مجلة الرسالة/العدد 135/بيوولف

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 135/بيوولف

مجلة الرسالة - العدد 135
بيوولف
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 03 - 02 - 1936


أقدم ملاحم الإنجليز الشعرية

للأستاذ حسن عبد الحليم اليماني

تمهيد تاريخي:

يرجع أصل الإنجليز إلى قبائل الأنجلو سكسون التي كانت تنزل الأراضي المنخفضة الألمانية في الجزء الممتد من مصب نهر الألب إلى شاطئ البلطيق، وذلك قبل أن يدعوهم البريتون سكان الجزر البريطانية الأصليون في عام 449م لطرد قبائل الغال التي وفدت على بلادهم مستعمرة. وحلا لهم بعدها البقاء، وتكاثروا حتى غلبوا أهل البلاد على أمرهم؛ فبرزت إلى الوجود ثلاث ممالك إنجليزية ضمت تلك القبائل المتفرقة؛ وهي ممالك: نورتمبريا، ومريشيا، ووسكس , وذلك في أواخر القرن السادس الميلادي. وكان الإنجليز قد حملوا معهم نصيباً من الأدب المتوارث تواتراً عن موطنهم الأول. ولم تكن لهم حروف صالحة لتدوينه؛ حتى إذا اعتنقوا المسيحية، عرفتهم إلى حروف الرومان الهجائية، فسجلوا به ما وعته حوافظهم من ذلك التراث. وقامت في هذا الصدد محاولات ناجحة، أزدهر بها سوق الأدب ونفق، وخصوصاً على يد أهل نورثمبريا التي قامت على رعاية الأدب وحفظه، فدونوا الملحمة الشعرية (بيوولف) التي سنتكلم عنها كما سجلوا غيرها من آدابهم وتواريخهم. ونمت تلك الحركة إلى أن صدمها الغزو الدنماركي الذي عاود البلاد مرتين؛ ثم شلها بعد الغزو النورماندي عام 1066م، فأوقف نماءها قرابة قرن ونصف قرن. فالذي خلص لنا من تراث ذلك العهد إنما يمثل لنا في صدق صميم الروح الإنجليزية، قبل أن تسمها مياسم جديدة من أثر الاختلاط بين الإنجليز والبربتون ثم بينهم وبين الدانماركيين والنورماند اجتماعياً وسياسياً؛ وقبل أن تطبعهم المسيحية بطابعها. كما أنها ترسم لنا تلك المحاولات الأولى التي قام بها الإنجليز في سبيل تدوين أدبهم والتعبير عنه؛ وتوقفنا على التدرج الطبيعي الذي لازم تلك الجهود من دور إلى دور.

بيوولف ملحمة شعرية طويلة فيما يزيد على ثلاثة آلاف بيت نظمت - على الأرجح - في مستهل القرن الخامس الميلادي، قبل أن يزايل الإنجليز موطنهم الأول إلى بريطانيا. وطابعها المميز لا يقوم على إنها أقدم قصائد الإنجليز عهداً، بل على إنها أصدق صورة للمجتمع الأنجلو سكسوني القديم، توضح لنا في جلاء حياة القوم في وطنهم الأول، وترسم لنا أخلاقهم وعاداتهم، وتنفذ إلى أكواخهم ودخائل معايشهم، وتسجل تاريخهم وأيامهم. فقيمتها لهذا لا ترتكز على الناحية الفنية فحسب. أما عبارتها فأنيقة موجزة، تطرد كل الطراد مع الموضوع الذي تؤرخه وتروي حوادثه الحربية، في سرعة وتسلسل لا يفقدانها توازناً، أو يبعثان إلى سطورها مللاً وسآمة. وهي أن كادت تخلو من التشبيهات التي لا تعدو خمسة، فيها كثير من الاستعارات الجميلة البسيطة. والشعر السكسوني لا يأبه للوزن والقافية، وإنما يعتمد كل الاعتماد على النبرات والمقاطع المشددة، يكاد يلتزمها في كل جزء من أجزاء البيت، فلا يكاد يخلو جزء من ثلاث كلمات مشددة، تتشابه كلها في حرفها الأول غالباً.

وبيوولف قطعة رائعة نادرة من الأدب القديم، ظلت حبيبة إلى قلوب الإنجليز ومشاعرهم خلال عدة قرون، وإن كادت تختفي اليوم وتنسى إلا من كتب الأدب. وكثيراً ما أوحت إلى الشعراء وأمدتهم ببضاعة حية زاخرة، وآخر من نلمس أثرها فيه منهم شاعر اسكتلندا الكبير وليام دنبر (من حوالي سنة 1460 إلى سنة 1513م). وهي إلى هذا لا تخلو من سطوة الخرافة عليها، شأن الملاحم القديمة، تلك الخرافة التي أنتجها الخيال الآري الخصب، والتي تظهر لنا واضحة جلية في آداب الإغريق والرومان والتيوتون (آباء الأنجلو سكسون)، والتي نراها تتسلسل إلى أساطير الفراعنة أيضاً. وهي في كل حالاتها تحاول أن تمجد الإنسان وترفعه - على صور عدة - إلى مصاف الآلهة وأنصاف الآلهة، وحتى تنتظمه وإياها في وشائج وأنساب متشابكة متداخلة؛ على أن أسطورتنا هذه لا تسمو ببطلها إلى حيث يختصم الآلهة وينتضل الأرباب، بل تقنع بتوجيهه إلى أغوار الجن والمردة، يصارعها وتصارعه، حتى يغلب أشدها مراساً وأقواها أيداً.

ولغة القصيدة لا تكاد تفهم اليوم، فقد نبت واستوحشت. وحوادثها تدور حول البطولة الوثنية وحول حياة قبائل البلطيق فتتخذ لها مسرحاً أرض زيلند وجوتلند وخليج البلطيق الذي يفصلهما.

حكم زيلند - في الماضي السحيق - الملك روثجار وكان أبداً مظفراً في حروبه ظاهراً في غزواته، تضفي عليه تلك اسماً عريضاً، وتدر عليه هذه أسلاباً وغنائم، حتى إذا أتخمه الخير، وفاضت خزائنه غنى، أبتني له ولفرسانه قصراً منيفاً جميل الأبهاء فسيح الأرجاء، موشي الجوانب مستفيض الرونق، يقيمون فيه نهارهم لاهين فرحين، وليلهم قاصفين ثملين - وإلا فمن أولى من الأبطال الميامين بساعات تروح عنهم أكلاف الحرب وأثقال النزال؟

قام القصر على أرباض شاطئ رملي، ينداح حتى ينتهي إلى مجاهل موحشة تتاخم أغوار الماء حيث يقيم المارد جرندل المخيف في رفقة أمه، وكان الفرح والنور أعدى أعداء ذلك المارد؛ جرى في دمه بغض متأصل لهما، ما يكاد ينفذ إلى حواسه منهما دبيب أو بريق، حتى يثور داءه، وحتى يود لو ألتهم هذا القصر الذي ما عرفت حياته غير الفرح والنور، وبعث به إلى فمه لقمة تنساغ بالبرد والراحة إلى جوفه، وبيت أمراً ما زال يتربص له الفرص متلصصاً حول القصر، حتى إذا آنس من أهله غفلة ران بها عليهم كرى ثقيل، وذبلت الأضواء وخرس الصخب، أنساب إلى القصر خفية، ثم كر عنهم وفي قبضته ثلاثون فارساً. حتى إذا تنفس الصبح ألهب القصر شجيً وأقام بأرجائه مناحة!

وتمضي أثني عشر عاماً قاسية مريرة، يفجع فيها المارد قصر هيوروث في كل ليلة، وينفلت سالماً في كل مرة بضحاياه لا تطفأ له حفيظة أو يرد سغب، حتى أوشك القصر أن يقفر من رجاله، وحتى تهاوى الملك روثجار منحدراً إلى الضعف والهرم، يثقله الحزن وتتلقفه الفواجع وترامت الأنباء ومَلك الأسى كل قلب، حزناً على ذلك الملك المجيد، وعلى ما ألم به من مصائب لا تكاد تبين!

