كليلة ودمنة (1816)/باب الاسد والثور
باب الاسد والثور وهو اوّل الكتاب.
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف وهو راس البراهمة اضرب لي مثلا لمتحابيّن يقطع بينهما الكذوب المحتال حتى يحملهما على العداوة والبغضاء قال بیدبا اذا ابتلي المتحابان بان يدخل بينهما الكذوب المحتال لم يلبثا ان يتقاطعا ويتدابرا ومن امثال ذلك انّه كان بارض دستاوند رجل شيخ وكان له ثلاث بنين فلما بلغوا اشدّهم اسرعوا في مال ابيهم ولم يكونوا احترفوا حرفة يكسبون لانفسهم بها خيرا فلامهم ابوهم ووعظهم على سوء فعلهم وكان من قوله لهم يا بنيّ ان صاحب الدنيا يطلب ثلاثة امور لن يدركها الا باربعة اشيآء امّا الثلاثة التي يطلب فالسعة في الرزق والمنزلة في الناس والزاد للآخرة وامّا الاربعة التي يحتاج اليها في درك هذه الثلاثة فاكتساب المال من احسن وجه يكون ثم حسن القيام فيما اكتسب منه ثمّ التثمير له ثمّ انفاقه فيما يُصلح المعيشة ويُرضي الاهل والاخوان فيعود عليه منفوعه في الآخرة فمن ضيّع شيـٴـا من هذه الاحوال لم يدرك ما اراد من حاجته لانه ان لم يكسب لم يكن له مال يعيش به وان هو كان ذا مال واكتساب ثمّ لم يحسن القيام به اوشك المال ان يفنى ويبقى معدما وان هو وضعه ولم يستثمره لم تمنعه قلّة الانفاق من سرعة الذهاب كالكحل الذي لا يوخذ منه الّا غبار الميل ثم هو مع ذلك سريع فنآؤه وان انفقه في غير وجهه ووضعه في غير موضعه واخطأ به مواضع استحقاقه صار بمنزلة الفقير الذي لا مال له ثم لم يمنع ذلك ماله من التلف بالحوادث والعلل التي تجري عليه كحبس الماء الذي لا تزال المياه تنصبّ فيه فان لم يكن له مخرج ومغيض ومتنفّس يخرج الماء منه بقدر ما ينبغى خرب وسال ونزّ من نواحي كثيرة وربّما انبثق البثقَ العظيم فذهب الماء ضياعا ثمّ انّ بني الشيخ اتّعظوا بقول ابيهم واخذوا به وعلموا ان فيه الخير وعملوا عليه فانطلق اكبرهم نحو ارض يقال لها ميون فاتى في طريقه على مكان فيه وحل كثير وكان معه عجلة يجرّها ثوران يقال لاحدهما شنزبه والاخر بندبه فوحل شنزبه في ذلك المكان فعالجه الرجل واصحابه حتى بلغ منهم الجهد فلم يقدروا على اخراجه فذهب التاجر وخلف عنده رجلا يشارفه لعلّ الوحل ينشف فيتبعه بالثور فلما بات الرجل بذلك المكان تبرّم به واستوحش فترك الثور والتحق بالتاجر فاخبره ان الثور قد مات وقال له ان الانسان اذا انقضت مدّته وحانت منيّته فهو وان اجتهد في التوقّي من الامور التي يخاف فيها على نفسه الهلاك لم يغن ذلك عنه شيـٴـا وربّما عاد اجتهاده في توقّيه وحذرِه وبالًا عليه كالذي قيل ان رجلا سلك مفازة فيها خوف من السباع وكان الرجل خبيرا بوعث تلك الارض وخوفها فلمّا سار غير بعيد اعترض له ذئب من احدّ الذياب واضراها فلمّا راى الرجل ان الذئب قاصد نحوه خاف منه ونظر يمينا وشمالا ليجد موضعا يتحرّز فيه من الذئب فلم ير الا قرية خلف وادٍ فذهب مسرعا نحو القرية فلمّا اتى الوادي لم ير عليه قنطرة وراىٰ الذئب قد ادركه فالقى نفسه في الماء وهو لا يحسن السباحة وكاد ان يغرق الا ان بصر به قوم من اهل القرية فتواقعوا لاخراجه فاخرجوه وقد اشرف على الهلاك فلمّا حصل الرجل عندهم وامن على نفسه من غائلة الذئب راى على شطّ الوادي بيتا مفرَدا فقال ادخل هذا البيت فاستريح فيه فلمّا دخله وجد جماعة من اللصوص قد قطعوا الطريق على رجل من التجّار وهم يقتسمون ماله ويريدون قتله فلما راى الرجل ذلك خاف على نفسه ومضى نحو القرية فاسند ظهره الى حائط من حيطانها ليستريح ممّا حلّ به من الهول والاعياء اذ سقط الحائط عليه فمات قال التاجر صدقت قد بلغني هذا الحديث وامّا الثور فانه خلص من مكانه وانبعث فلم يزل في مرج مخصب كثير الماء والكلاء فلمّا سمن وأمن جعل يخور ويرفع صوته بالخوار يطلب البقرات وكان قريبا منه اجمة فيها اسد عظيم وهو ملك تلك الناحية ومعه سباع كثيرة وذياب وبنو آوى وثعالب وفهود ونمور وكان هذا الاسد منفردا برایه دون اخذ براي احد من اصحابه فلمّا سمع خوار الثور ولم يكن راى ثورا قط ولا سمع خواره كان مقيما مكانه لا يبرح ولا ينشط بل يوتى برزقه كل يوم على يد جنده وكان فيمن معه من السباع ابنا آوى يقال لاحدهما كليله والاخر دمنه وكانا ذوي دهاء وعلم وادب فقال دمنه لاخيه كليله يا اخي ما شان الاسد مقيما مكانه لا يبرح ولا ينشط قال له كليله ما شانك انت والمسـٴـلة عن هذا نحن على باب ملكنا آخذين بما احبّ وتاركين ما يكره ولسنا من اهل المرتبة التي يتناول اهلُها كلامَ الملوك والنظرَ في امورهم فامسك عن هذا واعلم انه من تكلّف من القول والفعل ما ليس من شانه اصابه ما اصاب القرد من النجّار قال دمنه وكيف كان ذلك قال كليله زعموا ان قردا رای نجّارا يشقّ خشبة بين وتدين وهو راكب عليها فاعجبه ذلك ثم ان النجّار ذهب لبعض شانه فقام القرد وتكلّف ما ليس من شغله فركب الخشبة وجعل ظهره قِبَل الوتد ووجهه قبل الخشبة فتدلّت خصيتاه في الشقّ ونزع الوتد فلزم الشقّ عليهما فخرّ مغشيّا عليه ثم ان النجّار وافاه فرآه موضعَه فاقبل عليه يضربه فكان ما لقى من النجّار من الضرب اشدّ ممّا اصابه من الخشبة قال دمنه قد سمعت ما ذكرت ولكن اعلم ان كل من يدنو من الملوك ليس يدنو منهم لبطنه وانّما يدنو منهم ليسرّ الصديق ويكبت العدوّ وانّ من الناس من لا مروة له وهم الذين يفرحون بالقليل ويرضون بالدون كالكلب الذي يصيب عظما يابسا فيفرح به وامّا اهل الفضل والمروة فلا يُقنعهم القليل ولا يرضون به دون ان تسمو به نفوسهم الى ما هم اهل له وهو ايضا لهم اهل كالاسد الذي يفترس الارنب فاذا راى البعير تركها وطلب البعير الا ترى ان الكلب يبصبص بذنبه حتى ترمى له الكسرة وان الفيل المعترَف بفضله وقوتّه اذا قدِّم اليه علفه لا يعتلفه حتى يُمسَح ويتملّق فمن عاش ذا مال وكان ذا فضل وإفضال على اهله واخوانه فهو وان قلّ عمره طويل العمر ومن كان في عيشه ضيق وقلّة وامساك على نفسه وذويه فالمقبور احيا منه ومن عمل لبطنه وقنع وترك ما سوى ذلك عُدّ من البهايم قال كليله قد فهمت ما قلت فراجع عقلك واعلم انّ لكلّ انسان منزلة وقدرا فان كان في منزلته التي هو فيها متماسكا كان حقيقا ان يقنع وليس لنا من المنزلة ما يُحطّ حالنا التي نحن عليها قال دمنه انّ المنازل متنازعة مشتركة على قدر المروة فالمرء ترفعه مروته من المنزلة الوضيعة الى المنزلة الرفيعة ومن لا مروة له يُحطّ نفسه من المنزلة الرفيعة الى المنزلة الوضيعة وان الارتفاع الى المنزلة الشريفة شديد والانحطاط منها هيّن كالحجر الثقيل رفعه من الارض الى العاتق عسِر ووضعه الى الارض هيّن فنحن احقّ ان نروم ما فوقنا من المنازل وان نلتمس ذلك بمروتنا ثم كيف نقنع بها ونحن نستطيع التحويل عنها قال كليله فما الذي اجتمع عليه رايك قال دمنه اريد ان اتعرّض للاسد عند هذه الفرصة فان الاسد ضعيف الراي ولعلّي على هذه الحال ادنو منه فاصيب عنده منزلة ومكانة قال كليله وما يدريك ان الاسد قد التبس عليه امره قال دمنه بالحسّ والراي اعلم ذلك منه فان الرجل ذا الراي يعرف حال صاحبه وباطن امره بما يظهر له من دلّه وشكله قال كليله فكيف ترجو المنزلة عند الاسد ولست بصاحب السلطان ولا لك علم بخدمة السلاطين قال دمنه الرجل الشديد القويّ لا يعجزه الحملُ الثقيل وان لم تكن عادته الحمل والرجل الضعيف لا يستقلّ به