مجلة الرسالة/العدد 223/في التاريخ السياسي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 223/في التاريخ السياسي

مجلة الرسالة - العدد 223
في التاريخ السياسي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 10 - 1937


حوادث الشرق الأقصى

والحرب بين الصين واليابان

بقلم باحث دبلوماسي كبير

تضطرم الحرب في الشرق الأقصى بين الصين واليابان منذ ثلاثة أشهر؛ وهي حرب غير رسمية، بدأت لأسباب تافهة، واتسع نطاقها بسرعة، وأضحت خطراً حقيقياً على السلام. ومن المحقق أنها لم تكن لتنشب لو لم ترد اليابان نشوبها. وأن اليابان تشهرها على الصين وفقاً لخطة مقررة، وتحقيقاً لغايات بعيدة المدى؛ وهي ليست في الواقع إلا خطوة جديدة في سبيل تنفيذ السياسة التي رسمتها اليابان لبسط نفوذها على الصين واستعمار مناطقها الغنية تباعاً؛ وقد بدأت هذه السياسة منذ سنة 1) 31 حينما غزت اليابان ولاية منشوريا بحجة المحافظة على مصالحها وأرواح رعاياها من فوضى الإدارة الصينية، وانتهت بفتح هذه الولاية واقتطاعها من الصين، وإقامة حكومة صورية فيها تخضع لرأيها وتأتمر بأوامرها؛ وكان فتح اليابان لمنشوريا اعتداء صريحاً على الأراضي الصينية تؤيده القوة الغاشمة وحدها؛ ولكن اليابان لم تحفل بما أثاره الاعتداء يومئذ لدى الدول العظمى من ضروب الاحتجاج والتوجس، ولم تحفل بنوع خاص بتدخل عصبة الأمم ولا بما اتخذته ضدها من قرارات تقرر مسئوليتها وعدوانها، بل قابلت هذا التدخل بالانسحاب من العصبة، ومضت في تنفيذ خطتها بجرأة لا مثيل لها. ولم تكتف بفتح ولاية منشوريا والاستيلاء عليها، بل حاولت أن ترغم الصين على الاعتراف بهذا الفتح، فبعثت جيوشها إلى الأقاليم المجاورة لتقضي على كل مقاومة صينية، وغزت ثغر شنغهاي لكي تهدد حكومة نانكين الوطنية وتحملها على الخضوع لمطالبها؛ ولكن الحكومة الوطنية قابلت القوة بمثلها، واستطاعت أن ترد القوات اليابانية عن ثغر شنغهاي بعد معارك طاحنة، ووقفت الأمور يومئذ عند هذا الحد وقنعت اليابان مؤقتاً بغنيمتها الأولى

ومن ذلك الحين واليابان تفصح بين آونة وأخرى عن خططها ونياتها نحو الصين بأعمال وأقوال لا تترك مجالاً للشك في مقاصدها الحقيقية؛ فهي لم تكد تستقر في منشوريا حتى عادت تهدد الأقاليم الصينية الشمالية في منطقتي شاهار وجيهول، وتغير عليها من آن لآخر لمختلف الأعذار والحجج. ولما كانت الحكومة الصينية الوطنية في ظروف لا تمكنها من إرسال جيوشها إلى تلك الأقاليم النائية، فقد تركت أمر المقاومة للجيوش المحلية؛ ولكن الجيوش المحلية قاصرة الأهبة والعدد، ولا يضمن ولاؤها دائماً؛ ومن ثم استطاعت اليابان بتفوقها الحربي أن تبسط على منطقة شاسعة من الأقاليم الشمالية شبه حماية عسكرية. كل ذلك وحكومة نانكين الوطنية تستغيث بعصبة الأمم وبالدول العظمى التي ضمنت بمعاهدة (الدول التسع) استقلال الصين وسلامة أراضيها، فلا تجد مغيثاً غير الاحتجاج والتصريحات العقيمة؛ واليابان فيما بين ذلك تتوغل تباعاً في أراضيها لا تلوي على شيء

