انتقل إلى المحتوى

كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب عرض الكتاب - ترجمة عبد الله بن المقفع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: المطبعة الأميرية - بولاق (1937)، الصفحات ٥٨–٧٣
 

باب عرض الكتاب . ترجمة عبد الله بن المقفع

هذَا كِتَابُ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ ، وَهُوَ مِمَّا وَضَعَهُ عُلَمَاءُ الْهِنْدِ مِنَ الْأَمْثَالِ وَالأَحَادِيثِ الَّتِي أَهمُوا أَنْ يُدْخِلُوا فِيهَا أَبْلَغَ مَا وَجَدُوا مِنَ الْقَوْلِ فِي النَّحْوِ الَّذِى أَرَادُوا، وَلَمْ تَزَلِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَةٍ يَلْتَمِسُونَ أَنْ يُعْقَلَ عَنْهُمْ ، وَيَحْتَالُونَ فِي ذَلِكَ بِصُنُوفِ الحِيلِ ، وَيَبْتَغُونَ إِخْرَاجَ مَا عِندَهُمْ مِنَ الْعَلَلِ ، حَتَّى كَانَ مِنْ ؛ تلك الْعِلَلِ وَضْعُ هَذَا الْكَابِ عَلَى أَفْوَاهِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ ، فَاجْتَمَعَ هُم بِذلِكَ خِلَال . أَمَّا هُمْ فَوَجَدُوا مُتَصَرِّفا فِي الْقَوْلِ وشعاباً يَأْخُذُونَ مِنْهَا . وَأَمَّا الْكِتَابُ جَمَعَ حَكْمَةً وَهَوًا : فَاخْتَارَهُ الحَكَاءُ . والسفهاء للهوه ، والمتعلم مِنَ الأحداث نَاشِطُ فِي حِفْظِ مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ يُرْبَطُ فِي صَدْرِهِ وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ، بَلْ عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَكْتُوبِ مَرْقُوم . وَكَانَ كَالرَّجُلِ الَّذِي لَا اسْتَكلَ الرَّجُولِيَّة وَجَدَ أَبَوَيْهِ قَدْ كَنَزَا لَهُ كُتُوزًا وَعَقَدًا لحكمته لَهُ عُقُودًا استغنى بِهَا عَنِ الْكَدْحَ[١] فِيمَا يَعْمَلَهُ مِنْ أَمْرِ مَعِيشَتِهِ ، فَأَغْنَاهُ مَا أَشْرَفَ عَلَيْهِ مِنَ الحكمة عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنْ وُجُوه الأدب.

وَيَنْبَغِى مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكَابَ أَنْ يَعْرِفَ الْوُجُوهَ الَّتِي وُضِعَتْ لَهُ ، وَإِلَى أَى غَايَةٍ جَرَى مُؤلَّفَهُ فِيهِ عِندَ مَا نَسَبَهُ إِلَى الْبَهَائِمِ مرمر نصر ووَأَضَافَهُ إِلَى غَيْرِ مُفْصح ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْضَاعِ الَّتِي جَعَلَهَا أمْتَالاً : فَإِنَّ قَارِنَهُ مَتَى لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ مَا أُرِيدَ بِتِلْكَ المَعَانِي وَلَا أَى ثَمَرَةٍ يَجْتَنِي مِنْهَا ، وَلَا أَى نَتِيجَةٍ تَحْصُلُ لَهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ مَا تَضَمَّنَهُ هذَا الْكِتَابُ . وَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَايَتُهُ اسْتِمَامَ قِرَاءَتِهِ إِلَى آخِرِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ مَا يَقْرَأْ مِنْهُ لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ شَيْءٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ نَفْعُهُ . وَ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ الْعُلُومِ وَقِرَاءَةِ الكُتُبِ ؛ مِنْ غَيْرِ اعْمَالِ الرَّوِيَّةِ فِيمَا يَفْرُوهُ ، كَانَ خَلِيمًا أَلَّا يُصِيبَهُ إِلَّا مَا أَصَابَ الرَّجُلَ الَّذِى زَعَمَتِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ اجْتَازَ بِبَعْضِ الْمُفَاوِزِ، فَظَهَرَ لَهُ مَوضِعُ آثار گنز ؛ فَجَعَلَ يَحْفِرُ وَيَطلُبُ ، فَوَقَعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَيْنٍ وَوَرِقٍ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ : إِنْ أَنَا أَخَذْتُ فِي نَقْلِ هَذَا الْمَالِ قَلِيلًا قَلِيلًا طَالَ عَلَى ، وَقَطَعَنِي الاشْتِغَالُ بِنَقْلِهِ وَإِحْرَازِهِ عَنِ اللَّذَّةِ بِمَا أَصَبْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ سَأَسْتَأْخِرُ أَقْوَامًا يَعْمَلُونَهُ إِلَى مَنزِلِي، وَأَكُونَ أَنَا آخِرَهُمْ ، وَلَا يَكُونُ بَقَى وَرَانِي شَيْءٍ يَشْغَلُ فكرى بِنَقْلِهِ ، وَأَكُونُ قَدِ اسْتَظْهَرْتُ[٢] لِنَفْسِي فِي إِرَاحَةِ بَدَنِي عَنِ الْكَدِّ بيسير أَجْرَةٍ أُعْطِيهِمْ إِيَّاهَا . ثمَّ جَاءَ بِالْمَالِينَ ، فَعَلَ يُعْمَلُ كُلَّ وَاحِدٍ منهم مَا يُطِيقُ ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَفُوزُ بِهِ ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنَ الكَنْزِ شَيْءٌ . فَانْطَلَقَ خَلْفَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ : فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مِنَ المَالِ شَيْئًا، لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيراً . وَإِذَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِينَ قدْ فَازَ بِمَا حَمَلَهُ لِنَفْسِهِ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذُلِكَ إِلَّا الْعَنَاءُ والتَّعَبُ : لِأَنَّهُ لَمْ يُفكر فِي آخِرِ أَمْرِهِ . وَكَذلِكَ مَنْ قَرَأَ هَذَا الكتابَ ، وَلَمْ يَفهَمْ مَا فِيهِ ، وَلَمْ يَعْلَمَ عَرَضَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنا لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا بَدَا لَهُ مِنْ خَطَّهِ وَنَقْشِهِ ، كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَدِّمَ لَهُ جَوْزُ صَحِيحُ لَمْ يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكْسِرَهُ ، وَكَانَ أَيْضًا كَالرَّجُلِ الَّذِي طَلَبَ عِلْمَ الْفَصِيحِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ؛ فَأَتَى صَدِيقًا لَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، لَهُ عِلْمُ بِالْفَصَاحَةِ ، فَأَعْلَمَهُ حَاجَتَهُ إِلَى عِلْمِ الْفَصِيحِ ؛ فَرَسَمَ لَهُ صَدِيقُهُ فِي صَحِيفَةٍ صَفْرَاءَ فَصِيحَ الْكَلَامِ وَتَصَارِيفَهُ وَوُجُوهَهُ ، فَانْصَرَفَ المتعلم إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَعَلَ يُكْثِرُ قِرَاءَتَهَا وَلَا يَقِفُ عَلَى مَعَانِيهَا . ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي تَحْفِيلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ ، فَأَخَذَ فِي مُحَاوَرَتِهِمْ، فَخَرَتْ لَهُ كَلِمَةً أَخْطَأَ فِيهَا ؛ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ : إِنَّكَ قَدْ أَخَطَأتَ ، وَالْوَجْهُ غَيْرُ مَا تَكَلَّمْتَ به . فَقَالَ وَكَيْفَ أَخْطِيُّ وَقد قَرَأْتُ الصَّحِيفَةَ الصَّفْرَاءَ ؛ وَهِيَ في مَنْزِلِي؟ فَكَانَتْ مَقَالَتُهُ لَهُمْ أَوْجَبَ لِحُجَّةِ عَلَيْهِ وَزَادَهُ ذلك قُرْباً مِنَ الجَهْلِ وَبُعْدًا مِنَ الْأَدَب.