وان كان ذلك من صناعته قال كليله فان السلطان لا يتوخّى بكرامته فضلاء من بحضرته ولكنّه يوثر الادنى ومن قرب منه ويقال ان مثل السلطان في ذلك مثل شجر الكرم الذي لا يعلق الّا باكرم الشجر وكيف ترجو المنزلة عند الاسد ولست تدنو منه قال دمنه قد فهمت كلامك جميعه وما ذكرت وانت صادق لكن اعلم ان الذي هو قريب من السلطان ولا ذلك موضعه ولا تلك منزلته كمن دنا منه بعد البُعد وله حقّ وحرمة وانا ملتمس بلوغ مكانهم بجهدي وقد قيل لا يواظب على باب السلطان الّا من يطرح الانفة ويحمل الآذى ويكظم الغيظ ويرفق بالناس فاذا وصل الى ذلك فقد بلغ مراده قال كليله هبك وصلت الى الاسد فما توفيقك عنده الذي ترجو ان تنال به المنزلة عنده والحظوة لديه قال دمنه لو قد دنوت منه وعرفت اخلاقه فرفقت في متابعته وقلّة الخلاف عليه واذا اراد امرا هو في نفسه صواب زيّنته له وصبّرته عليه وعرّفته بما فيه من النفع والخير وشجّعته عليه وعلى الوصول اليه حتّى يزداد به سرورا واذا اراد امرا يخاف عليه ضرّه وشينه بصّرته بما فيه من الضرّ والشين واوقفته على ما في تركه من النفع والزين بحسب ما اجد اليه السبيل وانا ارجو ان ازداد بذلك عند الاسد مكانة ويرى منّي ما لا يراه من غيري فان الرجل الاديب الرفيق لو شآء ان يبطل حقّا او يحقّ باطلا لفعل كالمصوّر الماهر الذي يصوّر في الحيطان صورا كانّها خارجة وليست بخارجة واخرى كانّها داخلة وليست بداخلة قال كليله امّا ان قلت هذا او قلت هذا فاني اخاف عليك من السلطان فان صحبته خطرة وقد قالت العلماء ان امورا ثلثة لا يجترئ عليهنّ الا اهوج ولا يسلم منهنّ الا قليل وهي صحبة السلطان وائتمان النساء على الاروار وشرب السمّ للتجربة وانّما شبّه العلماء السلطان بالجبل الصعب المرتقى الذي فيه الثمار الطيّبة والجواهر النفيسة والادوية النافعة وهو مع ذلك معدن السباع والنمور والذياب وكل ضارّ مخوف فالارتقاء اليه شديد والمقام فيه اشدّ قال دمنه صدقت فيما ذكرت غير انه من لم يركب الاهوال لم ينل الرغايب ومن ترك الامر الذي لعلّه يبلغ فيه حاجته هيبةً ومخافة لما لعلّه ان يتوقّاه فليس ببالغ جسيما وقد قيل ان خصالا ثلثة لن يستطيعها احد الا بمعونة من علوّ همّة وعظيم خطر منها عمل السلطان وتجارة البحر ومناجزة العدوّ وقد قالت العلماء في الرجل الفاضل الرشيد ان لا يُرَى الا في مكانين ولا يليق به غيرهما إِما مع الملوك مكرما او مع النسّاك متعبّدا كالفيل انّما جماله وبهاؤه في مكانين امّا تراه وحشيّا او مركبا للملوك قال كليله خار الله لك فيما عزمت عليه ثم ان دمنه انطلق حتى دخل على الاسد فسلّم عليه فقال الاسد لبعض جلسائه من هذا فقال فلان ابن فلان قال قد كنت اعرف اباه ثم سأله این تکون قال لم ازل مرابطا بباب الملك رجاء ان يحضر امر فاعين الملك فيه بنفسي ورايي فانّ ابواب الملوك تكثر فيها الامور التي يحتاج فيها الى الذي لا يوبه له وليس احد يصغر امره الا وقد يكون عنده بعض الغناء والمنافع على قدره كشبه العود المبثوث في الارض ربّما نفع فياخذه الرجل فيكون عدّته عند الحاجة اليه فلما سمع الاسد قول دمنه اعجبه وظنّ ان عنده نصيحة ورايا فاقبل على من حضر فقال ان الرجل ذا العلم والمروة يكون خامل الذكر خافض المنزلة فتابى منزلته الّا ان تشبّ وترتفع كالشعلة من النار يضربها صاحبها وتابى الّا ارتفاعا فلما عرف دمنه ان الاسد قد عجب منه قال ان رعيّة المُلك تحضر باب الملك رجاء ان يعرف ما عندها من علم وافر وقد يقال ان الفضل في امرين فضل المقاتل على المقاتل والعالم على العالم وان كثرة الاعوان اذا لم يكونوا مختبرين ربّما تكون مضرّة على العمل فان العمل ليس رجاؤه بكثرة الاعوان ولكن بصالحي الاعوان ومثل ذلك مثل الرجل الذي يحمل الحجر الثقيل فيقتل به نفسه ولا يجد له ثمنا والرجل الذي يحتاج الى الجذوع لا يجزئه القصب وان كثر فانت الآن ايّها الملك حقيق الّا تحقر مروة انت تجدها عند رجل صغير المنزلة فان الصغير ربّما عظم كالعصب يوخذ من الميّتة فاذا عمل منه القوس اكرم فتقبض عليه الملوك وتحتاج اليه في الباس واللهو واحبّ دمنه ان يُرى القوم ان ما ناله من كرامة الملك انّما هو لرايه ومروته وعقله لانهم عرفوا قبل ذلك ان ذلك لمعرفته اباه فقال ان السلطان لا يقرّب الرجال لقرب ابائهم ولا يبعدهم لبعدهم ولكن ينبغي ان ينظر الى كل رجل بما عنده لانه لا شيء اقرب الى الرجل من جسده فمن جسده ما يَدْوَى حتى يوذيه ولا يدفع ذلك عند الا بالدواء الذي ياتيه من بعد فلما فرغ دمنه من مقالته هذه اعجب الملك به اعجابا شديدا واحسن الردّ عليه وزاد في كرامته ثم قال لجلسائه ينبغي للسلطان ان لا يَلج في تضييع حقّ ذوي الحقوق والناس في ذلك رجلان رجل طبعه الشراسة فهو كالحيّة ان وطئها الواطئ فلم تلدغه لم يكن جديرا ان يغرّه ذلك منها فيعود في وطئها ثانية قتلدغه ورجل اصل طباعه السهولة فهو كالصندل البارد الذي اذا افرط في حكّه صار حارّا موذيا ثم ان دمنه استانس بالاسد وخلا به فقال له يوما ارى الملك قد اقام في مكان واحد لا يبرح منه فما سبب ذلك فبينما هما في هذا الحديث اذ خار شنزبه خوارا شدیدا فهيّج الاسد وكره ان يُخبر دمنه بما ناله وعلم دمنه ان ذلك الصوت قد ادخل على الاسد ريبة وهيبة فسأله هل راب الملك سماعُ هذا الصوت قال لم يربني شيء سوى ذلك قال دمنه ليس الملك بحقيق ان يدع مكانه لاجل صوت فقد قالت العلماء انّه ليس من كل الاصوات تجب الرهيبة قال الاسد وما مثل ذلك قال دمنه زعموا ان ثعلبا اتى اجمة فيها طبل معلّق على شجرة وكلما هبّت الريح على قضبان تلك الشجرة حرّكتها فضربت الطبل فسمع له صوت عظیم مبهر فتوجّه الثعلب نحوه لاجل ما سمع من عظيم صوته فلما اتاه وجده ضخما فايقن في نفسه بكثرة الشحم واللحم فعالجه حتى شقّه فلمّا رآه اجوف لا شيء فيه قال لا ادري لعلّ افشل الاشياء اجهرها صوتا واعظمها جثّة وانّما ضربت لك هذا المثل لتعلم ان هذا الصوت الذي راعنا لو قد وصلنا اليه لوجدناه ايسر ممّا في انفسنا فان شاء الملك بعثني واقام بمكانه حتّى آتيه ببيان هذا الصوت فوافق الاسد قوله فاذن له بالذهاب نحو الصوت فانطلق دمنه الى المكان الذى فيه شنزبه فلمّا فصل دمنه من عند الاسد فكر الاسد في امن وندم على ارسال دمنه حيث ارسله وقال فى نفسه ما اصبت فى ائتماني دمنه وقد كان ببابي مطروحا فان الرجل اذا كان يحضر باب الملك وقد ابطلت حقوقه من غير جرم كان منه او كان مبغيّا عليه عند سلطانه او كان عنده معروفا بالشره والحرص او كان قد اصابه ضرّ وضيق فلم ينعشه او كان قد اجترم جرما فهو يخاف العقوبة منه او كان يرجو في شيء يضرّ الملك وله منه نفع او يخاف في شيء ممّا ينفعه ضرّا او كان لعدوّ الملك سِلْما ولسِلمه حربا فليس السلطان بحقيق ان يعجل بالاسترسال الى هولاء والثقة بهم والائتمان لهم فانّ دمنه داهية اديب وقد كان ببابي مطروحا مجفوّا ولعلّه قد احتمل عليّ بذلك ضغنا ولعلّ ذلك يحمله على خيانتي واعانة عدوّي ونقيصتي عنده ولعلّه صادف صاحب الصوت اقوى سلطانا منّي فرغب اليه عنّي ويميل معه عليّ ثم قام من مكانه فمشى غير بعيد فبصر بدمنه مقبلا نحوه فطابت نفسه بذلك ورجع الى مكانه ودخل دمنه على الاسد فقال له ماذا صنعت وماذا رايت قال رايت ثورا هو صاحب الخوار والصوت الذي سمعته قال فما قوّته قال لا شوكة له وقد دنوت