كليلة ودمنة (1816)/باب الفحص عن امر دمنة
باب الفحص عن امر دمنه.
قال دبشلیم الملك لبیدبا الفیلسوف قد حدّثتنی عن الواشی الماهر بالمحال كیف یفسد بالنمیمة المودة الثابتة بین المتحابّین فحدثنی ان رایت بما كان من حال دمنه والى ما آل مآله بعد قتل شنزبه وما كان من معاذیره عند الاسد واصحابه حین راجع الاسد رایه فی الثور وادخل النمیمة على دمنه وما كانت حجّته التی احتجّ بها قال الفیلسوف انا وجدت فی حدیث دمنه ان الاسد حین قتل شنزبه ندم على قتله وذكر قدیم صحبته وجسیم خدمته وانه كان اكرم اصحابه علیه واخصّهم منزلة لدیه واقربهم وادناهم الیه وكان یواصل به المشورة دون خواصّه وكان من اخصّ اصحابه عنده بعد الثور النمر فاتّفق انه امسى النمر ذات لیلة عند الاسد فخرج من عنده جوف اللیل يريد منزله فاجتاز على منزل كليله ودمنه فلما انتهى الى الباب سمع كليله يعاتب دمنه على ما كان منه ويلومه في النميمة واستعمالها مع الكذب والبهتان في حقّ الخاصّة وعرف النمر عصيان دمنه وترك القبول له فوقف يستمع ما يجري بينهما فكان فيما قال كليله لدمنه لقد ارتكبت مركبا صعبا ودخلت مدخلا ضيّقا وجنيت على نفسك جناية موبقة وعاقبتها وخيمة وسوف يكون مصرعك شديدا اذا انكشف للاسد امرك واطّلع عليه وعرف غدرك ومحالك وبقيت لا ناصر لك فيجتمع عليك الهوان والقتل مخافة شرك وحذرا من غوايلك فلستُ بمتّخذك بعد اليوم خليلا ولا مُفشٍ اليك سرًّا لان العلمآء قد قالوا تباعد ممّن لا رغبة فيه وانا جدير بمباعدتك والتماس الخلاص لي ممّا وقع في نفس الاسد من هذا الامر فلمّا سمع النمر هذا من كلامهما ذهب راجعا فدخل على امّ الاسد فاخذ عليها العهود والمواثيق انها لا تفشي بما يسرّ اليها فعاهدته على ذلك فاخبرها بما سمع من كلام كليله ودمنه فلمّا اصبحت دخلت على الاسد فوجدته كئيبا حزينا مهموما لما ورد عليه من قتل شنزبه فقالت له ما هذا الهمّ الذي قد اخذ منك وغلب عليك قال يحزنني قتل شنزبه اذا تذكّرت صحبته ومواظبته معي وما كنت اسمع من مؤامرته واسكن اليه في مشاورته واقبل من مناصحته قالت امّ الاسد ان اشدّ ما شهد امرؤ على نفسه وهذا خطأ عظيم كيف أقدمت على قتل الثور بلا علم ولا يقين ولولا ما قالت العلماء من اذاعة الاسرار وما فيها من الاثم والشنار لذكرت لك واخبرتك بما علمت قال الاسد ان اقوال العلمآء لها وجوه كثيرة ومعانٍ مختلفة وانّي لاعلم صواب ما تقولين وان كان عندك راي فلا تطويه عنّي وان كان قد اسرّ اليك احد سرّا فاخبریني به واطلعیني علیه وعلى جملة الامر فاخبرته بجميع ما القاه اليها النمر من غير ان تخبره باسمه وقالت اني لم اجهل قول العلمآء في تعظيم العقوبة وتشديدها وما يدخل على الرجل من العار في اذاعة الاسرار ولكنّي احببت ان اخبرك بما فيه المصلحة لك وان وصل خطاه وضرره الى العامّة فاصرارهم على خيانة الملك ممّا لا يدفع الشرّ عنهم وبه تحتجّ السفهآء ويُدخلون الشبهة على ما يكون من اعمالهم القبيحة واشدّ معارهم اقدامهم على ذي الحزم فلمّا قضت امّ الاسد هذا الكلام فاستدعى اصحابه وجنده فاُدخلوا عليه فلمّا وقف دمنه بين يدي الاسد وراى ما هو عليه من الحزن والكآبة التفت الى بعض الحاضرين فقال ما الذي حدث وما الذي احزن الملك فالتفتت امّ الاسد اليه .