انتقل إلى المحتوى

كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب بعثة برزويه إلى بلاد الهند

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: المطبعة الأميرية - بولاق (1937)، الصفحات ٤٢–٥٧
 

بابُ بَعثَةِ بَرَزَويهِ إِلَى بِلَادِ الهَنْدِ

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الخَلْقَ بِرَحْمَتِهِ ، وَمَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَرَزَقَهُمْ مَا يَقْدِرُونَ بِهِ عَلَى إِصْلَاحِ مَعَايِشِهِمْ في الدُّنْيَا ، وَيُدْرِكُونَ بِهِ اسْتِنْقَادَ أَرْوَاحِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ و . فِي الْآخِرَة ، وأَفضَلُ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَمَنَ بِهِ عَلَيهِمُ الْعَقل الَّذِى هُوَ الدَّعَامَةُ الجَمِيعِ الأَشْيَاءِ ، وَالَّذِي لَا يَقْدِرُ أَحَدُ فِي الدُّنْيَا على إِصْلَاحِ مَعِيشَتِهِ وَلَا إِحْرَازِ نَفْعِ وَلَا دَفْعِ ضَرَرٍ إِلَّا بِهِ . وَكَذَلِكَ طَالِبُ الْآخِرَةِ الْمُجْتَهِدُ فِي الْعَمَلِ الْمُنَجِّى بِهِ رُوحَهُ لَا يَقْدِرُ علَى إِثْمَامِ عَمَلِهِ وَإِسْمَالِهِ إِلَّا بِالْعَقْلِ الَّذِى هُوَ سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ وَمِفْتَاحُ كُلِّ سَعَادَةٍ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ غِنى عَنِ الْعَقْلِ ، وَالْعَقْلُ . . مُكْتَسَبُ بِالتَّجَارِبِ وَالْأَدَب . وَلَهُ غَرِيزَةٌ مَكْنُونَةٌ فِي الْإِنْسَانِ كَامِنَةٌ كَالنَّارِ فِي الْحَجَرِ لَا تَظْهَرُ وَلَا يُرَى ضَوْءُ هَا حَتَّى يَقْدَحَهَا قادِحٌ مِنَ النَّاسِ ؛ فَإِذَا قُدِحَتْ ظَهَرَتْ طَبِيعَتُهَا . وَكَذَلِكَ الْعَقْلُ مه گرمه وس گامِن فِي الْإِنْسَانِ لَا يَظْهَرُ حَتى يُظْهِرَهُ الْأَدَبُ وَتُقَويَهُ التَّجَارِبُ ، وَمَنْ رُزِقَ الْعَقْلَ وَمُنَّ بِهِ عَلَيْهِ وَأَعِينَ عَلَى صِدْقِ فَرِيحَتِهِ بِالْأَدَبِ حَرَصَ عَلَى طَلَبِ سَعْدِ جَدَهِ، وَأَدْرَكَ فِي الدُّنْيَا أمَلَهُ ، وَحَازَ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابَ الصَّالِحِينَ. وَقَدْ رَزَقَ اللهُ المُلَكَ السَّعِيدُ أَنُوشِرْوَانَ مِنَ الْعَقْلِ أَفْضَلَهُ ، وَمِنَ الْعِلْمِ أَجْزَاهُ ، وَمِنَ المَعْرِفَةِ بِالْأُمُورِ أَصْوَبَهَا ، وَمِنَ الْأَفْعَالِ أَسَدَّهَا ، وَمِنَ الْبَحْثِ عَنِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ أَنْفَعَهُ ، وَبَلَغَهُ مِنْ قُنُونِ اخْتِلَافِ الْعِلْمِ، ؛ وَ بُلُوغِ مَنْزِلَةِ الفَلْسَفَةِ ، مَا لَمْ يَبْلُغُهُ مَلِكُ قَطْ مِنَ الْمُلُوكِ قَبْلَهُ ؛ حَتَّى كَانَ فِيمَا طَلَبَ وَبَحَثَ عَنْهُ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ بَلَغَهُ عَنْ كَابٍ بالْهِنْدِ ، عَلِمَ أَنَّهُ أَصْلُ كُلَّ أَدَبِ وَرَأْسُ كُلِّ عِلْمٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى كُلِّ مَنْفَعَةٍ ، وَمِفْتَاحُ عَمَلِ الآخِرَةِ وَعِلْمِهَا ، وَمَعْرِفَةِ النَّجَاةِ مِنْ هَوْلِهَا ، فَأَمَرَ المَلِكُ وَزِيرَهُ بزرجمهر أَنْ يَحْتَ لَهُ عَن رَجُلٍ أَدِيبٍ عَاقِلِ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، بَصِيرٍ بِلِسَانِ الْفَارِسِيَّةِ ، مَاهِرٍ فِي كَلَامِ الهند ؛ وَيَكُونُ بَلِيعًا بِاللَّسَانَيْنِ جَمِيعًا ، حَرِيصًا عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ مجتهداً فِي اسْتِعْمَالِ الأَدَبِ ، مُبَادِرًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَالْبَحْثِ عنْ كُتُبِ الفَلْسَفَةِ ، فَأَتَاهُ بِرَجُلٍ أَدِيبِ كَامِلِ الْعَقْلِ وَالْأَدَبِ ، معروف بصنَاعَةِ الطَّبُ ، مَاهِي فِي الفَارِسِيَّةِ وَالهِنْدِيَّةِ يُقَالُ لَهُ 6 برزويه ؛ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ كَفَرَ وَسَجدَ بَيْنَ يَدَيْهِ . فَقَالَ لَهُ المَلِكُ : يَا بَرْزَوَيْهِ : إِنِّى قَدِ اخْتَرْتُكَ لِمَا بَلَغَنِي مِنْ فَضْلِكَ وَعِلْمِكَ وَعَقْلِكَ، وَحِرْصِكَ عَلَى طَلَب العِلْمِ حَيْثُ كَانَ . وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ كِتَابٍ بالمندِ تَخَرُون فِي خَزائِنِهِمْ ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا بَلَغَهُ عَنْهُ . وَقَالَ لَهُ : تَجَهَرْ فَإِنّى مُرَحْلُكَ إِلَى أَرْضِ الْهِنْدِ ، فَتَلَطَّفْ بِعَقْلِكَ وَحُسْنِ أدبكَ وَنَاقِدِ رَأْيِكَ ، لاستخراج هذَا الْكِتَابِ مِنْ خَزَائِنِهِمْ وَمِنْ قبل عُلَمَائِهِمْ ، فَتَسْتَفِيدَ بِذلِكَ وَتُفِيدَنَا . وَمَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الهِنْدِ مِمَّا لَيْسَ فِى خَزَائِنَنَا مِنْهُ شَيْءٍ فَأَحْمِلُهُ مَعَكَ، وَخُدْ معك مِنَ المَالِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَعَجَل ذلِكَ ، وَلَا تُقَصِّر ففِي طَلَبِ الْعُلُومِ وَ إِنْ أَكْثَرْتَ فيه النَّفَقَةَ ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا فِي خزَائِنِي مَبْدُولُ لَكَ فِي طَلَبِ الْعُلُومِ. وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْمُنجَمِينَ ؛ فَاخْتَارُوا لَهُ يَوْمًا يَسيرُ فِيهِ ، وَسَاعَةٌ صَالِحَةٌ يَخْرُجُ فِيهَا . وَحَمَلَ مَعَهُ مِنَ المَالَ عِشْرِينَ حَرَابًا ، كُلَّ حَرَابٍ فِيهِ عَشْرَةُ آلَافِ دِينَارٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ بَرْزَوَيْهِ بِلَادَ الْهِنْدِ طَافَ بِبَابِ الْمَلِكِ وَمَجَالِسِ السُّوقَةِ[١] ، وَسَأَلَ عَنْ خَوَاصَ المَلِكِ وَالْأَشْرَافِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفَلَافَةِ ، فَعَلَ يَغْشَاهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ ، وَيَتَلَقَّاهُمْ بِالتَّحِيَّةِ ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ قَدِمَ بِلَادَهُمْ لِطَلبَ الْعُلُومِ وَالأدب، وَأَنَّهُ مُحْتَاجُ إِلَى مُعَاوَنَتِهِمْ فِي ذَلِكَ . فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ زَمَانًا طَوِيلًا يَتَأَدَبُ عَنْ عُلَمَاءِ الْهِنْدِ بِمَا هُوَ عَالِمُ بِجَمِيعِهِ ، وَكَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ يَسْتُرُ بُغْيَتَهُ وَحَاجَتَهُ . وَاتَّخَذَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِطُولِ مُقَامِهِ أَصْدِقَاءَ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالسُّوقَةِ وَمِنْ أَهْلِ كُلِّ طَبَقَةٍ وَصِنَاعَةٍ ؛ وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ مِنْ بَيْنِ أَصْدِقَائِهِ رَجُلًا وَا مِدًا قَدِ اتَّخَذَهُ لِسِرِهِ وَمَا يُحِبُّ مُشَاوَرَتَهُ فِيهِ ؛ لِلَّذِى ظَهَرَ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَدَبِهِ ، وَاسْتَبَانَ لَهُ مِنْ مِمَّةِ إِخَائِهِ ، وَكَانَ يُشَاوِرُهُ فِي الْأُمُورِ ، وَيَرْتَاحُ إِلَيْهِ فِي جَمِيع ما أَهَمَّهُ . إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ مِنْهُ الْأَمْرَ الَّذِي قَدِمَ مِنْ أَجْلِهِ لِكَيْ يبلُوهُ وَيَكْبُرَهُ ، وَيَنْظُرَهَلْ هُوَ أَهْل أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى سِرِّهِ . فَقَالَ لَهُ يَوْمًا وَهُمَا جَالِسَانِ : يَا أَمِي مَا أُرِيدُ أَنْ أَكْتُمَكَ مِنْ أَمْرِى فَوْقَ الَّذِي كَتَمْتُكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّى لِأَمْرٍ قَدِمْتُ ، وَهُوَ غَيْرُ الَّذِي يظْهَرُ مِنى ؛ وَالْعَاقِلُ يَكْتَفِي مِنَ الرَّجُلِ بِالْعَلَامَاتِ مِنْ نَظَرِهِ حتَّى يَعْلَمَ سِر نَفْسِهِ وَمَا يُضْمِرُهُ قَلْبُهُ . قَالَ لَهُ الْهِنْدِي : إِن و وَإِنْ لَمْ أَكُن بَدَأَتُكَ وَأَخْبَرْتُكَ بِمَا جِئْتَ لَهُ ، وَإِيَّاهُ تُرِيدُ ؛ رورو وَأَنَّكَ تَكْتُمُ أَمْرًا تَطْلُبُهُ ، وَتُظهِرُ غَيْرَهُ ، مَا خَفَ عَلَى ذَلِكَ مِنْكَ . وَلكِنِّي لَرَغْبَنِي فِي إِخَائِكَ ، كَرِهْتُ أَنْ أَوَاجِهَكَ بِهِ . وَإِنَّهُ قَدِ اسْتَبَانَ مَا تُخْفِيهِ مِنّي . فَأَمَّا إِذْ قَدْ أَظْهَرْتَ ذلكَ ، وَأَفْصَحْتَ به وَبِالْكَلَام فِيهِ، فَإِنِّى مُخْبِرُكَ عَنْ نَفْسِكَ ، وَمُظْهِرُ لَكَ سَرِيرَتَكَ ، وَ مُعْلِمُكَ بِحَالِكَ الَّتِي قَدِمْتَ لَهَا ، فَإِنَّكَ قَدِمْتَ بِلَادَنَا لِتَسْلُبَنَا كُنُوزَنَا