منه وحاورته محاورة الاكفاء فلم يستطع لي شيئا قال الاسد لا يغرّنّك ذلك منه ولا يصغرنّ عندك امره فان الريح الشديدة لا تعبى بضعيف الحشيش لكنها تحطم طوال النخل وعظيم الشجر قال دمنه لا تهابنّ ايها الملك منه شيئا ولا يكبرنّ عليك امره فانا آتيك به لك عبدا سامعا مطيعا قال الاسد دونك وما بدا لك فانطلق دمنه الى الثور فقال له غير هائب ولا مكترث ان الاسد ارسلني اليك لآتيه بك وامرني إن انت عجلت اليه طائعا أن أؤمنك على ما سلف من ذنبك في التاخّر عنه وتركك لقآءه وان انت تاخّرت عنه واحجمت ان اعجّل الرجعة اليه فاخبر قال له شنزبه ومن هو هذا الاسد الذي ارسلك اليّ واين هو وما حاله قال دمنه هو ملك السباع وهو بمكان كذا وكذا وسعه جند كثير من جنسه فرعب شنزبه من ذكر الاسد والسباع وقال ان انت جعلت لي الامان على نفسي أقبلت معك اليه فاعطاه دمنه من الامان ما وثق به ثم اقبل والثور معه حتى دخلا على الاسد فاحسن الاسد الى الثور وقرّبه وقال له متى قدمت هذه البلاد وما اقدمكها فقصّ شنزبه عليه قصّته فقال له الاسد اصحبني والزمني فاني مكرمك فدعا له الثور واثنى عليه ثم ان الاسد قرّب شنزبه واكرمه وانس به وائتمنه على اسراره وشاوره في امره ولم تزده الايّام الا عجبا به ورغبة له وتقريبا منه حتى صار اخصّ اصحابه عنده منزلة فلمّا راى دمنه ان الثور قد اختصّ بالاسد دونه ودون اصحابه وانه قد صار صاحب رايه وخلواته ولهوه حسده حسدا عظيما وبلغ منه غيظه كل مبلغ فشكى ذلك الى اخيه كليله وقال له الا تعجب يا اخي من عجز رايي وصنعي بنفسي ونظري فيما ينفع الاسد واغفلت نفع نفسي حتى جلبت الى الاسد ثورا غلبني على منزلتي قال کلیله قد اصابت ما اصاب الناسك قال دمنه وكيف كان ذلك قال كليله زعموا ان ناسكا أصاب من بعض الملوك كسوة فاخرة فبصر به سارق فطمع في الثياب فاتى الى الناسك فقال له اني اريد ان اصحبك فاتعلّم منك وآخذ عنك فاذن له الناسك في صحبته فصحبه متشبّها به ورفق له في خدمته حتى اذا ظفر به اخذ تلك الثياب فذهب بها فلمّا فقد الناسك ثيابه علم ان صاحبه قد اخذها فتوجّه في طلبه نحو مدينة من المدن فمرّ في طريقه بوعلين يتناطحان حتى قد سالت دماؤهما فجاء ثعلب يلغ من تلك الدماء فبينما هو في ولوغه تلك الدماء إذ أقبل عليه الوعلان بنطاحهما فقتلاه ومضى الناسك حتى دخل تلك المدينة فلم يجد فيها قِرى الا بیت امراة فنزل بها واستضاف بها وكانت للمراة جارية تؤاجرها وكانت الجارية قد علقت رجلا وهي له مريدة وقد اضرّ ذلك بمولاتها فاحتالت لقتل الرجل في تلك الليلة التي استضاف بها الناسكُ ثم ان الرجل وافا فاسقته من الخمرة حتى سكر ونام ونامت الجارية الى جانبه فلما استقلّا نوما عمدت إلى سمّ كانت قد اعدّته في قصبة لتنفخه في دبر الرجل فلما ارادت ذلك بدرت من دبر الرجل ريح فعكست السمّ الى حلق المراة فوقعت ميّتة وكل ذلك بعين الناست وسمعه فلما راى ذلك خرج يبتغي منزلا غيره فاستضاف برجل اسكاف فاتى به امراته وقال لها انظري الى هذا الناسك واكرمي مثواه وقومى بخدمته فقد دعاني بعض اصدقائي للشرب عنك ثم انطلق ذاهبا وكان للمرأة خليل والسفير بينهما امراة حجّام فارسلت امراة الاسكاف الى امراة الحجّام تامرها بالمصير اليها وتعرّف خليلها خلوّ وجهها وقالت ان زوجي قد ذهب ليشرب عند بعض اصدقائه ولن يعود الا سكرانا فقولي له يُسرع الكرّة ثم ان خليل الامرأة جاء فقعد على الباب ينتظر الاذن وجاء الاسكاف سكرانا فراى الرجل وارتاب به ودخل مغضبا الى امراته فاوجعها ضربا ثم اوثقها في اسطوانة في المنزل وذهب فنام لا يعقل وجاءت امراة الحجّام تعلمها ان الرجل قد اطال الجلوس فماذا تامرين فقالت لها ان شئت فاحسنت اليّ وحلّيقني وربطتِك مكاني حتى انطلق الى خليلي واعجل العودة فاجابتها امراة الحجّام الى ذلك وحلّتها وانطلقت الى خليلها واوثقت هي نفسها مكانها فاستيقظ الاسكاف قبل ان تعود زوجته فناداها باسمها فلم تجبه امراة الحجّام وخافت من الفضيحة أن ينكر صوتها ثم دعاها ثانية فلم تجبه فامتلأ غيظا وحنقا وقام نحوها بالشفرة فجذع انفها وقال خذي هذا فاتحفي به صديقك وهو لا يشكّ في انها امراته ثم جاءت امراة الاسكاف فرات صنع زوجها بامراة الحجّام فساءها ذلك واكبرته وحلّت وثاقها فانطلقت الى منزلها مجذوعة الانف وكل ذلك بعين الناسك وسمعه ثم ان امراة الاسكاف جعلت تبتهل وتدعو على زوجها الذي ظلمها ثم رفعت صوتها ونادت زوجها ايّها الفاجر الظالم قم فانظر كيف صنعُك بي وصنع الله بي كيف رحمني وردّ انفي صحيحا كما كان فقام واوقد المصباح ونظر فاذا انف زوجته صحیح فاستغفر اليها وتاب من ذنبه واستغفر الى ربّه وامّا امراة الحجّام فانها لمّا وصلت الى منزلها تفكّرت في طلب العذر عند زوجها واهلها في جذع انفها ورفع الالتباس فلما كان عند السحر استيقظ الحجّام فقال لامراته هاتي متاعي كلّه فانّي اريد المضيّ الى بعض الاشراف فاتته بالموسى فقال لها هاتي الآلة جميعها فلم تاته الا بالموسى فغضب حین اطالت التكرار ورماها به فالقت نفسها الى الارض وولولت وصاحت انفي انفي وجلّبت حتى جاء أهلها واقرباؤها فراوها على تلك الحال فاخذوا الحجّام فانطلقوا به الى القاضي فقال له القاضي ما حملك على جذع انف امراتك فلم تكن له حجّة يحتجّ بها فامر به القاضي ان يُقتَصّ منه فلما قدِّم للقصاص وافا الناسك فتقدّم الى القاضي وقال له ايّها الحاكم لا يشتبهنّ عليك هذا الامر فان اللصّ ليس هو الذي سرقني وان الثعلب ليس الوعلان قتلاه وان البغيّ ليس السمّ قتلها وان امراة الحجّام ليس زوجها جذع انفها وانّما نحن فعلنا ذلك بانفسنا فسأله القاضي عن التفسير فاخبره بالقصّة فامر القاضي باطلاق الحجّام قال دمنه قد سمعت هذا المثل وهو شبيه بامري ولعلّي ما ضرّنى احد سوى نفسي ولكن ما الحيلة قال كليله اخبرني عن رايك وما تريد أن تعزم عليه في ذلك قال دمنه امّا انا فلست اليوم ارجو ان تزداد منزلتي عند الاسد عليه ولكن التمس أن أعود الى ما كانت حالي فان امورا ثلثة العاقل جدير بالنظر فيها والاحتيال لها بجهده منها النظر فيما مضى من الضرّ والنفع أن يحترس من الضرّ الذي اصابه فيما سلف ليلّا يعود الى ذلك الضرر ويلتمس النفع الذي مضى ويحتال لمعاودته ومنها النظر فيما هو مقيم فيه من المنافع والمضارّ والاستيثاق ممّا ينفع والهرب ممّا يضرّ ومنها النظر في مستقبل ما يرجو من قِبَل النفع وما يخاف من قبل الضرّ فليستتمّ ما يرجو ويتوقّى ما يخاف بجهده واني لما نظرت في الامر الذي به ارجو ان تعود منزلتي وما غُلِبْت عليه ممّا كنت فيه لم اجد حيلة ولا وجها الا الاحتيال لآكل العشب هذا حتى افرّق بينه وبين الحيوة فانه ان فارق الاسد عادت لي منزلتي ولعلّ ذلك يكون خيرا للاسد فان افراطه في تقريب الثور خليق ان يشينه ويضرّه في امره قال کلیله ما ارى على الاسد في رايه في الثور ومكانه منه ومنزلته عنده شينا ولا شرّا قال دمنه انّما يوتَى السلطان ويفسد امره من قبل ستّة اشياء الحرمان والفتنة والهوى والفظاظة والزمان والخُرق فامّا الحرمان فأنه يحرم صالح الاعوان والنصحاء والساسة من اهل الراي والنجدة والامانة ويترك التفقّد ممّن هو كذلك وامّا الفتنة فهو تحارب الناس ووقوع الحرب بينهم وامّا الهوى فالاغرام بالنساء والحديث واللهو والشراب والصيد وما أشبه ذلك وامّا الفظاظة فهي