كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/خطبة الكتاب
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، وَخَصَّهُ دُونَ الْمَخْلُوقَاتِ بِشَرَفِ التَكْريم . وَوَهَبَ لَهُ عَقْلَا يَتَدَبَّرُ بِهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ آيَاتٍ ، لِيَسْلُكَ بِإِرْشَادِهِ أَوْضَحَ الْحَجَّاتِ، وَيَمْحُو بِنُورِهِ ظُلُمَاتِ الرَّيْبِ وَالْإِلبَاسِ ، قَائِلًا : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بَيَّنَ مَعَالِمَ الْعِرْفَانِ المختص بِجَوامِعِ العَلِيمِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ المَبعُوث رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ . وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ . (أَمَّا بَعْدُ) فَإِنَّ أَنْحَفَ الْعَوَارِفِ ، وَأَلْطَفَ الْمَعَارِف ، عِلْمٌ يُتَوَكَّلُ بِهِ إِلَى صِدْقٍ الفراسة ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ حُسْنُ السِّيَاسَةِ ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَالَاحَ على صَفَحَاتِ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَجْنَةٌ ، كِتَابُ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةً" ، منَ الْكُتُبِ الَّتِي تُرْجَمَتْ فِي صَدْرِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ مِنَ اللَّغَةِ الْأَعْجَمِيَّةِ إِلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّهُ فِي ضُرُوبِ السّيَاسَةِ أَكْبَرُ آيَةِ ، وفي جوامع الحكم والآداب من أبلغ كماية . ترى بأن يكتب غَايَةٍ بسواد المسْكِ عَلَى بَيَاضِ الْكَافُورِ ، وَحَقِيقُ بِأَن يُعَلَّقَ بِخُيُوط النُّورِ عَلَى مُحُورِ الْحُورِ. وَلِذلِكَ عَكَفَ عَلَى الاِعْتِنَاءِ بِهِ أَصْنَافُ النَّاسِ ، فَتَرْجَمُوهُ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى لُغَاتِهِم مِنْ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ ثُمَّ اغْتَالَتْ نُسَخَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَيْدِى الدُّهُورِ وَالْأَعْصَارِ ، وَطَارَ بِهَا صورت من رِيَاحِ الْحَوَادِثِ إعصار . فَقَيَّضَ اللَّهُ صَاحِبَ الْفُتُوحِ السَّنِيَّةِ، والهِمَةِ الْعَلِيَّةِ الْعَلَوِيَّةِ ، حَامِيَ ذِمَارِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِسْلَامِ ، 6 ، مَادَّ سُرَادِقِ الْعَدْلِ عَلَى كَافَةِ الْأَنَامِ ، قَاهِرَ الطَّعَاةِ وَالْجَبَابِرَةِ ومُرْغِمَ أُنُوفِ الْمُتَمَرِّدَةِ الفَاجِرَةِ ، أَمِيرَ أَمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَسَيْفَ اللَّهِ الْمَسْلُولَ عَلَى أَعْنَاقِ الْمُعْتَدِينَ ؛ الْحَاجَ مُحمدٌ عَلَى بَاشَاء لا زَالَتْ بِذَبَابِ سَيْفِهِ مُهَجُ الْعِدًا تَتَلَاشَى ؛ وَلَا بَرِحَتْ أَلْوِيَتُهُ بِالنَّصْرِ مَنْشُورَةً ، وَعَسَاكُرُهُ فِي كُلّ وِجْهَةٍ مُظَفَرَةٌ مَنْصُورَةً ، فَأَعْمَلَ فِي خِدْمَةِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ، وَسُلُوكِ الْحَجَّةِ الْوَاضِحَةِ الْبَيْضَاءِ، كُلَّا مِنْ حَدٌ السَّيْفِ وَسِنَانِ الْقَلَمِ ، حَتَّى بَقَرَ بِمُتُونِ الصَّفَائِحِ والصَّحَائِفِ يَنَابِيعَ النَّصْرِ والحِكَم ، وَتَصَدَّى لإحْيَاءِ رَمِيمٍ المكرمَاتِ الدَّوَارِس ، وانْتَدَبَ لإعَادَةِ دَارِسِ الْعُلُومِ بِإِنْشَاءِ المدارِسِ ؛ جَامِعَا بَيْنَ دَانِي الشَّرَفِ وَقَاصِيهِ ، حَقِيقًا بِمَا
قُلْتُ فِيهِ : ومِنْ جُمْلَةِ مَا جَعَلَهُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا زِينَةٌ وَعِيدًا ، وَلِأَرْبَابِ الحروب والمحَارِيبِ مَوْسِمًا سَعِيدًا ؛ دَارُ الطَّبَاعَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا ببلاقَ : إِذْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهَا فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْآفَاقِ . لِأَنَّ الكُتبَ تُطْبَعُ فِيهَا مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ ، بِكُل لُغَةٍ وَبِكُل رَسم مع تكون المَدَادِ مَا هُوَ مَعْلُومُ . فَصَادَفَ سَعْدُهُ الْمُقْتَرِنُ مِنَ اللهِ بِالمِنَّة ، وُجُودَ نُسخةٍ مَطْبُوعَةٍ بِالْعَرَبِي فِي غَيْرِ بِلَادِ الْعَرَبِ مِنْ كتابِ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةً . وَهِيَ الَّتِي تَرْجَمَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ الكَاتِبُ المَشْهُورُ، فِي أَيَّامٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرٍ المَنْصُورِ . وكَانَتْ تَرْجَمَهَا مِنَ اللَّغَةِ الْبَهْلوِيةِ[١٢] إِلَى الْعَرَبِيةِ ، وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى صحة تِلْكَ النِّسْخَةِ : لِشُهْرَةِ مُصَحِحِهَا بِالْأُلمعِيَّةِ . إِذْ قَالَ فِي دِيبَاجَتِهَا : "اجْتَمَعَ عِنْدِى مِنْ كِتَابِ كَلِيلَةَ نُسَخُ شَى مُتَفَقَةٌ السياقِ وَالانْتِظام ، مُخْتَلِفَةُ الْعِبَارَةِ وَالْأَلْفَاظِ . وَكَانَ مِنْ عَدَدِهَا نُسْخَةٌ قَدِيمَةُ الْعَهْدِ ، عَيبَةُ الخط ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُوجَدُ فِيهَا مَعَ جودَتِهَا بَعْضُ الْغَلَطَاتِ . وَقَدْ ذَهَبَ مِنْهَا أَيْضًا بِتَصْرِيفِ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ ، أَوْرَاقُ جُعِلَتْ عِوَضًا عَنْهَا أَوْرَاقُ غَيْرُهَا جَدِيدَةُ الْعَهْدِ رَدِيثَةُ الخط لَيْسَتْ عَلَى هَيْئَةِ الْبَاقِي . وَالنَّسْخَةُ 6 المذكُورَةُ هِيَ الَّتِي اخْتَرْتُهَا حَتَّى تَكُونَ هِيَ الْأَصْلَ الْمُعْتَمَدَ عَلَيْهِ عِندَ طَبْع هَذَا الْكِتَابِ . غَيْرَ أَنَّي كُلَّمَا عَثَرْتُ فِيهَا عَلَى غَلْطَةٍ ، أَوْ مَا اشْتَبَهَ عَلَى الْقَارِئِ فَهُمُهُ ، قَابَلْتُهَا بِمَا عِنْدِي مِنَ النَّسَخِ -- غيرِها ، وَأَثْبَتْ مَا رَأَيْتُ لَفَظَهُ أَفْصَحَ ، وَمَعْنَاهُ أَوْضَحَ " انتهى كلامُهُ . ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ النَّسْخَةَ المَطْبُوعَةَ عُرِضَتْ هِيَ وَغَيْرُهَا عَلَى شيخ مَشَايخ الإِسْلَامِ ، وَقُدْوَةِ عُمَدِ الْأَنَامِ ، مَوْلَانَا الشَّيخِ حَسَنٍ الْعَطَّارِ أَدَامَ اللَّهُ عُمُومَ فَضْلِهِ مَا دَامَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ . فَقَالَ : يَصِحُ أَلا يُوجَدَ لَمَا فِي الصَّحَةِ مِثَالُ : لِشُهْرَةِ مُصَحِيحِهَا بِالضَّبط وسعَةِ الاطلاعِ عَلَى الْأَقْوَالِ ، وَحِينَئِذٍ اتَّفَقَّتْ الْآرَاءُ عَلَى أَنْ V يَكُونَ المُعَوَّلُ فِي طَبْع ذَلِكَ الْكِتَابِ عَلَيْهَا ، وَمُنْتَهَى اخْتِلَافِ النُّسَخِ وَوَفَاقِهَا إِلَيْهَا . فَبَادَرْتُ إِشَارَةَ الْأَمْرِ بِصَرِيحِ الاِمْتِثَالِ، وَسَرَّحْتُ فِي رِيَاضِ تِلْكَ النُسَخ سَائِمَ الطَّرْفِ وَالْبَالِ . فَوَجَدْتُ المطبوعة أَفَصَحَهَا عِبَارَةٌ ، وَأَوْضَحَهَا إِشَارَةٌ ، وأَصحَهَا معنى ، وَأَحْكَهَا مَبْنَى ، غَيْرَ أَنَّ فِيهَا نُفَيْطَاتٍ حَادَتْ عَنْ ؛ سَنَنِ الْعَرَبِيَّةِ وَبَعضَ مَعَانِ مَالَتْ بِهِ الزَّكَاكَةُ عَنْ أَن يُفهم بِطَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ ، فَقَرَيْتُ أَضْيَافَ المَعَانِي بِأَيِّ لَفْظُ تَشْتَهِيهِ. وصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِالَّذِي فِيهِ . خُصُوصًا مَعَ وُجُودِ المَواد الَّتِي تَكْشِفُ عَنْ وُجُوهِ الصَّحَّةِ نِقَابَ الاِشْتِبَاهِ . وَمَنْ كَانَ ذَا مُكْنَةٍ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ ؛ مُسْتَعِينًا عَلَى ذَلِكَ بِمَا لَدَى مِنَ النَّسَخ الَّتِي بِخَطِّ القَلَم ، مُعَوِّلًا عَلَى عِنَايَةِ مَنْ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ ما لَمْ يَعْلَمْ . حَتَّى أَثْمَرَتْ بِإِشَاعَةِ ذَلِكَ الْكِتَابِ مَعَ غَايَةِ التحرِيرِ ، حَدِيقَةُ تِلْكَ المَطْبَعَةِ المُشْرِقَةِ بِطَوَالِعِ التَّنْوِيرِ ؛ عَلَى ید مُصحح مَا بِهَا مِنَ الْكُتُبِ العَرَبِيَّةِ ، المُسْتَمِدُ مِنْ مَوْلاهُ الإعانة والمعيَّة ؛ رَاجِي مَنْ لِلْفَضْلِ يُوتِي ، عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّفْتِي غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ ، وَسَتَرَ فِي الدَّارَيْنِ عُيُوبَهُ ، مَعَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ . بحرمَةِ طُهُ وَيْس . عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ . وَعَلَى آلِهِ وَصحَبِهِ الكرام
- ↑ أي الفصحاء لسن كفرح فهو لسن وألس
- ↑ زحل مبتدأ وخبره بمكان والجملة صفة لهمة والمعنى همة دونها زحل
- ↑ في العراق متن لا يحمد نارها سوى جيشك الجرار سيفك البتار وفي حلب همجية لا يسلم حدّها غير مستأنف ماضى عزمك وسنان ومحك
- ↑ الجزر : جمع جرور وهو البعير.
- ↑ النفل : الغنيمة .
- ↑ عالى : كاغتال أهلك ، والمراد: حَجَب.
- ↑ العجاجة : الغبار
- ↑ الطفل بالتحريك : دنو الشمس للغروب
- ↑ الطرف : الكريم من الخيل
- ↑ أحجة : جمع حجاج ومن معانيه عظم ينبت عليه الحاجب وهو المراد هنا .
- ↑ هذه القصيدة يجميعها ما عدا الأبيات الثلاثة الأولى مأخوذة من قصيدة لأبي الطيب في مديح سيف الدولة
- ↑ الفارسية القديمة.