مجلة الرسالة/العدد 181/الخلود والأدباء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 181/الخلود والأدباء

مجلة الرسالة - العدد 181
الخلود والأدباء
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 12 - 1936


(مهداة إلى الأستاذ المازني)

للأستاذ عبد الحليم عباس

يعتقد الأديب - والأديب الناشئ على الأخص - بأنه الإنسان المصطفى لتأدية رسالة الحياة إلى الأحياء، وأن غيره. . . هذه المخلوقات التي لا تدين بالأدب ولا تتلقى وحي الفن، ليست خليقة أن تساميه، ولا أن تطال إلى مقامه. إنها تقف في حيث تأخذ عنه، وتسمع إليه. . . ومن ثم فهو خالد بخلود هذا الأدب، وما عداه - من عباد الله - فمن التراب وإلى التراب. . . وهذه قضيةٌ مسلم بها - في رأي الأديب - لا تحتاج إلى مماراة، ومن هنا يجيء هذا العنت، وهذه السلسلة من الخيبة والإخفاق في حياة الأديب. إنه يعجب من الناس كيف لا يقدرونه حق قدره، وكيف لا يتنحون له عن مقامه الذي هو خليق به، والذي أعدته الحياة له؟ ولم لا! وهذا العلم بالحياة، وهذه المذاهب الفلسفية، والتبحر في فنون الأدب، أليس من حقها أن تقدم صاحبها وتقدره من المجموع؟. . بلى بلى - هكذا يقول الأديب - ولكنه ظلم الحياة، وجحود الأحياء، فما عليه إلا أن يقف معانداً لهم، مناهضاً لهذه الحياة، ليُعاد إليه حقه السليب المهتضم. . .

وبين هذا العناد والإصرار يضيع الأديب حاضره، ويخرِّب حياته، وقد يخربه الجوع. . . قال لي أديب ناشئ: لست أنظر إلى الجراح الماهر إن لم يفهم الأدب أكثر من نظري إلى جزار

وقال لي آخر: سأترك العمل عند هذا الوزير لأنه سخيفٌ وبذئ؛ فقلت له: هل أصابك رشاش من بذاءته؟ قال: كلا؛ ولو حدث لأدَّبته؛ قلت إذن دعه وشأنه. قال لا أستطيع. وفي اليوم التالي أضاع أديبنا وظيفته. وقليل من رجال الأدب من ربحت تجارته الدنيوية، وأصبح من رجال الأعمال

مثل هذه الحوادث كثيرة نشاهدها في كثير من الأحيان، ونحتار في تعليلها؛ ولكن مردها في البعيد يعود إلى فهم الأدباء للحياة على ضوء الأدب، وإلى الذهاب في تقدير قيمهم، وإن من حقهم أن يتعالوا على الناس، لأنهم من طائفة الخالدين. . .

ويكبر الأديب، ويشب عن الطوق - كما يقولون - وتمر عليه صورٌ من الحياة، وتثقله تكاليفها اليومية السخيفة - كما ينعتها سبينوزا فيرى أن يقبل عليها، ويضرب مع الضاربين فيها - إن أراد أن يعيش - فالكواكب ليست أرغفة، والسماء لا تمطر بقلا. . . وهكذا ترغمه الحياة على أن يصانعها ويصانع معها الأحياء. . .

. . . ولكن هل انتهى بينه وبينها الخلاف؟ وهل أصبح هو وبنيها على أتم وفاق، يوم علم أن هذا الأدب الذي يدلُّ به ليس له كبير فضل، وأن هذا الخلود لا يعني شيئاً؟ لقد خلدت في الدنيا بغلة أبي دلامة، وحمار الرشيد. أم أن فهمه للدنيا على هذا النحو الجديد، يعني بداية معركة جديدة حامية، ولكنها تحرق الأديب قبل أن تحرق غيره. . أظن أن كثيرين يوافقونني على أن هذه بداية معركة لا نهاية؛ فالحياة لم تلق من هؤلاء الذين يناصبونها العداء طول حياتهم مثلما لقيت من هذه الطائفة من الأدباء الذين يضربون في زحمتها، ويسايرون مواكبها، على أن يخرجوا لها ألسنتهم هزؤاً، كلما آنسوا منها غفلة، وليفضحوا سرائرها في كل حين. . .

لم تنته المعركة بعد، فليست قضية الخلود هي كل الخلاف بين الأديب والأحياء. فكيفما جارى الأديب الناس في فهمهم للحياة فلا مشاحة في أنه يفهم الحياة على وجهة تختلف عن الوجهة التي يفهمها عليها الأحياء، إذ أن الأمر لا يتعلق باختياره؛ وقد يحب هو أن يجاريهم في كل شيء، ولكن ما حيلته في هذه الأعصاب التي ركبت على شكلٍ يختلف عما ركبت عليه أعصاب الناس - أحسن منهم أو دونهم هذا لا يعنينا - إنها مرهفة دقيقة، مستوفزة، تفعل بها الإشارة الغامضة ما لا تفعله بغيرها العبارة الصريحة، كيف يحب؟ وكيف يكره؟ وكيف يجنُّ بالحسن، وتفعل به الزهرة الغضة أو الذابلة؟ هذه أشياءٌ تفسيرها عند هذه الأعصاب