وقالت قد احزن الملك بقاؤك ولو طرفة عين ولن يدعك بعد اليوم حيّا قال دمنه ما ترك الاوّل للاخير شيئا لانّه يقال اشدّ الناس في توقّي الشر يصيبه الشرُّ قبل المستسلم فلا يكوننّ الملك وخاصّته وجنوده المثل السوء وقد علمت ان قد قيل من صحب الاشرار وهو يعلم علمهم كان اذاه من نفسه ولذلك انقطعت النسّاك بانفسها عن الخلق واختارت الوحدة على المخالطة وحبّ العمل لله على حب الدنيا واهلها ومن يجزي بالخير خيرا وبالاحسان احسانا الا الله ومن طلب الجزآء على الخير من الناس كان حقيقا ان يَحظَى بالحرمان اذ يُخطِي الصواب في خلوص العمل لغير الله وطلب الجزآء من الناس وان احقّ ما رغبت فيه رعيّة الملك هو محاسن الاخلاق ومواقع الصواب وجميل السِيَر وقد قالت العلمآء من صدّق ما ينبغي ان يكذّب وكذّب ما ينبغى ان يصدّق اصابه ما اصاب المرأة التي بذلت نفسها لعبدها حتى فضحها بالتلبيس عليها قال الاسد وكيف كان ذلك قال دمنه زعموا انه كان في بعض المدن تاجر وكانت له امرأة ذات حسن وجمال وكان الى جنب التاجر رجل مصوّر ماهر وكان هو لامرأة التاجر خليلا فقالت له يوما ان استطعت ان تحتال بحيلة اعلم بها مجيّك من غير ندآء ولا ايمآء ولا ما يُرتاب به من فعلك وفعلي قال المصوّر عندي من الحيلة ما سألت ما يسرّك ويقرّ عينك ان عندي ملاءة فيها من تهاويل الصور وتماثيل الصنعة فانا البسها حين مجيّي اليك ومتراى لك فيها ثمّ ان المصوّر لبس الملاءة وترآى للمرأة فعلمت بمكانه فخرجت اليه وفرحت به وتهيّأت له فبصر بهما في تلك الحالة عبد للمرأة فعجب من ذلك وتحيّر وكان هذا العبد لامة المصوّر خليلا فطلب الملاءة منها وسألها ذلك وقال اريد ان اريها لصديق لي لاسرّه بذلك واسرع الكرّة بردّها قبل ان يعلم به مولاك فاعطته امة المصوّر الملاءة فلبسها العبد واتى سيّدته على نحو ما كان ياتيها المصوّر فلمّا رأته لم تشكّ في مجيّه ولم ترتب به انه خليلها فاتت اليه وبذلت له نفسها فقضى حاجته منها وبلغ غرضه ثمّ رجع بالملاءة الى امة المصور فدفعها الها فوضعتها موضعها وكان المصوّر عن بيته غائبا فلمّا جنّ الليل عاد الى منزله فلبس الملاءة على عادته وترآى للمرأة فلمّا شاهدت ذلك وثبت اليه وقالت لقد اسرعت الكرّة الم تكن عندي وقد قضيت حاجتك فما ذا العود فلمّا سمع المصوّر كلامها رجع الى منزله فدعا جاريته فتواعدها بالقتل او لتخبره بالحقيقة فاخبرته بالقصّة فاخذ الملاءة فاحرقها وانّما ضربت لك هذا المثل ارادة ان لا يعجل الملك في امري بشبهة ولست اقول هذا كراهة للموت فانه وان كان كريها فلا منجأ منه وكل حيّ هالك ولو كانت لي ماية نفس واعلم ان هواء الملك باتلافهنّ طبت له بذلك نفسا فقال بعض الجند لم ينطق بهذا لحبّه الملك ولكن لنفسه والتماسَ العذرِ لها فقال له دمنه ويلك وهل عليّ في التماس العذر لنفسي عيب وهل احد اقرب الى الانسان من نفسه واذا لم يلتمس لها العذر لمن يلتمسه لقد ظهر منك ما لم تكن تملكه من الحسد والبغضاء ولقد عرف من سمع منك انك لا تحبّ لاحد خيرا وانك