افراط الشدّة حتى يجمح اللسان بالشتم واليد بالبطش في غير موضعهما وامّا الزمان فهو ما يصيب الناس من السنين من الموتان ونقص الثمرات والغزوات واشباه ذلك وامّا الخُرق فاعمال الشدّة في موضع اللين واللين في موضع الشدّة وان الاسد قد اغرم بالثور اغراما شديدا هو الذي ذكرت لك انه خليق ان يشينه ويضرّه في امره قال كليله وكيف تطيق الثور وهو اشدّ منك واكرم على الاسد منك واكثر اعوانا قال دمنه لا تنظر الى صغري وضعفي فان الامور ليست بالضعف ولا القوّة ولا الصغر ولا الكبر في الجثّة فربّ صغير ضعيف قد بلغ بحيلته ودهائه ورايه ما يعجز عنه كثير من الاقوياء اولم يبلغت ان غرابا ضعيفا احتال لاسود حتى قتله قال كليله وكيف كان ذلك قال دمنه زعموا ان غرابا كان له وكر في شجرة على جبل وكان قريبا منه حجر حيّة اسود فكان الغراب اذا فرخ عمد الاسود الى فراخه فاكلها فبلغ ذلك من الغراب واحزنه فشكى ذلك الى صديق له من بنات آوى وقال له اريد مشاورتك في امر قد عزمت عليه قال وما هو قال الغراب قد عزمت ان اذهب الى الاسود اذا نام فانقر عينه فافقؤها لعلّي استريح منه قال ابن آوى بئس الحيلةُ احتلت فالتمس امرا تصيب فيه بغيتك من الاسود من غير ان تغرّر بنفسك وتخاطر بها وايّاك ان يكون مثلك مثل العلجوم الذي اراد قتل السرطان فقتل نفسه قال الغراب وكيف كان ذلك قال ابن آوى زعموا ان علجوما عشّش في اجمة كثيرة السمك فعاش بها ما عاش ثم هرم فلم يستطع صيدا فاصابه جوع وجهد شديد فجلس حزينا يلتمس الحيلة في امره فمرّ به سرطان فراى حالته وما هو عليه من الكأبة والحزن فدنا منه وقال ما لي اراك ايّها الطاير هكذا حزينا كئيبا قال العلجوم وكيف لا احزن وقد كنت اعيش من صيد ما هاهنا من السمك وانّي قد رايت اليوم صيّادين قد مرّا بهذا المكان فقال احدهما لصاحبه انّ هاهنا سمكا كثيرا افلا نصیده اوّلا اوّلا فقال الاخر انّي قد رايت في مكان كذا سمكا اكثر من هذا السمك فلنبدأ بذلك فاذا فرغنا منه جئنا الى هاهنا فافنيناه وقد علمت انّهما اذا فرغا ممّا ثَمّ انتهيا الى هذه الاجمة فاصطادا ما فيها فاذا كان ذلك فهو هلاكي ونفاد مدّتي فانطلق السرطان من ساعته الى جماعة السمك فاخبرهنّ بذلك فاقبلن الى العلجوم فاستشرنه وقلن له انّا اتيناك لتشير علينا فانّ ذا العقل لا يدع مشاورة عدوّه قال العلجوم امّا مكابرة الصيّادَين فلا طاقة لي بها ولا اعلم حيلة الّا المصير الى غدير قريب من هاهنا فيه سمك ومياه عظيمة وقصب فإن استطعتنّ الانتقال اليه كان فيه صلاحكنّ وخصبكنّ فقلن له ما يمنّ علينا بذلك غيرك فجعل العلجوم يحمل فى كل يوم سمكتين حتى ينتهي بهما الى بعض التلال فياكلهما حتى اذا كان ذات يوم جاء لاخذ السمكتين فجاءه السرطان فقال له انّي ايضا قد اشفقت من مكاني هذا واستوحشت منه فاذهب بي الى ذلك الغدير فاحتمله وطاربه حتى اذا دنا من التل الذي كان ياكل السمك فيه نظر السرطان فراى عظام السمك مجموعة هناك فعلم ان العلجوم هو صاحبها وانه يريد به مثل ذلك فقال في نفسه اذا لقي الرجل عدوّه في المواطن التي يعلم انّه فيها هالك سوا قاتل او لم يقاتل كان حقيقا ان يقاتل عن نفسه كرما وحفاظا ثمّ اهوى بكلبتيه على عنق العلجوم فعصره فمات وتخلّص السرطان الى جماعة السمك فاخبرهنّ بذلك وانّما ضربت لك هذا المثل لتعلم ان بعض الحيلة مهلكة للمحتال ولكنّي أدلّك على امر ان انت قدرت عليه كان فيه هلاك الاسود من غير ان تهلك به نفسك وتكون فيه سلامتك قال الغراب وما ذاك قال ابن آوى تنطلق فتبصر في طيرانك لعلّك ان تظفر بشيء من حلي النساء فتخطفه ولا تزال طائرا واقعا بحيث لا تفوت العيون حتى تاتي حجر الاسود فترمي بالحلي عنده فاذا راى الناس ذلك اخذوا حليهم واراحوك من الاسود فانطلق الغراب متحلّقا في السماء فوجد امراة من بنات العظماء فوق سطح تعتسل وقد وضعت ثيابها وحليها ناحية فانقضّ واختطف من حليها عقدا وطار به فتبعه الناس ولم يزل طائرا واقعا بحيث رآه كل احد حتَّى انتهى الى حجر الاسود فالقى العقد عليه والناس ينظرون اليه فلمّا اتوه اخذوا العقد وقتلوا الاسود وانّما ضربت لك هذا المثل لتعلم ان الحيلة تُجزئ ما لا تجزئ القوّة قال كليله انّ الثور لو لم يجتمع مع شدّته رايه لكان كما تقول ولكن له مع شدّته وقوّته حسن الراي والعقل فماذا تستطيع له قال دمنه ان الثور لكما ذكرت في قوّته ورايه ولكنّه مقرّ لي بالفضل وانا خليق ان اصرعه كما صرعت الارنبُ الاسد قال كليله وكيف كان ذلك قال دمنه زعموا ان اسدا كان فى ارض كثيرة المياه والعشب وكان في تلك الارض من الوحوش في سعة المياه والمرعى شيء كثير الّا انّه لم يكن ينفعها ذلك لخوفها من الاسد فاجتمعت واتت الى الاسد فقالت له انك لتصيب منّا الدابّة بعد الجهد والتعب وقد راينا لك رايا فيه صلاح لك وامن لنا فان انت امتنا ولم تُخِفنا فلك علينا في كل يوم دابّة نرسل بها اليك في وقت غدائك فرضي الاسد بذلك وصالح الوحوش عليه ووفين له به ثم ان ارنبا اصابتها القرعة وصارت غداء الاسد فقالت للوحوش ان انتنّ رفقتنّ بي فيما لا يضرّكنّ رجوت ان اريحكنّ من الاسد فقالت الوحوش وما الذي تكلّفينا من الامور قالت تامرنّ الذي ينطلق بي الى الاسد ان يمهلني ريثما أُبطئ عليه بعض الابطاء فقلن لها ذلك لك فانطلقت الارنب متباطئة حتى جاوزت الوقت الذي كان يتغدّى فيه الاسد ثمّ تقدمّت اليه وحدَها رويدا وقد جاع فغضب وقام من مكانه نحوها فقال لها من این اقبلت قالت انا رسول الوحوش اليك بعثتني ومعي ارنب لك فتبعني اسد في بعض تلك الطريق فاخذها منّي وقال انا اولى بهذه الارض وما فيها من الوحش فقلت انّ هذا غداء الملك ارسلن به الوحوش معي اليه فلا تعصبنّيه فسبّك وشتمك فاقبلت مسرعة لاخبرك فقال الأسد انطلقي معي فاريني موضع هذا الاسد فانطلقت الارنب الى جبّ فيه ماء غامر صافٍ فاطّلعت فيه وقالت هذا المكان فاطّلع الاسد فراى ظلّه وظلّ الارنب في الماء فلم يشكّ في قولها ووثب اليه ليقاتله فغرق في الجبّ فانقلبت الارنب الى الوحوش فاعلمتهنّ صنيعها بالاسد قال كليله ان قدرت على هلاك الثور بشيء ليس فيه مضرّة للاسد فشانك فانّ الثور قد اضرّ بي وبك وبغيرنا من الجند وان انت لم تقدر على ذلك الّا بهلاك الاسد فلا تقدم عليه فانّه غدر منّي ومنك ثمّ انّ دمنه ترك الدخول على الاسد ايّاما كثيرة ثم اتاه على خلوة منه فقال له الاسد ما حبسك عني منذ زمان لم ارك الا لخير كان انقطاعك قال دمنه خيرا فليكن ايّها الملك قال الاسد وهل حدث امر قال دمنه حدث ما لم يكن الملك يريده ولا احد من جنده قال وما ذاك قال كلام فظيع قال اخبرني به قال دمنه انّه كلام يكرهه سامعه يَيْجَع عليه قائله وانّك ايّها الملك لذو فضيلة ورايك يدلّك على ان يوجعني ان اقول ما تكره واثق بك ان تعرف نصحي وائثاري ايّاك على نفسي وانه ليعرض لي انك غير مصدّقي فيما اخبرك به ولكني اذا تذكّرت وتفكّرت ان نفوسنا معاشر الوحوش متعلّقة بك لم اجد بدّا من اداء الحقّ الذي يلزمني وان انت لم تسئلني وخفت ان لا تقبل منّي فانه يقال من كتم السلطان نصيحته والاخوان رأيه فقد خان بنفسه قال الاسد فما ذاك قال دمنه حدّثني الامين الصدوق عندي ان شنزبه خلا برؤوس جندك وقال قد خبرت الاسد وبلوت رايه ومكيدته وقوّته فاستبان لي ان ذلك يؤول منه الى ضعف وعجز وسيكون لي وله شان من الشان فلمّا