مجلة الرسالة/العدد 181/صخرة النجوى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 181/صخرة النجوى

مجلة الرسالة - العدد 181
صخرة النجوى
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 12 - 1936


لالفرد دي ميسيه

(الحياة عذبة سائغة ولكن عند من لا يعرفونها. . .)

بقلم الأستاذ أحمد المحمود

وكان الليل جميلاً رائعاً، والقمر يصَّاعد متئداً على شمالي، وقد اجتذب إليه نظر (بريجيت) طويلاً وهو يخرج متسللاً من الأسنان السوداء التي كانت الهضبات الحرجَة ترسمها على رقيع الأفق. ورقت أغنية (بريجيت) المشجية حينما أخذ القمر يتخلص من أسوجة الغابة الكثيفة وتتسذرَّي أضواؤه في الفضاء وعلى الجلَد، فانحنت علي تطوق رقبتي بذراعيها قائلة:

(لا تظنن أنني لا أعلم قلبك، وأنني أنتسب لك لايلامك إياي؛ وليست الخطيئة خطيئتك إذا ضقت ذرعاً يا صديقي العزيز بنسيان حياتك الماضية. ولقد أحببتني وكنت مؤمناً بهذا الحب ولن أتأسف - إذا ما أسكت هواك نأمتي - على هذا اليوم الذي استسلمت لك فيه. واعتقدت أنك بُعثت إلي الحياة ثانية وأنك ستنسى - بين ذراعي - ذكريات اللواتي أضعنَك.

وا حسرتاه يا أكتاف! لقد تبسمت فيما مضى من هذه التجاريب الباكرة التي كانت لك في حياتك والتي كنت تدل بها عليَّ كالأطفال الذين لا يدرون من أمور الحياة شيئاً، وحسبت أن ليس لي إلا أن أشاء، وأن قد سيطفرُ كل ما في قبلك من صلاح وخير على شفتيك للقبلة الأولى التي منحتك إياها، وقد كنت أنتَ تحسبُ ذاك أيضاً ولكن كنا مخدوعين. أيها الطفل!. . . إنك تحمل في قلبك جرحاً لا يندمل، ويجب أن تكون قد أحببت هذه المرأة الخادعة الهاجرة حباً جماً؟ أجل. . . وأكثر مما أحببتني وإلي أبعد الحدود وا حسرتاه!. . . لأنني لم أستطع - مع حبي الشديد البائس - أن أمحو من مخيلتك صورتها! ويجب أن تكون خديعتها لك قاسية لأن أمانتي تبذل لك عبثاً؟ والأخريات الشقيات ماذا فعلن لتسميم شبابك؟ وهل كانت الملذات التي بعنها منك حادة ورهيبة لتطلب إليَّ أن أماثلهن وأتأثرهن!. . . وتذكرهن وأنت بجانبي؟ ما أقساك أيها الطفل!. . . ولأحبُّ للنفس وأث للفؤاد أن أراك ظالماً مغضباً، وأن تنسب إلى الجرائم الوهمية وأن تثأر مني للأذى الذي لحق بك من خليلتك الأولى من أن تطفر في وجهك هذه المسرة الرهيبة وهذا المظهر الخليع الذي ينتصب حجاباً من الصلد الأصمّ بين شفتي وشفتيك. قل لي أكتاف، لم هذا الصقيعُ في شفاهك؟ ولم هذا التهكم والاحتقار يبينُ في حركاتك وسكناتك؟ وإنك لتسخر - بحزن شديد - حتى من أعذب صباباتنا، وكيف استحوذت على أعصابك المهيجة هذه الحياة الماضية الرهيبة حتى تنثال من فمك مثل هذه الشتائم بالرغم منك؟ أجل بالرغم منك لأن لك قلباً نبيلاً وتصطبغ خجلاً مما تفعل. أنت تحبني كثيراً ويجب أن يُسعدك هذا الحبُّ لأنني آلم منه كما ترى. آه! أعرفك الآن!. . وعندما وقع بصري عليك لأول مرة وأنت على حالك هذه عراني هول شديد لا شيء يعطيك صورة عنه. ولقد حسبتك ماجناً في توددك إليَّ، وأنك تحاول خدعي بسيماء هذا الحب الذي لم تكن لتحس به، وإني أرى حقيقة نفسك كما بدت لي لأول وهلة. أواه يا صديقي! لقد فكرت في الموت وأية ليلة نكراء قضيت! أنت لا تعلم حياتي ولا تدري أنني - أنا التي أخاطبك - قد خلصتُ من هذه الحياة بتجربة هي أعذبُ من تجربتك وأحلى. وا أسفاه! الحياة عذبة سائغة ولكن عند من لا يعرفونها

أي عزيزي أكتاف! لست بالرجل الأول الذي أحب. إن في أعماق هذا القلب ذكرى مشئومة راقدة أحب أن أطلعك عليها

أعدَّني والدي منذ بكوري في الحياة إلى ابن صديقه الأوحد، وكانا جارين في الدار والأرزاق؛ وعاشت العائلتان على هذا النمط من الاختلاط والوحدة. مات أبي وتصرّم زمن طويل على فقدان أمي فانتقلت إلى وصاية خالتي التي تعرفها، وأزمعت خالتي سفراً فأسلمتني إلى حمِىِّ الذي عشت في كنفه برهة من الزمن، وكان يدعوني بابنته، وكان الجيران يعرفون خطوبتي من ابنه، فيتركون لنا الحرية التامة