عدوّ نفسك فمن سواها فمثلك لا يصلح ان يكون مع البهايم فضلا ان يكون مع الملك وان يكون ببابه فلمّا اجابه دمنه بذلك خرج مكتئبا حزينا مستحيّا فقالت امّ الاسد لدمنه لقد عجبت منك ايّها المحتال لقلة حياتك وكثرة قحتك وسرعة جوابك لمن كلّمك قال دمنه لانّك تنظرين اليّ بعين واحدة وتسمعين منّي باذن واحدة مع ان شقاوة جدّي قد زوت عنّي كل شيء حتى لقد سعوا الى الملك بالنميمة عليّ ولقد صار من بباب الملك لاستخفافهم به وطول كرامته اياهم وما هم فيه من العيش والنعمة لا يدرون في ايّ وقت ينبغي لهم الكلام ولا متى يجب عليهم السكوت قالت الا تنظروا الى هذا الشقيّ مع عظم ذنبه كيف يجعل نفسه بريّا كمن لا ذنب له قال دمنه ان الذين يعملون غير اعمالهم كالذي يضع الرماد موضعا ينبغي أن يضع فيه الرمل ويستعمل فيه السرجين والرجل الذي يلبس لباس المرأة والمرأة التي تلبس لباس الرجل والضيف الذي يقول أنا ربّ البيت والذي ينطق بين الجماعة بما لا يُسأل عنه وانما الشقي من لا يعرف الامور والناس ولا يقدر على دفع الشرّ عن نفسه ولا يستطيع ذلك قالت امّ الاسد أتظن ايّها الغادر المحتال بقولك هذا انّك تخدع الملك ولا يسجنك قال دمنه الغادر الذي لا يأمن عدوُّه مكرَه واذا استمكن من عدوّه قتله على غير ذنب قالت امّ الاسد ايّها الغادر الكذوب اتظنّ انك ناجٍ من عاقبة كذبك وانّ محالك هذا ينفعك مع عظم جرمك قال دمنه الكذوب الذي يقول ما لم يكن وياتي بما لم يُقَل ولم يفعل وكلامي واضح مبين قالت امّ الاسد العلمآء منكم من قضى حاجته فيه ثمّ نهضت فخرجت فدفع الاسد دمنه الى القاضي فامر القاضي بحبسه فالقى فى عنقه حبل وانطلق به الى السجن فلما انتصف الليل اخبِر كليله كليله ان دمنه في الحبس فاتاه مستخفيا فلمّا رآه وما هو عليه من ضيق القيود وحرج المكان بكا وقال له ما وصلت الى ما وصلت اليه الا لاستعمالك الغلطة واضرابك عن العظة ولكن لا بدّ لي من انذارك والنصيحة لك والمسارعة اليك في خلوص الرغبة فانه لكل مقام مقال ولكل موضع مجال ولو كنتُ قصّرت في عظتك حين كنتَ في عافية لكنت اليوم شريكك في ذنبك غير ان العجب دخل منك مدخلا قهر رايك وغلب على عقلك وكنتُ اضرب الامثال كثيرًا واذكرك قول العلمآء وقد قالت العلمآء ان المحتال يموت قبل اجله قال دمنه قد عرفت صدق مقالتك وقد قالت العلمآء لا تجزع من العذاب اذا وقفت منك على الخطيّة ولَأن تعذّب في الدنيا بجرمك خير من ان تعذّب في الآخرة بجهنّم مع الاثم قال كليله قد فهمت كلامك ولكنّ ذنبك عظيم وعقاب الاسد شديد اليم وكان بقربهما في السجن فهد معتقل يسمع كلامهما ولا يريانه فعرف معاتبة كليله لدمنه على سوء فعله وما كان منه وان دمنه مقرّ بسوء عمله وعظيم ذنبه فحفظ المحاورة بينهما وكتمتها ليشهد بها ان سئل عنها ثمّ ان کلیله انصرف الى منزله ودخلت امّ الاسد حين اصبحت على الاسد فقالت له يا سيّد الوحوش حوشيتَ ان تنسى ما قلت بالامس وانك امرت به لوقته وارضیت به ربّ العباد وقد قالت العلمآء لا ينبغي للانسان ان يتوانا فى الجدّ للتقوى بل ولا ينبغي ان يدافع بذنب الاثيم فلمّا سمع الاسد كلام امّه امر ان يحضر النمر