بلغني ذلك علمت ان شنزبه خوّان غدّار وانّك قد اكرمته الكرامة كلّها وجعلته نظير نفسِك وهو يظنّ انه مثلك وانك متى زلت عن مكانك صار له ملكك ولا يدع جهدا الا بلغه فيك وقد كان يقال اذا عرف الملك من الرجل انّه قد ساواه في المنزلة والحال فليصرعه فان لم يفعل به ذلك كان هو المصروع وشنزبه اعلم بالامور وابلغ فيها والعاقل هو الذي يحتال للامر قبل تمامه ووقوعه فانك لا تامن ان يكون ولا تستدركه فانّه يقال الرجال ثلثة حازم واحزم منه وعاجز فاحد الحازمين من اذا نزل به الامر لم يدهش له ولم يذهب قلبه شعاعا ولم تعي به حيلته ومكيدته التي يرجو بها المخرج منه واحزم من هذا المتقدّم ذو العدّة الذي يعرف الابتلاء قبل وقوعه فيعظمه اعظاما ويحتال له حيلة حتَّى كانّه قد لزنه فيحسم الداء قبل ان يُبتلَى به ويدفع الامر قبل وقوعه وامّا العاجز فهو في تردّدٍ وتمنٍّ وامانٍ حتّى يهلك ومن امثال ذلك مثل السمكات الثلث قال الاسد وكيف كان ذلك قال دمنه زعموا ان غديرا كان فيه ثلاث سمكات كيّسة واكيس منها وعاجزة وكان ذلك الغدير بنجوة من الارض لا يكاد يقربه احد وبقربه نهر جارٍ فاتّفق انه اجتاز بذلك النهر صيّادان فابصرا بالغدير فتواعدا ان يرجعا اليه بشباكهما فيصيدا ما فيه من السمك فسمع السمكات قولهما فامّا اكيسهنّ لما سمعت قولهما ارتابت بها وتخوّفت منهما فلم تعرّج على شيء حتّى خرجت من المكان الذي يدخل فيه الماء من النهر الى الغدير واما الكيّسة الاخرى فانها مكثت مكانها حتّى جاء الصيّادان فلمّا راتهما وعرفت ما يريدان ذهبت لتخرج من حيث يدخل الماء فاذا بهما قد سدّا ذلك المكان فحينئذ قالت فرّطت وهذه عاقبة التفريط فكيف الحيلة على هذه الحال وقلّ ما تنجح حيلة العجلة والارهاق غير ان العاقل لا يقنط من منافع الراي ولا ييأس على حال ولا يدع الراي والجهد ثمّ انها تماوتت فطفت على وجه الماء منقلبة على ظهرها تارة وتارة على بطنها فاخذاها الصيّادان فوضعاها على الارض بين النهر والغدير فوثبت الى النهر فنجت وامّا العاجزة فلا تزل في اقبال وادبار حتّى صيدت قال الاسد قد فهمت ذلك ولا اظنّ الثور يغشّني ولا يرجو لي الغوائل وكيف يفعل ذلك ولم ير منّي سوء قط ولم ادع خيرا الّا فعلته معه ولا امنيّة الا بلّغته ايّاها قال دمنه ان اللئيم لا يزال نافعا ناصحا حتّى يرفع الى المنزلة التي ليس لها باهل فاذا بلغها التمس ما فوقها ولا سيّما اهل الخيانة والفجور فانّ اللئيم الفاجر لا يخدم السلطان ولا ينصح له الا من فرق فاذا استغنى وذهبت الرهيبة عاد الى جوهره كذنب الكلب الذي يربط ليستقيم فلا يزال مستويا ما دام مربوطا فاذا حلّ انحنى وتعوّج كما كان واعلم ايّها الملك انه من لم يقبل من نصحائه ما يثقل عليه ممّا ينصحون له يحمد رايه كالمريض الذي يدع ما يبعث له الطبيب ويعمد الى ما يشتهيه وحقّ على موارد السلطان ان يبالغ في التحضيض له على ما يزيد سلطانه قوّة ويزيّنه والكفّ عمّا يضرّه ويشينه وخير الاخوان والاعوان اقلّهم مداهنة في النصيحة وخير الاعمال احلاه عاقبة وخير النساء الموافقة لبعلها وخير الثناء ما كان علی افواه الاخيار واشرف السلطان ما لم يخالطه بطر وخير الاخلاق اعونها على الورع وقد قيل لو ان امرءا توسّد النار وافترش الحيّات كان احق ان يهنيه القوم منه ان يحسّ من صاحبه بعداوة يريد بها نفسه ويروح واعجز الملوك آخذهم بالهوينا واقلّهم نظرا في مستقبل الامور واشبههم بالفيل المغتلم الذي لا يلتقت الى شيء فان اخونه امر تهاون به وان اضاع الامور حمل ذلك على قراينه قال له الاسد لقد غلظت في القول وقول الناصح مقبول محمول وان كان شنزبه معاديا لي كما تقول فانه لا يستطيع لى ضرّا وكيف يقدر على ذلك وهو آكل عشب وانا آكل لحم وانما هو لي طعام وليس عليّ منه مخافة ثم ليس الى الغدر به سبيل بعد الامان الذي جعلته له وبعد اكرامي له وثنائي عليه وان غيّرت ما كان منّي وبدّلته سفّهت رایي وجهّلت نفسي وغدرت بذمّتي قال دمنه لا يغرّنّك قولك هو لي طعام وليس عليّ منه مخافة فان شنزبه ان لم يستطعك بنفسه احتال لك من قبل غيره ويقال ان استضاف بك ضيف ساعة من نهار وانت لا تعرف اخلاقه فلا تامنه على نفسك ولا تامن ان يصلك منه او بسببه ما اصاب القملة من البرغوث قال الاسد وكيف كان ذلك قال دمنه زعموا ان قملة لونت فراش رجل من الاغنياء دهرا فكانت تصيب من دمه وهو نائم لا يشعر وتدبّ دبيبا رفيقا فمكثت كذلك حينا حتّى استضافها ليلة من الليالي برغوث فقالت له بت الليلة عندنا في دم طيّب وفراش ليّن فاقام البرغوث عندها حتّى اذا اوى الرجل الى فراشه وثب عليه البرغوث فلدغه لدغة ايقظته واطارت النوم عنه فقام الرجل وامر ان يفتّش فراشه فنظر فلم ير الا القملة فاخذت فقصعت وفرّ البرغوث وانّما ضربت لك هذا المثل لتعلم ان صاحب الشرّ لا يسلم من شرّه احد وان هو ضعف عن ذلك جاء الشرّ بسببه وان كنت لا تخاف من شنزنه فحف غيره من جندك الذين قد حملهم عليك وعلى عداوتك فوقع في نفس الاسد كلام دمنه فقال فما الذي ترى اذا وبماذا تشير قال دمنه ان الضرس لا يزال ماكولا ولا يزال صاحبه منه في الم واذى حتّى يفارقه والطعام الذي قد عفن في البطن الراحةُ في قذفه والعدوّ المخوف دواؤُه قتله قال الاسد لقد تركتني اكر مجاورة شنزبه ايّاي وانا مرسل اليه وذاكر له ما وقع في نفسي منه ثم آمرُه باللحاق حيث احبّ فكره دمنه ذلك وعلم انّ الاسد متى كلّم شنزبه في ذلك وسمع منه جوابا عرف باطل ما اتى به واطّلع على غدره وكذبه ولم يخف عليه امره فقال للاسد امّا ارسالك الى شنزبه فلا اراه لك رايا ولا حزما فلينظر الملك في ذلك فان شنزبه متى شعر بهذا الامر خفت ان يعاجل الملك بالمكابرة وهو ان قاتلك قاتلك مستعدّا وان فارقك فارقك فراقا يليك منه النقص ويلزمك منه العار مع ان ذوي الراي من الملوك لا يعلنون عقوبة من لم يعلن ذنبه ولكنّ لكلّ ذنب عندهم عقوبة فلذنب العلانيّة عقوبة العلانيّة ولذنب السرّ عقوبة السرّ قال الاسد ان الملك اذا عاقب احدا عن ظنّة ظنّها من غير تيقّن بجرمه فلنفسه عاقب وايّاها ظلم قال دمنه امّا اذا كان هذا راي الملك فلا يدخلنّ عليك شنزبه الّا وانت مستعدّ له وايّاك ان تصيبك منه غرّة أو غفلة فانّي لا احسب الملك حين يدخل عليه الّا سيعرف انه قد همّ بعظيمة ومن علامات ذلك انّك ترى لونه متغيرا وترى اوصاله ترعد وتراه ملتفتا يمينا وشمالا وتراه يهزّ قرنيه فعلّ الذي همّ بالنطاح والقتال قال الاسد ساكون منه على حذر وان رايت منه خبرا يدلّ على ما ذكرت علمت أن ما فى امره شكّ فلمّا فرغ دمنه من تحميل الاسد على الثور وعرف انه قد وقع في نفسه ما كان يلتمس وانّ الاسد سيتحذّر الثور ويتهيّأ له اراد ان ياتي الثور ليغريه بالاسد واحبّ ان يكون اتيانه من قبل الاسد مخافة ان يبلغه ذلك فيتاذّی به فقال ايّها الملك الا آتي شنزبه فانظر الى حاله وامره واسمع كلامه لعلّي أن اطّلع على سرّه فاُطلِعُ الملك على ذلك وعلى ما يظهر لي منه فاذن له الاسد في ذلك فانطلق فدخل على شنزبه كالكئيب الحزين فلمّا رآه الثور رحّب به وقال ما كان سبب انقطاعك عنّي فانّي لم ارك منذ ايام اسلامة هي قال دمنه ومتى كان من اهل السلامة من لا يملك نفسه وامرُه بيد غيره ممّن لا يوثَق به ولا ينفكّ على خطر وخوف حتى ما من ساعة تمرّ ويأمن فيها على نفسه قال شنزبه وما الذي حدث