انتقل إلى المحتوى

كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب مقدمة الكتاب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: المطبعة الأميرية - بولاق (1937)، الصفحات ٩–٤٢
 

بَابُ مُقدمة الكتاب

قَدَّمَهَا يَهْنُودُ بنُ سَخَوَانَ وَيُعْرَفُ بِعَلِيِّ بْنِ الشَّاءِ الْفَارِسِي . ذكر فِيهَا السَّبَبَ الَّذِى مِنْ أَجْلِهِ عَمِلَ بَيْدَبَا الْفَيْلَسُوفُ الهِنْدِى رَأْسُ الْبَرَاهِمَة[١] لِدَبْشَلِيمَ مَلِكِ الهِنْدِ كَابَهُ الَّذِي سَماهُ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ ، وَجَعَلَهُ عَلَى الْسُنِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ صِيَانَةٌ لِغَرَضِهِ فِيهِ مِنَ الْعَوَامُ ، وَضَنَّا بِمَا ضُمِّنَهُ عَنِ الطَّعَامِ ، وَتَنْزِيها لِلْحَكْمَةِ وَقُنُونِهَا ، وَعَحَاسِنِهَا وَعُيُونِهَا ، إِذْ هِيَ لِلْفَيْلَسُوفِ مَندُوحَةٌ ، والخَاطِرِه مَفْتُوحَةً ؛ ؛ وَلَمُحِبيها تَنْقِيفُ ، وَلِطَالِبيها تَشْرِيفُ ، وَذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَنْفَذَ كِسْرَى أَنُوشِرُوانُ بْنُ عُبَادَ بْنِ فَيَرُوزَ مَلِكُ الْفُرْسِ بَرْزَوَيْهِ رَأْسَ الْأَطْباءِ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ لِأَجْلِ كِتَابِ كَيلَةَ وَدِمْنَةَ ، رامال وَمَا كَانَ مِنْ تَلَطَّف برزَوَيْهِ عِند دخولِهِ إِلَى الهِنْدِ ؛ حتى حضر - إلَيْهِ الرَّجُلُ الَّذِي اسْتَنْسَخَهُ لَهُ سِرًا مِنْ خِزَانَةِ المَلِكِ لَيْلًا ، مَعَ ما وُجِدَ مِنْ كُتُبِ عُلَمَاءِ الهِنْدِ . وَقَدْ ذَكَرَ الَّذِي كَانَ مِنْ بَعْثَةِ برْزَوَيْهِ إِلَى مَمْلَكَةِ الْهِنْدِ لِأَجْلِ نَقْلِ هَذَا الْكَابِ ، وَذَكَرَ فِيهَا مَا يَلْزَمُ مُطَالِعَهُ مِنْ إِثْقَانِ قِرَاءَتِهِ وَالْقِيَامِ بِدِرَاسَتِهِ وَالنَّظَرِ إِلَى بَاطِن كَلَامِهِ ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ عَلَى الْغَايَةِ مِنْهُ. وَذَكَرَ فِيهَا حُضُورَ بَرْزَوَيْهِ وَقِرَاءَةَ الْكَابِ جَهْرًا . وَقَدْ ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِى مِنْ أَجْلِهِ وَضَعَ بزر جمهر بابا مفردا يسمى باب بَرْزَوَيْهِ الْمُتَطَبِ ، وَذَكَرَ فِيهِ شَأْنَ بَرْزَوَيْهِ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ وَآنِ مَوْلِدِهِ إِلَى أَنْ بَلَغَ التَّأْدِيبَ ، وَأَحَبَّ الْحَكَمَةَ وَاعْتَبَرَ[٢] فِي أَقْسَامِهَا . وَجَعَلَهُ قَبْلَ بَابِ الأَسَدِ وَالتَّورِ الَّذِى هُوَ أَوَّلُ الْكِتَابِ .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ الشَّاهِ الْفَارِسِيُّ : كَانَ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وَضَعَ بيديا الفَيْلَسُوفُ لِدَيْشَلِيمَ مَلِكِ الهِنْدِ كِتَابَ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةٌ ، أَنَّ الْإِسْكَندَرَ ذَا الْقَرْنَيْنِ الرُّومِ لَا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ كَانُوا بناحِيَةِ المَغْرِبِ ، سَارَ يُرِيدُ مُلُوكَ المُشْرِقِ مِنَ الْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ ؛ فلَمْ يَزَلْ يُحَارِبُ مَنْ نَازَعَهُ وَيُوَاقِعُ مَنْ وَاقَعَهُ، وَيُسَالِمُ مَنْ وَادَعَهُ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ ، وَهُمُ الطَّبَقَةُ الْأُولَى ، حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَقَهَرَ مَن نَاوَأَه وتَغَلَبَ عَلَى مَنْ حَارَبَهُ ، فَتَفَرَّقُوا طَرَائقَ[٣] وَتَمَزَّقُوا حزائقَ[٤] . فَتَوَجَّهَ بِالْجُنُودِ نَحْوَ بِلَادِ الصِّينِ ، فَبَدَأَ فِي طَرِيقِهِ بِمَلِكِ الْهِنْدِ لِيَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ وَالدَّخُولِ فِي مِلَّتِهِ وَوِلَايَتِهِ . وَكَانَ عَلَى الهِنْدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَلِكُ ذُو سَطْوَةٍ وَبَأْسِ وَقُوَّةٍ وَمِرَاس، يُقَالُ لَهُ فُورُ . فَلَمَّا بَلَغَهُ إِقْبَالُ ذِي الْقَرْنَيْنِ نَحْوَهُ تَأَهَبَ مُحَارَبَتِهِ، واسْتَعَدَّ مُجَاذَبَتِهِ ، وَضَعَ إِلَيْهِ أَطْرَافَهُ ، وَجَدَّ فِي التَّأَلْبِ[٥] عَلَيْهِ ؛ لَهُ العُدَّةَ فِي أَسْرَع مُدَّةٍ مِنَ الْفِيلَةِ الْمُعَدَّةِ لِلْحُرُوبِ ، وَالسِّباع الْمُضَراةِ بِالْوُتُوبِ ، مَعَ الحُيُولِ المُسْرَجَةِ وَالسُّيُوفِ القَوَاطِعِ ، والحَرَابِ[٦] الأَوَامِعِ . فَلَمَّا قَرُبَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ فُورٍ الْهِنْدِى وبلَغَهُ مَا قَدْ أَعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْلِ الَّتِي كَأَنَّهَا قِطَعُ اللَّيْلِ مِمَّا لَمْ يَلْقَهُ بِمِثْلِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْأَقَالِيمِ ، تَخَوَّفَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ تَقْصيرِ يَقَعُ بِهِ إِنْ عَجَلَ المُبَارَزَةٌ. وَكَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ رَجُلًا ذَا حِيلٍ ومَكَائِدَ ، مَعَ حُسْنِ تَدْبِيرِ وَتَجْرِبَةٍ ، فَرَأَى أَعْمَالَ الْحِيلَةِ والتمهل ، وَاحْتَفَرَ خَنْدَقًا عَلَى عَسْكَرِهِ ، وَأَقَامَ بمكانه لاستنباط الحَيلَةِ وَالتَّدْبِيرِ لِأَمْرِهِ ، وَكَيْفَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى الْإِيقَاعِ بِهِ . فَاسْتَدْعَى بِالْمُنَحِمِينَ، وَأَمَرَهُمْ بِالاخْتِيَارِ لِيَوْمٍ مُوَافِي تَكُونُ لَهُ فيهِ سَعَادَةُ مُحَارَبَةِ مَلِكِ الهِنْدِ وَالنَّصْرَةِ عَلَيْهِ ، فَاشْتَغَلُوا بِذَلِكَ . وَكَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ لَا يَمُرُّ بِمَدِينَةٍ إِلَّا أَخَذَ الصُّنَاعَ الْمَشْهُورِ ينَ مِنْ صُنَاعِهَا بالخُدْقِ مِنْ كُلِّ صِنف . فَأَنْتَجَتْ لَهُ همَّتُهُ وَدَلَتْهُ فِطْنَتُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الصَّنَاعِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي أَنْ يَصْنَعُوا خَيْلًا مِنْ نُحَاسٍ مُجَوَّفَةٌ ، عَلَيْهَا تَمَائِيلُ مِنَ الرِّجَالِ ، عَلَى بَكْرٍ تَجْرِى، إِذَا دُفِعَتْ مَرَّتْ سراعًا ، وَأَمَرَ إِذَا فَرَعُوا مِنْهَا أَنْ تُحْشَى أَجْوَافُهَا بِالنَّفْطِ وَالْكِبْرِيتِ ؟ وتلبس وتُقَدَّمَ أَمَامَ الصَّفُ فِي الْقَلْبِ ، وَوَقتَ مَا يَلْتَقِي الجَمعَانِ تُضْرَمُ فِيهَا النِّيرَانُ . فَإِنَّ الْفِيَلَةَ إِذَا لَفَّتْ حَرَاطِيمَهَا عَلَى الْفُرْسَانِ وَهِيَ حَامِيَةً ، وَلَتْ هَارِبَةٌ ، وَأَوْعَزَ إِلَى الصَّنَاعِ بِالتَّشْمِيرِ وَالإِنْكَماشِ[٧] والفراغ مِنْهَا . تَخَدُّوا فِي َذلِكَ وَعَجِلُوا . وَقَرُبَ أَيْضًا وَقْتُ اخْتِيَارِ المُنَحِمِينَ . فَأَعَادَ ذُو الْقَرْنَيْنِ رُسُلَهُ إِلَى فُورٍ بِمَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَالْإِنْعَانِ لِدَوْلَتِهِ ، فَأَجَابَ جَوَابَ مُصِرْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، مُقِيمٍ عَلَى مُحَارَبَتِهِ . فَلَمَّا رَأَى ذُو الْقَرْنَيْنِ عَزِيمَتَهُ سَارَ إِلَيْهِ بِأَهْبَتِهِ ، وَقَدَّم فُورُ الْفِيَلَةَ أَمَامَهُ ، وَدَفَعَتِ الرِّجَالُ تِلْكَ الْخَيْلَ وَتَمَائِيلَ الْفُرْسَانِ ، فَأَقْبَلَتِ الْفِيَلَةُ نَحْوَهَا، وَلَفَّتْ حَرَاطِيمَهَا عَلَيْهَا . فَلَمَّا أَحَسَتْ بِالْحَرَارَةِ أَلْقَتْ مَنْ كَانَ عَلَيْهَا ، وَدَاسَتْهُمْ تَحْتَ أَرْجُلِهَا ، وَمَضَتْ مَهْزُومَةٌ هَارِبَةٌ ، لَا تَلْوِى عَلَى شَيْءٍ وَلَا تَمُرُّ بِأَحَدٍ إِلَّا وَطَتْهُ ، وَتَقَطَّعَ[٨] فُورٌ وَجَمْعُهُ ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ الْإِسْكَنْدَرِ ؛ وَأَثْخَنُوا[٩] فِيهم الجِرَاحَ . وَصَاحَ الْإِسْكَندَرُ: يَا مَلِكَ الهِنْدِ أبرز إِلَيْنَا، وابق عَلَى عُدَّتِكَ وَعِمَالِكَ ، وَلَا تَحْمِلْهُمْ عَلَى الْفَنَاءِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُرُوءَةِ أَنْ يَرْقِيَ المَلِكُ بِعُدَّتِهِ فِى المُهَالِكِ المُتلِفَةِ وَالْمَوَاضِع المجحفة، بَلْ يَقِيهِم بِمَالِهِ وَيَدْفَعُ عَنْهُم بِنَفْسِهِ ، فَابْرُزْ إِلَى وَدَعِ الْجُنْدَ ، فَأَيْنَا قهررَ صَاحِبَهُ فَهُوَ الْأَسْعَدُ . فَلَتَ سَمِعَ فُورٌ مِنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ذلِكَ الْكَلَامَ دَعَتْهُ نَفْسُهُ لِمُلَاقَاتِهِ طَمَعًا فِيهِ؛ وَظَنَّ ذَلِكَ فُرْصَةٌ . فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْإِسْكَنَدَرُ فَتَجَاوَلَا عَلَى ظَهْرَىٰ فَرَسَيْهِمَا سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ لَيْسَ يَلْقَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فُرْصَةٌ ، وَلَمْ يَزَا لَا يَتَعَارَ كَانِ . فَلَمَّا أَعْيَا الإِسكَندَرَ أَمْرُهُ وَلَمْ يَجِدْ لَهُ مُرْصَةً وَلَا حِيلَةٌ أَوْقَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي عَسْكَرِهِ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ ارْتَجَتْ لَهَا الْأَرْضُ والعساكر ؛ فَالْتَفَتَ فُورٌ عِندَ مَا سَمِعَ الزَّعْقَةَ ، وَظَنَّهَا مَعِيدَةٌ فِي عَسْكَرِهِ ، فَعَاجَلَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِضَرْبَةٍ أَمَالَتَهُ عَنْ سَرْجِهِ، وَتَبِعَهُ بأخرى ؛ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ، فَلَمَّا رَأَتِ الْهِنْدُ مَا نَزَلَ بِهِمْ، وَمَا صَارَ إِلَيْهِ مَلِكُهُمْ ، حَمَلُوا عَلَى الْإِسْكَنَدَرِ فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا أَحَبُّوا مَعَهُ الموتَ . فَوَعَدَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ الْإِحْسَانَ ، وَمَنَحَهُ اللهُ أَكْكَافَهُمْ ؛ [١٠] - فاستولى عَلَى بِلادِهِمْ ، وَمَلَكَ عَلَيهِم رَجُلًا مِن ثِقَاتِهِ . وَأَقَامَ بِالهِنْدِ حَتَّى اسْتَوْقَقُ مِمَّا أَرَادَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَاتَّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِ الْهِنْدِ وَخَلَّفَ ذَلِكَ الرَّجُلَ عَلَيْهِمْ . وَمَضَى مُتَوَجَهَا نَحْوَ مَا قَصَدَ لَهُ فَلَمَّا بَعُدَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَنِ الهَندِ بِجُيُوشِهِ ، تَغَيَّرَتِ الهِندُ عَمَّا . كانُوا عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ الرَّجُلِ الَّذِى خَلَفَهُ عَلَيْهِمْ ، وَقَالُوا لَيْسَ يَصْلُحُ لِلسَّيَاسَةِ وَلَا تَرْضَى الخاصَّةُ وَالْعَامَّةُ أَنْ يُملكُوا عَلَيْهِمْ رَجُلاً وو لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ أَهْلِ بُيُوتِهِم . فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَسْتَذِهُمْ ويَسْتَقِلَهُمْ ، وَاجْتَمَعُوا يملكُونَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَوْلَادِ مُلُوكِهِم ؛ مَلَكُوا عَلَيْهِم مَلِكًا يُقَالُ لَهُ دَبْشَلِيمُ، وَخَلَعُوا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ [١١] خَلَقَهُ عَلَيْهِمُ الْإِسكَندَرُ . فَلَمَّا اسْتَوْسَقَ لَهُ الْأَمْرُ ، وَاسْتَقَرَّ لَهُ --- کی . المُلكُ ، طَغَى وَبَغَى وَتَجَبَر وَتَكَبَر ، وَجَعَلَ يَغْرُو مَنْ حَولَهُ مِنَ الملوك . وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُؤيَّدًا مُطَفَرًا مَنْصُورًا . فَهَا بَتْهُ الرَّعِيَّةُ . فلما رأى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُلْكِ وَالسَّطْوَةِ ، عَبتَ بِالرَّعِيَّة وَاسْتَصْغَرَ أَمْرَهُمْ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِمْ . وَكَانَ لَا تَرْتَقِ حَالُهُ إِلَّا ازْدَادَ عُنُوا فَمَكَتَ عَلَى ذَلِكَ بُرْهَةٌ مِنْ دَهْرِهِ . وَكَانَ فِي زَمَانِهِ رَجُلٌ فَيْلَسُوفُ مِنَ الْبَرَاهِمَةِ ، فَاضِلَّ حَكِيمُ، يُعْرَفُ بِفَضْلِهِ ، وَيُرْجِعُ فِي الْأُمُورِ إلى قَوْلِهِ، يُقَالُ لَهُ بَيْدَبَا . فَلَمَّا رَأى الملِكَ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الظلم لِلرَّعِيَّةِ ، فَكَرَ فِي وَجْهِ الْحِيلَةِ فِي صَرْفِهِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ ، وَرَدِّهِ إِلَى العدسِ والإِنْصَافِ : تَجَمَعَ لِذلِكَ تَلَامِيذَهُ ، وَقَالَ : أَتَعْلَمُونَ مَا أُرِيدُ أَنْ أَشَاوِرَكُمْ فِيهِ ? اعْلَمُوا أَنِّى أَطَلْتُ الْفِكْرَةَ فِي دَبْشَلِيمَ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْخُرُوج عَنِ الْعَدْلِ وَلُزُومِ الشَّرِّ وَرَدَاءَةِ السِّيرَة وَسُوءِ الْعِشْرَةِ مَعَ الرَّعِيَّة ؛ وَنَحْنُ مَا تَرُوضُ أَنْفُسَنَا لِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُور إِذَا ظَهَرَتْ مِنَ المُلُوكِ ، إِلَّا لِرُدَّهُمْ إِلَى فِعْلِ الخَيرِ وَلُزُومِ العدل . وَمَتَى أَغْفَلْنَا ذَلِكَ وَأَهْمَلْنَاهُ لَزِمَ وَقُوعُ الْمَكْرُوهِ بِنَا ، وَبُلُوغ المحْذُورَاتِ إِلَيْنَا ، إِذْ كُما فِي أَنْفُسِ الْمُهَالِ أَجْهَلَ مِنْهُمْ ؛ وَفِي الْعُيُونِ عِنْدَهُمْ أَقَلَ مِنْهُم . وَلَيْسَ الرَأَى عِنْدِي الْخَلَاءَ عَنِ الْوَطَنِ . ولا يَسَعُنَا فِي حِكْمَتِنَا إِبْقَاوُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ سُوء السِّيرَةِ وَقَبْح الطَّرِيقَة ، وَلَا يُمْكِنُنَا مُجَاهَدَتَهُ بِغَيْرِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِنَا ، وَلَوْ ذَهَبْنَا إِلَى أَنْ نَسْتَعِينَ بِغَيْرِ نَا لَمْ تَهَيَّأْ لَنَا مُعَانَدَتُهُ ، وَإِنْ أَحَسٌ مِنَّا مُخَالَفَتِهِ وَ إِنْكَارِنَا سُوءَ سِيرَتِهِ كَانَ فِي ذَلِكَ بَوَارُنَا . وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مُجَاوَرَةَ السَّعِ وَالْكَلْبِ وَالحَيَّةِ والتَّوْرِ عَلَى طِيبِ الوَطَنِ وَنَضَارَةِ الْعَيْشِ لغَدْرُ بِالنَّفْسِ ، وَإِنَّ الفَيْلَسُوفَ حَقيقُ أَنْ تَكُونَ هَمْتُهُ مَصْرُوفَةٌ إلَى مَا يُحَصِّنُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ نَوَازِلِ الْمَكْرُوهِ وَلَوَاحِقِ الْمَحَذُورِ؛ ويدفَعُ الْخُوفَ لاستجلاب المحبوب . وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّ فيلَسُوفًا كَتَبَ لِتِلْمِيذِهِ يَقُولُ : إِنَّ مُجَاوِرَ رِجَالِ السُّوءِ وَمُصَاحِبَهُمْ كَرَاكِبِ الْبَحْرِ : إِنْ سَلِمَ مِنَ الْغَرَقِ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْمُخَاوِفِ . فَإِذَا هُوَ أَورَدَ نَفْسَهُ مَوَارِدَ الهَلَكَاتِ وَمَصَادِرَ الخَوفَاتِ ، عُدَّ مِنَ الحمير الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا . لِأَنَّ الحَيَوَانَ[١٢] الْبَهِيمِيَّةَ قَدْ خُصَّتْ فِي طَبَائِعِهَا بِمَعْرِفَةِ مَا تَكْتَسِبُ بِهِ النَّفْعَ وَنَتَوقَى الْمَكْرُوهُ : وَذَلِكَ أَنَّنَا لَمْ نَرَهَا تُورِدُ أَنْفُسَهَا مَوْرِدًا فِيهِ هَلَكَتُهَا . وَأَنْهَا مَتَى أَشْرَفَتْ عَلَى مَوْرِد مُهْلِك لَهَا ، مَالَتْ بِطَبَائِعِهَا الَّتِي رُكَبَتْ فِيهَا شَعًا بِأَنْفُسِهَا وصِيَانَةً تهَا إِلَى النُّفُورِ وَالتَبَاعُدِ عَنْهُ ، وَقَدْ جَمَعْتُكُمْ هَذَا الْأَمْرِ : لِأَنَّكُمْ أَسْرَتي وَمَكَانُ سِرى وَمَوضِعُ مَعْرِفَتِي ، وَبِكُمْ أَعْتَضِدُ ، وَعَلَيْكُمْ أَعْتَمِدُ ، فَإِنَّ الْوَحِيدَ فِي نَفْسِهِ وَالْمُنْفَرِدَ بِرَابِهِ حَيْثُ كَانَ فَهُوَ ضَائِعُ ولا نَاصِرَ لَهُ . عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَ قَدْ يَبْلُغُ بِحِيلَتِهِ مَا لَا يَبْلُغَ بِالْخَيْلِ وَالْجُنُودِ ، وَالمَثَلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ قُنْبُرَةُ[١٣] اتَّخَذَتْ أَدْحِيَّةٌ[١٤] وَبَاضَتْ فِيهَا عَلَى طَرِيقِ الْفِيلِ ، وَكَانَ لِلْفِيلِ مَشْرَبُ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ . فَرَّ ذَاتَ يوم عَلَى عَادَتِهِ لِبَرِدَ مَورِدَهُ فَوَطِئَ عُشَ القُنْبُرَةِ ، وَهَشَمَ بَيْضَها وَقَتَلَ فِرَاخَهَا . فَلَمَّا نَظَرَتْ مَا سَاءَهَا ، عَلِمَتْ أَنَّ الَّذِي نَالَهَا مِنَ مرة الفِيلِ لَا مِنْ غَيْرِهِ . فَطَارَتْ فَوَقَعَتْ عَلَى رَأْسِهِ بَاكِيَةٌ ، هُمَّ قَالَتْ : أَيُّهَا المَلِكُ لِمَ هَشَمْتَ بَيْضى وَقَتَلْتَ فِرَاخِي، وَأَنَا فِي جِوَارِكَ ؟ أَفَعَلْتَ هَذَا اسْتِصْغَارًا مِنْكَ لأَمْرِى وَاحْتِقَارًا لِشَأْنِي ؟ قَالَ : هُوَ الَّذى حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ . فَتَرَكَتْهُ وَانْصَرَفَتْ إِلَى جَمَاعَةِ الطَّيْرِ فَشَكَتْ إِلَيْهَا مَا نَالَهَا مِنَ الْفِيلِ ، فَقُلْنَ لَهَا وَمَا عَسَى أَنْ تَبْلُغَ مِنْهُ وَنَحْنُ طُيُورُ ؟ فَقَالَتْ لِلْعَقَاعِقِ[١٥] وَالْغِرْبَانِ : أُحِبُّ مِنْكُنَّ أَنْ تَصِرْنَ مَعِي إِلَيْهِ فَتَفْقَ أَنَ عَيْنَيْهِ، فَإِنِّى أَحْتَالُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِيلَةٍ أُخْرَى . فَأَجَبْهَا إِلَى ذلِكَ ، وَذَهَبْنَ إِلَى الْفِيلِ ، وَلَمْ يَزَلْنَ يَنْقُرْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى ذَهَبْنَ بِهِمَا ، وَبَقِ لَا يَهْتَدِى إِلَى طَرِيقِ مَطْعَمِهِ وَمَشْرَيهِ إِلَّا مَا يَلْقَمُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، فَلَمَّا عَلِمَتْ ذَلِكَ مِنْهُ ، جَاءَتْ إِلَى غدِيرٍ فِيهِ ضَفَادِعُ كَثِيرَةُ، فَشَكَتْ إِلَيْهَا مَا نَاهَا مِنَ الْفِيلِ . قَالَتِ الضَّفَادِعُ : مَا حِيلَتُنَا نَحْنُ فِي عِظَمِ الْفِيلِ وَأَيْنَ نَبْلُغُ مِنْهُ ؟ قَالَتْ : أحِبُّ مِنْكُنَّ أَنْ تَصِرْنَ مَعِي إِلَى وَهْدَةٍ[١٦] قَرِيبَةٍ مِنْهُ، فَتَنْفِقْنَ فِيهَا ، وَتَضْحِجْنَ ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ أَصْوَاتَكُنَّ لَمْ يَسُكَ فِي الْمَاءِ فَيَهْوِى فيهَا ، فَأَجَبْنَهَا إِلَى ذلِكَ ، وَاجْتَمَعْنَ فِي الْهَاوِيَةِ ، فَسَمِعَ الْفِيلُ نقيقَ الضَّفَادِعِ ، وَقَدْ أَجْهَدَهُ الْعَطَسُ ، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَعَ فِي الْوَهْدَةِ ، فَارْتَطَمَ[١٧] فِيهَا . وَجَاءَتْ القُنْبُرَةُ تُرَفْرِفُ عَلَى رَأْسِهِ ؛ وقَالَتْ : أَيُّهَا الطَّافِى الْمُعْتَر بِقُوَّتِهِ الْمُحْتَفِرُ لِأَمْرِى ، كَيْفَ رَأَيْتَ عظم حِيلَتِي مَعَ صِغَرِ جُمَّتِي عِندَ عِظَم جُمَّتِكَ وَصِغَرِ هِمَّتِكَ ؟

فَلْيُشرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِمَا يَسْنَحُ لَهُ مِنَ الرَّأْي . قَالُوا بأَجْمَعِهِمْ : أَيُّهَا الْفَيْلَسُوفُ الْفَاضِلُ ، وَالحَكِيمُ الْعَادِلُ ، أَنْتَ الْمُقَدَّمُ فِينَا ، وَالْفَاضِلُ عَلَيْنَا ، وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مَبْلَعُ رَأَيْنَا عِنْدَ رأيكَ ، وَفَهْمِنَا عِنْدَ فَهْمِكَ ؟ غَيْرَ أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ السَّبَاحَةَ فِي المَاءِ مَعَ التَّمْسَاحِ تَغْرِيرُ ، وَالذَّنْبُ فِيهِ لِمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ . وَالَّذِي يَسْتَخْرِجُ السُّمَّ مِنْ نَابِ الحَيَّةِ فَيَبْتَلِعُهُ لِيُجَرِّبَهُ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَيْسَ الذَّنْبُ لِلحَيَّةِ . وَمَن دَخَلَ عَلَى الْأَسَدِ فِي غَابَتِه ، لمْ يَأْمَنْ مِن وَثَبَتِهِ، وَهذَا المَلِكُ لَمْ تُفزِعَهُ النَّوَائِبُ ، وَلَمْ تُؤدبه التَّجَارِبُ . وَلَسَنَا نَأْمَنُ عَلَيْكَ وَلَا عَلَى أَنْفُسِنَا سَطْوَتَهُ وَإِنَّا نَخَافُ عَلَيْكَ مِن سَورَتِهِ[١٨] وَمُبَادَرَتِهِ بِسُوءٍ إِذَا لَقِيتَهُ بِغَيْرِ مَا يُحِبُّ . فَقَالَ الحَكِيمُ بَيْدَبَاً : لَعَمْرِى لَقَدْ قُلْتُمْ فَأَحْسَنْتُمْ ، لَكِنَّ ذَا الرَّأْي الْحَازِمَ لَا يَدَعُ أَنْ يُشَاوِرَ مَنْ هُوَ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فِي المَنْزِلَةِ . والرَّأَى الفَرْدُ لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الخَاصَّةِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْعَامَّةِ . وَقَدْ صَحَتْ عَزِيمَتِي عَلَى لِقَاءِ دَبْشَلِيمَ. وَقَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكُمْ وتبيَّنَ لِي نَصِيحَتُكُمْ وَالإِشْفَاقُ عَلَى وَعَلَيْكُمْ ، غَيْرَ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رأيا وَعَزَمْتُ عَزْماً ، وَسَتَعرِفُونَ حَدِينِي عِنْد الْمَلِكِ وَمُجَاوَبَتِي إِيَّاهُ فَإِذَا اتَّصَلَ بِكُمْ نُخُرُوحِي مِنْ عِنْدِهِ فَاجْتَمِعُوا إِلَيَّ . وَصَرَفَهُم وَهُمْ يَدْعُونَ لَهُ بِالسَّلَامَة.

ثم إِنَّ بَيْدَبَا اخْتَارَ يَوْمًا لِلدُّخُولِ عَلَى الْمَلِكِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذلِكَ الْوَقْتُ أَلْقَى عَلَيْهِ مُسُوحَهُ[١٩] وَهِيَ لِبَاسُ الْبَرَاهِمَةِ ، وَقَصَدَ بَابَ المَلِكِ ، وَسَأَلَ عَنْ صَاحِبِ إِذْنِهِ وَأَرْشِدَ إِلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ؟ وَأَعْلَمَهُ وَقَالَ لَهُ : إِني رَجُلٌ قَصَدْتُ المَلِكَ فِي نَصِيحَةٍ ، فَدَخَلَ الاذن[٢٠] عَلَى المَلِك فِي وَقْتِهِ ، وَقَالَ : بِالْبَابِ رَجُلٌ مِنَ الْبَرَاهِيَةِ يُقَالُ لَهُ بَيْدَبا ، ذَكَرَ أَنَّ مَعَهُ لِلْمَلِكِ نَصِيحَةً . فَأَذِنَ لَهُ ، فَدَخَلَ وَوَقَفَ بين يديهِ وكَفَّر[٢١] وَسَجَدَ لَهُ وَاسْتَوَى قَائِماً وَسَكَتَ . وَفَكَّرَ دَبْسَلِمُ فى سُكُوتِهِ ؛ وَقَالَ : إِنَّ هَذَا لَمْ يَقْصِدْنَا إِلَّا لِأَمْرَيْنِ : إِمَّا لالْتِمَاسِ شَىءٍ مِنَّا يُصْلِحُ بِهِ حَالَهُ، وَإِمَّا لِأَمْرِ لَحِقَهُ فَلَمْ تَكُن له به طاقَةٌ . ثمَّ قَالَ : إِنْ كَانَ لِلْمُلُوكِ فَضْلُ فِي مَمْلَكَتِهَا فَإِنَّ لحكماء فَضْلًا فِي حِكْمَتِهَا أَعْظَمَ : لِأَنَّ الْحَكَمَاءَ أَغْنِيَاءُ عَنِ الْمُلُوكِ بِالْعِلْمِ وَلَيْسَ المُلُوكُ بِأَغْنِيَاءَ عَنِ الحَكَماءِ بِالْمَالِ . وَقَدْ وَجَدْتُ العِلمَ وَالْحَيَاءَ الْفَيْنِ مُتَالِفَيْنِ لَا يَفْتَرِقَانِ : مَتَى فُقِدَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُوجد الآخرُ ؛ كَالْمُتَصَافِيَيْنِ إِنْ عُدِمَ مِنْهُمَا أَحَدٌ لَمْ يَطِبْ صَاحِبُهُ نفْسًا بِالْبَقَاءِ بَعْدَهُ تَأَسَفًا عَلَيْهِ . وَمَنْ لَمْ يَسْتَحْيِ مِنَ الْحُكَماءِ وَيُكرِمُهُمْ ، وَيَعْرِفْ فَضْلَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَيَصُنهُمْ عَنِ المواقِفِ الْوَاهِنَةِ ، وَيُنَزِّهُهُمْ عَنِ الْمَوَاطِنِ الرَّذْلَةِ كَانَ مِمَّنْ حُرِمَ عقلَهُ ، وَخَسِرَ دُنْيَاهُ ، وَظَلَمَ الحكماء حُقُوقَهُمْ ، وَعُدَّ مِنَ الْجُهَالِ . ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى بَيْدَبَا ؛ وَقَالَ لَهُ : نَظَرْتُ إِلَيْكَ يابيد با سَاكِيًّا لَا تَعْرِضُ حَاجَتِكَ ، وَلَا تَذْكُرُ بُغْيَتَكَ ، فَقُلْتُ

إِنَّ الَّذِي أَسْكَتَهُ هَيْبَةُ سَاوَرَتْهُ أَوْ حَيْرَةً أَدْرَكَتْهُ ، وَتَأَمَلْتُ عِنْدَ ذلِكَ مِنْ طُولِ وُقُوفِكَ ، وَقُلْتُ : لَمْ يَكُنْ لِبَيْدَبَا أَنْ يَطْرُقَنَا عَلَى غيرِ عَادَةٍ إِلَّا لِأمْرٍ حَرَكَهُ لِذلِكَ ، فَإِنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ . س ؛ فَهَلَّا نَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ دُخُولِهِ ! فَإِنْ يَكُن مِنْ ضَيْمٍ نَالَهُ ، كُنتُ أولَى مَنْ أَخَذَ بِيَدِهِ وَسَارَعَ في تَشْرِيفِهِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبُلُوغِ إِلَى مُرَادِهِ وَإِعْزَازِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ بُغْيَتُهُ غَرَضًا مِنْ أَغْراضِ الدُّنْيَا أَمَرْتُ بِإِرْضَائِهِ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا أَحَبَّ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِ المُلْكِ، وَمِمَّا لَا يَنْبَغِي لِلْمُلُوكِ أَنْ يَبْذُلُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَنْقَادُوا إِلَيْهِ نَظَرْتُ فِي قَدْرِ عُقُوبَتِهِ ، عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَى إِدْخالِ نَفْسِهِ فِي بَابِ مَسْأَلَةِ المُلُوكِ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الرَّعيَّةِ يَقْصِدُ فِيه أنّى أَصْرِفُ عِنَايَتِي إِلَيْهِمْ ، نَظَرْتُ مَا هُوَ ؛ فَإِنَّ الحَكَاءَ لَا يُشِيرُونَ إِلَّا بِالخَيرِ ، وَالْجَهَالَ يُشِيرُونَ بِضَدِّهِ. وَأَنَا قَدْ فَسَحْتُ لَكَ فِي الْكَلَامِ ، فَلَمَّا سَمِعَ بَيْدَبَا ذَلِكَ مِنَ الملِكِ أَفَرَخَ رَوْعَهُ[٢٢] ، وسُرِّيَ عَنْهُ[٢٣] مَا كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْ خَوْفِهِ وكَفَرَ لَهُ وَسَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ بَينَ يَدَيْهِ وَقَالَ : أَوَّلَ مَا أَقُولُ أَسْأَلُ الله تَعَالَى بَقَاءَ الْمَلِكِ عَلَى الْأَبَدِ ، وَدَوَامَ مُلْكِهِ عَلَى الْأَمَدِ : لِأَنَّ الملِكَ قَدْ مَنَحَنِي فِي مَقَامِي هَذَا مَحَلَّا جَعَلَهُ شَرَفًا لِي عَلَى جَمِيعِ مَنْ بَعْدِى مِنَ الْعَلَمَاءِ ، وَذِكَرًا بَاقِيَا عَلَى الدَّهْرِ عِنْدَ الحكماء . ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَلِكِ بِوَجْهِهِ ، مُسْتَبْشِرًا بِهِ فَرِعًا بِمَا بَدَا لَهُ مِنْهُ ، وقالَ : قَدْ عَطَفَ المَلِكُ عَلَى بِكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَالْأَمْرُ الَّذِي دَعَانِي إِلَى الدُّخُولِ عَلَى الْمَلِكِ ، وَحَمَلَنِي عَلَى المَخاطَرَةِ لِكَلَامِهِ ، وَالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ ، نَصِيحَةُ اخْتَصَصْتُهُ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ . وَسَيَعْلَمُ مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ ذَلِكَ أَنِّى لَمْ أَقَصِّرْ عَنْ غَايَةٍ فِمَا يَجِبُ لِلْمَوْلَى عَلَى الحكماء . فَإِنْ فَسَحَ فِي كَلَامِي وَوَعَاهُ عَنِّى ، فَهُوَ حَقِيقُ بِذَلكَ ومَا يَرَاهُ ، وَإِنْ هُوَ أَلْقَاهُ ، فَقَدْ بَلَّغْتُ مَا يَلْزَمُنِي وَخَرَجْتُ مِنْ لَوْمٍ يَلْحَقُني . قَالَ المَلِكُ يَا بَيْدَبَا تَكَلَّمْ كَيْفَ شِئْتَ : فَإِنَّنِي مُصْعَ إلَيْكَ ، وَمُقْبِلُ عَلَيْكَ ، وَسَامِعُ مِنْكَ ، حَتَّى أَسْتَفْرِغَ مَا عِنْدَكَ إلى آخِرِه ، وَأَجَازِيكَ عَلَى ذلِكَ بِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ . قَالَ بَيْدَبا : إِنِّي وَجَدْتُ الْأُمُورَ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا الْإِنْسَانُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ [٢٤] الْحَيَوَانِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ، وَهِيَ جُمَّاعُ مَا فِي الْعَالَمِ ، وَهِيَ الحكمة وَالْعِفَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْعَدْلُ . وَالْعِلْمُ وَالْأَدَبُ وَالرَّوِيَّةُ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الحكمة . والحلمُ وَالصَّبْرُ وَالْوَقَارُ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الْعَقْلِ . وَالحَيَاءُ وَالكَرَمُ وَالصَّيَانَةُ وَالْأَنْفَةُ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الْعِفَّةِ . وَالصِّدْقُ والْإِحْسَانُ وَالْمُرَاقَبَةُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الْعَدْلِ وهذه هِيَ الْمُحَاسِنُ ، وَأَضْدَادُهَا هِىَ المَسَاوِى . فَمَتَى كَلَتْ هَذِهِ فِي وَاحِدٍ لَمْ تُخْرِجُهُ الزِّيَادَةُ فِي نِعْمَةٍ إِلَى سُوء الحظ مِنْ دُنْيَاهُ ولَا إِلَى نَقْصٍ في عُقْبَاهُ ، وَلَمْ يَتَأَسَّفْ عَلَى مَا لَمْ يُعِنِ التَّوْفِيقُ بِبَقَانِهِ ، وَلَمْ يُحْزِنَهُ مَا تَجْرِى بِهِ الْمُقَادِيرُ فِي مُلْكِهِ ، وَلَمْ يَدْهَشَ فالحكمة كثر لَا يَفْنَى عَلَى إِنْفَاقِ ، وَذَخِيرَةٌ لا يُضرب لها الإمْلاقِ[٢٥] ، وَحُلَّةَ لَا تَخلَقُ جدتها[٢٦] ، وَلَذَّةٌ لا تُصرم[٢٧] مُدَّتُهَا . وَلَئِنْ كُنْتُ عِنْدَ مَقَامِي بَيْن دَى الْمَلِكِ أَمْسَحْتُ عَنِ ابْتِدَانِهِ بِالْكَلَامِ، إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَى إِلَّا هَيْبَتِهِ وَالْإِجْلَالِ لَهُ. وَلَعَمْرِى إِنَّ المُلُوكَ لأَهْلُ أَنْ يُهَابُوا ، لَا سَمَا مَنْ هُوَ فِي المَنْزِلَة الَّتِي جَلَّ فِيهَا المَلكُ عَنْ مَنَازِلِ المُلُوكِ قَبْلَهُ ، وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : الزمِ السُّكُوتَ ، فَإِنَّ فِيهِ سَلَامَةٌ ، وَتَجَنَّبِ الْكَلَامَ الْفَارِعَ ، فَإِنَّ عاقِبَتَهُ النَّدَامَةُ . وَحَكَى أَنَّ أَرْبَعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ ضَهُمْ مَجْلِسُ مَلِكِ ، فَقَالَ لَهُمْ : لِيَتَكَلَّمْ كُلَّ بِكَلَام يَكُونُ أَصْلًا للأدب فَقَالَ أَحَدُهُمْ : أَفْضَلُ خَلَةِ الْعِلْمِ السُّكُوتُ ، وَقَالَ الثَّانِي : إِنَّ مِنْ أَنْفَعِ الْأَشْيَاء لِلْإِنسَانِ أَنْ يُعْرَفَ قَدْرُ مَنْزِلَتِهِ مِنْ عَقْلِهِ وَقَالَ الثَّالِثُ : أَنْفَعُ الْأَشْيَاء لِلْإِنْسَانِ أَلَّا يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ . وَقَالَ الرَّابِعُ : أَروع الأمورِ عَلَى الْإِنْسَانِ التَّسْلِيمُ لِلْمَقَادِيرِ. وَاجْتَمَعَ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ مُلُوكُ الْأَقَالِيمِ مِنَ الصِّينِ وَالهِنْدِ وَفَارِسَ وَالرُّومِ ؛ وَقَالُوا يَنْبَنِي أَنْ يَتَكَلَّمَ كُل وَاحِدٍ مِنَّا بِكَلِمَةٍ تُدوَّنُ عَنْهُ عَلَى غَابِرِ الدَّهْرِ ، فَقَالَ مَلِكُ الصِّينِ : أَنَا عَلَى مَا لَمْ أقل أَقْدَرُ مِنْ عَلَى رَدْ مَا قُلتُ. وَقَالَ مَلِكُ الهَنْدِ : عَجِبْتُ منْ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ لَمْ تَنْفَعُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ أَوْبَقَتَهُ[٢٨] . وَقَالَ مَلِكُ فَارِسَ : أَنَا إِذَا تَكَلَّمْتُ بِالْكَلِمَةِ مَلَكَتْنِي، وَإِذَا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهَا مَلَكْتُهَا . وَقَالَ مَلِكُ الرُّومِ : مَا نَدِمْتُ عَلَى مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ قَط ، وَلَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ كَثِيرًا والسُّكُوتُ عِنْدَ المُلُوكِ أَحْسَنُ مِنْ الهُذَرِ الَّذِي لَا يُرْجَعُ مِنْهُ إِلَى نفع . وَأَفْضَلُ[٢٩] مَا اسْتَظَلَّ بِهِ الْإِنْسَانُ لِسَانُهُ . غَيْرَ أَنَّ الْمَلِكَ، اطَالَ اللهُ مُدَّتَهُ ، لَمَ فَسَحَ لِي فِي الْكَلَامِ وَأَوْسَعَ لِي فِيهِ ؛ كَانَ أَوْلَى مَا أَبْدَأَ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ غَرَضِيَ أَنْ يَكُونَ ثَمَرَةٌ ذلِكَ لَهُ دُونِي ، وَأَنْ أَخْتَصَّهُ بِالْفَائِدَةِ قَبْلِي . عَلَى أَنَّ الْعُقْى هِيَ مَا أَقْصِدُ فِي كَلَامِي لَهُ، وَإِنَّمَا نَفَعُهُ وَشَرَفُهُ رَاجِعُ إِلَيْه . وَأَكُونُ أَنَا قَدْ قَضَيْتُ فَرْضًا وَجَبَ عَلَى فَأَقُولُ:

أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّكَ فِي مَنَازِلِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ الَّذِينَ أسسُوا المُلْكَ قَبْلَكَ ، وَشَيَدُوهُ دُونَكَ، وَبَنوا القِلَاعَ وَالحُصُونَ، ومهدُوا الْبَلَادَ ، وَقَادُوا الْجُيُوسَ ، وَاسْتَجَاشُوا العُدَّةَ[٣٠] ، وَطَالَتْ لهُمُ الْمُدَّةُ ، وَاسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّلَاح وَالكُراعِ[٣١] ؛ وَعَاشُوا الدُّهُورَ ، في الغِبْطَةِ وَالسُّرُورِ ، فَلَمْ يَمنعَهُمْ ذَلِكَ مِنَ احْتِسَابِ جَمِيلِ الذِّكْرِ ، ولَا قَطَعَهُمْ عَنِ اغْتِنَامِ الشَّكْرِ، وَلَا اسْتِعْمَالِ الْإِحْسَانِ إِلَى مَنْ خَوَلُوهُ، وَالْإِرْفَاقِ بِمَنْ وَلُوهُ ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ فِيمَا تَقَلَّدُوهُ ، مَعَ عِظَمِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ غرَةِ المُلْكِ[٣٢] ، وَسَكْرَةِ الاِقْتِدَارِ ، وَإِنَّكَ أَيُّهَا المَلِكُ السَّعِيدُ جَدُّهُ، الطَّالِعُ كَوْكَبُ سَعْدِهِ ، قَدْ وَرَثْتَ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَمَنَازِهُمُ الَّتِي كَانَتْ عُدَّتَهُمْ، فَأَقَمْتَ فِيمَا حُوِّلْتَ مِنَ الْمُلْكِ وَوَرِثْتَ مِنْ الأَمْوَالِ وَالْجُنُودِ ، فَلَمْ تَقُمْ فِي ذَلِكَ بِحَقِّ مَا يَجِبُ عَلَيْكَ ، بَلْ طَغَيْتَ وَبَغَيتَ وَعَمَوتَ وَعَلَوتَ عَلَى الرَّعِيَّة، وأسأت السِّيرَةَ ، وَعَظُمَتْ مِنْكَ البَلِيَّةُ . وَكَانَ الْأَوْلَى وَالْأَشْبَهَ بكَ أَنْ تَسْلُكَ سَبِيلَ أَسْلَائِكَ ، وَتَتْبَعَ آثَارَ المُلُوكِ قَبْلَكَ وَتَقْفُوَ مَحَاسِنَ مَا أَبْقَوْهُ لَكَ ، وَتُفْلِعَ عَمَّا عَارُهُ لَازِمُ لَكَ وَشَيْنَهُ وَاقِعُ بِكَ ، تُحْسِنُ النَّظَرَ بِرَعِيَّتِكَ ، وَتَسُن هُم سُنَنَ الخير الَّذِي يَبقَى بَعْدَكَ ذِكرُهُ ، وَيُعْقِبُكَ الجَميلَ فَخْرُهُ ، وَيَكُونُ ذلِكَ أَبْقَى عَلَى السَّلَامَةِ وَأدْوَمَ عَلَى الاسْتِقَامَةِ . فَإِنَّ الْجَاهِلَ المُعْتَرَّ مَنِ اسْتَعْمَلَ فِي أَمُورِهِ الْبَطَرَ والْأَمْنِيَّةَ، وَالْحَازِمَ اللَّبِيبَ مَنْ سَاسَ المُلكَ بالمُدَارَاةِ والرِّفْقِ ، فَانْظُرْأَيهَا المَلِكُ مَا أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ، ولَا يَنْقُلَنَّ ذَلِكَ عَلَيْكَ : فَلَمْ أَتَكَلَّمْ بِهَذَا ابْتِغَاءَ عَرَضٍ تُجَازِينِي به ، وَلَا الْمَاسَ مَعْرُوفِ تُكَافِتُنِي فِيهِ ، وَلَكِنِّي أَتَيْتُكَ نَاصِحا مُشْفقًا عَلَيْكَ .

فَلَمَّا فَرَغَ بَيْدَبَا مِنْ مَقَالَتِهِ ، وَقَضَى مُنَاصَحَتَهُ ، أَوْغَرَ صَدْرَ الملِكِ فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْحَوَابِ اسْتِصْغَارًا لِأَمْرِهِ ، وَقَالَ : لَقَدْ تكَلَّمْتَ بِكَلامٍ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي ستَقَبِلُنِي بِمِثْلِهِ ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى مَا أَقْدَمْتَ عَلَيْهِ . فَكَيْفَ أَنْتَ مَعَ صِغَرِ شَأْنِكَ ، وَضَعْفِ مُنَتِكَ[٣٣] وَغَيْرِ قُوَّتِكَ : وَلَقَدْ أَكْثَرْتَ إنجابي مِنْ إقْدَامِكَ عَلَى ، وَتَسَلْطِكَ بِلِسَانِكَ فِيمَا جَاوَزْتَ فِيهِ حَدَّكَ. وَمَا أَجِدُ شَيْئًا فِي تَأْدِيبِ غَيْرِكَ أَبْلَغَ مِنَ التَنْكِيلِ بِكَ . فَذَلِكَ عِبْرَةً وَمَوْعِظَةٌ لِمَنْ عَسَاهُ أَن يَبْلُغَ وَيَزُومَ مَا دُمْتَ أَنتَ مِنَ الْمُلُوكِ إِذَا أَوْسَعُوا لَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ . ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَلَ وَيُصْلَبَ ، فَلَمَّا مَضَوْا بِهِ فِيمَا أَمَرَ ، فَكَرَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ فَأَحْم عَنْهُ، ثمَّ أَمَرَ بِحَبْسِهِ وَتَقْيِيدِهِ . فَلَمَّا حُبِسَ أَنْفَذَ فِي طَلَبِ تَلَامِيذِه كَانَ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ فَهَرَبُوا فِي الْبِلادِ وَاعْتَصَمُوا بِجَزَائِرِ الْبِحَارِ ، فكت بَيْدَبَا فِي مَحْبِسِهِ أَيَّامًا لَا يَسْأَلُ الْمَلِكُ عَنْهُ ، وَلَا يَلْتَفِتُ إليه ؛ وَلَا يَجْسُرُ أَحَدُ أَنْ يَذكَرَهُ عِنْدَهُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي سَهِدَ المَلِكُ سُهْدًا شَدِيدًا[٣٤] ، فَطَالَ سُهْدُهُ ، وَمَدَّ إِلَى الْفَلَكِ بصره ، وَتَفَكَرَ فِي تَفَلَّكِ[٣٥] الفَلَكِ وَحَرَكَاتِ الكَوَاكِب ، فَأَغْرَقَ الفكر فِيهِ ، فَسَلَكَ بِهِ إِلَى اسْتِنْبَاطِ شَيْءٍ عَرَضَ لَهُ مِنْ أُمُورِ الْفَلَكِ، وَالْمَسْأَلَةِ عَنْهُ . فَذَكَرَ عِندَ ذلِكَ بَيْدَبَا، وَتَفَكَّرَ فِيمَا كَلَّمَهُ بِهِ ؟ فَارْعَوَى لِذلِكَ . وَقَالَ فِي نَفْسِهِ : لَقَدْ أَسَأْتُ فِمَا صَنَعْتُ بِهَذَا الْفَيْلَسُوفِ ، وَضَعْتُ وَاحِبَ حَقِّهِ ، وَحَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ سُرْعَةُ الْغَضَبِ، وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : أَرْبَعَةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ في الملُوكِ : الْغَضَبُ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ الْأَشْيَاءِ مَقْتًا ، وَالْبُخْلُ فَإِنَّ صاحِبَهُ لَيْسَ بِمَعْذُورٍ مَعَ ذَاتِ يَدِهِ ؛ وَالْكَذِبُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُجَاوِرَهُ ، وَالْعُنْفُ فِي المُحَاوَرَةِ فَإِنَّ السَّفَهَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا . وَإِنِّى أَتَى إِلَى رَجُلٌ نَصَحَ لِي ، وَلَمْ يَكُنْ مُبلغا ، فَعَامَلَتُهُ بِضَدِّ مَا يَسْتَحِقُ ، وَكَافَأْتُهُ بِخِلَافِ مَا يَسْتَوْجِبُ ، وَمَا كَانَ هَذَا جَزَاءَهُ مني ؛ بَلْ كَانَ الْوَاجِبَ أَنْ أَسْمَعَ كَلَامَهُ ، وَأَنْقَادَ لَا يُشِيرُ بِهِ . هُمَّ أَنْفَذَ فِي سَاعَتِهِ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ . فَلَمَّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ يا بَيْدَبَا أَلَسْتَ الَّذِي قَصَدْتَ إِلَى تَقْصِيرِ هِمَّتِي ، وَعَجَزْتَ رَأْيِي في سِيرَتِي بِمَا تَكَلَّمْتَ بِهِ آنِفًا ؟ قَالَ لَهُ بَيْدَ بَا : أَيُّهَا المَلِكُ النَّامِعُ الشَّفِيقُ ، وَالصَّادِقُ الرَّفِيقُ ، إِنَّمَا نَبَاتُكَ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ لَكَ ولرعيّتِكَ ، وَدَوَامُ مُلْككَ لَكَ ، قَالَ لَهُ الْمَلِكُ : يَا بَيْدَبَا أَعِدْ عَلَى 12) ارعوى ارعواء : نزع عن الجهل ورجع عنه دمَكَ كُلَّهُ ، وَلَا تَدَعْ مِنْهُ حَرْفًا إِلَّا جِئْتَ بِهِ . فَعَلَ بَيْدَبَا ينثرُ كَلَامَهُ ، وَالمَلِكُ مُضغ إلَيْهِ . وَجَعَلَ دَبْشَلِيمُ كُلَّمَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا يَنكُتُ الْأَرْضَ بِشَيْءٍ كَانَ فِي يَدِهِ . هُمْ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى بيدَبا ، وَأَمَرَهُ بِالجُلُوسِ ، وَقَالَ لَهُ : يَا بَيْدَبَا ، إِنِّي قَدِ اسْتَعْذَبْتُ كَلَامَكَ وَحَسُنَ مَوْقِعُهُ مِنْ قَلبي . وَأَنَا نَاظِرُ فِي الَّذِي أَشَرْتَ يه ، وَعَامِلُ بِمَا أَمَرَتَ . ثُمَّ أَمَرَ بِفُيُودِهِ حَلَّتْ ، وَأَلْقَى عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسِهِ ، وَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ ، فَقَالَ بَيْدَبا : يَأيها الملك ، إِنَّ فِي دُونِ مَا كَلَّمْتُكَ بِهِ نَهْيَةٌ لِمِثْلِكَ ، قَالَ : صَدَقْتَ أَيُّهَا الحَكِيمُ الفَاضِلُ وَقَدْ وَلَيْتُكَ مِن عَجْلسى هذا إلى جميع أقاصي تملكتي . فَقَالَ لَهُ : أَيُّهَا المَلِكُ أَعْقِنِي مِنْ هَذَا الْأُمِّرِ : فَإِنِّى غَيْرُ مُضْطَلِعْ بِتَقْويمِهِ إِلَّا بِكَ ، فَأَعْفَاهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، علم أنَّ الَّذِى فَعَلَهُ لَيْسَ بِرَأي ، فَبَعَثَ فَرَدَّهُ . وَقَالَ : إِنِّي فَكَرْتُ في إِعْفَائِكَ مِمَّا عَرَضْتُهُ عَلَيْكَ فَوَجَدْتُهُ لَا يَقُومُ إِلَّا بك ، وَلَا يَنْهَضُ بِهِ غَيْرُكَ ، وَلَا يَضْطَلِعُ بِهِ سِوَاكَ ، فَلَا . تخالفني فيه . فَأَجَابَهُ بَيْدَبَا إلى ذلك . . وكَانَ عَادَةَ مُلُوكَ ذلِكَ الزَّمَانِ إِذَا اسْتَوزَرُوا وَزِيرًا أَنْ يَعْقِدُوا عَلَى رَأْسِهِ تَاجاً ، وَتُرْكَبَ فِي أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ ، وَيُطَافَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ . فأَمَرَ المَلِكُ أَنْ يُفْعَلَ بِبَيْدَبَا ذَلِكَ . فَوُضِعَ النَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ ، ورَكِبَ فِي المَدِينَةِ وَرَجَعَ فَلَسَ تَجْلِسِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ : يَأخُذُ لِلدَّنِي مِنَ الشَّرِيفِ ، وَيُسَاوِي بَيْنَ الْقَوِى وَالضَّعِيف ؛ مد مدنت وَرَدَّ المَظَالِمَ ، وَوَضَعَ سَنَنَ الْعَدْلِ ، وَأَكْثَرَ مِنَ الْعَطَاءِ وَالْبَدْلِ وَاتَّصَلَ الخَبَرُ بِتَلَامِيذِهِ خَاءُ وهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَرِحِينَ بِمَا جَدَّدَ داء اللهُ لَهُ مِنْ جَدِيدِ رَأَيِ المَلِكِ فِي بَيْدَيَا ، وَشَكُرُوا[٣٦] اللهَ تَعَالَى عَلَى توفيق بَيْدَبَا فِي إِزَالَةِ دَبْشَلِيمَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ السِّيرَةِ وَاتَّخَذُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا يُعيدُونَ فِيهِ فَهُوَ إِلَى الْيَوْمِ عِيدٌ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ.

ثُمَّ إِنَّ بَيْدَبَا لَما أَخْلَى فِكْرَهُ مِنَ اشْتِغَالِهِ بِدَبْشَلِيمَ ، تَفَرَّغَ لِوَضْعِ كُتُبِ السَّيَاسَةِ وَنَشِطَ لَهَا ، فَعَمِلَ كُتُباً كَثِيرَةً ، فِيهَا دقَائِقُ الخَيلِ. وَمَضَى المَلِكُ عَلَى مَا رَسَمَ لَهُ بَيْدَبَا مِنْ حُسْنِ السيرةِ وَالْعَدْلِ فِي الرَّعِيَّةِ . فَرَغِبَتْ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ الَّذِينَ كَانُوا في نَواحِيهِ ، وانْقَادَتْ لَهُ الْأُمُورُ عَلَى اسْتِوَائِهَا . وَفَرِحَتْ بِهِ رَعِيَّتُهُ وَأَهْلُ مَمَمْلَكَتِهِ ، ثُمَّ إِنَّ بَيْد بَا جَمَعَ تَلَامِيذَهُ فَأَحْسَنَ صِلَتَهُمْ ، وَوَعَدَهُم وعدًا جَمِيلًا . وَقَالَ لَهُمْ : لَسْتُ أَشُكُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُفُوسِكُمْ وقتَ دُخُولِي عَلَى المَلِكِ أَنْ قُلْتُمْ: إِنَّ بَيْدَبَا قَدْ ضَاعَتْ حِكْمَتُهُ، وَبَطَلَتْ فِكْرَتُهُ : إِذْ عَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ عَلَى هَذَا الْجَبَّارِ الطَّاغِي. فَقَدْ عَلِمْتُمْ نَتِيجَةَ رَأْبِى وَصحَةً فِكْرِي ، وَإِنِّي لَمْ آتِهِ جَهْلًا بِهِ : لأنّى كُنْتُ أَسْمَعُ مِنَ الحُكَاءِ قَبْلِي تَقُولُ : إِنَّ الْمُلُوكَ لَهَا سَوْرَةٌ[٣٧] كَسَورَةِ الشَّرابِ : فَالمُلُوكُ لاَ تُفِيقُ مِنَ السَّوْرَةِ إِلَّا بِمَوَاحِظ العلماء وأَدَبِ الحَكَاءِ ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُلُوكِ أَن يَتَّعِظُوا بِمَوَاعِظُ الْعُلَمَاءِ. وَالْوَاجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ تَقْوِيمُ الْمُلُوكِ بِأَلْسِنَتِهَا ، وتَأْدِيبُهَا بِحكمتها ، وَإِظْهَارُ الجَةِ الْبَيِّنَةِ اللَّازِمَةِ لَهُمْ : ليَرْتَدِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْاِعْوِجَاجِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْعَدْلِ ، فَوَجَدْتُ مَا قَالَتِ الْعَلَمَاءُ فَرْضًا وَاحِبًا عَلَى الحكماء لِلْمُلُوكِهِمْ لِيُوقِظُوهُمْ مِنْ رَقَدَتِهِمْ ، كَالطَّبِيب الَّذِى يَجِبُ عَلَيْهِ فِي صِنَاعَتِهِ حِفْظُ الْأَجْسَادِ عَلَى صِحَتِها أَوْ رَدُّهَا إِلَى الصَّحَةِ . فَكَرِهْتُ أَنْ يَمَوتَ أَوْ أَمُوتَ وَمَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ يَقُولُ : إِنَّهُ كَانَ بَيْدَبَا الفَيْلَسُوفُ فِي زَمَانِ دَبْشَلِيمَ الطَّاغِى فَلَمْ يَرُدَّهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّهُ لَمْ يُمُكُنْهُ كَلَامُهُ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ ، قَالُوا : كَانَ القرَبُ مِنْهُ ومِنْ جَوَارِهِ أَوْلَى بِهِ ، وَالاِنْزِعَاجُ عَنِ الْوَطَنِ شَدِيدُ ؛ فَرَأَيْتُ أَنْ أَجُودَ بِحَيَاتِي ، فَأَكُونَ قَدْ أَتَيْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ الحكماء بَعْدِي عُدْرًا . فَمَلْتُهَا عَلَى التَّغْرِيرِ[٣٨] أَوِ الظَّفَرِ بِمَا أرِيدُهُ . وَكَانَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَنْتُمْ مُعَايِنُوهُ : فَإِنَّهُ يُقَالُ فِي بَعْضٍ الْأَمْثَالِ : إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ أَحَدُ مَرْتَبَةٌ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثَ : إِمَّا بِعَشَقَةٍ تَنَالُهُ فِى نَفْسِهِ ، وإِمَّا بِوَضِيعَةٍ فِى مَالِهِ أَوْ وَكْس فِي دِينِهِ[٣٩] ، وَمَنْ لم يركب الأَهْوَالَ لَمْ يَنَلِ الرَّغَائِبَ . وَإِنَّ المَلِكَ دَبْشَلِيمَ قَدْ بسط لِسَانِي فِي أَنْ أَضَعَ كِتَابًا فِيهِ ضُرُوبُ الحِكْمَةِ ، فَلْيَضَعْ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُمْ شَيْئًا فِي أَى فَنَّ شَا. شَاءَ ، وَلْيَعْرِضْهُ عَلَى لِأَنْظُرَ مِقْدَار عَقْلِهِ، وَأَيْنَ بَلَغَ مِنَ الحِكْمَةِ فَهُمُهُ ، قَالُوا : أَيُّهَا الحَكِيمُ الْفَاضِلُ ، والبِيبُ الْعَاقِلُ ، وَالَّذِى وَهَبَ لَكَ مَا مَنَحَكَ مِنَ الحِكْمَةِ وَالْعَقْلِ والأَدَبِ وَالْفَضِيلَةِ ، مَا خَطَرَ هَذَا بِقُلُوبِنَا سَاعَةً قَط . وَأَنْتَ رَئِيسُنَا وَفَاضِلُنَا ، وبِكَ شَرَفْنَا ، وَعَلَى يَدِكَ انْتِعَاشُنَا، وَلَكِنْ سَنَجهَدُ أَنْفُسَنَا فِيمَا أَمَرْتَ . وَمَكَثَ المَلِكُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ زَمَانًا يَتَوَلَّى ذَلِكَ لَهُ بَيْدَبَا وَيَقُومُ بِهِ.

ثمَّ إِنَّ المَلِكَ دَبْشَلِيمَ لَكَ اسْتَقَرَّ لَهُ الْمُلْكُ ، وَسَقَطَ عَنْهُ النَّظَرُ أُمُورِ الْأَعْدَاءِ بِمَا قَدْ كَفَاهُ ذَلِكَ بَيْدَبَا ، صَرَفَ هِمَتَهُ إِلَى النَّظَرِ فِي الكُتُبِ الَّتِي وَضَعَتْهَا فَلَاسِفَةُ الْهِنْدِ لا بَائِهِ وَأَجْدَادِهِ ؛ فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَيْضًا كَابُ مَشْرُوحُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ وتُذْكُرُ فِيهِ أَيَّامُهُ مَا ذُكِرَ آبَاؤُهُ وَأَجْدَادُهُ مِنْ قَبْلِهِ ، فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى ذلِكَ ، عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقُومُ ذَلِكَ إِلَّا بِبَيْدَبَا : فَدَعَاهُ وَخَلَا بِهِ ؛ وَقَالَ لَهُ: يَا بَيْدَبَا ، إِنَّكَ حَكِيمُ الهِنْدِ وَفَيْلَسُوفُهَا . وَإِنِّى فَكَرْتُ ونَظَرْتُ في خَزَائِنِ الحِكْمَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُلُوكِ قَبْلِي ، فَلَمْ أَرَضِيهِمْ أَحَدًا إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ كِتَابًا يَذْكُرُ فِيهِ أَيَّامَهُ وَسِيرَتَهُ ، وَيُنِي عَنْ أَدَبِهِ وَأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، فَمِنْهُ مَا وَضَعَتْهُ الْمُلُوكُ لأَنْفُسِهَا ، وَذَلكَ لفَضْلِ حِكْمَةٍ فِيهَا ، وَمِنْهُ مَا وَضَعَتْهُ حُكَمَاؤُهَا ، وَأَخَافُ أَنْ يَلْحَقِّنِي مَا لَحِقَ أُولَئِكَ مَمَا لَا حِيلَةَ لِي فِيهِ، وَلَا يُوجَدُ فِي نَزَائِنِي كَابُ أَذْكَرُ بِهِ بَعْدِي ، وَأَنسَبُ إِلَيْهِ كَمَا ذُكِرَ مَنْ كَانَ قَبْلى بِكُتُبهم . وَقَدْ أَحْيَيْتُ أَنْ تَضَعَ لِي كَابًا بَلِيعًا تَسْتَفْرِعُ فِيهِ عَقْلَكَ يَكُونُ ظَاهِرُهُ سِيَاسَةَ العَامَّةِ وَتَأْدِيبَهَا ، وَبَاطِنُهُ أَخْلَاقَ الْمُلُوكِ وَسِيَاسَتهَا لِلرَّعِيَّةِ عَلَى طَاعَةِ المَلِكِ وَخِدْمَتِهِ ، فَيَسْقُطُ بِذلِكَ عَنِّى وَعَنْهُمْ كَثِيرٌ مِمَّا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي مُعَانَاةِ الْمُلْكِ . وَأُرِيدُ أَنْ يبقى لي هذا الكِتَابُ بَعْدِى ذِكَرًا عَلَى غَابِرِ الدُّهُورِ. فَلَمَّا سَمِعَ بيدَبَا كَلَامَهُ خَرَّ لَهُ سَاجِدًا ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ : أَيُّهَا الْمَلِكُ السَّعِيدُ جَدهُ ، عَلَا نَجْمُكَ ، وَغَابَ نَحْسُكَ ، وَدَامَتْ أَيَّامُكَ ، إِنَّ الَّذِي قَدْ طُبِعَ عَلَيْهِ الْمَلِكُ مِنْ جَوْدَةِ الْفَرِيحَةِ وَوُفُورِ الْعَقْلِ حَرَّكَهُ لَعَالِي الْأُمُورِ ؛ وَسَمَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَهِمَتُهُ إِلَى أَشْرَفِ الْمَرَاتِبِ منزلةٌ ، وَأَبْعَدِهَا غَايَةٌ ، وَأَدَامَ اللهُ سَعَادَةَ المَلِك وَأَعَانَهُ عَلَى = مَا عَزَمَ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَعَانَنِي عَلَى بُلُوغ مُرَادِهِ . فَلْيَامُ المَلِكُ بِمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ : فَإِنِّى صَائِرُ إِلَى غَرَضِهِ، مُجْتَهِدُ فِيهِ بِرَأْي . قَالَ لَهُ الْمَلِكُ : يَابَيْدَبَا لَمْ تَزَلْ مَوْصُوفًا بِحُسْنِ الرَّأْيِ وَطَاعَةِ المُلُوكِ فِي أُمُورِهِمْ . وَقَدِ اخْتَبَرْتُ مِنْكَ ذلِكَ ، وَاخْتَرْتُ أَنْ تضَع هَذَا الْكِتَابَ ، وَتُعْمِلَ فِيهِ ذِكْرَكَ ، وَتَجْهَدَ فِيهِ نَفْسَكَ، بِغَايَةِ مَا تَجِدُ إِلَيْهِ السَّبِيلَ ، وَليَكُنْ مُشْتَمِلًا عَلَى الْجُدُ وَالهَزْلِ وَاللَّهْوِ والحَكْمَةِ وَالفَلْسَفَةِ ، فَكَفَرَ لَهُ بَيْدَبَا وَسَجَدَ ، وَقَالَ : قَدْ أَجَبْتُ المَلِكَ أَدَامَ اللهُ أَيَّامَهُ إِلَى مَا أَمَرَنِي بِهِ ، وَجَعَلْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَجَلا . قَالَ : وَكَرْ هُوَ الأَجَلُ : قَالَ : سَنَةٌ ، قَالَ : قَدْ أَجَلْتُكَ ، وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّة تُعِينُهُ عَلَى عَمَلِ الْكِتَابِ فَبَقِي بَيْدَبَا مُفَكَّراً فِي الْأَخْذِ فِيهِ ، وَفِي أَى صُورَةٍ يَبْتَدِى بِهَا فِيهِ وَفِي وَضْعِهِ .

ثُمَّ إِنَّ بَيْدَبَا جَمَعَ تَلَامِيذَهُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْمَلِكَ قَدْ نَدَبَنِي لِأَمْرِ فِيهِ خَرِى وَخَرُكُمْ وَفَرُ بِلادِكُمْ، وَقَدْ جَمَعْتُكُم لهذا الأمر . هُمَّ وَصَفَ لَهُمْ مَا سَأَلَ المَلِكُ مِنْ أَمْرِ الْكِتَابِ ، وَالْعَرَضَ الَّذِي قَصَدَ فِيهِ ، فَلَمْ يَقَع لَهُمُ الْفِكْرُ فِيهِ . فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُم مَا يُرِيدُهُ فَكَّرَ بِفَضْلِ حِكْمَتِهِ ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرُ إِنَّمَا يَتِمَّ بِاسْتِفَرَاغِ الْعَقْلِ وَ إِعْمَالِ الْفِكْرِ ؛ وَقَالَ : أَرَى السَّفِينَةَ لَا تَجْرِى فِي الْبَحْرِ إِلَّا بِالْمَلاحِينَ : لِأَنَّهُمْ يُعَدِّلُونَها ، وَإِنَّمَا تَسْلُكُ الجَةَ بِعُدَبُرِهَا الَّذِي تَفَرَّدَ بِإِمْرَتِهَا[٤٠] ، وَمَتَى تُحِنَتْ بِالرُّكَابِ الكَثِيرِينَ وَكَثُرَ ملاحُوهَا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهَا مِنَ الْغَرَقِ ، وَلَمْ يَزَلْ يُفكر فِيمَا يَعْمَلُهُ في بَابِ الْكَابِ حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى الاِنْفِرَادِ بِنَفْسِهِ ، مَعَ رَجُلٍ مِنْ تلاميذهِ كَانَ يَيْقُ بِهِ ، خَلَا بِهِ مُنْفَرِدًا مَعَهُ ، بَعْدَ أَنْ أَعَدَّ مِنَ الْوَرَقِ الَّذِى كَانَتْ تَكْتُبُ فِيهِ الهِندُ شَيْئًا ، وَمِنَ الْقُوتِ مَا يَقُومُ بِهِ وَبِتِلْمِيذِهِ تِلْكَ المُدَّةَ . وَجَلَسَا فِي مَقْصُورَةٍ ، وَرَدًا عَلَيْهِمَا الْبَابَ ثُمَّ بَدَأَ فِي نَظْم الْكِتَابِ وَتَصْنِيفِهِ ، وَلَمْ يَزَلْ هُوَ يُمْلِي وَتِلْمِيدُهُ يكتبُ ، وَيُرْجِعُ هُوَ فِيهِ ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الْكِتَابُ عَلَى غَايَةِ الْإِثْقَانِ وَالْإِحْكَام . وَرَتَّبَ فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشْرَ بَابًا ، كُلُّ بَابٍ مِنْهَا قَائِمٌ بنَفْسِهِ . وَفِي كُلِّ بَابٍ مَسْأَلَهُ وَالْحَوَابُ عَنْهَا ، لِيَكُونَ لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ حَظِّ مِنَ الْهِدَايَةِ . وَضَمَّنَ تِلْكَ الْأَبْوَابَ كَتَابًا وَاحِدًا ؛ وَسَمَاهُ كَتَابَ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةً . ثُمَّ جَعَلَ كَلَامَهُ عَلَى أَلْسُنِ الْبَهَائِمِ والسَّبَاعِ وَالطَّيْرِ : لِيَكُونَ ظَاهِرُهُ هَوًا لِلْخَوَاصُ وَالْعَوَامُ، وَبَاطِنُهُ رِيَاضَةً لِعُقُولِ الخاصةِ . وَضَمَنَهُ أَيْضًا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنسَانُ مِنْ سياسَةِ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَخَاصَّتِهِ ، وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ -- موم دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَآخِرَتِهِ وأُولَاهُ ، وَيَحْضُهُ عَلَى حُسْنِ طَاعَتِهِ لِلْمُلُوكِ ويجنبهُ مَا تَكُونَ مُجَانَبَتْهُ خَيْرًا لَهُ ، ثُمَّ جَعَلَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا كَرَسم سائر الكُتُبِ الَّتِي بِرَسْمِ الحَكَمَةِ : فَصَارَ الْحَيَوَانُ هَوًا ، وَمَا يَنْطِقُ حكمة وأدبا . فَلَمَّا ابْتَدَأَ بَيدَنَا بِذلِكَ جَعَلَ أَوَّلَ الْكَابِ وصفَ الصَّدِيقِ ، وَكَيْفَ يَكُونُ الصَّدِيقَانِ ، وَكَيْفَ تُقْطَعُ ✓ المودة الثَّابِتَةُ بينَهُمَا بِحِيلَةِ ذى النَّمِيمَةِ ، وَأَمَرَ تِلْبِيدَهُ أَنْ يَكُتب عَلَى لِسَانِ بَيْدَبَا مِثْلَ مَا كَانَ المُلكُ شَرَطَهُ في أَنْ جَعَلَهُ خَمْرًا وحكمةٌ ، فَذَكَرَ بَيْدَبَا أَنَّ الحِكْمَةَ مَتى دَخَلَهَا كَلَامُ النَّقَلَةِ أَفْسَدَهَا وَجُهِلَتْ حِكْمَتُهَا . فَلَمْ يَزَلْ هُوَ وَتِلِيدُهُ يُعْمِلَانِ الْفِكر فيما سأله الملكُ ، حَتَّى فَتَقَهُمَا الْعَقْلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُمَا عَلَى لِسَانِ بهيمتين ، فوقع هما موضع اللهو والهزل بِكَلامِ الْبَهَائِمِ ، وَكَانَتِ الحكمةُ مَا نَطَقَا بِهِ . فَأَصْغَتِ الحكماء إِلَى حِكَمِهِ وَتَرَكُوا الْبَهَائِم واللَّهوَ ، وَعَلِمُوا أَنَّهَا السَّبَبُ فى الَّذِى وُضِعَ لَهُمْ . وَمَالَتْ إِلَيْهِ الجهَالُ عَجَبًا مِنْ مُحَاوَرَةِ بَهِيمَتَينِ ، وَلَمْ يَشْكُوا فِي ذَلِكَ ، وَاتَّخَذُوهُ لهوا ، وَتَرَكُوا مَعْنَى الْكَلَامِ أَنْ يَفْهَمُوهُ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا الْعَرَضَ الَّذِي وُضِعَ لَهُ ، لِأَنَّ الفَيْلَسُوفَ إِنَّمَا كَانَ غَرَضُهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ أَنْ يُخَيرَ عَنْ تَوَاصُلِ الْإِخْوَانِ كَيفَ تتأكد المودة بينهم عَلَى التَّحَفْظ مِنْ أَهْلِ السَّعَايَةِ[٤١] وَالتَّحَرُزِ مِمَّنْ يُوقِعُ العَدَاوَةَ بَيْنَ المُتَحَابَيْنِ : لِيَجُرَّ بِذلِكَ نَفْعًا إِلَى نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ بَيْدَبَا وَتِلْبِيدُهُ في المقصُورَةِ ، حَتَّى اسْتَتَمَّا عَمَلَ الْكَابِ فِي مُدَّةِ سَنَةٍ ، فَلَمَّا عم الحولُ أَنْفَذَ إِلَيْهِ المَلِكُ أَنْ قَدْ جَاءَ الْوَعْدُ فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ بَيْدَبَا : إِنِّى عَلَى مَا وَعَدْتُ المَلِكَ ، فَلْيَأْمُرْنِي بِعَمَلِهِ ، بعْدَ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ الْمَمْلَكَةِ لِتَكُونَ قِرَاءَتِي هَذَا الْكِتَابَ بِحَضْرَتِهِمْ، فلمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى الْمَلِكِ سُرَ ذَلِكَ ، وَوَعَدَهُ يوما يجمعُ فِيهِ أهْلَ الْمَمْلَكَةِ . ثُمَّ نَادَى فِي أَقَاصِي بِلَادِ الْهِنْدِ لِيَحْضُرُوا قِرَاءَةَ الْكِتَابِ . فَلَا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ، أَمَرَ المَلِكُ أَنْ يُنْصَبَ لِبَيْدَبَا سَرِيرُ مِثْلُ سَرِيرِهِ ، وَكَرَاسِي لِأَبْنَاءِ الْمُلُوكِ وَالْعُلَمَاءِ . وَأَنْفَدَ فَأَحْضَرَهُ . فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَامَ فَلَبِسَ النِّيَابَ الَّتِي كَانَ يَلْبَسُها إذَا دَخَلَ عَلَى الْمُلُوكِ وَهِيَ المُسُوحُ السُّودُ ، وَحَمَلَ الْكَابَ تلميدُهُ . فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى المَلِكِ وَثَبَ الخَلَائِقُ بِأَجْمَعِهِمْ ، وَقَامَ الملِكُ شَاكِرًا . فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ المَلِكِ كَفَرَ لَهُ وَسَجَدَ ، وَلَمْ يَرْفَع رَأْسَهُ . فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : يَا بَيْدَبَا ارْفَعْ رَأْسَكَ ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمُ هَنَاءَةٍ وَفَرَجِ وَسُرُورٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ ، فَحَينَ جَلَسَ لِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ ، سَأَلَهُ عَنْ مَعْنَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ ، وَإِلَى أَيُّ شَيْءٍ قَصَدَ فِيهِ . فَأَخْبَرَهُ بِغَرَضِهِ فِيهِ ، وَفِي كُلِّ بَابٍ . فَازْدَادَ الْمَلِكُ مِنْهُ تَعَجَبًا وَسُرُورًا . فَقَالَ لَهُ : يَابَيْدَبَا مَا عَدَوْتَ الَّذِي فِي -- نَفْسِي ، وَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَطْلُبُ ، فَاطْلُبْ مَا شِئْتَ وَتَحَكَمْ فَدَعَا لَهُ بَيْدَبَا بِالسَّعَادَةِ وَطُولِ الحَدِّ . وَقَالَ : أَيُّهَا المَلِكُ أَمَّا المالُ فَلَا حَاجَةً لى فيهِ ، وَأَمَّا الْحُسْوَةُ فَلَا أَخْتَارُ عَلَى لِبَاسي هذَا شَيْئًا ، وَلَسْتُ أُخْلِي المَلِكَ مِنْ حَاجَةٍ ، قَالَ الْمَلِكُ : يَا بَيْدَبَا ما حَاجَتُكَ * فَكُل حَاجَةٍ لَكَ قِبلَنَا مَقْضِيَّةٌ ، قَالَ : يَأْمُرُ المَلِكُ أن يُدوّنَ كَابي هذا كَما دَوَّنَ آبَاؤُهُ وَأَجْدَادُهُ كُتُبَهُم ، وَيَأْمُرُ بالمحافظةِ عَلَيْهِ : فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ ، فَيَتَنَاوَلَهُ أَهْلُ فَارِسَ إِذَا عَلِمُوا بِهِ ، فَالمَلِكُ يَأْمُرُ أَلَّا يُخرج مِنْ بَيْتِ الحكمة . ثُمَّ دَعَا المَلِكُ بِتَلَامِيذِهِ وَأَحْسَنَ لَهُمُ الخَوَائِزَ . ثُمَّ إِنَّهُ لَكَ مَلَكَ كِسْرَى أَنُو شِرْوَانُ وَكَانَ مُسْتَأْثِرًا بِالْكُتُبِ وَالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ والنَّظَرِ فِي أَخْبَارِ الْأَوَائِلِ وَقَعَ لَهُ خَبَرُ الْعَذَابِ ، فَلَمْ يَقَرَّ قَرَارُهُ ؛ حَتَّى بَعَثَ بَرْزَوَيْهِ الطَّبِيبَ وَتَلَطَّفَ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ فَأَقَرَّهُ فِي تَخَزَائِنِ فَارِسَ.

  1. البراهمة:قوم لا يجوزون على الله بعثة الرسل
  2. اعتبر: نظر.
  3. طرائق : أي فرقا .
  4. حزائق : أي قطعا
  5. التألب: التجمع .
  6. جمع : حربة.
  7. الإسراع
  8. تفرق
  9. أكثروا
  10. استوثق هنا : أخذ الثقة مما أراد والذى فى صفحة ١٥ استوسق الأمر من الوسق .
  11. استوسق : اجتمع
  12. الحيوان : الحياة . قال تعالى : وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
  13. الأفصح فيها قُبَّرة وهى طائر .
  14. محلا تبيض فيه.
  15. جمع عقعق وهو طير أبلق بسواد و بياض
  16. أرض منخفضة
  17. وقع ولم يمكنه الخروج
  18. سطوته واعتدائه
  19. جمع مسح وهو الكساء من الشعر .
  20. الحاجب
  21. عظم والكفر من معانيه تعظيم الفارسي لملكه والتكفير من معانيه إيماء الذمي برأسه
  22. يُقال : أفرح روعه ورُوعه . أى ذَهَبَ فَزَعُه وخوفه . وقال أبو الهيثم إنما هو : اوح روعه ومعناه خرج الروع والفزع من روعه وهو القلب .
  23. زال عنه
  24. مجتمع أصله
  25. لعل الصواب " لا يضر بها الإملاق.
  26. لا تقطع
  27. لا تبلی
  28. أهلكته
  29. وفي نسخة وأعضل ما صَلَّ به الإنسان لسانه
  30. استجاش الجيش : جمعه .
  31. الكراع : اسم لجمع الخيل وقيل الخيل والسلاح .
  32. عروره .
  33. قوتك.
  34. أرق أرقا شديدا.
  35. استدارة مدار النجوم
  36. تعدية الشكر باللام أفصح
  37. حدة
  38. التعريض للهلاك
  39. أي أن يكون صاحب عقيدة صحيحة يتمسك بها مع أنه يؤدى. وينتقص فى سبيلها ، فاذا ناله وكس بسبب ذلك فانه لا بد أن يعرف الناس قدره بعد حين "
  40. الرياسة
  41. السعاية : الوشاية والنميمة