وهو صاحب القضاء فلمّا حضر قال له ولجواش العادل اجلسا في موضع الحكم ونادِيا في الجند صغيرهم وكبيرهم ان يحضروا وينظروا في حال دمنه ويبحثوا عن شانه ويفحصوا عن ذنبه ويثبتوا قوله وعذره في كتب القضاء وارفعا اليّ ذلك يوما فيوما فلمّا سمع النمر وجواش العادل وكان هذا الجواش عمّ الاسد قالا سمعًا وطاعةً لما امر الملك وخرجا من عنده فعملا بمقتضى ما تقدّم به اليهما حتى اذا مضى من يوم جلسوا فيه ثلث ساعات امر القاضي ان يؤتى بدمنه فاتي به فاقيم بین يديه والجماعة حضور فلمّا استقرّ به المكان نادى سيّد الجمع باعلا صوته ايّها الجمع انكر قد علمتم ان سيّد السباع لم يزل منذ قتل شنزبه خاسر النفس كثير الهمّ والحزن يرى انه قد قتل شنزبه بغير ذنب وانه اخذ بكذب دمنه ونميمته وهذا القاضي قد اُمر ان يجلس مجلس القضاء ويبحث عن شان دمنه فمن علم منكم شيئا في امر دمنه من خير او شرّ فليقل ذلك وليتكلّم بذلك على رؤوس الجمع والاشهاد ليكون القضاء في امره بحسب ذلك فاذا استُوجب القتل فالتثبّتُ في امره اولى والعجلةُ من الهوى ومتابعة الاصحاب على الباطل ذلّ فعندها قال القاضي ايّها الجمع اسمعوا قول سيّدكم ولا تكتموا ما عرفتم من امره واحذروا في الستر عليه ثلث خصال اما احداهنّ وهي افضلهنّ الّا تزدروا فعله ولا تعدّوه يسيرا فمن أعظم الخطايا قتل البريّ الذي لا ذنب له بالكذب والنميمة ومن علم من امر هذا الكذّاب الذي اسلم البريّ بكذبه ونميمته شيئا فستر عليه فهو شريكه في الاثم والعقوبة والثانية اذا اعترف المذنب بذنبه كان اسلم له والاحرى للملك وجنده ان يعفوا عنه ويصفحوا والثالثة ترك مراعاة اهل الذمّ والفجور وقطع اسباب مرواتهم ومودّاتهم عن الخاصّة والعامّة فمن علم من امر هذا المحتال شيئا فليتكلّم به على رؤوس الاشهاد ممّن حضر ليكون ذلك حجّة وقد قيل انّه من كتم شهادة ميّت الجم بلجام من نار يوم القيمة فليقل كلّ واحد منكم ما علم فلما سمع ذلك الجمع كلامه امسكوا عن القول فقال دمنه ما يُسكتكم تكلموا بما علمتم واعلموا ان لكلّ كلمة جوابا وقد قالت العلمآء من يشهد بما لم يرَ ويقول ما لا يعلم اصابه ما اصاب الطبيب الذي قال لما لا يعلمه اني اعلمه قالت الجماعة وكيف كان ذلك قال دمنه زعموا انه كان في بعض المدن طبيب له رفق وعلم وكان ذا اخطار فيما يجري على يديه من المعالجات فكبر ذلك الطبيب وضعف بصره وكان لملك تلك المدينة ابنة قد زوّجها لابن اخ له فعرض لها ما يعرض للحوامل من الاوجاع فجيء بهذا الطبيب فلمّا حضر سأل الجارية عن وجعها وما تجد فاخبرته فعرف دآءها ودوآءها وقال لو كنت ابصر لجمعت الاخلاط على معرفتي باجناسها ولا اثق بذلك احدا غيري وكان في المدينة رجل سفيه فبلغه الخبر فاتاهم وادّعى علم الطبّ واعلمهم انه خبير بمعرفة اخلاط الادوية والعقاقير عارف بطبايع الادوية المركّبة والمفردة فامره الملك ان يدخل خزانة الادوية فياخذ من اخلاط الدواء حاجته فلمّا دخل السفيه الخزانة وعرضت عليه الادوية ولا يدري ما هي ولا له بها معرفة فاخذ في جملة ما اخذ منها صرّة فيها سمّ قاتل لوقته وخلطه في الادوية ولا علم له به ولا معرفة بجنسه فلمّا