وفي قصر هايجلاك ملك جوتلند، حيث يعيش قريبه الفتى بيوولف ترددت أنباء الفجيعة، فدلفت من أسماع الفتى إلى قلبه، وحركت فيه توقاً إلى ملابسة هذا المشهد، والى الاستمتاع بمصارعة ذلك المارد، الذي طغى وطغى حتى لا مزيد على طغيانه. كان فتى خارق القوة، يختزن كفه بأس ثلاثين رجل، يملك على نفسه حب المخاطرة سعياً وراء الاسم ونشوة النصر، وفي خمسة عشر من صفوة رجاله احتواه السفين فجرا، ميمماً مملكة زيلند، حتى طالعتهم صخورها تلتمع في أضواء الغسق الخفيفة في فجر اليوم التالي. وقابلهم حارس الشاطئ في شك، وما عتم أن صحبهم إلى القصر كما طلبوا. وهنالك على الأبواب ألقوا بتروسهم ومزاريقهم، وخفوا إلى لقاء الملك في خوذاتهم الذهبية وقد زادتهم بهاء وروعة (ودب إلى روثجار بمرآهم دبيب الصبا وعاودته أحلام الفتوة) وأفضى إليه بيوولف إنه جاء في طلب المارد، عله يريح الشعب الصديق من شره وأذاه. ورحب الملك بمعونته شاكراً. ودوت أبهاء القصر مرحبة بالضيوف البواسل، ومضى النهار وشطر من الليل في قصف وشراب وغناء ورقص. حتى إذا دنى موعد قدوم المارد تسلل كلاً إلى فراشه وخلا البهو لبيوولف، يلتفع الظلال ويتخفى بها متحفزاً للقاء معداً له عدته.

برز المارد من مكمنه فما هي إلا أن ولج باب القصر، حتى احتواه بهوه، تومض عيناه شرراً، وتنطلق ضحكاته عريضة، وقد وجد سبيله ممهدا؛ فالكل غاف مستغرق. وتناول أقرب النوّام إليه فعب دمه ثم التهمه، ودار إلى فريسة أخرى، وإذا بقبضة بيوولف الجبارة تشل ساعده. أذهلته فجاءة، ولكنه ما لبث أن أفاق إلى صراع عنيف مع بيوولف - وأهتز القصر تحت أقدامهما، وتهاوت السرر، وتحطمت المقاعد، وفزع النوام على ذلك المشهد المروع. وجاهد المارد طويلاً وأستجمع بطشه، لا ليحطم بيوولف كعهده ببني البشر، وإنما ليقنع بالإفلات تاركاً لقبضته كتفاً مخلوعاً وذراعاً مفصولاً!

وجاء الفجر، فخرج بيوولف برجاله في أثر دمائه المنزوفة، وهنالك على الشاطئ طالعهم الماء أحمر قانياً وقد صبغه الدم المسفوك، فأيقنوا أن المارد قد ودع الحياة إلى القاع قبراً يطويه، فلا نشور له ولا رجعى. فيا للفرح يثير البلاد ويملك عليها المشاعر! ويا بيوولف يخب في الخلع، وتثقله الجوائز!

استطاعت الأجفان أن تطعم النوم في ليلتها تلك، ولكنها نامت عن أم ثكلى، قرح الدمع أجفانها، وتحلبت شفتاها قرماً وعصف بها طلب الثأر. وفي هدأة الليل هاجمت أم المارد القصر، وأهله تستغرقهم أحلام النصر، ومضت عنه ومعها ذراع ابنها وأحد النبلاء انتقاماً للقتيل، وإرواء لهامته! وهب الغافلون فزعاً فإذا بها تمضي إلى وكرها كالريح الخاطف، الأمر الذي أحنق بيوولف فأقسم ليلحقنها بابنها وشيكاً.