وشيء آخر يباعده عنهم، ويمد في شقة الخلاف، هو أين يعيش الأديب، وما هي دنياه؟؟ لا نحب أن نكتب خيالاً، إن إدمان مطالعته في نماذج الجمال والأدب، ولد في نفسه حباً للجمال. إنه يعيش بهذا الجمال الذي يطالعه به الخيال، أكثر مما يعيش في دنيا الواقع. . . كما وإن إدمان دراسته للحياة والواقع فتح عينه على الجانب البشع منها. أليس في الحياة بشاعة؟ ومن لا يقول هذا مع الأديب، حتى عباد الحياة أنفسهم؟ إذن فهو يريد أن يتسامى في هذا الواقع ليوائم بينه وبين ما في نفسه من جمال، يود أن يرتفع بهذه الخلائق، يذيب نفسه قطرة قطرة، ليرى الناس جمال الحق وعظمة الصدق ونبالة الوفاء، ولكن الحياة والواقع يحتاجان إلى نقائض هذه، فما هو إلا أن يشعر بالخيبة حتى يروح يحرق الأرم ويتلوى على نفسه؛ وبين الخيال، وركود الأحياء في دنيا الواقع، تختضب الأيام بدم الكاتب، فهو على مثل هذا وفاق بين الأديب ودنياه، على أننا لا نأسف - نحن النظارة - لذلك، فلو لم يغمس الأديب قلمه بدمه، ولو لم يقدم نفسه قرباناً للجمال والحق. . . لما عرفنا أين يقع الجمال والحق في هذه الدنيا. فلتدم هذه المعركة - وهي دائمة بفضل هذه الأعصاب الشاذة - ما برحت - وإن نحر فيها الأديب نفسه - تدنينا من الحق، ولو قيد شعرة. . . إذن فلا وفاق بين الأديب والأحياء. .؟ نعم ولو أصبحت هذه الدنيا وفاق حلم الأديب، ودنياه المثالية، فالخيال لا يزال يبدع والجمال في هذه النفوس لا يحد. . .

وما هذه المصانعة التي تبدو من جانب الأدباء للحياة في بعض الأحايين والتي يخيل إليهم فيها أنهم أصبحوا يتلقون الحياة كما يتلقاها الآخرون - (بلا تذمر ولا سخط) إلا مخادعة النفس، وإلهائها عن آلامها الرفيعة التي تحزُّ فيها؛ هي قطعة الحلوى نقدمها للطفل لنسكته عن الصراخ

كيف يكون على وفاق هذا السابق مع المقعد المتخلف؟ فالأدباء في كل أمة هم رواد النهضات. يشيرون إلى العالم البعيد المجهول الممتلئة به أفكارهم، الآخذ عليهم مسارب نفوسهم، وخفي أشواقهم. كلُّ نهضة كان يسبقها أديبٌ أو أكثر، يبشر أن فجر الحق قريبٌ ورائع، وأن هناك في ضمير الغيب دنيا أمتع من هذه وأحلى. . .

. .؛ والآن هل استطاع المازني - أن يلقى الحياة، كما يلقاها الغير، أبناؤها؟ أما هو فيكاد يقول نعم، أو قد قالها بالفعل، بعد أن أزاح من فكره - حب الولع بالخلود - والحمد لله. أما نحن جمهرة القراء فنقول لا، ونمدُّ بها أصواتنا

كيف يلقى الناس الحياة؟ إنهم ينسابون في غمارها، يندفعون في لجتها - كما تندفع أنت يا أستاذ بالذات - حذو القذة بالقذة، ولكن تمرُّ الشهور، وتتصرم السنون، وينتهي العمر، وهم لا يفطنون لذواتهم، ولا يعرفون عن هذا السرور شيئاً، كيف جاء، وكيف راح؟ تلك قضية لا دخل لهم فيها.

حسبهم انهم مسرورون وكفى؛ أما هؤلاء الذين يلقون أنفسهم بالسرور إلقاء، ثم يقفون عند كل شوط، ليسائلوا أنفسهم هل سروا حقاً؟ هل استطاعوا أن يغرقوا ذواتهم المضطربة، ويسكتوها ولو دقيقة واحدة؟ فهؤلاء بعيدون عن السرور، وأحرى أن يتقلب بهم هذا السرور إلى شر، أو يزيدهم شراً.، إنهم يحتسون من خمرة الخيام تلك التي اتخذها ليغرق في أكوابها صحوه وعقله

وإذا ما التوت الحياة وتعقدت، وكان ضيقها لا ينفرج، وعقدتها لا تحل، إلا في نحر الوفاء، وتضحية الصدق، فما عسى يصنع الأديب؟ أما ابن الحياة فينحر هذه غير آسف، بل هو ينحرها دون أن يعلم، ولو توصلاً (إلى ترفيع درجة إن كان موظفاً). . . فهل يستطيع الأديب ذلك؟ وماذا يصنع بهذا الضمير وهذه المثل التي لا حياة له إلا بها؟ إنه خليق أن يجن أن فعلها. . .

نعود فنستميح - أديبنا المازني - عذراً، فما أراد كل هذا، وإنما أراد أن يوهم نفسه ساعة واحدة أنه أصبح كسائر الناس، يسر بما يسرون ويضحك كما يضحكون. وقديماً قال:

يا صدى إن بقلبي لكلوماً وهموماً ... مدرجات فيه لكن لا تموت

كلما قلت قضت رهن السكوت ... صحن بي من كل فج يتراءى

عم مساء

أما هذا الرفيق المخالف الذي يتمناه للأديب، فما أخال الأحياء مع الأديب إلا إياه، وما أظن الدنيا تتعدى أن تكونه. فحسبه هذا. . .

(شرق الأردن)

عبد الحليم عباس