تمّت اخلاط الادوية سقى الجارية منه فماتت لوقتها فلمّا عرف الملك ذلك دعا بالسفيه فسقاه من ذلك الدوآء فمات من ساعته وانّما ضربت لكم هذا المثل لتعلموا ما يدخل على القائل والعامل من الزلّة في الشبهة والخروج عن الحد فمن خرج منكم عن حدّه اصابه ما اصاب ذلك الجاهل ونفسُه الملومة وقد قالت العلمآء ربّما جزى المتكلّم بقوله والكلام بين ايديكم فانظروا لانفسكم فتكلّم سيد الخبّازين لادلاله وتيهه بمنزلته عند الاسد فقال يا اهل الشرف من العلمآء اسمعوا مقالتي وعوا باحلامكم كلامي فالعلمآء قالوا في معنى الصالحين انهم يُعرَفون بسيماهم وانتم معاشر ذوي الاقتدار بحسن صنع الله لكم وتمام نعمته لديكم تعرفون الصالحين بسيماهم وصورهم وتخبرون الشيء الكبير بالشيء الصغير وهاهنا اشياء كثيرة تدلّ على هذا الشقيّ دمنه وتخبر عن شرّه فاطلبوها على ظاهر جسمه لتستيقنوا وتسكنوا الى ذلك قال القاضي لسيّد الخبّازين قد علمت وعلم الجماعة الحاضرون انّك عارف بما في الصور من علامات السوء ففسّر لنا ما تقول واطلعنا على ما ترى في صورة هذا الشقيّ فاخذ سيّد الخبّازين يذمّ دمنه وقال ان العلمآء قد كتبوا واخبروا أنه من كانت عينه اليسرى اصغر من عينه اليمنى وهي لا تزال تختلج وكان انفه مائلا الى جنبه الايمن فهو شقيّ خبيث جامع للخبّ والفجور فلمّا سمع دمنه ذلك قال ما مثلك الا مثل رجل قال لامرأته انظري الى عورتك وبعد ذلك انظري الى عورة غيرك قال وكيف كان ذلك قال دمنه زعموا ان مدينة اغار عليها العدوّ فقتل وسبا وغنم وانطلق الى بلاده فاتّفق انه كان مع جنديّ مما وقع في قسمته رجل حرّاث ومعه امرأتان له وكان هذا الجنديّ يسيء اليهم في الطعام واللباس فذهب الحرّاث ذات يوم ومعه امرأتاه يحتطب للجنديّ وهم عراة فاصابت احدى المرأتين في طريقها خرقة بالية فوضعتها على سَوْءَتها ثم قالت لزوجها الا تنظر الى هذه الفاعلة كيف لا تستحيي وتستر عورتها فقال لها زوجها لو بدات بالنظر الى نفسك وان جسمك عارٍ كله لما عيّرت صاحبتك بما هو بعينه فيك وشانك عجب ايّها القذر ذو العلامات الفاضحة القبيحة ثمّ العجب من جرآءتك على طعام الملك وقيامك بين يديه معما بجسمك من القذر والقبح ومعما تعرفه انت ويعرفه غيرك من عيوب نفسك افتتكلّم في النقيّ الجسم الذي لا عيب فيه ولست انا وحدي اطّلع على عيبك لكنّ جميع من حضر قد عرف ذلك وقد كان يحجزني عن اظهاره ما بيني وبينك من الصداقة فامّا اذ قد كذبت عليّ وبهتّني في وجهي وقمت بعداوتي فقلت ما قلت فيّ بغير علم على رؤوس الحاضرين فاني اقتصر على اظهار ما اعرف من عيوبك وتعرفه الجماعة وحقّ على من عرفك حقّ معرفتك أن منع الملكَ من استعماله ايّاك على طعامه فلو كلّفت ان تعمل الزراعة لكنت جديرا بالخذلان فيها فالاحرى بك ان لا تدنو الى عمل من الاعمال وان لا تكون دبّاغا ولا حجّاما لعامّيّ فضلا عن خاصّ خدمة الملك قال سيّد الخبّازين اولى تقول هذه المقالة وتلقيني بهذا الملقى قال دمنه نعم وحقّا قلت فيك وايّاك اعني ايها الاعرج المكسور الذي في استه الناسور الافدع الرجل المنفوخ البطن المدَلَّى الخصيتين الافلح الشفتين السيئ المنظر