كليلة ودمنة (1816)/باب برزويه ترجمة بزرجمهر بن البختكان
باب برزويه ترجمة بزرجمهر بن البختكان.
قال برزویه راس اطبّاء فارس وهو الذي تولّى انتساخ هذا الكتاب وترجمه من كتب الهند وقد مضى ذكر ذلك مِن قبل فيما مضى ان ابي كان من المقاتلة وكانت امّي من عظماء بيوت الزمازمة وكان منشاي في نعمة كاملة وكنت اكرم ولد ابويّ عليهما وكانا بي اشدّ احتفاظا من دون اخوتي حتّى اذا بلغت سبع سنين اسلماني الى المؤدّب فلما حذقت الكتابة شكرت ابويّ ونظرت في العلم فكان اوّل ما ابتدأت به وحرصت عليه علم الطبّ لاني كنت عرفت فضله وكلما سددت منه علما ازددت فيه حرصا وله اتّباعا فلما همّت نفسي بمداواة المرضى وعزمت على ذلك امرت نفسى ثم خيّرتها بين الامور الاربعة التي يطلبها الناس واليها يرغبون ولها يسعون فقلت ايّ هذه الخلال ابتغي فى علمي وايّها احرى بي فادرك منه حاجتي المال ام الذكر ام اللذّات ام الآخرة وكنت وجدتّ في كتب الطبّ ان أفضل الاطبّاء من واظب على طبّه لا يبتغي الا الآخرة فرايت ان اطلب الاشتغال بالطبّ ابتغاء الآخرة لئلا اكون كالتاجر الذي باع ياقوتة ثمينة بخرزة لا تساوي شيـٴـا مع اني قد وجدت في كتب الاوّلين ان الطبيب الذي يبتغي بطبّه اجر الآخرة لا يمنعه ذلك حظّه من الدنيا وان مثله مثل الزارع الذي يعمر ارضه ابتغاء الزرع لا ابتغاء العشب ثم هي لا محالة نابت فيها الوانُ العشب مع يانع الزرع فاقبلت على مداواة المرضى ابتغاء اجر لآخوة فلم ادع مريضا ارجو له البرء واخر لا ارجو له ذلك الّا اني اطمع ان يخفّ عنه بعض المرض الّا بالغت في مداواته ما امكنني القيام عليه بنفسي ومن لم اقدر القيام عليه وصفت له ما يصلح واعطيته من الدواء ما يتعالج به ولم ارِد ممّن فعلت معه ذلك جزاء ولا مكافاة ولم أغبط احدا من نظراي الذين هم دوني في العلم وفوقي في الجاه والمال وغيرهم ممّن لا يعود بصلاح ولا حسن سيرة قولا ولا عملا ولما تاقت نفسي الى غشيانهم وتمنّت منازلهم اثبتّ لها الخصومة فقلت لها يا نفس اما تعرفين نفعك من ضرّك الا تنتبهين عن تمنّي ما لا يناله احد الّا قلّ انتفاعه به وكثر عناؤه فيه واشتدّت المؤونة عليه وعظمت المشقّة لديه بعد فراقه يا نفسي اما تذكرين ما بعد هذه الدار فينسيك ما تشرهين اليه منها الا تستحيين من مشاركة الفجّار في حبّ هذه العاجلة الفانية التي من كان في يده شيء منها فليس له وليس بباقٍ عليه فلا يالفها الّا المغترّون الجاهلون يا نفسِ انظري في امرك وانصرفي عن هذا السفه واقبلي بقوّتك وسعيك على تقديم الخير وايّاك والشرّ واذكري ان هذا الجسد موجود لافاتٍ وانه مملوء اخلاطا فاسدة قذرة تعقدها الحياة والحياة الى نفاد كالصنم المفصّلة اعضاؤه اذا رُكّبت ووُضعت يجمعها مسمار واحد يشدّ بعضه بعضا فاذا اخذ ذلك المسمار تساقطت الاوصال يا نفسِ لا تغترّي بصحبة احبّايك واصحابك ولا تحرصي على ذلك كل الحرص فان صحبتهم على ما فيها من السرور كثيرة المؤونة وعاقبة ذلك الفراق ومثلها مثل المغرفة التي تستعمل في جدّتها السخونة المرق فاذا انكسرت صارت وقودا يا نفسِ لا يحملنّك اهلك واقاربك على جمع ما تهلكين فيه ارادةَ صِلتهم فاذا انت كالدخنة الارجة التي تحترق ويذهب اخرون بريجها يا نفسِ لا يبعد عليك امر الآخرة فتميلي الى العاجلة في استعجال القليل وبيع الكثير باليسير كالخواجه الذي كان له ملء بيت من الصندل فقال ان بعته موازنة طال عليّ فباعه جزافا بابخس الثمن فلما رايت ذلك لم اجد الى متابعة احد منهم سبيلا وعرفت اني ان صدّقت احدا منهم لا علم لي بحاله كنت في ذلك كالمصدّق المخدوع الذي زعموا ان سارقا علا ظهر بيت رجل من الاغنياء وكان معه جماعة من اصحابه فاستيقظ صاحب المنزل من وطيهم فعرّف امرأته ذلك فقال لها رويدا انّي لاحسب اللصوص علوا على البيت فايقظيني بصوت يسمعه اللصوص وقولي الا تخبرني ايّها الرجل عن اموالك هذه الكثيرة وكنوزك العظيمة فاذا فهيتك عن هذا السؤال فالحّي عليّ بالسؤال ففعلت المرأة ذلك وسألته كما أمرها ونصتَ اللصوص الى سماع قولهما قال لها الرجل ايّتها المرأة قد ساقك القدر الى رزق واسع كثير فكلي واسكتي ولا تسـٴـلي عن امر ان اخبرتك به لم آمن ان يسمعه احد فيكون في ذلك ما اكره وتكرهين ثم قالت المرأة اخبرني ايّها الرجل فلعمري ما يقربنا احد يسمع كلامنا فقال لها فانّي مخبرك لم اجمع هذه الاموال الا من السرقة قالت وكيف كان ذلك وما كنت تصنع قال ذلك لعلم اصبته في السرقة وكان الامر عليّ يسيرا وانا آمن من ان يتّهمني احد او يرتاب بي قالت فاذكر لي ذلك قال كنت أذهب في الليلة المقمرة أنا واصحابى حتى اعلو دار بعض الاغنياء مثلنا فانتهى إلى الكوّة التي يدخل منها الضوّ فارقى بهذه الرُقيَة وهی شولم شولم سبع مرّات واعتنق الضوّ فلا يحسّ بوقوعي احد فلا ادع مالا ولا متاعا الا اخذته ثم ارقى بتلك الرقية سبع مرّات واعتنق الضرّ فيجذبني فاصعد الى اصحابي فنمضي سالمین آمنين فلما سمع اللصوص ذلك قالوا قد ظفرنا الليلة بما نريد من المال ثم انهم اطالوا المسكث حتّى ظنّوا ان صاحب الدار وزوجته قد هجعا فقام قايدهم الى مدخل الضوّ وقال شولم شولم سبع مراّت ثم اعتنق الضوّ لينزل الى ارض المنزل فوقع على امّ راسه منكّسا فوتب اليه الرجل بهراوته وقال له من انت قال انا المصدّق المخدوع المغترّ بما لا يكون ابدا وهذه ثمرته فلما تحرّرت من تصديق ما لا يكون ولم آمن إن صدّقته أن يوقعني في مهلكة عدت الى طلب الاديان والتماس العدل منها فلم اجد عند احد ممّن كلّمته جوابا فيما سألته عنه فيها ولم ار فيما كلّموني به شيـٴـا يحقّ لي في عقلي ان اصدّق به ولا ان اتّبعه فقلت لمّا لم اجد ثقة آخُذُ منه فالراي ان الزم دين آبآي واجدادي الذي وجدتهم عليه فلمّا ذهبت التمسُ العذر لنفسي في لزوم