ثُمَّ إِنَّ الْعَاقِلَ إِذَا فَهِمَ هذَا الْكِتَابَ وَبَلَغَ نِهَايَةَ عِلْمِهِ فِيهِ ، ينبَغِي لَهُ أَن يَعْمَلَ بِمَا عَلِمَ مِنْهُ لِيَنْتَفَعَ بِهِ ، وَيَجْعَلَهُ مِثَالًا لَا يَحِيدُ عَنْهُ . فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ، كَانَ مَثَلُهُ كَالرَّجُلِ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّ سَارِقًا تَسَوَّرَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِمُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَعَلِمَ بِهِ فَقَالَ : واللهِ لأَسْكُنَنَّ حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يَصْنَعُ ، وَلَا أَدْعَرُهُ ، وَلَا أَعْلِمُهُ أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ بهِ . فَإِذَا بَلَغَ مُرَادَهُ قُلْتُ إِلَيْهِ ، فَنَغَصْتُ ذلك عليه . ثُمَّ إِنَّهُ أَمْسَكَ عَنْهُ . وَجَعَلَ السَّارِقُ يَتَرَدَّدُ ، وَطَالَ تردده في جَمْعِهِ مَا يَجِدُهُ ، فَغَلَبَ الرَّجُلَ التَّعَاسُ فَنَامَ ، وَفَرَغَ ؛ اللصُّ مِمَّا أَرَادَ ، وَأَمْكَنَهُ الدَّهَابُ ، وَاسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ ، فَوَجَدَ النَّصَّ قَدْ أَخَذَ المُتَاعَ وَفَازَ بِهِ . فَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ يَلُومُهَا ، وعَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يَنتَفِعْ بِعِلْمِهِ بِاللَّصُ : إِذْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ فِي أَمْرِهِ يجبُ ، فَالْعِلْمُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْعَمَلِ ، وَهُوَ كَالشَّجَرَةِ وَالْعَمَلُ بِهِ كالمرَةِ . وَإِنَّمَا صَاحِبُ الْعِلْمِ يَقُومُ بِالْعَمَلِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَا يَعْلَمُ لَا يُسَمَّى عَالِدٌ . وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلِ بطرِيت مَخُوف ، ثُمَّ سَلَكَهُ عَلَى عِلْمٍ بِهِ ، سُمِّيَ جَاهِلا ، وَلَعَلَّهُ إِنْ حاسَبَ نَفْسَهُ وَجَدَهَا قَدْ رَكِبَتْ أَهْوَاء هَجَمَتْ بِهَا فِيمَا هُوَ أَعْرَفُ بِضَرَرِهَا فِيهِ وَأَذَاهَا مِن ذلكَ السَّالِكِ فِي الطَّارِيقِ المخُوفِ الَّذِى قَدْ جَهِلَهُ . وَمَنْ رَكِبَ هَوَاهُ وَرَفَضَ مَا يَنبَغِى أَنْ يَعْمَلَ بِمَا جَرَّبَهُ هُوَ أَوْ أَعْلَمَهُ بِهِ غَيْرُهُ ، كَانَ كَالمَرِيضِ الْعَالِمِ بردىء الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَجَيدِهِ وَخَفِيفِهِ وَثَقِيلِهِ، ثُمَّ يَحْمِلُهُ الشَّرَهُ عَلَى أَكْلِ رَدِينِهِ وَتَرْكِ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى النَّجَاةِ والتَّخَلْصِ مِن علَتِهِ . وَأَقَلُّ النَّاسِ عُدْرًا فِي اجْتِنَابِ مَحْمُودِ الْأَفْعَالِ وَارْتِكَابِ مَدْهُومِهَا مَنْ أَبْصَرَ ذَلِكَ وَمَيزَهُ وَعَرَفَ فَضْلَ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ $ ما أَنَّهُ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا بَصِيرُ وَالْآخَرُ أَعْمَى سَاقَهُمَا الْأَجَلُ إلى حُفْرَةٍ فَوَقَعَا فِيهَا ، كَانَا إِذَا صَارَا فِي قَاعِهَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ غَيْرَ أَنَّ الْبَصِيرَ أَقَلُّ عُذراً عِندَ النَّاسِ مِنَ الضَّرِيرِ : إِذْ كَانَتْ لَهُ امه مهر عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا ، وَذَاكَ بِمَا صَارَ إِلَيْهِ جَاهِلُ غَيْرُ عَارِف.

وَعَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ وَيُودَبَهَا بِعِلْمِهِ ، وَلَا تَكُونَ غَايَتَهُ اقْتِنَاوُهُ الْعِلْمَ لِمُعَاوَنَةِ غَيْرِهِ ، وَيَكُونَ كَالْعَيْنِ الَّتِي يَشْرَبُ النَّاسُ مَاءَهَا وَلَيْسَ لَهَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْمُنْفَعَةِ ، وَكَدُودَةِ الْقَرُ الَّتِي تحكم صنعَتَهُ وَلَا تَنْتَفَعُ بِهِ . فَيَنْبَغِي مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ أَنْ يَبْدَأ بِعِظَةِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذلِكَ أَنْ يَقْبِسَهُ[٣] ، فَإِنَّ خِلَا لَّا يَنْبَغِى يصَاحِبِ الدُّنْيَا أَنْ يَقْتَنِيهَا وَيُقْبِسَهَا : مِنْهَا الْعِلْمُ وَالمَالُ ، وَمِنْهَا اتَّخَذُ المَعْرُوفِ . وَلَيْسَ لِلْعَالِيم أَنْ يَعِيبَ امْرَأَ بِشَيْءٍ فِيهِ مِثْلُهُ، وَيَكُونَ كَالأَعْمَى الَّذِى يُعيّرُ الأَعْمَى بِعَمَاهُ . وَيَنْبَغِي لِمَنْ طَلَبَ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ غَايَةٌ وَنِهَايَةٌ ، وَيَعْمَلَ بِهَا ، وَيَقِفَ عِنْدَهَا ، ولا يَتَمَادَى فِي الطَّلَبِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : مَنْ سَارَ إِلَى غَيْرِ غَايَةِ يُوشِكُ أَنْ تَنْقَطِعَ بِهِ مَطِيَّتُهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ حَقِيقًا أَلَّا يُعَنِّى[٤] نَفْسَهُ في طلب مَا لَا حَدَّ لَهُ ، وَمَا لَمْ يَنلَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ ، وَلَا يَتَأَسَفَ عليه ؛ وَلَا يَكُونَ لِدُنْيَاهُ مُويْرًا عَلَى آخِرَتِهِ : فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بالْغَايَات قَلَتْ حَسْرَتُهُ عِنْدَ مُفَارَقَتِهَا . وَقَدْ يُقَالُ فِي أَمْرَيْنِ إِنَّهُمَا يَعْلَانِ بِكُلِّ أَحَدٍ : أَحَدُهُمَا النَّسْكُ[٥] وَالْآخَرُ المال الحلال وَلَا يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ أَن يُونُبَ نَفْسَهُ عَلَى مَا فَاتَهُ وَلَيْسَ فِي مَقْدُورِهِ؟ فَرُبَّمَا أَتَاحَ اللَّهُ لَهُ مَا يَهْنَأُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي حُسْبَانِهِ . وَمِنْ أَمْثَالِ هذَا أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِهِ فَاقَةً وَجُوعُ وَعُرَى ، فَأَلْجَاهُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ سَأَلَ أَقَارِبَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَضْلَّ يَعُودُ بهِ عَلَيْهِ . فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلِهِ إِذْ بَصُرَ[٦] بِسَارِقٍ فِيهِ ؛ فَقَالَ : وَالله مَا فِي مَنْزِلِي شَيْءٍ أَخَافُ عَلَيْهِ : فَلْيَجْهَدِ السَّارِقُ جُهْدَهُ . فَبَيْنَمَا السَّارِقُ يَجُولُ إِذْ وَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى خَابِيَةٍ فِيهَا حِنْطَةُ ، فَقَالَ السَّارِقُ : وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَنَانِي اللَّيْلَةَ بَاطِلًا . وَلَعَلِّي لَا أَصِلُ إِلَى مَوْضِع آخَرَ ، وَلَكِنْ سَأَحْمِلُ هَذِهِ 70 الحنطة . ثُمَّ بَسَطَ قَمِيصَهُ لِيَصُبَّ عَلَيْهِ الحِنْطَةَ . فَقَالَ الرَّجُلُ : أيَذْهَبُ هذا بِالحَنْطَةِ وَلَيْسَ وَرَائِي سِوَاهَا : فَيَجْتَمِعُ عَلَى مَعَ الْعُرْيِ ذَهَابُ مَا كُنْتُ أَقْتَاتُ بِهِ . وَمَا تَجْتَمِعُ وَاللَّهِ هَاتَانِ [٧] الحَلتَانِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَهْلَكَاهُ ، ثُمَّ صَاحَ بِالسَّارِقِ ، وَأَخَذَ هِرَاوَةً . كَانَتْ عِندَ رَأْسِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّارِقِ حِيلَةً إِلَّا الْهَرَبُ مِنْهُ ، وَتَرَكَ قَميصَهُ وَنَجَا بِنَفْسِهِ ، وَغَدَا الرَّجُلُ بِهِ كَاسِيا : وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَرْكَنَ إِلَى مِثْلِ هَذَا وَبَدَع مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَذَرِ والْعَمَلِ فِي مِثْلِ هَذَا لِصَلَاح مَعَاشِهِ ، وَلَا يَنْظُرَ إِلَى مَنْ تُوَاتِيهِ الْمَقَادِيرُ وَتُسَاعِدُهُ عَلَى غَيْرِ المَأْسِ مِنْهُ : لِأَنَّ أُولَئِكَ فِي النَّاسِ قَلِيلٌ ؛ والجمهُورُ مِنْهُمْ مَنْ أَتَعَبَ نَفْسَهُ فِي الْكَدُ وَالسَّنِي فِيمَا يُصْلِحُ أَمْرَهُ وَيَنَالُ بِهِ مَا أَرَادَ ويَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرْصُهُ عَلَى مَا طَابَ كَسْبُهُ وَحَسُنَ نَفْعُهُ ، وَلَا يَتَعَرَّضَ مَا يَجْلِبُ عَلَيْهِ الْعَناءَ والشَّقَاءَ ، فَيَكُونَ كَالمَامَةِ الَّتِي تُفْرِخُ الْفِرَاخَ فَتُؤْخَذُ وَتُذْبَحُ ، ثُمَّ لَا يَمْنَعُهَا ذَلِكَ أَنْ تَعُودَ فَتُفْرِخَ مَوْضِعَهَا، وَتُقِيمَ بِمَكَانِهَا فَتُوخَذَ الثَّانِيَةُ مِنْ فِرَاحْهَا فَتُذبَحَ . وقَدْ يُقَالُ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدًا يُوقَفُ عَلَيْهِ . وَمَنْ تَجَاوَزَ فِي أَشْيَاءَ حَدَّهَا أَوْشَكَ أَنْ يَلْحَقَهُ التَّقْصِيرُ عَنْ بُلُوعَهَا . وَيُقَالُ : مَنْ كَانَ سَعْيُهُ لآخِرَتِهِ وَدُنْيَاهُ حَيَاتَهُ لَهُ وَعَلَيْهِ . وَيُقَالُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الدُّنْيَا إِصْلَاحُهَا وَبَذَلُ جُهْدِهِ فِيهَا : مِنْهَا أَمْرُ مَعِيشَتِهِ ، وَمِنْهَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، وَمِنْهَا مَا يُكْسِبُهُ الذكر الجميلَ بَعْدُ . وَقَدْ قِيلَ فِي أُمُورٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ عَمَل . مِنْهَا التَّوانِي ؛ وَمِنْهَا تَضْيِيعُ الْفُرَصِ ، وَمِنْهَا التَّصْدِيقُ لِكُلِّ تخيرٍ ، فَرُبَّ مُخيرٍ بِشَيْءٍ عَقَلَهُ وَلَا يَعْرِفُ اسْتِقَامَتَهُ فَيُصَدِّقَهُ. وَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ لِهَوَاهُ مُتهما ، وَلَا يَقْبَلَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَدِيثًا ، وَلَا يَتَمَادَى فى الخطأ إذا ظَهَرَ لَهُ خَطَوْهُ وَلَا يُقْدِمَ عَلَى أَمْرٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ ، وَتَتَّضِحَ لَهُ الْحَقِيقَةُ ، وَلَا يكُونَ كَالرَّجُلِ الَّذِى يَحِيدُ عَنِ الطَّرِيقِ ، فَيَسْتَمِر عَلَى الضَّلَالِ ، فلا يَزْدَادَ فِي السَّيْرِ إِلَّا جَهْدًا ، وَعَنِ الْقَصْدِ إِلَّا بُعْدًا ؛ وَكَالرَّجُلِ الَّذِي تَقْدَى عَيْنُهُ فَلَا يَزَالُ يَحُلُهَا ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ الحَ سَبَبًا لِذَهَابِهَا . وَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُصَدِّقَ بِالْقَضَاءِ والْقَدَرِ ، وَيَأْخُذَ بِالْحَزْمِ ، وَيُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يلتمس صَلَاحَ نَفْسِهِ بِفَسَادِ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ خَلِيفًا أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَ التَّاجَرَ مِنْ رَفِيقِهِ . فَإِنَّهُ يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ تَاحَرُ ، وَكَانَ لَهُ شَرِيكَ ، فَاسْتَأْجَرًا حَانُونًا ، وَجَعَلَا مَتَاعَهُمَا فِيهِ . وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَرِيبَ المُنزِلِ مِنَ [٨] الحَانُوتِ ، فَأَصْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَسْرِقَ عِدْلًا مِنْ أَعْدَالِ رَفِيقِهِ ؛ ومكر الحيلة فى ذلكَ ، وَقَالَ : إِنْ أَتَيْتُ لَيْلًا لَمْ آمَنْ أَنْ أَحْمِلَ (٣) عِدْلًا مِنْ أَعْدَالِي أَوْ رِزْمَةٌ مِن رِزَمِي وَلَا أَعْرِفَهَا ، فَيَذْهَبَ عنانِي وَتَعَى بَاطِلًا . فَأَخَذَ رِدَاءَهُ ، وَأَلْقَاهُ عَلَى الْعِدْلِ الَّذِي أَصْمَرَ أَخْذَهُ . ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَنزِلِهِ ، وَجَاءَ رَفِيقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ليصلح أعدالَهُ ، فَوَجَدَ رِدَاءَ شَرِيكه عَلَى بَعْضٍ أَعْدَالِهِ ، فَقَالَ : والله هذا رِدَاءُ صَاحِبى ؛ وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَدْ نَدِيَهُ . وَمَا الرَّى أَنْ أَدَعَهُ هَاهُنَا ، وَلَكِنْ أَجْعَلُهُ عَلَى رِزْمِهِ ، فَلَعَلَّهُ يَسْبِقُنِي إِلَى (٢) الرزمة بالكسر : هى التى فيها ضروب من الثياب الحانُوتِ فَيَجِدَهُ حَيْثُ يُحِبُّ . ثُمَّ أَخَذَ الرِّدَاءَ فَأَلْقَاهُ عَلَى عِدْلٍ مِنْ أَعْدَالِ رَفِيقِهِ ، وَأَقْفَلَ الحَانُوتَ، وَمَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَلَمَّا (1) جَاءَ اللَّيْلُ أَتى رفيقهُ وَمَعَهُ رَجُلٌ قَدْ وَاطَأَهُ عَلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ ، وَضَمِنَ لَهُ جُعْلًا عَلَى حَمْلِهِ ، فَصَارَ إِلَى الْحَانُوتِ ، فَالْتَمَسَ 6 الْإِزَارَ فِي الظُّلْمَةِ فَوَجَدَهُ عَلَى الْعِدْلِ ، فَاحْتَمَلَ ذلِكَ الْعِدْلَ وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَالرَّجُلُ ، وَجَعَلا يَتَرَاوَحَانِ عَلَى حَمْلِهِ ، حَتَّى أَتَى منْزِلَهُ ، وَرَمَى نَفْسَهُ تَعِبا . فَلَمَّا أَصْبَحَ افْتَقَدَهُ فَإِذَا هُوَ بَعْضُ أَعْدَالِهِ ، فَنَدِمَ أَشَدَّ النَّدَامَةِ . ثُمَّ انْطَلَقَ نَحْوَ الْحَانُوتِ ، فَوَجَدَ شَرِيكَهُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ فَفَتَحَ الحَانُوتَ وَوَجَدَ الْعِدْلَ مَفْقُودًا : فَاعْتَمَّ لِذلِكَ عَمَّا شَدِيدًا ؛ وَقَالَ : وَاسَوْءَ تَاهُ مِنْ رَفِيقٍ صَالِحٍ قَدِ انْتَمَنَنِي عَلَى مَالِهِ وَخَلَفَنِي فِيهِ ! مَاذَا يَكُونُ حَالِي عِنْدَهُ ؟ وَلَسْتُ أَشُكُ فِي تُهَمَتِهِ إِيَّايَ ، وَلَكِنْ قَدْ وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى غراميه . هُم أَتَى صَاحِبَهُ فَوَجَدَهُ مُعْتَماً ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ ، فَقَالَ إِنِّى قَدِ افْتَقَدْتُ الْأَعْدَالَ ، وَفَقَدْتُ عِدْلًا مِنْ أَعْدَالِكَ ، وَلَا (١) وافقه (٢) يتناوبان . 74 أعلمُ بسَببِهِ ، وَإِنّى لَا أَشُكُ فِي تُهَمَتِكَ إِيَّايَ ، وَإِنِّي قَدْ وَطَنْتُ نَفْسِى عَلَى غَرَامَتِهِ . فَقَالَ لَهُ : يَا أَخِي لَا تَغْتَمَ : فَإِنَّ الْحَيَانَةَ شَر مَا عَمِلَهُ الْإِنْسَانُ ، وَالمَكَرَ وَالخَدِيعَةَ لَا يُودِّيَانِ إِلَى خَيْرٍ ؛ وَصَاحِبُهُمَا مَغْرُورُ أَبَدًا ، وَمَا عَادَ وَبَالُ الْبَغْيِ إِلَّا عَلَى صَاحِبِهِ ؛ وَأَنَا أحَدُ مَن مَكَرَ وَخَدَعَ واحْتَالَ ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : وَكَيْفَ كان ذلِكَ : فَأَخَبَرَهُ بِخَبَرِهِ ، وَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ . فَقَالَ لَهُ رَفِيقُهُ : وو مَا مَتَلكَ إِلَّا مَثَلُ اللّصّ وَالتَّاجِرِ. فَقَالَ لَهُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلكَ ؟ (٢) قَالَ : زَعَمُوا أَنَّ تَاجِرًا كَانَ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ خَابِدَتَانِ إِحْدَاهُمَا مَمْلُوءَةً حِنْطَةٌ ، وَالأُخرَى مَمْلُوءَةً ذَهَب . فَتَرَقَبَهُ بَعْضُ السُوصِ زَمَانًا ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْضُ الأَيَّامِ تَشَاغَلَ التَّاجِرُ عَنِ المَنْزِلِ (٣) فَتَغفَلَهُ اللص ، وَدَخَلَ المَنزِلَ ، وَكَمَنَ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهِ . فَلَمَّا همَّ بِأَخْذِ الْخَابِيَّةِ الَّتِي فِيهَا الدَّنَانِيرُ أَخَذَ الَّتِي فِيهَا