خرج بيوولف برجاله صباحاً يقتصون أثرها، ويذرعون تلك المجاهل الموحشة، فإذا بها أرض عذراء تكتنفها الخوانق، وتقطعها الأخاديد، وترقشها برك ومستنقعات آسنة، تعج بحياتها وثعابينها، يتحدر عليها الماء من شعب خفية في الصخور، فكأنه ينضح عن مزن ملئ وسحاب عامر، ثم تغوص هذه البرك مدومة إلى كهوف غائرة، بينما تلتهب هنا وهنالك - على سطح الماء - نيران خاطفة غريبة. (فلو أن قنيصة أنهكها الطراد، وحوم على عنقها الشرك، رأت في أكنافها خلاصاً من موت محقق، لآثرت عليها ذلك الموت، ولوجدت في ورده مشرعاً أعذب من وردها!) وإذا وصلوا في تطوافهم إلى حيث صرع جرندل المارد بالأمس فخضب الماء بدمه، رأوا الصخور تعمر أحجارها بنفر من الجن، وخف بيوولف إلى قوسه فأردى بسهم منها واحداً من هذا النفر - ثم استل سيفه الماضي وغاص بعيدا بعيدا إلى الأعماق في أثر الجن الغائص هرباً. ظل بيوولف على غوصه يوماً كاملاً، حتى إذا قارب القاع أطبقت عليه أم المارد - وكان خلقها وسطاً بين الإنسان والذئب - ثم حملته إلى كهفها، حيث ثار بينهما نضال لم يغن فيه سيفه ولم ينل من لحمها الصفيق العضب، وإنما أجدى عليه كفه الجبار يمسك الجنية فلا تحير منه خلاصاً، وواتته الفرصة فلمح سيفاً حديداً من سيوف المردة، سرعان ما خطفه وأهوى به على رأسها فعزله. وأدار بيوولف بصره فإذا جثة المارد صريع الأمس - لقي لا روح فيها، وبالسيف الذي أودي بالأم فصل به رأس الابن، وسبح بيوولف بالرأسين - مخلفاً وراءه كنوزاً لم يلهه لألاؤها - وما زال يعلو إلى السطح ورأس المارد ينزف دماً، حتى صبغ الماء، وملأ قلوب رفاقه عليه فزعاً، وقد طاف بهم أن دمه هو ذاك الذي خالط الماء ومازجه. وما كان أروع اللقاء وقد برز إليهم سالماً صحيحاً! وحمل الرفاق رأس المارد ورأس أمه وألقوا بهما تحت أقدام الملك، وأستأذنه بيوولف في الرحيل قائلاً: (آن لك أيها الملك أن تهدأ بالاً، وأن يعرف النوم سبيله إلى عيون فرسانك) انقلبت البلاد إلى شعلة من الفرح، وأقلع بيوولف في عصبته إلى جوتلند، تنوء رحالهم بالهدايا، وتسير بذكرهم الركبان.

وأتى حين بعد ذلك سعى فيه عرش جوتلند إلى بيوولف، واعتلى تاجها رأسه، فحكم شعبه خمسين عاما عادلا شجاعا، لا يمل الغزو والجلاد. وكان آخر عهده بهما خروجه لقتال مارد مخيف أقام في كهف من الكهوف يحرس فيه كنزاً نادراً. وفعلت قبضة بيوولف فعلها في المارد فأوردته الردى، إلا أن حر أنفاس الجني أتلفت جسمه، ونفذت إلى دمه فسممته، نتيجة لاشتباكهما في صراع عنيف طويل، واحتواه بعدها فراش السقم حيث غلبه الداء ومات. وعلى صخرة عالية يستشرقها البحر، وتشرأب إليها المروج الخضراء، أقام أهل جوتلند نصباً من خشب الصنوبر الثمين، علقت عليه الدروع، ورفت عليه السيوف، مثوى لجثمان مليكهم العزيز. وتنفيذاً لوصية بيوولف أضرموا النار تلتهم النصب ووديعته، وتلاشت من أمام أعينهم رويدا رويدا صورة مليكهم الدنيوية، حيث وجدت طريقها إلى السماء على ألسنة اللهب الصاعدة مع الهواء!

حسن عبد الحليم اليماني