والمخبر فلمّا قال ذلك دمنه تغيّر وجه سيّد الخبّازين واستعبر واستحيا وتلجلج لسانه واستكان وفتر نشاطه فقال دمته حین راى انكساره وبكاءه انّما ينبغي ان يطول بكاؤك اذا اطّلع الملك على قذرك وعيوبك فعزلك عن طعامه وحال بينك وبين خدمته وابعدك عن حضرته ثم ان شعهرا كان الاسد قد جرّبه فوجد فيه امانة وصدقا فامره ان يحفظ ما يجري بينهم ويطلعه على ذلك فقام الشعهر فدخل على الاسد فحدّثه بالحديث كلّه على جليّته فامر الاسد بعزل سيّد الخبّازين عن عمله وتقدّم ان لا يدخل عليه ولا يرى وجهه وامر بدمنه ان يسجن وقد مضى من النهار اكثره وجميع ما جرى وقالوا وقال قد كتب وختم عليه بخاتم النمر ورجع كل واحد منهم الى منزله ثمّ ان شعهرا كان يقال له روزبه كان بينه وبين كليله إخاء ومودّة وكان عند الاسد وجيها وعليه كريما واتّفق ان كليله اخذه القيام اشفاقًا وحذرًا على نفسه واخيه فمات فانطلق هذا الشعهر الى دمنه فاخبره بموت كليله فبكا وحزن وقال ما اصنع بالدنيا بعد مفارقة الاخ الصفيّ وبعدُ فقد وثقت بنعمة الله تعالى واحسانه اليّ بما رايت من اهتمامك ومراعاتك لي وقد علمت انك رجائي وركني فيما انا فيه فاريد من انعامك ان تنطلق الى مكان كذا فتنظر الى ما جمعته أنا واخي بحيلتنا وسعينا ومشيّة الله تعالى فتاتيني به ففعل الشعهر ما امره به دمنه فلمّا وضع المال بين يديه اعطاه شطره وقال له انك على الدخول والخروج على الاسد اقدر من غيرك فتفرّغ لشاني واصرف اهتمامك اليّ واسمع ما اُذكَر به عند الاسد اذا رُفِع اليه ما يجري بيني وبين الخصوم وما يبدو من امّ الاسد في حقّي وما ترى من متابعة الاسد لها ومخالفته ايّاها في امري واحفظ ذلك كلّه فاخذ الشعهر ما اعطاه دمنه وانصرف عنه على هذا العهد فانطلق الى منزله فوضع المال فيه ثمّ ان الاسد بكّر من الغد فجلس حتى اذا مضى من النهار ساعتان استاذن عليه اصحابه فاذن لهم فدخلوا عليه ووضعوا الكتاب بين يديه فلمّا عرف قولهم وقول دمنه دعا بامّه فقرأ عليها ذلك فلمّا سمعت ما في الكتاب نادت باعلا صوتها ان انا اغلظت في القول فلا تلمني فانك لست تعرف ضرّك من نفعك اليس هذا ممّا كنت انهاك عن سماعه لانه كلام هذا المجرم المسيء الينا الغادر بذمّتنا ثم انها خرجت مغضبة وذلك بعين الشعهر الذي آخاه دمنه وبسمعه جميعَ ما قالت امّ الاسد فخرج في اثرها مسرعا حتى اتى دسته فحدّثه بالحديث فبينما هو عنده اذ جآء فيح فانطلق بدمنه الى المحمع عند القاضي فلمّا مثل بين يدي القاضي استفتح سيّد المجلس فقال يا دمنه قد انبأني بخبرك الامين الصادق وليس ينبغي لنا ان نفحص عن شانك اكثر من هذا لان العلماء قالوا ان اللّه تعالى جعل الدنيا سببًا ومصداقا للآخرة لانها دار الرسل والانبياء الدالّين على الخير الهادين الى الجنّة الداعين الى معرفة اللّه تعالى وقد ثبت شانك عندنا واخبرنا عنك من وثقنا بقوله الا ان سيّدنا امرنا بالعود في امرك والفحص عن شانك وان كان عندنا ظاهرا بيّنا قال دمنه اراك ايها القاضي لم تتعوّد العدل في القضاء وليس في عدل الملوك الدفع بالمظلومين ومن لا ذنب له بل المخاصمة عنهم والذبّ فكيف ترى ان اقتل ولم