دين الآبآء والاجداد لم اجد لها على الثبوت على دين الآبآء طاقة بل وجدتها تريد ان تفرغ للبحث عن الاديان والمسـٴـلة عنها وللنظر فيها فهجس في قلبي وخطر على بالي قرب الاجل وسرعة انقطاع الدنيا واعتباط اهلها وتخرّم الدهر حياتهم ففكّرت في ذلك وقلت اما انا فكانّي الرجل الذي زعموا انه علق امرأة ذات بعل وان تلك المرأة حفرت له سربا من بيتها الى الطريق وجعلت باب ذلك السرب عند جبّ الماء وفعلت ذلك خوفا من بعلها أو غيره ممّن تخافه فتكون اذا ارتابت من احد تخرج الرجل من ذلك السرب فاتّفق ذات يوم ان الرجل كان عندها وبلغها ان زوجها بالباب فقالت للرجل على عجل منها وخيفة بادر اخرج من السرب الذي عند جبّ الماء فانطلق الرجل الى ذلك المكان فلم يجد جبّ الماء فرجع اليها وقال لها ان الجبّ الذي ذكرت لي ان السرب عنده ليس هناك فقالت له ايّها المائق وما تصنع بالجبّ انا دللتك به لتعرف السرب فحيث قد عرفته فاذهب عاجلا فقال لها لما ذكرت الجبّ وليس هو هناك فقالت له ايّها الاحمق انج ودع عنك الحمق والتردّد فقال لها كيف امضي وقد خلّطت عليّ وذكرت الجبّ وليس هناك فلم يزل على مثل هذه الحال حتّى دخل ربّ البيت فأخذه واوجعه ضربا ورفعه الى السلطان فلما خفت من التردّد والتحوّل رايت الّا اتعرّض لما اتخوّف منه المكروه وان اقتصر على عمل تشهد النفس انه يوافق كل الاديان وكففت فكري عن القتل والضرب وطرحت نفسي عن المكروه والغضب والسرقة والخيانة والكذب والبهتان والغيبة واضمرت في نفسي ان لا ابغي على احد ولا اكذّب بالبعث ولا القيامة ولا الثواب ولا العقاب وزايلت الاشرار بقلبي وحاولت الجلوس بالاخيار بجهدي ورايت الصلاح ليس كمثله صاحب ولا قرين ووجدت مكسبه اذا وفّق الله واعان يسيرا ووجدته يدلّ على الخير ويشير بالنصح فعلَ الصديق بالصديق ووجدته لا ينقص على الانفاق منه بل يزداد جدّة وحسنا ووجدته لا خوف عليه من السلطان ان يغصبه ولا من الماء ان يغرقه ولا من النار ان تحرقه ولا من اللصوص ان تسرقه ولا من السباع وجوارح الطير ان تمزّقه ووجدت الرجل الساهي اللاهي المؤثر اليسير يناله في يومه ويعدمه في غده على الكثير الباقي نعيمه يصيبه ما اصاب التاجر الذي زعموا انه كان له جوهر نفيس فاستأجر لثقبه رجلا في اليوم بماية دينار وانطلق به الى منزله ليعمل واذا في ناحية البيت صنج موضوع فقال التاجر للصانع هل تحسن تلعب بالصنج قال نعم وكان بلعبه ماهرا فقال له التاجر دونك والصنج فأسمعنا ضربك به فاخذ الرجل الصنج ولم يزل يُسمع التاجر الضرب الصحيح والصوت الرفيع والتاجر يشير بيده وراسه طربا حتى امسى فلما حان الغروب قال الرجل للتاجر مُر لي بالاجرة فقال له التاجر وهل عملت شيـٴـا تستحقّ به الاجرة فقال له عملت ما امرتني به وانا اجيرك وما استعملتني عملت ولم يزل به حتى استوفى منه ماية دينار وبقي جوهرت غير مثقوب فلم ازدد في