الْحِنْطَةُ 6 وَظَنَّهَا الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ ، وَلَمْ يَزَلْ فِي كُدٌ وَتَعَبٍ حَتَّى أَتَى بِهَا منزِلَهُ فَلَمَّا فَتَحَهَا وَعَلَمَ مَا فِيهَا نَدِمَ . قَالَ لَهُ الْحَائِنُ : مَا أَبْعَدْتَ (1) أشعر (٢) الخابية الحب أى الجرة الضخمة وأصلها الهمز لأنها من خباً . (٣) اعتم عقلته . . المثل ، وَلَا تَجَاوَزْتَ الْقِيَاسَ ، وَقَدِ اعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي وَخَطَي عَلَيْكَ ، وَعَزيزٌ عَلَى أَن يَكُونَ هذَا كَهْذَا . غَيْرَ أَنَّ النَّفْسَ الردِينَةَ تَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ . فَقَبِلَ الرجُلُ مَعْذِرَتَهُ ، وَأَضْرَبَ عَنْ تو بِخِهِ وَعَنِ الثَّقَةِ بِهِ ، وَنَدِمَ هُوَ عِنْدَ مَا عَايَنَ مِنْ سُوءٍ فِعْلِهِ وَتَقْدِيم جَهْلِهِ . ؛ وقَدْ يَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي كِتَابِنَا هَذَا أَلَّا تَكُونَ غَايَتُهُ التَّصَفْحَ لتَرَاوِيقِه ، بَلْ يُشْرِفُ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الْأَمْثَالِ ، حَتَّى يَنْتَهِيَ مِنْهُ ، وَيَقِفَ عِنْدَ كُلِّ مَثَلٍ وَكَلِمَةٍ ، وَيُعْمِلَ فِيهَا رَوِيَّتَهُ ، وَيَكُونَ مِثْلَ أَصْغَرِ الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خَلَّفَ لَهُمْ أَبُوهُم المَالَ الكثير ، فَتَنَازَعوه بينهم ، فَأَمَّا الكَبِيرَانِ فَإِنَّهُمَا أَسْرَعَا فِي إِتْلَافِهِ وَإِنْفَاقِهِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَإِنَّهُ عِنْدَ مَا نَظَرَ مَا صَارَ إِلَيْهِ أَخَوَاهُ مِنْ إِسْرَافِهِمَا وَتَخَلَيهِمَا مِنَ المَالِ ، أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ يُشَاوِرُهَا وَقَالَ : يَا نَفْسِي إِمَا الْمَالُ يَطلُبُهُ صَاحِبَهُ ، وَيَجْمَعُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهِ : لِبَقَاءِ حَالِهِ ، وَصَلَاحٍ مَعَاشِهِ وَدُنْيَاهُ ، وَشَرَفِ - -- (1) أصل معناه يطلع عليه من فوق والمراد هنا يدقق و يتأمل . (٢) تنازعوه : تناولوه . VI منزِلَتِهِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ ، واسْتِغْنَائِهِ عَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَصَرْفِهِ في وَجْهِهِ : مِنْ صِلَةِ الرَّحِيمِ ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ ، وَالْإِفْضَالِ عَلَى الْإِخْوَانِ . فَمَنْ كَانَ لَهُ مَال وَلَا يُنْفِقُهُ فِي حُقُوقِهِ ، كَانَ كَالَّذِى يُعَدُّ فَقِيرًا وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ، وَإِنْ هُوَ أَحْسَنَ إِمْسَاكَهُ وَالْقِيَامَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَعْدَمِ الْأَمْرَينِ جَمِيعًا مِنْ دُنْيَا تَبقَى عَلَيْهِ ، وَحَمدٍ يُضَافُ إِلَيْهِ ، وَمَتَى قَصَدَ إِنْفَاقَهُ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْتَ ، لَمْ يَلْبَتْ أَن يُتْلِفَهُ وَيَبْقَى عَلَى حَسْرَةٍ وَنَدَامَةٍ ، وَلَكِنَّ الرَّأْى أنْ أُمْسِكَ هذَا المَالَ ، فَإِنّى أَرْجُو أَن يَنْفَعَنِيَ اللَّهُ بِهِ : وَيُغْنِيَ أَخَوَى عَلَى يَدَيَّ : فَإِنَّمَا هُوَ مَالُ أَبي وَمَالُ أَبِيهِمَا ، وَإِنَّ أَوْلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى صِلَةِ الرَّحِم وَ إِنْ بَعُدَتْ ، فَكَيْفَ بِأَخَوَى * فَأَنْقَذَ فَأَحْضَرَهُمَا وَشَاطَرَهُمَا مَالَهُ ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى قَارِي هَذَا الْكِتَابِ أَن يُدِيمَ النَّظَرَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ طَبَجَرٍ ، وَيَلْتَمِسَ جَوَاهِرَ مَعَانِيهِ ، وَلَا يَظُنَّ أَنَّ نَتِيجَتَهُ الْإِخْبَارُ عَنْ حِيلَةِ بَهِيمَتَيْنِ أَوْ مُحَاوَرَةِ سَبْع لِثَورٍ : فَيَنْصَرِفَ بِذلِكَ عَنِ الْغَرَضِ المَقْصُود . وَيَكُونَ مَثَلُهُ مَثَلَ الصَّيَّادِ الَّذى كَانَ فِي بَعْضِ الْخُلْجَانِ يَصِيدُ فِيهِ . السمك [٩] كليلة ودمنة في زَوْرَقٍ فَرَأَى ذَاتَ يَوْمٍ فِي أَرْضِ الْمَاءِ صَدَفَةٌ تَتَلَا لَا حُسْنًا، وَهَمَهَا جَوْهَرا لَهُ قِيمَةٌ وَكَانَ قَد أَلْقَى شَبَكَتَهُ فِي الْبَحْرِ ، .. فَاشْتَمَلَتْ عَلَى سَمَكَةٍ كَانَتْ قُوتَ يَوْمِهِ ، فَخَلاهَا وَقَذَفَ نَفْسَهُ فِي المَاءِ لِيَأْخُذَ الصَّدَفَةَ ، فَلَمَّا أَخْرَجَهَا وَجَدَهَا فَارِغَةً لَا شَيْءَ فيهَا مِمَّا ظَنَّ ، فَنَدِمَ عَلَى تَرْكِ مَا فِي يَدِهِ لِلطَّمَع ، وَتَأْسَفَ عَلَى مَا فَاتَهُ ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي تَنَى عَنْ ذلِكَ الْمَكَانِ ، وَأَلْقَى شَبَكَتَهُ ، فَأَصَابَ حُونًا صَغِيرًا ، وَرَأَى أَيْضًا صَدَفَةٌ سَنِيَّةٌ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا ، وَسَاءَ ظَنُّهُ بِهَا، فَتَرَكَهَا ، فَاجْتَازَ بِهَا بَعْضُ الصَّيَّادِينَ فَأَخَذَهَا ، فَوَجَدَ فِيهَا دُرَّةً تُسَاوِى أَمْوَالًا . • وَكَذلِكَ الْجَهَّالُ إِذَا أَغْفَلُوا أمرَ النَّفَكْرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى أَسْرَارِ مَعَانِيهِ ، وَأَخَذُوا بِظَاهِرِهِ . وَمَنْ صَرَفَ هِمْتَهُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَبْوَابِ الْهَزْلِ ، كَانَ كَرَجُلٍ أَصَابَ أَرْضَا طيِّبَةٌ حَرَّةً وَحَبًّا صَحِيحا ، فَزَرَعَهَا وَسَقَاهَا ، حَتَّى إِذَا قَرُبَ خَيْرُهَا وأينَعَتْ ، تَشَاغَلَ عَنْهَا بِجَمْعِ مَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرِ وَقَطْعِ الشَّوْكِ فَأَهْلَكَ بِنَشَاغُلِهِ مَا كَانَ أَحْسَنَ فَائِدَةً وَأَحْمَلَ عَائِدَةً . وَيَنْبَغِي للنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَن يَعْلَمَ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أغْرَاضَ : أَحَدُهَا مَا قُصِدَ فِيهِ إِلَى وَضْعِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْبَهَائِمِ ، غَيْرِ النَّاطِقَةِ لِيُسَارِعَ إِلَى قِرَاءَتِهِ أَهْلُ الْهَزْلِ مِنَ السُّبَّانِ فَتُسْتَمَالَ بِهِ قُلُوبُهُمْ : لِأَنَّهُ الْعَرَضُ بِالنَّوَادِرِ مِنْ حِيلِ الْحَيَوَانِ . والنَّانِي إِظْهَارُ خَيَالَاتِ الحَيَوَانِ بِصُنُوفِ الْأَصْبَاغِ وَالْأَلْوَانِ : لِيَكُونَ أَنسًا لِقُلُوبِ الْمُلُوكِ ، وَيَكُونَ حِرْضُهُمْ عَلَيْهِ أَشَدَّ لِلتَّزْهَةِ في تِلْكَ الصُّوَرِ ، وَالثَّالِثُ أَن يَكُونَ عَلَى هَذِهِ الصَّفَةِ : فَيَتَّخِذَهُ الملُوكُ وَالسُّوقَةُ ، فَيَكْثُرَ بِذَلِكَ انْتِسَاخُهُ ، وَلَا يَبْطُلَ فَيَخلَقَ عَلَى مُرُورِ الْأَيَّامِ ، وَلِيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ الْمُصَوِّرُ والنَّاسِحُ أَبَدًا . وَالْغَرَضُ الرَّابِعُ ، وَهُوَ الْأَقْصَى ، وَذَلِكَ مَخصُوصٌ بِالْفَيَاسُوفِ خَاصَّةٌ. ) انقضى باب عرض الكتاب )


  1. الكد والسعى
  2. استعنت
  3. أقبسه العلم وقبسه إياه يقيسه : أفاده إياه ، ويقال : اقتبست منه علما و بست استفدت
  4. يتعبها
  5. العبادة
  6. بصر به كظرف وفرح أبصره
  7. الهراوة بالكسر : العصا الضخمة .
  8. الأعدال :: الأمتعة
  9. سفينة صغيرة