اخاصم وتعجل ذلك موافقة لهواك ولم تمضِ بعدُ ثلثةُ ايّام ولكن صدق الذي قال ان الذي تعوّد عمل البرّ هيّن عليه عمله وان اضرّ به قال القاضي انّا نجد في كتب الاوّلين ان القاضي العدل ينبغي له ان يعرف عمل المحسن والمسيء ليجازي المحسن باحسانه والمسيء باساءته فاذا ذهب الى هذا ازداد المحسنون حرصًا على الاحسان والمسئون اجتنابًا للذنوب والرايُ لك يا دمنه ان تنظر الذي وقعت فيه وتعترف بذنبك وتُقرّ به وتتوب فاجابه دمنه ان صالحي القضاة لا يقطعون بالظن ولا يعملون به لا في الخاصّة ولا في العامّة لعلمهم ان الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا وانتم ان ظننتم انّي مجرم فيما فعلت فانّي اعلم بنفسي منكم وعلمي بنفسي يقين لا شكّ فيه وعلمكم بي كل الشكّ وانّما قبح امري عندكم انّي سعيت بغيري فما عذري عندكم اذا سعيت بنفسي كاذبا عليها فاسلمتها للقتل والعطب على معرفة منّي ببراءتي وسلامتي مما قُرفت به ونفسي اعظم الانفس عليّ حرمة واوجبها حقّا فلو فعلت هذا باقصاكم وادناكم لما وسعني في ديني ولا حسن بي في مروّتي ولا حقّ لي ان افعله فكيف افعله بنفسي فاكفف ايّها القاضي عن هذه المقالة فانّها ان كانت منك نصيحة فقد اخطات موضعها وان كانت خديعة فان اقبح الخداع ما نظرتَه وعرفته من اهله مع ان الخداع والمكر ليس من اعمال صالحي القضاة ولا ثقات الولاة واعلم ان قولك ممّا يتّخذه الجهّال والاشرار سنّة يقتدون بها لان امور القضاء ياخذ بصوابها اهل الصواب وبخطائها اهل الخطا والباطل والقليلوا الورع وانا خائف عليك ايّها القاضي من مقالتك هذه اعظم الرزايا والبالايا وليس من البلاء المصيبة إنّك لم تزل في نفس الملك والجند والخاصّة والعامّة فاضلا في رايك مُقنعا في عدلك مرضيّا في حكمك وعفافك وفضلك وانّما البلا كيف أُنسِيت ذلك في امري اوما بلغك عن العلماء انّهم قالوا من ادّعى علم ما لا يعلم وشهد على الغيب اصابه ما اصاب البازيار القاذف زوجة مولاه قال القاضي وكيف كان ذلك قال دمنه زعموا انه كان في بعض المدن رجل من المرازبة مذكور وكانت له امرأة ذات جمال وعفاف وكان للرجل بازيار ماهر خبير بعلاج البزاة وسياستها وكان هذا البازيار عند هذا الرجل بمكان خليل بحيث انه ادخله داره واجلسه مع حرمه فاتّفق ان البازيار راود زوجة مولاه عن نفسها فابت عليه وتسخّطت لذلك وتمعّر وجهها واحمرّت خجلا وزاد امتناعها عليه وحرص عليها كلّ الحرص وعمل الحيلة في بلوغ غرضه منها وضاقت عليه ابواب الحيل فخرج يوما الى الصيد على عادته فاصاب فرخَيْ ببغا فاخذهما وجآء بهما الى منزله وربّاهما فلمّا كبرا فرّق بينهما وجعلهما في قفصين وعلّم احدهما يقول رايت البوّاب مضاجعا لمولاتي على فراش سيّدي وعلّم الاخر امّا انا فلا أقول شيئا ثمّ ادّبهما بذلك حتى اتقناه وحذقاه في ستّة اشهر فلمّا بلغ الذي أراد منهما حملهما الى استاده فلمّا رآهما اعجباه ونطقا بين يديه فاطرباه الا انه لم يعلم ما يقولان لان البازيار قد علّمهما بلغة البلخيّين وان المرزبان اعجب بهما اعجابا شديدا وحظي البازيار عنده بذلك حظوة كريمة فامر امرأته بالاحتياط عليهما والمراعاة