الدنيا وشهواتها نظرا الّا ازددت فيها زهادة ومنها هربا ووجدت النسك هو الذي يمهّد للمعاد كما يمهّد الوالد لولده ووجدته هو الباب المفتوح الى النعيم المقيم ووجدت الناسك قد تدبّر فعلته بالسكينة فشكر وتواضع وقنع فاستغنى ورضي ولم يهتمّ وخلع الدنيا فنجا من الشرور ورفض الشهوات فصار طاهرا واطّرح الحسد فوجبت له المحبّة وسخت نفسه بكل شيء واستعمل العقل وابصر العاقبة فامن الندامة ولم يخف الناس ولم يدبّ اليهم فسلم منهم فلم ازدد في امر النسك نظرا الا ازددت فيه رغبة حتى هممت ان اكون من اهله هم تخوّفت ألا اصبر على عيش الناسك ولم آمن إن تركت الدنيا واخذت في النسك أن اضعف عن ذلك ورفضت اعمالا كنت ارجو عايدتها وقد كنت اعمالها فانتفع بها في الدنيا فيكون مثلي في ذلك مثل الكلب الذي مرّ بنهر وفي فيه ضلع فراى ظلّه في الماء فاهوى لياخذه فاتلف ما كان معه ولم يجد في الماء شيـٴـا فهبت النسك مهلبة شديدة وخفت من الضجر وقلّة الصبر واردت الثبوت على حالتي التي كنت عليها ثم بدا لي ان اقيس ما اخاف ان لا اصبر عليه من الآذى والضيق والخشونة في النسك وما يصيب صاحبَ الدنيا من البلاء وكان عندي انه ليس شيء من شهوات الدنيا ولذّاتها الا وهو متحوّل الى الآذى ومولّد للحزن فالدنيا كالماء الملح الذى لا يزداده شاربه شربا الا ازداد عطشا وهي كالعظم الذي يصيبه الكلب فيجد فيه ريح اللحم فلا يزال يطلب ذلك اللحم حتى يدمي فاه وكالحداة التي تظفر بقطعة من اللحم فيجتمع عليها الطير فلا تزال تدور وتدأب حتى تعيا وتعطب فاذا تعبت القت ما معها وكالكوز من العسل الذي في اسفله السمّ الذي يذاق منه حلاوة عاجلة وآخره موت ذعاق وكاحلام النايم التي يفرح بها الانسان في نومه فاذا استيقظ ذهب الفرح فلما فكّرت في هذه الامور رجعت الى طلب النسك وهزّني الاشتياق اليه ثم خاصمت نفسي اذ هي في شرورها سارحة وقد لا تثبت على امر تعزم عليه كقاضٍ سمع من خصم واحد فحكم له فلما حضر الخصم الثاني عاد الى الاوّل وقضا عليه ثم نظرت فى الذي اكابده من احتمال النسك وضيقه فقلت ما اصغرَ هذه المشقةَ في جانب رَوح الابد وراحته ثم نظرت فيما تشره اليه النفس من لذّة الدنيا فقلت ما امرّ هذا واوجعَه وهو يدفع الى عذاب الابد واهواله وكيف لا يستحلي الرجل مرارة قليلة تعقبها حلاوة طويلة وكيف لا تمرّ عليه حلاوة قليلة تعقبها مرارة دايمة وقلت لو ان رجلا عُرض عليه ان يعيش ماية سنة لا ياتي عليه يوم واحد الا بُضع منه بضعة ثم اعيد عليه من الغد غير انه يشرط له اذا استوفى السنين الماية نجا من كل الم وآذى وصار الى الامن والسرور كان حقيقا ان لا يرى تلك السنين ولا شيـٴـا منها وكيف يابى الصبر على ايّام قلايل يعيشها في النسك وآذى تلك الايّام قليل يُعقِب خيرا كثيرا فلنعلم ان الدنيا كلها بلاء وعذاب اوليس الانسان انما يتقلّب في عذاب الدنيا من حيث يكون