قال دمنه حدث ما قدِّر وهو كائن ومن ذا الذي غالب القدر ومن ذا الذى بلغ من الدنيا جسيما من الامور فلم يبطر ومن ذا الذي بلغ مُناه فلم يغترّ ومن ذا الذي تبع هواه فلم يخسر ومن ذا الذي حادث النسآء فلم يُصبَ ومن ذا الذي طلب من الليام فلم يحرم ومن ذا الذي خالط الاشرار فسلم ومن ذا الذي صحب السلطان فدام له منه الامن والاحسان ولقد صدق الذي قال مثل السلاطين في قلّة وفائهم لمن صحبهم وسخاوة انفسهم عن من فقدوا من قراينهم كمثل البغيّ كلّما فقدت واحدا جاء اخر قال شنزبه انّى اسمع منك كلاما يدلّ على انّه قد رابك من الاسد ريب وهالك منه امر قال دمنه اجل لقد رابني منه ذلك وليس هو في امر نفسي قال شنزبه ففي نفس من رابك قال دمنه قد تعلم ما بيني وبينك وتعلم حقّك عليّ وما كنتُ جعلت لك من العهد والميثاق ايّام ارسلني الاسد اليك فلم اجد بدّا من حفظك وإطْلاعك على ما اطّلعت عليه ممّا اخاف عليك منه قال شنزبه وما الذي بلغك قال دمنه حدّثني الخابر المصدّق الذي لا مرية في قوله انّ الاسد قال لبعض اصحابه وجلسائه قد اعجبني سمن الثور وليس لي الى حياته حاجة فانا آكِله ومطعم اصحابي من لحمه فلمّا بلغني هذا القول وعرفت غدره وسوء عهده اقبلت اليك لاقضي حقّك وتحتال انت لامرك فلمّا سمع شنزبه كلام دمنه وتذكّر ما كان دمنه جعل له من العهد والميثاق وفكر فى امر الاسد ظنّ انّ دمنه قد صدقه ونصح له وراى انّ الامر شبيه بما قال دمنه فاهمّه ذلك وقال ما كان للاسد ان يغدر بي ولم آتِ اليه ذنبا ولا الى احد من جنده منذ صحبته ولا اظنّ الاسد الّا قد حُمِّل عليّ بالكذب وشبِّه عليه امري فانّ الاسد قد صحبه قوم سوء وجرّب منهم الكذب وامورًا هي تصدِّق عنده ما بلغه من غيرهم فانّ صحبة الاشرار ربّما اورثت صاحبها سوء ظنّ بالاخيار وحمّلته تجربته على الخطاء كخطاء البطّة التي زعموا انّها رات في الماء ضوء كوكب فظنّه سمكة فحاولت ان تصيدها فلمّا جرّبت ذلك مرارا علمت انّه ليس بشيء يصاد فتركته ثمّ رات من غد ذلك اليوم سمكة فظنّت انّها مثل الذي راته بالامس فتركتها ولم تطلب صيدها فان كان الاسد بلغه عنّي كذب فصدّقه عليّ وسمعه فيّ فما جرى على غيري يجري عليّ وان كان لم يبلغه شيء واراد السوء بي من غير علّة انّ ذلك لمن اعجب الامور وقد كان يقال ان من العجب كيف يطلب الرجل رضا صاحبه ولا يرضى واعجب من ذلك ان يلتمس رضاه فيسخط فاذا كانت المَوجِدة عن علّة كان الرضا موجودا والعفو مامولا واذا كانت عن غير علّة انقطع الرجاء لان العلّة اذا كانت الموجدة في ورودها كان الرضا مامولا في صدورها وقد نظرت فلا اعلم بيني وبين الاسد جرما ولا صغير ذنب ولا كبيرا ولعمري ما يستطيع احد اطال صحبة صاحب ان يحترس في كل سيء من امره ولا يتحفظ من التيقّظ ان لا يكون منه صغيرة ولا كبيرة يكرهها صاحبه ولكنّ الرجل ذا العقل وذا الوفا اذا سقط عنده صاحبه سقطة نظر فيها وعرف قدر مبلغ خطائه عمدا كان او خطاء ثم ينظر هل في الصفح عنه امر يخاف ضرره وشينه فلا يواخذ صاحبه بشيء يجد فيه الى الصفح عنه سبيلا فان كان الاسد قد اعتقد عليّ ذنبا فلست اعلمه الا انّي خالفت عليه فى بعض رايه بطَرًا منّي ونصيحةً له فعساه يكون قد انزل امري على الجراة عليه والمخالفة له ولا اجد لي في هذا المحضر اثما ما لاني لم اخالفه في شيء الا ما قد ندر من مخالفة الرشد والمنفعة والدين ولم اجاهر بشيء من ذلك على رؤوس جنده وعند اصحابه ولكنّي كنت اخلو به واكلّمه سرّا كلام الهائب الموقّر وعلمت انّه من التمس الرخص من الاخوان عند المشاورة ومن الاطبّاء عند المرض ومن الفقهاء عند الشبهة اخطا منافع الراي وازداد فيما وقع فيه من ذلك تورّطا وحمل الوزر وان لم يكن هذا فعسى ان يكون ذلك من بعض سكرات السلطان فان مصاحبة السلطان خطرة وان صوحبوا بالسلامة والثقة والمودة وحسن الصحبة وان لم يكن هذا فبعض ما اوتيت من الفضل قد جعِل لي فيه الهلاك وان لم يكن هذا ولا هذا فهو اذًا من مواقع القضاء والقدر الذي لا يدفع والقدر هو الذي يسلب الاسد قوّته وشدّته ويدخله القبر وهو الذي يحمل الرجل الضعيف على ظهر الفيل المغتلم وهو الذي يسلّط على الحيّة ذات الحُمة من ينزع حُمَتها ويلعب بها وهو الذي يحزّم العاجز ويثبّط الشهم ويوسع على المقتِر ويشجّع الجبان ويحبّن الشجاع عند ما تعتريه المقادير من العلل التي وُضِعت عليها الاقدار قال دمنه ان ارادة الاسد بك ليست من تحميل الاشرار ولا سكرة السلطان ولا غير ذلك ولكنّها الغدر والفجور منه فانه فاجر خوّان غدّار طعمه حلاوة واخرها سمّ مميت فال شنزبه فاراني قد استلذذت الحلاوة اذ ذقتها وقد انتهيت الى اخرها الذي هو الموت ولولا الحين ما كان مقامي عند الاسد وهو آكل لحم وانا آكل عشب فانا في هذه الورطة كالنحلة التي تجلس على ورد النيلوفر اذ تستلذّ ريحه وطعمه فتحبسها تلك اللذّة فاذا جاء الليل ينضمّ عليها فتتلجلج فيها وتموت ومن لم يرض من الدنيا بالكفاف الذي يغنيه وطمحت عينه الى ما سوى ذلك ولم يتخوّف عاقبتها كان كالذباب الذي لا يرضى بالشجر والرياحين ولا يقنعه ذلك حتى يطلب الماء الذي يسيل من اذن الفيل فيضربه الفيل بآذانه فيهلكه ومن يبذل ودّه ونصيحته لمن لا يشكره فهو كمن يبذر في السباخ ومن يُشِر على المعجب كمن يشاور الميّت او يسارر الاصمّ قال دمنه دع عنك هذا الكلام وٱحتَلْ لنفسك قال شنبه بايّ شيء احتال لنفسي اذا اراد الاسد اكلي معما عرّفتني من راي الاسد وسوء اخلاقه واعلم انه لو لم يرد بي الا خيرا ثمّ اراد اصحابه بمكرهم وفجورهم هلاكي لقدروا على ذلك فانه اذا اجتمع المكرة الظلمة على البريّ الصحيح كانوا خلقاء ان يهلكوه وان كانوا ضعفاء وهو قويّ كما اهلك الذئب والغراب وابن آوى الجمل حين اجتمعوا عليه بالمكر والخديعة والخيانة قال دمنه وكيف كان ذلك قال شنزبه زعموا ان اسدا كان في اجمة مجاورا لطريق من طرق الناس وكان له اصحاب ثلاثة ذئب وغراب وابن آوى وان رعاة مرّوا بذلك الطريق ومعهم جمال فتخلف منها جمل فدخل تلك الاجمة حتّى انتهى الى الاسد فقال له الاسد من این اقبلت قال من موضع كذا قال فما حاجتك قال ما يامرنى به الملك قال تقيم عندنا في السعة والامن والخصب فاقام الاسد والجمل معه زمانا طويلا ثمّ ان الاسد مضى في بعض الايّام لطلب الصيد فلقي فيلا عظيما فقاتله قتالا شديدا وافلت منه مثقلا مثخنا بالجراح يسيل منه الدم وقد خدشه الفيل بانيابه فلمّا وصل الى مكانه وقع لا يستطيع حراكا ولا يقدر على طلب الصيد فلبث الذئب والغراب وابن آوى ايّاما لا يجدون طعاما لانّهم كانوا ياكلون من فضلات الاسد وطعامه فاصابهم جوع شديد وهزال وعرف الاسد ذلك منهم فقال لقد جهدتّم واحتجتم الى ما تاكلون فقالوا لا يهمّنا انفسنا لكنّا نرى الملك على ما نراه فليتنا نجد ما ياكله ويصلحه قال الاسد ما اشكّ في نصيحتكم ولكن انتشروا لعلّكم تصيبون صيدا فاكسبكم ونفسي منه فخرج الذئب والغراب وابن آوى من عند الاسد فتنحّوا ناحية وايتمروا فيما بينهم وقالوا ما لنا ولهذا الآكل العشب الذي ليس شانه من شاننا ولا رايه من راينا ألا نزيّن للاسد فياكله ويطعمنا من لحمه قال ابن آوى هذا ممّا لا نستطيع ذكره للاسد لانّه قد آمن الجمل وجعل له من ذمته قال الغراب انا اكفيكم امر الاسد ثمّ انطلق فدخل على الاسد فقال له الاسد هل اصبت شيئا قال الغراب انّما يصيب من