لهما ففعلت المرأة ذلك واتّفق بعد مدّة ان قدم على الرجل قوم من عظمآء بلخ فتنوّق لهم في الطعام والشراب وجمع من اصناف الفواكه والتحف شيئا كثيرا وحضر القوم فلمّا فرغوا من الطعام وشرعوا في الحديث اشار المرزبان الى البازيار ان ياتي بالببغاتين فاحضرهما فلمّا وضعتا بين يديه صاحتا بما كانتا علِّمتا فعرف اولئك العظماء ما قالتا فنظر بعضهم الى بعض ونكسوا رؤوسهم حيآءً ونجلا فسألهم الرجل عمّا تقولان فامتنعوا ان يقولوا ما قالتا فالحّ عليهم واكثر السؤال عمّا قالتا فقالوا انّما تقولان كذا وكذا وليس من شاننا ان نأكل من بيت يعمل فيه الفجور فلمّا قالوا ذلك امرهم الرجل ان يكلّموا الطيرين بلسان البلخيّة بغير ما نطقتا به ففعلوا ذلك فلم يجدوهما تعرفان غير ما تكلّمتا به وبان لهم وللجماعة حصانة المرأة وبراتها ممّا رميت به ووضح كذب البازيار فامر المرزبان بالبازيار ان يدخل عليه فدخل عليه وكان على يده بازٍ اشهب فصاحت به المرأة من داخل البيت ايّها العدوّ لنفسه انت رايتني على ما ذكرت وعلّمت به الببغاتين قال نعم انا رايتك على مثل ما تقولان فوثب البازي الى وجهه ففقأ عينه بمخاليبه فقالت المرأة بحقّ اصابك هذا انه لجزآء من الله تعالى بشهادتك على ما لم تره عينك وانّما ضربت لك هذا المثل ايّها القاضي لتزداد علما بوخامة عاقبة الشهادة بالكذب في الدنيا والآخرة فلمّا سمع القاضي ذلك من لفظ دمنه نحض فرفعه الى الاسد على وجهه فنظر فيه الاسد ثم دعا بامّه فعرضه عليها فقالت حين تدبّرَت كلام دمنه للاسد لقد صار اهتمامي بما اتخوّف من احتيال دمنه لك بمكره ودهائه حتى يقتلك او يفسد عليك امرك اعظم من اهتمامي بما سلف من ذنبه اليك في الغشّ والسعاية حتى قتلت صديقك بغير ذنب فوقع قوبها في نفسه فقال لها اخبريني عن الذي اخبرك عن دمنه بما اخبرك فيكون حجّة لي فى قتلي دمنه فقالت لأكره ان افشي سرّ من استكتمنيه فلا يهنِئني سروري بقتل دمنه اذا تذكّرت اني استظهرت عليه بركوب ما نهت عند العلمآء من كشف السرّ ولكنّي اطالب الذي استودعنيه ان يحاللني من ذكره لك ويقوم هو بعلمه وما سمع منه ثمّ انصرفت وارسلت الى النمر وذكرت له ما يحقّ عليه من تزيين الاسد وحسن معاونته على الحقّ واخراج نفسه من الشهادة التي لا يكتمها مثله مع ما يحقّ عليه من نصر المظلومين وتثبيت حجّة الحقّ في الحيوة والممات فان العلمآء قد قالت من كتم حجّة ميّت اخطئ حجّته يوم القيامة فلم تزل به حتى قام فدخل على الاسد فشهد عنده بما سمع من اقرار دمنه فلمّا شهد النمر بذلك ارسل الفهد المحبوس الذي سمع اقرار دمنه وحفظه الى الاسد فقال ان عندي شهادة فاخرجوه فشهد على دمنه بما سمع من اقراره فقال لهما الاسد ما منعكما ان تقوما بشهادتكما وقد علمتما امرنا واهتمامنا بالفحص عن امر دمنه فقال كل واحد منهما قد علمنا ان شهادة الواحد لا يوجب حكما فكرهنا التعرّض لغير ما يمضي به الحكم حتى اذا شهد احدنا قام الاخر بشهادته فقبل الاسد قولهما وامر بدمنه ان يقتل في حبسه فقتل اشرّ قتلة فمن نظر في هذا فليعلم ان من اراد منفعة نفسه بضرّ غيره بالخلابة والمكر فانّه سيجزى على خلابته ومكره.