جنينا الى ان يستوفي ايّام حياته فاننا نجد في كتب الطبّ ان الماء الذي يقدّر منه الولد السويّ اذا وقع في رحم المرأة يختلط بدسها ومائها فيثخن ويغلظ ثم يمخض الريح ذلك الماء والدم حتى تتركه كالجبن ثم كالرايب الثخين الغليظ ثم تقسم فيه اعضاء الولد لابّان ايامه فان كانت انثى فوجهها قِبَلَ وجه امّها وان كان ذكرا فوجهه قِبَلَ ظهر امّه ويداه على وجنتيه وذقنه على ركبتيه وهو منقبض في المشيمة كانها صُرّة مصرورة وهو يتنفّس من متنفّس ضيّق شاقّ عليه وليس من عضو الا وهو مقمّط بقماط فوقه حرّ البطن وثقله وتحته ما تحته من الظلمة والضيق وهو منوط بمعًا من سرّته الى سرّة امّه ومن ذلك المعا يمصّ ويقتبس الطعام فهو بهذه المنزلة في الظلمة والضيق الى يوم ولادته واذا كان ابّان المخاض والولادة سُلِطت ريح على رحم المرأة فتهب للجنين قوّة يقدر بها على الحركة فيضرب براسه قِبل المخرج من ضيقة وحرجه فاذا وقع الى الارض فاصابته ريح او لمسته يد وجد لذلك من الالم ما يجده الانسان اذا سلخ جلده ثم هو فى انواع العذاب ان جاع فليس به استطعام او عطش فلیس به استسقاء او وجع فليس به استغاثة معما يلقى من الوضع والحمل واللفّ والدهن والمسح ان انيم على ظهره لم يستطع تقلبّا ثم يلقى اصناف العذاب ما دام رضيعا فاذا اُفلت من عذاب الرضاع اُخذ بعذاب الادب فاذيق منه الوانا من عنف المعلّم وضجر الدرس وسأمة الكتابة هم له من الدواء والحِميَة والاسقام والاوجاع اوفى حظّ فاذا ادرك كانت همّته في جمع المال وتربية الولد ومخاطرة الطلب والسعي والكدّ والتعب وهو مع ذلك يتقلّب مع اعدايه الباطنين اللازمين له وهي الصفراءُ والسوداء والريح والبلغم والدمُ والسمّ الميت والحيّة اللادغة مع الخوف من السباع والهوامّ مع صرف الحرّ والبرد والمطر والرياح ثم انواع عذاب الهرم لمن يبلغ اليه فلو لم يخف من هذه الامور شيـٴـا وكان قد امن ووثق السلامة منها فلم يفكر فيها لوجب عليه ان يعتبر بالساعة التي يحضره فيها الموت فيفارق الدنيا ويتذكّر ما هو نازل به في تلك الساعة من فراق الاحبّة والاهل والاقارب وكلّ مضنون به من الدنيا والإشراف على الهول العظيم بعد الموت فلو لم يفعل ذلك لكان حقيقا ان يعدّ عاجزا مفرّطا محبّا للدناءة واللوم فمن ذا الذي يعلم ولا يحتال لغدٍ جهدَ حيلته ويرفض ما يشغله ويلهيه من شهوات الدنيا وغرورها ولا سيّما في هذا الزمان الشبيه بالصافي وهو كدِر فانه وان كان الملك حازما عظيم المقدرة رفيع الهمّة بليغ الفحص عدلا مرجوّا صدوقا شكورا رحب الذراع مفتقدا مواظبا مستمرّا عالما بالناس والامور محبّا للعلم والخير والاخيار شديدا على الظلمة غير جبان ولا خفيف القياد رفيقا بالتوسّع على الرعيّة فيما يحبّون والدفع لما يكرهون فانّا قد نرى الزمان مُدْبرا بكل مكان فكأنّ امور الصدق قد نُزعت من الناس فاصبح ما كان عزيزا فقدُه مفقودا