يسعى ويبصر ونحن فلا سعي لنا ولا بصر لما بنا من الجوع ولكن قد وفِقنا لراي واجتمعنا عليه ان وافقنا الملك فنحن له مجيبون قال الاسد وما ذاك قال الغراب هذا الجمل آكل العشب المتمرّغ بيننا من غير منفعة لنا منه ولا ردّ عائدة ولا عملٍ يُعقِب مصلحة فلمّا سمع الاسد ذلك غضب وقال ما اخطأ رايَك وما اعجز مقالَك وابعدَك من الوفا والرحمة وما كنتَ حقيقا ان تجترئَ عليّ بهذه المقالة وتستقبلني بهذا الخطاب معما علمت اني قد آمنت الجمل وجعلت له من ذمّتي اولم يبلغك انه لم يتصدّق متصدّق بصدقة هي اعظم اجرًا ممّن آمن نفسا خائفة وحقن دما مهدور وقد آمنته ولست بغادر به قال الغراب اني لاعرف ما يقول الملك ولكنّ النفس الواحدة يفتدي بها اهل البيت واهل البيت تفتدي بهم القبيلة والقبيلة يفتدي بها اهل المصر واهل المصر فدى الملك وقد نزلت بالملك الحاجة وانا اجعل له من ذمّته مخرجا على ان لا يتكلّف الملك ذلك ولا يليه بنفسه ولا يامر به احدا ولكنّا نحتال بحيلة لنا وله فيها اصلاح وظفر فسكت الاسد عن جواب الغراب عن هذا الخطاب فلمّا عرف الغراب اقرار الاسد اتى اصحابه فقال لهم قد كلّمت الاسد في اكله الجمل على ان نجتمع نحن والجمل عند الاسد فنذكر ما اصابه ونتوجّع له اهتماما منا بامره وحرصا على صلاحه ويعرّض كل واحد منّا نفسه عليه لياكله فيردّ الاخوانُ ويسفّه رايه ويبيّن الضرر في اكله فاذا فعلنا ذلك سلمنا كلّنا ورضي الاسد عنا ففعلوا ذلك وتقدّموا الى الاسد فقال الغراب قد احتجت ايّها الملك الى ما يقوّيك ونحن احقّ ان نهب انفسنا لك فانّا بك نعيش فاذا هلكت فليس لاحد منّا بقاء بعدك ولا لنا في الحياة من خيرة فلياكلني الملك فقد طبت بذلك نفسا فاجابه الذئب وابن آوى ان اسكت فلا خير للملك في اكلك وليس فيك شبع قال ابن آوى لكن انا اشبع الملك فلياكلني فقد رضيت بذلك وطبت عنه نفسا فردّ عليه الذئب والغراب بقولهما انك لمنتن قذر قال الذئب اني لست كذلك فلياكلني الملك فقد سمحت بذلك وطبت عنه نفسا فاعترضه الغراب وابن آوى وقالا قد قالت الاطبّاء من اراد قتل نفسه فلياكل لحم ذئب فظنّ الجمل انه اذا عرض نفسه على الاكل التمسوا له عذرا كما التمس بعضهم لبعض الاعذار فيسلم ويرضى الاسد عنه بذلك وينجو من المهالك فقال لكن انا فيّ للملك شبع وريّ ولحمى طيب هنيّ وبطني نظيف فلياكلنى الملك ويطعم اصحابه وخدمه فقد رضيت بذلك وطابت نفسي عنه وسمحت به فقال الذئب والغراب وابن آوى لقد صدق الجمل وكرم وقال ما عرف ثمّ انهم وثبوا عليه فمزّقوه وانّما ضربت لك هذا المثل لتعلم انه ان كان اصحاب الاسد قد اجتمعوا على هلاكي فانى لست اقدر ان امتنع منهم ولا احترس وان كان راي الاسد لي على غير ما هم عليه من الراي فيّ فلا ينفعني ذلك ولا يغني عني شيئا وقد يقال خير السلاطين من عدل في الناس ولو ان الاسد لم يكن في نفسه لي الا الخير والرحمة لغيّرته كثرة الاقاويل فانها اذا كثرت لم تلبث دون ان تذهب الرقّةُ والرافة الا ترى ان الماء ليس كالقول وان الحجر اشدّ من الانسان فالماء اذا دام انحداره على الحجر لم يلبث حتى يثقبه ويوثّر فيه وكذلك القول في الانسان قال دمنه فما ذا تريد ان تصنع الان قال شنزبه ما ارى الا الاجتهاد والمجاهدة بالقتال فانه ليس للمصلّي في صلاته ولا للمتصدّق في صدقته ولا للورع في ورعه من الاجر ما للمجاهد عن نفسه اذا كانت مجاهدته على الحقّ قال دمنه لا ينبغي لاحد ان يخاطر بنفسه وهو يستطيع غير ذلك ولكنّ ذا الراي جاعل القتال آخر الحِيَل وبادٍ قبل ذلك بما استطاع من رفق وتحمّل وقد قيل لا تحقرنّ العدوّ الضعيف المهين ولا سيّما اذا كان ذا حيلة ويقدر على الاعوان فكيف بالاسد على جراءته وشدّته فانّ من احقر عدوّه لضعفه اصابه ما اصاب وكيل البحر من الطيطوى قال شنزبه وكيف كان ذلك قال دمنه زعموا ان طائرا من طيور البحر يقال له الطيطوى كان وطنه على طفّ البحر ومعه زوجة له فلمّا جاء اوان تفريخهما قالت الانثى للذكر لو التمسنا مكانا حريزا نفرّخ فيه فاني اخشى من وكيل البحر اذا مدّ الماء ان يذهب بفراخنا فقال لها افرخي مكانك فانه موافق لنا والماء والزهر منّا قريب قالت له يا غافل ليحسن نظرك فاني اخاف وكيل البحران يذهب بفراخنا فقال لها افرخي مكانك فانه لا يفعل ذلك فقالت له ما اشدّ تعنّتك وتهدّدك ايّاه الا تعرف نفسك وقدرك فابى ان يطيعها فلما اكثرت عليه ولم يسمع قولها قالت له ان من لم يسمع قول الناصح يُصِبْه ما اصاب السلحفاة حين لم تسمع قول البطّتين قال الذكر وكيف كان ذلك قالت الانثى زعموا ان غديرا كان عنده عشب وكان فيه بطّتان وكان في الغدير سلحفاة بينها وبين البطّتين مودّة وصداقة فاتّفق ان غيض ذلك الماء فجاء البطّتان لوداع السلحفاة وقالتا السلام عليك فانّنا ذاهبتان عن هذا المكان لاجل نقصان الماء عنه فقالت انّما يبين نقصان الماء على مثلي التي كانّي السفينة لا اقدر على العيش الا بالماء فاما انتما فتقدران على العيش حيث كنتما فاذهبا بي معكما قالتا لها نعم قالت كيف السبيل الى حملي قالتا ناخذ بطرفي عود وتتعلّقين بوسطه ونطير بك في الجوّ وايّاك اذا سمعت الناس يتكلّمون ان تنطقي ثمّ اخذتاها فطارتا بها في الجوّ فقال الناس عجب سلحفاة بين بطّتين قد حملتاها فلمّا سمعت ذلك قالت فقا اللـه اعينكم ايّها الناس فلمّا فتحت فاها بالنطق وقعت الى الارض فماتت قال الذكر قد سمعت مقالتك فلا تخافي وكيل البحر فلمّا مدّ الماء ذهب بفراخهما فقالت الانثى قد عرفت في بدء الامر ان هذا كاين قال الذكر سوف انتقم منه ثم مضى الى جماعة الطير فقال لهنّ انّكنّ اخواتي وثقاقي فأعِنَّني قلن ما ذا تريد ان نفعل قال تجتمعن وتذهبن معي الى سائر الطير قنشكو اليهنّ ما لقيت من وكيل البحر ونقول لهنّ انكنّ طير مثلنا فأعِنَّنا فقلن له جماعة الطير ان العنقاء هي سيدتنا وملكتنا فاذهب بنا اليها حتى نصيح بها فتظهر لنا فنشكو اليها ما نالك من وكيل البحر ونسالها ان تنتقم لنا منه بقوة مِلْكها ثمّ انهنّ ذهبن اليها مع الطيطوى فاستغثن اليها وصحن بها فترأت لهنّ فاخبرنها بقصّتهنّ وسالنها أن تصير معهنّ الى محاربة وكيل البحر فاجابتهنّ الى ذلك فلمّا علم وكيل البحر ان العنقاء قد قصدته في جماعة الطير خاف من محاربة ملك لا طاقة له به فردّ فراخ الطيطوى وصالحه فرجعت العنقاء عنه وانّما حدثتك بهذا الحديث لتعلم ان القتال مع الاسد لا اراه لك رايا قال شنزبه فما انا بمقاتل الاسد ولا ناصب له العداوة سرّا ولا علانية ولا متغيّر له عمّا كنت عليه حتى يبدو لي منه ما اتخوّف فاغالبه فكره دمنه قوله وعلم ان الاسد ان لم ير من الثور العلامات التي كان ذكرها له اتّهمه واساء به الظنّ فقال دمنه لشنزبه اذهب الى الاسد فستعرف حين ينظر اليك ما يريد منك قال شنزبه وكيف اعرف ذلك قال دمنه سترى الاسد حين تدخل عليه مقعيا على ذنبه رافعا صدره اليك مادّا بصره نحوك قد صرّ اذنيه وفغر فاه واستوى للوثبة قال شنزبه ان رايت هذه العلامات من الاسد عرفت صدقك في قولك ثمّ ان دمنه لما فرغ من تحميل الاسد على الثور والثور على الاسد توجّه الى كليله فلما التقيا قال كليله الى ما انتهى عملك الذي كنت فيه قال دمنه قريبا من الفراغ على ما اُحبّ وتحبّ ثمّ ان كليله ودمنه انطلقا جميعا ليحضرا قتال الاسد والثور وينظرا ما يجري بينهما ويعاينا ما يؤول اليه امرهما وجاء