اليأس في الإصلاح، فما تفلح أمة ضرب عليها الذل والخضوع، بل لوجب الرحيل من بلد يسمم جوها دائماً أخلاق أهلها:

وقد قال الشاعر:

(وإذا نزلت بدار ذل فارحل)

أخشى أن تكون متأثراً بآراء شيخك ابن خلدون وقد كان في طباعه حدة وعنف، وفي المصريين دعة، فنظر إليها بطبعه الحاد نظرة فيها إفراط وفيها مبالغة - لو كانت نظريتك صحيحة لما تعاقبت الذلة والعزة على الأمة الواحدة فتعز بعد ذلة، أو تذل بعد عزة، والجو واحد والإقليم واحد - وان في تاريخ مصر نفسها صفحات بيضاء تجلى فيها العزة بأجلى مظاهرها، الحق - يا سيدي - إن الإقليم عامل، ولكن ليس كل عامل، فإذا كان الجو سماً فالتربية والتعليم ترياق، إلا ترى إلى مثلك نفسه، فقد ذكرت أن الأدوية والمركبات والمعاجين يسرع إليها الفساد في مصر لسوء الجو - لو عشت إلى عصرنا لعلمت كيف تغلب العلم على الإقليم، وصار من المستطاع في يسر وسهولة أن يحفظ الدواء - بأبسط المعالجات - في مصر كما يحفظ في أوربا وان التربية كذلك تفعل في النفس الأعاجيب، وكل ما نستطيع أن نستفيده منك انك نبهتنا أنت وأمثالك من المؤرخين على أن في مصر جبناً وفي مصر ملقاً، إلى هنا نقبله منك ولكنا لا نستسلم له، ولا نقر انه طبيعي فينا. ولكن لنريك الأمثال على خطأ تعليلك ولننبهك على نظرية ثبتت حديثاً وهي: أن الأمم المبتدية الساذجة هي اكثر استسلاماً للطبيعة وشؤونها، والأمم المتحضرة تستطيع بعلمها وتربيتها وقوة عقلها أن تسخر الطبيعة لمصلحتها، لا أن تخضعها الطبيعة لأمرها، فنحن نستطيع أن نستفيد من وداعة الطبيعة فنكون وديعين إلى حد، فإذا أرادت ان تتجاوزه إلى نفاق وملق وجبن قالت التربية (لا) بملء فيها، وحق للتربية إذا قالت (لا) أن يكون (لا)

وعبت كلاب المصريين بالضعف، ويظهر انك لم تر كلاب (ارمنت) وما هي عليه من بسطة في القوة والجسم، ولو قدر عليك أن ينبحك واحد منها ما سلمت بجلدك، ولغيرت حكمك.

لقد أحسست بان تعميم نظريتك خطأ بين، فاستدركت وقلت (ومن المصريين من خصه الله بالفضل وحسن الخلق وبرأه من الشرور) أليس هذا - يا سيدي - نقضا لقولك.