وموجودا ما كان ضايرا وجودُه وكانّ الخير اصبح ذابلا والشرّ ناضرا وكانّ الفهم اصبح قد زالت سُبُله وكانّ الحقّ ولّى كسيرا واقبل الباطل تابعه وكانّ اتّباع الهوى واضاعة الحكم اصبح بالحكّام موكّلا واصبح المظلوم بالحيف مقرّا والظالم لنفسه مستطلّا وكانّ الحرص اصبح فاغرا فاه من كل جهة يتلقّف ما قرب منه وما بعد وكانّ الرضى اصبح مجهولا وكانّ الاشرار يستإمّون السماء وكانّ الاخيار يريدون بطن الارض واصبحت المروة مقذوفا بها من اعلى شرف الى اسفل درك واصبحت الدناءة مكرّمة ممكّنة واصبح السلطان منتقلا عن اهل الفضل الى اهل النقص وكانّ الدنيا جذلة مسرورة تقول قد غيّبتُ الخيرات واظهرت السيّئات فلمّا فكّرت في الدنيا وامورها وان الانسان هو اشرف الخلق فيها وافضله ثم هو لا يتقلّب الا في الشرور والهموم عرفت انه ليس انسان ذو عقل الا وقد اغفل هذا ولم يعمل لنفسه ويحتل لنجاتها فعجبت من ذلك كل العجب ثمّ نظرت فاذا الانسان لا يمنعه عن الاحتيال لنفسه الا لذّة صغيرة حقيرة غير كبيرة من الشمّ والذوق والنظر والسمع واللمس لعلّه يصيب منه الطفيف او يقتني منه اليسير فاذا ذلك يشغله ويذهب به عن الاهتمام لنفسه وطلب النجاة لها فالتمست للانسان مثلا فاذا مثله مثل رجل نجا من خوف فيل هايج الى بئر فتدلّى فيها وتعلّق بغصنين كانا على سمائها فوقعت رجلاه على شيء في طي البئر فاذا حيّات اربع قد اخرجن رؤسهنّ من احجارهنّ ثم نظر فاذا في قعر البئر تنّين فاتح فاه منتظر له ليقع فياخذه فرفع بصره الى الغصنين فاذا في اصلهما جُرَذانِ اسود وابيض وهما نقرضان الغصنين دائبين لا يفتّران فبينما هو في النظر لامره والاهتمام لنفسه اذ بصر قريبا منه كوارة فيها نحل عسل فذاق العسل فشغلته حلاوته والهته لذّته عن الفكرة في شيء من امره وأن يلتمس الخلاص لنفسه ولم يذكر ان رجليه على حيّات اربع لا يدري متى يقع عليهنّ ولم يذكر ان الجرذين دائبان في قطع الغصنين ومتى انقطعا وقع على التنّين فلم يزل لاهيا غافلا مشغولا بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنّين فهلك فشبّهتُ البئر للدنيا المملوة آفات وشرورا ومخافات وعاهات وشبّهتُ الحيّات الاربع بالاخلاط الاربعة التي في البدن فانها متى هاجت او احدها كانت كحُمة الافاعي والسمّ المميت وشّبهت الجردين الاسود والابيض بالليل والنهار اللذان هما دائبان في افناء الاجل وشبّهت التنّين بالمصير الذي لا بدّ منه وشبّهت العسل بهذه الحلاوة القليلة التي يرى الانسان ويطعم ويسمع ويشمّ ويلمس ويتشاغل عن نفسه ويلهو عن شانه ويصدّ عن سبيل قصده فحينئذ صار امري الى الرضى بحالي واصلاح ما استطعت اصلاحه من عملي لعلّي ان اصادف باقي ایّامي زمانا اصیب فیه دلیلا علی هداي وسلطانا على نفسي وقواما على امري فاقمت على هذه الحال وانتسخت كتبا كثيرة وانصرفت من بلاد الهند وقد نسخت هذا الكتاب.