شنزبه فدخل على الاسد فرآه مقعيا كما وصفه له دمنه فقال ما صاحب السلطان الا كصاحب الحيّة التي في صدره لا يدري متى تهیج به ثمّ ان الاسد نظر الى الثور فراى الدلالات التى ذكرها له دمنه فلم يشكّ انه جاء لقتاله فواثبه ونشا بينهما الحرب واشتدّ قتال الثور والاسد وطال وسالت بينهما الدماء فلمّا راى كليله ان الاسد قد بلغ منه ما بلغ قال لدمنه انّما السلطان باصحابه والبحر بامواجه وما عظتي وتاديبي ايّاك الا كما قال الرجل للطائر لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم ولا تعالج تادیب من لا يتادّب قال دمنه وكيف كان ذلك قال كليله زعموا ان جماعة من القردة كانوا سكّانا في جبل فالتمسوا في ليلة باردة ذات رياح وامطار نارا فلم يجدوا فراوا يراعة تطير كانها شرارة نار فظنّوها نارا وجمعوا حطبا كثيرا فالقوه عليها وجعلوا ينفخون طمعا أن يوقدوا نارا يصطلون بها من البرد وكان قريبا طائر على شجرة ينظرون اليه وينظر اليهم وقد راى ما صنعوا فجعل يناديهم ويقول لا تتعبوا فان الذي رايتموه ليس بنار فلمّا طال ذلك عليه عزم على القرب منهم لينهاهم عمّا هم فيه فمرّ به رجل فعرف ما عزم عليه فقال له لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم فان الحجر المانع الذي لا ينقطع لا تجرّب عليه السيوف والعود الذي لا ينحني لا يعمل منه القوس فلا تتعب فابى الطائران يطيعه وتقدّم الى القردة ليعرفهم ان اليراعة ليست بنار فتناوله بعض القردة فضرب به الارض فمات فهذا مثلي معك فى ذلك ثمّ قد غلب عليك الخبّ والفجور وهما خلّتا سوء والخبّ شرّهما عاقبة ولهذا مثل قال دمنه وما ذلك المثل قال كليله زعموا ان خبّا ومغفّلا اشتركا في تجارة وسافرا فبينما هما في الطريق اذ تخلّف المغفّل لبعض حاجته فوجد كيسا فيه الف دينار فاخذه فاحسّ به الخبّ فرجعا الى بلدهما حتى اذا دنيا من المدينة قعدا لاقتسام المال فقال المغفّل خذ نصفها واعطني نصفها وكان الخبّ قد قرّر في نفسه ان يذهب بالالف جميعها فقال له لا نقتسم فان الشركة والمفاوضة اقرب الى الصفاء والمخالطة ولكن آخُذ نفقة وتاخذ مثلها وندفن الباقي في اصل هذه الشجرة فهو مكان حريز فاذا احتجنا جئنا انا وانت فناخذ حاجتنا منه ولا يعلم بموضعنا احد فاخذا منها يسيرا ودفنا الباقي في اصل دوحة ودخلا البلد ثمّ ان الخبّ خالف المغفّل الى الدنانير فاخذها وسوّى الارض كما كانت وجاء المغفّل بعد ذلك باشهر فقال للخبّ قد احتجتُ الى نفقة فانطلق بنا ناخذ حاجتنا فقام الخبّ معه وذهبا الى المكان فحفرا فلم يجدا شيئا فاقبل الخبّ على وجهه يلطمه ويقول لا تغترّ بصحبة صاحب خالفتني الى الدنانير فاخذتها فجعل المغفّل يحلف ويلعن آخذَها ولا يزداد الخبّ الا شدّة في اللطم وقال ما اخذها غيرك وهل شعر بها احد سواك ثمّ طال ذلك بينهما فترافعا الى القاضي فاقتصر القاضي قصّتهما فادّعى الخبّ ان المغفّل اخذها وجحد المغفل فقال للخبّ الك على دعواك بيّنة قال نعم الشجرة التي كانت الدنانير عندها تشهد لي ان المغفّل اخذها وكان الخبّ قد امر اباه ان يذهب فيتوارى في الشجرة بحيث اذا سئِل اجاب فذهب ابو الخبّ فدخل جوف الشجرة ثم ان القاضي لمّا سمع ذلك من الخبّ اكبره وانطلق هو واصحابه والخبّ والمغفّل معه حتى وافى الشجرة فسألها عن الخبر فقال الشيخ من جوفها نعم المغفّل اخذها فلما سمع القاضي ذلك اشتدّ تعجّبه فدعى بحطب وامر ان تحرق الشجرة فاضرمت حولها النيران فاستغاث ابو الخبّ عند ذلك فاخرِج وقد اشرف على الهلاك فسأله القاضي عن القصّة فاخبره بالخبر فاوقع بالخبّ ضربا ولابيه صفعا واركبه مشهورا وغرّم الخبَّ الدنانير فاخذها واعطاها المغفّل وانّما ضربت لك هذا المثل لتعلم ان الخبّ والخديعة ربّما كان صاحبهما هو المغبون وانك يا دمنه جامع للخبّ والخديعة والفجور وانّى اخشى عليك ثمرة عملك معما انك لست بناج من العقوبة لانك ذو لونين ولسانين وانّما عذوبة ماء الانهار ما لم تبلغ الى البحار وصلاح اهل البيت ما لم يكن فيهم المفسد وانه لا شيء اشبه بك من الحيّة ذات اللسانين التي فيها السمّ فانه قد يجري من لسانك كسمّها وانّى لم ازل لذلك السمّ من لسانك خائفا ولما يحلّ بك متوقّعا والمفسد بين الاخوان والاصحاب كالحيّة يربّيها الرجل ويطعمها ويمسحها ويكرمها ثم لا يكون له منها غير اللدغ وقد يقال الزم ذا العقل وذا الكرم واسترسل اليهما وايّاك ومفارقتهما واصحب الصاحب اذا كان عاقلا كريما او عاقلا غير كريم فالعاقل الكريم كامل والعاقل غير الكريم اصحبه وان كان غيرَ محمودِ الخليقة واحذر من سوء اخلاقه وانتفع بعقله والكريم غير العاقل الزمه ولا تدع مواصلته وان كنت لا تحمد عقله وانتفع بكرمه وٱنفعه بعقلك والفرار كل الفرار من اللئيم الاحمق وانّي بالفرار منك لجدير وكيف يرجو اخوانك عندك كرما وودّا وقد صنعت بملكك الذي اكرمك وشرفك ما صنعت وان مثلك مثل التاجر الذي قال ان ارضا تاكل جرذانها ماية منٍّ حديدا ليس بمسنتكَر لبزاتها ان تختطف الا فيلة قال دمنه وكيف كان ذلك قال كليله زعموا انه كان بارض كذا تاجر فاراد الخروج الى بعض الوجوه لابتغاء الرزق وكان عنده ماية منّ حديدا فاودعها رجلا من اخوانه وذهب في وجهه ثم قدم بعد ذلك بمدّة فجآء والتمس الحديد فقال له انه قد اكلته الجرذان فقال قد سمعت انه لا شيء اقطع من انيابها للحديد ففرح الرجل بتصديقه على ما قال وادّعى ثمّ ان التاجر خرج فلقي ابنا للرجل فاخذه وذهب به الى منزله ثمّ رجع اليه الرجل من الغد فقال له هل عندك علم من ابني فقال له التاجر انّي لمّا خرجت من عندك بالامس رايت بازيا قد اختطف صبيّا ولعلّه ابنك فلطم الرجل على راسه وقال يا قوم هل سمعتم او رايتم أن البزاة تختطف الصبيان فقال نعم وان ارضا تاكل جرد انها ماية منّ حديدا ليس بعجب ان تختطف بزاتها الا فيلة قال له الرجل أنا اكلت حديدك وهذا ثمنه فاردد عليّ ابني وانّما ضربت لك هذا المثل لتعلم ان اذا صاحَبَ احد صاحبا وغدر بمن سواه فقد عَلِم صاحبُه انه ليس عنك للمودّة موضع فلا شيء اضيع من مودّة تمنح من لا وفآء له وحِبآء يصطنع عند من لا شكر له وادب يحمل الى من لا يتأدّب به ولا يسمعه وسرّ يستودع عند من لا يحفظه فان صحبة الاخيار تورث الخير وصحبة الاشرار تورث الشرّ كالريح اذا مرّت بالطيب حملت طيبا واذا مرّت بالنتن حملت نتنا وقد طال وثقل كلامي عليك فانتهى كليله من كلامه الى هذا المكان وقد فرغ الاسد من الثور ثمّ فكر في قتله بعد ان قتله وذهب عنه الغضب وقال لقد فجعني شنزبه بنفسه وقد كان ذا عقل وراي وخلق كريم ولا ادري لعلّه كان بريّا او مكذوبا عليه فحزن وندم على ما كان منه وتبيّن ذلك في وجهه وبصر به دمنه فترك مجاورة كليله وتقدّم الى الاسد فقال له ليهنك الظفر اذا اهلك الله اعداءك فماذا يحزنك ايّها الملك قال انا حزين على عقل شنزبه ورايه وادبه قال له دمنه لا ترحمه ايّها الملك فان العاقل لا يرحم من يخافه وان الرجل الحازم ربّما بغض الرجلَ وكرهه ثم قرّبه وادناه لما يعلم عنده من الغنى والكفاية فعلَ الرجلِ المتكاره على الدواء الشنيع رجاء منفعته وربّما احبّ الرجل وعزّ عليه فاقصاه واهلكه مخافة ضرره كالذي تلدغ الحيّة في اصبعه فيقطعها ويتبرّى منها مخافة ان يسري سمّها الى بدنه فرضي الاسد بقول دمنه ثمّ علم بعد ذلك بكذبه وغدره وفجوره فقتله شرّ قتلة.