تظاهر دوماً هذا الشاب الذي لا أدري حاجة إلى ذكره بمحبتي، فقد كان صداقة ساذجة من أيام الطفولة تحولت إلى حب وهيام مع الزمن. وكان يقص عليَّ عندما نخلو، أو نكتَنُّ في زاوية من البيت عن السعادة التي تنتظرنا وذهوب صبره، وكان يكبرني بسنة واحدة، ولكنه تعرف إلى رجل من الجيران سيئ العيش محتكر للصناعة فوسوس له وأغواه، وبينما كنت أستسلم إلى مداعباته بوداعة الطفل إذا به يغدر بوالده ويتركني بعد أن أضاعني

أتى بنا والده إلى غرفته وأبلغنا موعد الزواج فلقيني في مساء اليوم نفسه في الحديقة، وباح لي بقوة عما يكنه لي من الحب، وأنه زوجي منذ الآن أمام الله ونفسه ما دام أن موعد الزواج قد تحدد. فلم أعتذر إليه بغير شبابي وجهلي وسذاجتي، فاستسلمت إليه قبل أن يتم الاقتران الشرعي، ولم تمض ثمانية أيام حتى غادر بيت أبيه وهرب مع امرأة قدمها له صديقه الجديد فكتب لنا أنه مسافر إلى ألمانيا ومنذ ذلك الحين لم نره

هذه هي قصة حياتي وقد عرفها زوجي كما تعرفها أنت الآن، ولي من عزة نفسي وكبريائها ما أهاب بي إلى العزلة، فآليت ألا أقرب من رجل يسبب لي ألماً وضرًَّا أكثر مما لقيت في سابق حياتي؛ ورأيتك فنسيت قسمي ولكن لم أنس جرحي، فعليك أن ترأف بتضميده. وإذا كنت مريضاَ فأنا مريضة أيضاً، فيجب أن نتعهد نفسينا بالتداوي. وأنت ترى يا أكتاف أنني أعرف أيضاً قيمة الذكرى الماضية التي ما تزال تقض مضجعي إلى جانبك، ولكني سأتذرع بالشجاعة والصبر لأنني قاسيت أكثر مما قاسيتَ، ومن حقي البدء في هذا العمل، وإن قلبي لقليل الثقة بنفسه، وأنا أضعفُ عن احتمال أكثر مما احتملت. وكم كانت حياتي سعيدة في القرية قبل قدومك إليها! وما أكثر ما أخذت على نفسي ألا أغيّر من حالها شيئاً مما جعلني أتطلّبُ منها ما لا تستطيع أداؤه، ولكن لتكن مشيئة القدر فأنا لك الآن! أو لم تقل لي في أوقات انبساطك بأن العناية الإلهية سخرتني للحدب عليك كأم رؤوم؟ الحق ما قلت يا صديقي العزيز. أنا لست خليلتك كل الأيام وأود أن أظفر بأكثر من هذا في بعضها وأن أكون لك أماً حتى لا أرى فيك حبيباً يقسو على حبيبته. أواه يا أكتاف! لقد أصبحت طفلاً مريضاً عاتياً متشككاً، أريد أن أمرضه بنفسي وأبعث فيه الرجل الذي أحب وأهوى حتى الأبد. فليمدني الله بالقوة!. . . قالت ذاك ونظرت إلى السماء ضارعة: ربِّ يا من ترانا وتسمع نجوانا! يا إله الأمهات والمحبين، هب لي الحياة للقيام بهذا الواجب! وإذا كان لي أن أخفق وأن تثور كبريائي أو أن ينحطم قلبي البائس بالرغم مني وأن حياتي كلها. . .

ولم تتم الكلام حتى غامت عيناها بالدموع فلم تعد تستطيع النطق. يا إلهي!. إني أراها راكعة أمامي ويداها مضمومتان منحنية على الصخرة والهواء يموجها كما يموج حقول الخلنج المجاورة. يا لك من مخلوق ضعيف سام! لقد صلت من أجل حبها ثم أنهضتها بذراعي متمتماً: (وا صديقتي الوحيدة! ووا خليلتي وأمي وأختي!. . اضرعي إلى الله واطلبي منه أن يمدني بالقدرة على حبك والإخلاص لك كما تستحقين. توسلي بأن يمد في حياتي وأن يقدرني على العيش وأن يغسل قلبي بدموعك وأن يجعله قرباناً مقدساً نقياً نقتسمه أمام الله!. . .)

واستلقينا على الصخرة وغرق كل ما حولنا في هدوء عميم وانبسطت السماء فوق رؤوسنا ألقه بالنجوم (أوتذكرين يا بريجيت لقاءنا الأول؟)

حمداً لك اللهم! ومنذ هاتيك الأمسية لم نعد إلى تلك الصخرة التي ظلت لنا قدساً طاهراً والطيف الأبيض الوحيد من حياتي الماضية ما يعبر من أمامي إلا ويغترق بصري ويملأ حسي

(طرطوس)

أحمد المحمود