ومنذ عامين طلعت اليابان على الدول بتصريح جديد في غاية الخطورة، خلاصته أن اليابان لا تطيق بعد أي تدخل جديد من الدول الغربية في شئون الصين، وأنها تعتبر أي محاولة جديدة من جانب الدول الغربية لتوسيع نفوذها أو مناطق امتيازها في الصين عملاً غير ودي بالنسبة إليها. ولم تقصد اليابان بهذا التصريح الذي صيغ على مثال تصريح منرو الأمريكي أن تعلن عطفها على الصين أو تضامنها معها ضد عدوان الدول الغربية، كما قصدت السياسة الأمريكية باعتناق الرئيس منرو وطبقته منذ نحو قرن بهذا المعنى بالنسبة للدول الأمريكية، ولكنها قصدت غاية أخرى أبعد مدى، وهي أن تجعل من الصين ميداناً لنشاطها الاستعماري دون الدول الأخرى، وأن تستأثر وحدها بتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في مناطقها الغنية، وان تقتطع من أراضيها ما استطاعت كما فعلت بالنسبة لكوريا ومنشوريا. وعلى هذا الأساس الغريب أرادت اليابان أن تفهم فكرة الجامعة الأسيوية وأن تطبقها، فهي ترى أنها أحق الأمم باستعمار الصين، وأنه إذا كانت الصين لا تستطيع أن تنظم شئونها وتجمع كلمتها ولا أن تدافع عن نفسها الاستعمار الغربي، فان اليابان تأخذ على نفسها تلك المهمة بوضع الصين تحت نفوذها وحمايتها، وبذلك يمكن في نظر اليابان أن تحقق فكرة الجامعة الأسيوية ومبدأ آسيا للأسيويين. وقد كان لهذا التصريح وقع عميق في أوربا وأمريكا، ولكنه مر كما تمر باقي الحوادث في الشرق الأقصى أمام نظر الدول وسمعها ولم يثر سوى الاحتجاجات الدبلوماسية العادية. ذلك أن أوربا مشغولة بمشاكلها الخاصة، والدول العظمى متخاصمة مفرقة الكلمة، ولم يعد للجبهة الأوربية القديمة قيمة دبلوماسية ذات شأن؛ واليابان تعرف هذه الظروف وتستغلها، وتعرف أن سياسة المفاجأة والأمر الواقع في الشرق الأقصى لا يمكن أن تلقى في مثل هذه الظروف من أوربا الممزقة المشغولة بخصوماتها وخلافاتها مقاومة يعتد بها

وعلى هذا المنوال قامت اليابان في العام الماضي بحركتها لفصل الصين الشمالية عن الصين الجنوبية، وحاولت بالقوة القاهرة أن تملي إرادتها على زعماء الشمال وعلى حكومة نانكين وأن تفرض على الولايات الشمالية نوعاً من الحكم المستقل يكون تحت إشراف السلطات العسكرية اليابانية، وقرنت الوعيد بالعمل فغزت الأقاليم الشمالية وهددت بكين العاصمة القديمة، ووجهت بلاغاً نهائياً إلى الحكومة الوطنية؛ بيد أن الحكومة الوطنية أبت أن تذعن للوعيد؛ ولكنها اضطرت أن تترك الشمال لمصيره، واستطاعت اليابان أن تحقق مشروعها بإرغام زعماء الشمال على إنشاء إدارة مستقلة عن حكومة نانكين

ولم تمض على هذه الحركة التي تفصح عما وراءها بضعة أشهر حتى شهرت اليابان على الصين تلك الحرب الجديدة التي يتسع نطاقها يوماً عن يوم، والتي شملت الشمال والجنوب، والبر والبحر والهواء؛ وانتحلت اليابان لإثارتها عذراً تافهاً هو أن حامية بكين أطلقت النار على جنود يابانية كانت تقوم بمناورات في البقعة المجاورة وظهر فيما يبعد أن جنود الحامية اعتقدوا خطأ أن اليابانيين ينظمون على الحامية هجوماً حقيقياً. ولو كانت اليابان تعمل عن حسن نية وتقصد الانتصاف لجنودها فقط لاكتفت بالإجراءات الدبلوماسية التي تتخذ في مثل هذه الأحوال من طلب الاعتذار والتعويض؛ ولكن اليابان، وهي تعمل وفقاً لخطة استعمارية مرسومة، اتخذت هذا الظرف ذريعة للقيام بحركة جدية واسعة النطاق لتحقيق خطتها، فوجهت إلى الحكومة الوطنية إنذاراً نهائياً بقبول مطالبها الخاصة بفصل الأقاليم الشمالية، وغزت جنودها في الحال إقليم شاهار، وبعثت جيشاً وأسطولاً إلى شنغهاي أعظم الثغور الصينية، ونفذت قواتها البحرية إلى النهر الأصفر (ينج تسي) متجهة إلى نانكين عاصمة الصين الوطنية، وضربت الحصار البحري على جميع شواطئ الصين، ونظمت على العواصم الصينية الآهلة مثل كنتون ونانكين وبكين عدة غارات جوية فتكت بالسكان الآمنين، وما زالت الجيوش اليابانية تتدفق على الصين من الشمال والجنوب، ونطاق الحرب يتسع بسرعة مروعة. أما الحكومة الصينية الوطنية فقد رفضت منذ البداية كل المطالب اليابانية وأعلنت عزمها الثابت على مقاومة الاعتداء بكل قوتها؛ وأعلن الماريشال تشانج كايشك رئيس الحكومة الوطنية وقائد جيوشها أن الصين سوف تقاوم حتى يجلو آخر ياباني عن الأراضي الصينية. وهكذا اضطرمت الحرب في الصين بين الجيوش اليابانية المغيرة وبين الجيوش الصينية المدافعة، ومع أنها لم تعلن بعد بصفة رسمية، فإنها تكاد تشمل اليوم كل المناطق الهامة في الشمال والجنوب ويتلخص الموقف ألان فيما يأتي: غزت الجنود اليابانية شاهار وزحفت على شانص شمالاً؛ ونفذت إلى شانغهاي والنهر الأصفر جنوباً، وهذه هي أهم ساحات القتال لأن فيها تقع معظم مناطق الدول الممتازة مثل بريطانيا العظمى وفرنسا وأمريكا. وتجد اليابان مصاعب جمة في التقدم في هذا الاتجاه نحو نانكين عاصمة الصين الوطنية، لأن الدول تأبى إخلاء مناطق امتيازها وتنذر اليابان بسوء العاقبة إذا وقع الاعتداء عليها. وقد ارتكبت الجنود اليابانية أكثر من حادث أثار احتجاج الدول مثل إلقائها القنابل على سيارة السفير البريطاني وجرحه. وتشتد المقاومة الصينية في هذه المنطقة بنوع خاص لأنها مركز الحكومة الوطنية ومجمع قواتها. وقد كانت اليابان تؤمل أن تحرز نصراً سريعاً يرغم الصين على قبول مطالبها؛ ولكنها ما زالت بعد ثلاثة أشهر من القتال حيث بدأت، ولم تذعن الصين ولم يهن عزمها؛ وقد اضطرت اليابان إزاء ذلك أن تعلن أنها ستمضي في الحرب إلى النهاية: وألقى البرنس كونوي رئيس الحكومة اليابانية تصريحات رسمية حدد فيها أغراض اليابان من الحرب بما يفيد أن اليابان ترمي إلى تحطيم الجيوش الصينية الوطنية وحزب الكوفتباح (الحزب الوطني) لأنها هي التي تثير روح الخصومة والمقاومة ضد اليابان، وأن اليابان على استعداد لمهادنة حكومة صينية جديدة تقبل التعاون معها؛ فإذا لم تقبل الصين هذا التعاون السلمي فان اليابان على أهبة لحرب طويلة الأمد. والمفهوم من هذه التصريحات أن اليابان تؤمل أن تفضي هزيمة الجيوش الوطنية إلى قيام حكومة صينية جديدة مستعدة لقبول مطالب اليابان في استقلال الصين الشمالية والاعتراف بحكومة منشوكيو (منشوريا)، ومنح اليابان امتيازات اقتصادية كبيرة، وقبول المستشارين اليابانيين في معظم الإدارات الهامة؛ أو هي تؤمل بعبارة أخرى قيام حكومة تخضع لوحيها ورأيها وسلطانها

ولكن تطور الحوادث لا يؤيد هذه الآمال، بل لقد أفضى اعتداء اليابان بالعكس إلى نتائج هامة لم يكن يتوقعها اليابان؛ فان الخطر على كيان الصين القومية أثار في الصين روحاً جديداً، وجمع كلمة الزعماء والقادة المحليين، فانضموا جميعاً إلى الحكومة الوطنية في مقاومة الغزو الياباني، ومن أسطع الأمثلة على ذلك أن الحزب الشيوعي الذي كان أخطر منافس للحكومة الوطنية، أعلن انحلاله ووضع قواته العسكرية تحت تصرف الحكومة الوطنية؛ وهكذا تلقى اليابان أمامها بدلاً من الصين الممزقة المتخاصمة جبهة موحدة تجمع على الكفاح والمقاومة؛ وهكذا يثير الخطر الخارجي ضرام الوطنية الصينية مرة أخرى بعد ما فترت في الأعوام الأخيرة، ويمد الصين بقوى معنوية عظيمة في هذا الصراع الذي يقصد به تمزيق وحدتها والقضاء على كيانها القومي. وسيكون الفصل في هذا الصراع للقوة المادية قبل كل شيء، ولكن لا ريب أن اليابان تزج بنفسها في مغامرة عظيمة خطيرة العواقب، وهي قد تحرز اليوم بتفوقها الحربي بعض الانتصارات العاجلة، ولكن الصين قطر بل قارة عظيمة مترامية الأطراف، ذات موارد هائلة، وكلما طالت الحرب ثقل عبئها على اليابان وعلى مواردها المحدودة؛ هذا إلى أن الصين الوطنية قد اكتسبت في الحروب الأهلية المتوالية خبرة عسكرية لا بأس بها؛ وسوف نرى في المستقبل القريب ماذا تسفر عنه هذه الحرب الاستعمارية التي لا سند لها من الحق أو العدالة أو القانون