النَّفِيسَةَ ، فَتَذْهَبَ بِهَا إِلى بِلَادِكَ ، وَتَسُر بهَا مَلِكَكَ . وَكَانَ قُدُومُكَ بِالمَكْرِ وَالحَدِيعَةِ . وَلكِنِّي لَا رَأَيْتُ صَبَرَكَ ، ومُوَاظَبَتَكَ عَلَى طَلَبِ حَاجَتِكَ ، وَالتَّحَفْظِ مِنْ أَنْ يَسْقُطُ مِنْكَ الكَلَامُ ، مَعَ طُولِ مُكْثِكَ عِنْدَنَا ، بِشَيْءٍ يُسْتَدَلْ بِهِ عَلَى سَرِيرَتِكَ وأمورِكَ، ازْدَدْتُ رَغبَةً فِي إِخَائِكَ ، وَثِقَةٌ بعَقْلكَ ، فَأَحْبَيْتُ موَدَّتَكَ . فَإِنِّى لَمْ أَرَ فِى الرِّجَالِ رَجُلًا هُوَ أَرْصَنُ[٢] مِنْكَ عَفْلًا ، وَلَا أَحْسَنُ أَدَبًا ، وَلَا أَصْبَرُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَلَا أَكْثَمُ لِسِرِّهِ مِنْكَ ، وَلَا سِيمَا فِي بِلادِ غُرْبَةِ ، وَمَمْلَكَةٍ غَيْرِ مَمْلَكَتِكَ، عِنْدَ قَوْمٍ لَا تَعْرِفُ سُنَّتَهُمْ . وَإِنَّ عَقْلَ الرَّجُلِ لَيَبِينُ في ثَمَانِي حَصَالٍ : الْأُولَى الرّفْقُ . وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَعْرِفَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فَيَحْفَظَهَا والثَّالِثَةُ طَاعَةُ المُلُوكِ ، وَالتَّحَرُى لَا يُرْضِيهِم . والرَّابِعَةُ مَعْرِفَةٌ الرَّجُلِ مَوْضِعَ سِرِّهِ ، وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يُطْلِعَ عَلَيْهِ صَدِيقَهُ . وَالخَامِسَةُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ أَدِيبًا مَلِقَ اللُّسَانِ[٣] وَالسَّادِسَةُ أَنْ يَكُونَ لِسِرِّهِ وَسِر غَيْرِهِ حَافِظًا . وَالسَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ عَلَى لِسَانِهِ قَادِرًا ، فَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِمَا يَأْمَنُ تَبِعَتَهُ . وَالثَّامِنَةُ إِنْ كَانَ بِالْمُحْفِلِ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِمَا يُسْأَلُ عَنْهُ ، فَمَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْحَصَالُ كَانَ هُوَ الدَّاعِيَ الخَيْرِ إِلَى نَفْسِهِ . وَهَذِهِ الحصَالُ كُلْهَا قَدِ اجْتَمَعَتْ فِيكَ ، وَبَانَتْ لِي مِنْكَ . فَاللَّهُ تَعَالَى يَحْفَظُكَ ، وَيُعِينُكَ عَلَى مَا قَدِمْتَ لَهُ ، فَصَادَقَتُكَ إِيَّايَ ، وَإِنْ كَانَتْ لِتَسْلُبَنِي كَنْزِى وَنَفَرِى وَعِلْي ، تَجْعَلُكَ أَهْلًا لِأَنْ تُسْعَفَ بِحَاجَتِكَ، وَتَشْفَعَ بِطَلِبَتِكَ[٤] ، وَتُعْطَى سُؤلَكَ[٥] . فَقَالَ لَهُ بَرْزَوَيْهِ : إنِّي قَدْ كُنتُ هَيَّأْتُ كَلَامًا كَثِيرًا ، وَشَعَبْتُ لَهُ شُعُوبًا ، وَأَنْشَأْتُ لَهُ أَصُولًا وَطُرُقًا ، فَلَمَّا انْتَهَيْتَ إِلَى مَا بَدَأْتَنِي بِهِ مِنَ اطْلَاعِكَ عَلَى أَمْرِى والَّذِى قَدِمْتُ لَهُ ، وَأَلْقَيْتَهُ عَلَيَّ مِنْ ذَاتِ نَفْسِكَ، وَرَغْبَتِكَ فِيمَا أَلْقَيْتَ مِنَ الْقَوْلِ اكْتَفَيْتُ بِالْبَسِيرِ مِنَ الْخَطَابِ معكَ ، وَعَرَفْتُ الكَبِيرَ مِنْ أُمُورِى بِالصَّغِيرِ مِنَ الْكَلَام وَاقْتَصَرْتُ بِهِ مَعَكَ عَلَى الْإِيجَازِ . وَرَأَيْتُ مِنْ إِسْعَافِكَ إِيَّايَ بحاجَتِي مَا دَلَّنِي عَلَى كَرَمِكَ وَحُسْنِ وَفَائِكَ : فَإِنَّ الْكَلَامَ إِذَا أُلْقِيَ إِلَى الْفَيْلَسُوفِ ، وَالسِّرَّ إِذَا اسْتُودِعَ إِلَى اللَّبِيبِ الْحَافِظ، فَقَدْ حُصْنَ وَبُلِغَ بِهِ نِهَايَةُ أَمَلِ صَاحِبِهِ ، كَمَا يُحَصَنُ الشَّيْءُ النَّفِيسُ فِي الْقِلَاعِ الحَصِينَةِ . قَالَ لَهُ الْهِنْدِيٌّ : لَا شَيْءَ أَفْضَلُ مِنَ المَوَدَّةِ . وَمَنْ خَلَصَتْ مَوَدَّتُهُ كَانَ أَهْلًا أَنْ يَحْلِطَهُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يَدَّخِرَ عَنْهُ شَيْئًا ، وَلَا يَكْتُمَهُ سِرًا : فَإِنَّ حفظ السِّر رأسُ الأَدبِ. فَإِذَا كَانَ السِّرُّ عِنْدَ الْأَمِينِ الْكَتُومِ فَقَدِ احْتُرِزَ مِنَ التَّضْبِيعِ ، مَعَ أَنَّهُ خَلِيقُ أَلَّا يَتَكَلَّمَ بِهِ، وَلَا يَتِمُّ سِر بَيْنَ اثْنَيْنِ؛ قدْ عَلِيَاهُ وَتَفَاوَضَاهُ . فَإِذَا تَكَلَّمَ بِالسِّرِّ اثْنَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ ثَالِثٍ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا ، فَإِذَا صَارَ إِلَى الثَّلَاثَةِ فَقَدْ شَاعَ وَذَاعَ، حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ صَاحِبُهُ أَنْ يَجْحَدَهُ وَيُكَابِرَ عَنْهُ ، كَالْغَيْمِ إِذَا كَانَ متقطعًا فِي السَّمَاءِ فَقَالَ قَائِلُ : هَذَا غَيْمُ مُتَقَطِّعُ ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ على تكذيبِهِ . وَأَنَا قَدْ يُدَاخِلُنِي مِنْ مَوَدَّتِكَ وَخِلْطَتِكَ[٦] سُرُورٌ لا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ . وَهُذَا الْأَمْرُ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي لَا تُكْتَمُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْشُوَ وَيَظْهَرَ ، حَتَّى يَحدَّثَ به النَّاسُ . فَإِذَا فَشَا فَقَدْ سَعَيْتُ فِي هَلَا فِي هَلَاكًا لَا أَقْدِرُ عَلَى الْفِدَاء مِنْهُ بِالْمَالِ وَإِنْ كَثُرَ : لِأَنَّ مَلِكًا فَظًّا غَلِيظٌ ، يُعَاقِبُ عَلَى الذَّنْبِ الصَّغِيرِ أَشَدَّ الْعِقَابِ ، فَكَيْفَ مِثْلُ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ وَإِذَا حَمَلَتْنِي الْمَوَدَّةُ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَأَسْعَفْتُكَ بِحَاجَتِكَ يرد عقابهُ عَلَى شَيْءٌ . قَالَ بَرزَوَيْهِ : إِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ مَدَحَت الصَّدِيقَ إِذَا كَتَمَ سِر صَدِيقِهِ وَأَعَانَهُ عَلَى الْفَوْزِ . وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي قَدِمْتُ لَهُ ، لِمِثْلِكَ ذَحْرْتُهُ ، وَبِكَ أَرْجُو بُلُوغهُ، وَأَنَا وَائِقُ یگرمِ طَبَاعِكَ وَوُفُورِ عَقْلِكَ، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَخْشَى مِنِّي وَلَا تَخَافُ أنْ أَبْدِيَهُ ، بَلْ تَخْشَى أَهْلَ بَيْتِكَ الطَّائِفِينَ بِكَ وَبِالْمَلِكِ أَنْ يَسْعَوْا بِكَ إِلَيْهِ . وَأَنَا أَرْجُو أَلَّا يَضِيعَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ : لأنى أَنَا ظَاعِنُ وَأَنْتَ مُقِيمٌ ، وَمَا أَقَمْتُ فَلَا ثَالِثَ بَيْنَنَا . فَتَعَاهَدَا عَلَى هَذَا جَمِيعًا . وَكَانَ الهِنْدِى خَازِنَ الْمَلِكِ ، وَبِيَدِهِ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِهِ . فَأَجَابَهُ إِلَى ذلِكَ الْكِتَابِ وَإِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ . فَأَكَبَّ عَلَى تَفسِيرِهِ وَنَقْلِهِ مِنَ النِّسَانِ الْهِنْدِى إِلَى النِّسَانِ الْفَارِسِي ؛ وأَتْعبَ نَفْسَهُ ، وَأَنْصَبَ بَدَنَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ وَجِل وفَرِعُ مِنْ مَلِكِ الهَندِ ؛ خَائِفُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ المَلِكُ الْكِتَابَ فِي وَقتٍ وَلَا يُصَادِفَهُ فِي خَزَائِنِهِ . فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ انْتِسَاخِ الكِتَابِ وَغَيْرِهِ مِمَّا أَرَادَ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ. كَتَبَ إِلَى أنُو شِرْوَانَ يُعْلِمُهُ بِذلِكَ . فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ الْكِتَابُ ، مُرَّ بِذلِكَ سُرُورًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَخَوَّفَ مُعَاجَلَةَ الْمَقَادِيرِ أَنْ تُنَغِصَ عَلَيْهِ فَرَجَهُ؛ فَكَتَبَ إِلَى بَرْزَوَيْهِ يَأْمُرُهُ بِتَعْجِيلِ الْقُدُومِ . فَسَارَ بَرْزَوَيهِ متَوَجهَا نَحْوَ كِسْرَى . فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ مَا قَدْ مَسَّهُ مِنَ الشُّحُوبِ[٧] والتَّعَب وَالنَّصَبِ ، قَالَ لَهُ : أَيُّهَا الْعَبْدُ النَّاصِحُ الَّذِي يَأْكُلُ ثَمَرَةَ مَا قَدْ غَرَسَ ، أَبْشِرْ وَقَرَّ عَيْنًا : فَإِنِّي مُشْرِفُكَ وَ بَالِغُ بِكَ أَفْضَلَ دَرَجَةٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرِيحَ بَدَنَهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الْقَامِنُ ، أمر المَلِكُ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ الأَمرَاءُ والْعُلَمَاءُ ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أمر برزَوَيهِ بِالْحُضُورِ . فَخَضَرَ وَمَعَهُ الكُتُبُ ، فَفَتَحَهَا وَقَرَأَهَا عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ . فَلَمَّا سَمِعُوا مَا فِيهَا مِنَ العِلم فَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا ، وَشَكُرُوا لِلَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ ، وَمَدْحُوا برزَوَيْهِ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ ، وَأَمَرَ المَلِكُ أَنْ تُفْتَحَ لِبَرْزَوَيْهِ خَزَائِنُ اللولو والزَّبَرْجَد وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؛ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الخَزَائِنِ مَا شَاءَ مِنْ مَالٍ أَوْكُسْوَةٍ ، وَقَالَ : يَا بَرْزَوَيْهِ إِنِّي قَدْ أَمَرْتُ أَنْ تُجْلَسَ عَلَى مِثْلِ سَرِيرِى هَذَا ، وَتُلْبَسَ تَاجًا ، وَتَتَرَأَسَ عَلَى جَمِيعِ الْأَشراف . فَسَجَدَ بَرْزَوَيْهِ لِلْمَلِكِ وَدَعَا لَهُ وَطَلَبَ مِنَ اللهِ وَقَالَ : أَكْرَمَ اللهُ تَعَالَى الْمَلِكَ كَرَامَةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَأَحْسَنَ عَنِّى ثَوَابَهُ وَجَزَاءَهُ ، فَإِنِّى بِحَمْدِ اللهِ مُسْتَغْنِ عَنِ الْمَالِ بِمَا رَزَقَنِي اللهُ عَلَى يَدِ الْمَلِكِ السَّعِيدِ الْحَد ، الْعَظيمِ الملكِ ، وَلَا حَاجَةَ لِي بِالمَالِ ، لَكِنْ مَا كَلَّفَنِي المَلِكُ ذَلِكَ وَعَلِمْتُ أَنَّهُ يَسُرهُ ، أَنَا أَمْضِى إِلَى الْخَزَائِنِ فَاخُذُ مِنْهَا طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ وامْتِنَالًا لِأَمْرِه . ثُمَّ قَصَدَ نِحِزَانَةَ النِيابِ فَأَخَذَ مِنْهَا تَخْتًا[٨] مِنْ طَرَائِفِ نُرَاسَانَ مِنْ مَلَابِسِ المُلُوكِ . فَلَمَّا قَبَضَ بَرْزَوَيْهِ مَا اخْتَارَهُ وَرَضِيَهُ مِنَ النِّيَابِ قَالَ : أَحْرَمَ اللهُ المُلِكَ وَمَدَّ ففِي عُمُرِهِ أَبَدًا . لَا بُدَّ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أُكْرِمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الشَّكْرُ ؛ وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَوجَبَهُ تَعَبًا وَمَشَقَةً فَقَدْ كَانَ فِيهِمَا رِضًا الْمَلِكِ . وَأَمَّا أَنَا فَ لَقِيتُهُ مِنْ عَنَاءِ وَتَعَب وَمَشَنَّةٍ ، مَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكُمْ فِيهِ الشَّرَفَ بِأَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ تَابِعًا رِضَاكُمْ ، أَرَى الْعَسِيرَ فِيهِ يَسِيرًا ، وَالسَّاقَ هَيِّنًا ، وَالنَّصَبَ وَالْأَذَى سُرُورًا وَكَذَةً : مَا أَعْلَمُ أَنَّ لَكُمْ فِيهِ رِضًا وَقُرْبَةٌ عِندَكُمْ . وَلكِنِّي أَسْأَلُكَ أَيُّهَا المَلِكُ حَاجَةٌ تُسْعِفُنِي بِهَا ، وَتُعْطِينِي فِيهَا مرق سولي : فَإِنَّ حَاجَتِي يَسِيرةً ، وَفي قَضَانِهَا فَائِدَةً كَثِيرَةٌ ، قَالَ أَنُوشِرْوَانُ : قُلْ فَكُل حَاجَةٍ لَكَ قِبَلَنَا مَقْضِيَّةٌ : فَإِنَّكَ عِنْدَنَا عَظِيمٌ ، وَلَوْ طَلَبتَ مُشَارَكَتَنَا فِي مُلْكًا لَفَعَلْنَا ، وَلَمْ نَرُدَّ طَلِبَتكَ ، فَكَيْفَ مَا سِوَى ذَلِكَ * فَقُلْ وَلَا تَحْتَثِمْ : فَإِنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا مبذُولَهُ لَكَ . قَالَ بَرْزَوَيْهِ : أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَنْظُرُ إِلَى عَنَانِي في رِضَاكَ وَانْكَماشِي[٩] فِي طَاعَتِكَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُكَ يَلْزَمُنِي يَدْلُ مُهْجَتِي فِي رِضَاكَ ، وَلَوْ لَمْ تَجْزِنِي لَمْ يَكُنْ ذلِكَ عِنْدِى عَظِيا وَلَا واجبًا عَلَى الْمَلِكِ ، وَلكِنْ لِكَرَمِهِ وَشَرَفِ مَنْصِبِهِ عَمَدَ إِلَى مُجَازَاتِي؛ وَخَصَّنِي وَأهْلَ بَيْنِي بِعُلو المرتبةِ وَرَفْعِ الدَّرَجَةِ ، حَتَّى لَوْ قَدَرَ أن يجمع لَنَا بَيْنَ شَرفِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَفَعَلَ . بَخَزَاهُ اللَّهُ عَنا أفضل الجَزَاءِ . قَالَ أَنُوشِرْوَانُ : اذْكُر حَاجَتَكَ ، فَعَلَى مَا يَسُرُّكَ . فَقَالَ بَرْزَوَيْهِ : حَاجَتِي أَنْ يَأْمُرَ الْمَلِكُ ، أَعْلَاهُ اللهُ تَعَالَى وَزِيرَهُ بُزرجَمِهرَ مِنَ الْبَحْتَكَانِ ، وَيُقْسِم عَلَيْهِ أَنْ يُعْمِلَ فِكْرَهُ، ويجمع رَأْيَهُ ، وَيَجْهَدَ طَاقَتَهُ ، وَيُفْرِعَ قَلْبَهُ فِي نَظم تأليف كلام مُنقَنِ مُحكم ، وَيَجْعَلَهُ بَابًا يَذْكُرُ فِيهِ أَمْرِى وَيصِفُ حَالِي؛ ولا يَدَعُ مِنَ المُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ أَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ . وَيَأْمُرُهُ إِذَا اسْتَتَمَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ أَوَّلَ الْأَبْوَابِ الَّتِي تُقْرَأْ قَبْلَ بَابِ الْأَسَدِ وَالثَّوْرِ : فَإِنَّ الْمَلِكَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَلَغَ بِي وَبِأَهْلِي غَايَةَ الشَّرفِ وَأَعْلَى الْمَرَاتِبِ ، وَأَبْقَى لَنَا مَا لَا يَزَالُ ذِكُرَهُ بَاقِي عَلَى الأَبَدِ حَيْثُمَا قُرِئَ هَذَا الْكِتَابُ.

فَلَمَّا سَمعَ كِسْرَى أَنُو شِرْوَانُ وَالْعُظَمَاءُ مَقَالَتَهُ وَمَا سَمَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ مِنْ مَحَبَّةِ إِبْقَاءِ الذِّكْرِ اسْتَحْسَنُوا طَلَبَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ ، وَقَالَ كَسْرَى : حبا وَكَرَامَةً لَكَ يَا بَرْزَوَيْهِ ، إِنَّكَ لَأَمْلُ أَنْ تُسْعَفَ بِحَاجَتِكَ ؛ فَمَا أَقَلَّ مَا فَنِعْتَ بِهِ وَأَيْسَرَهُ عِنْدَنَا ! وَإِنْ كَانَ خَطَرَهُ[١٠] عِندَكَ عَظِيا . ثُمَّ أَقْبَلَ أَنُوشِرْوَانُ عَلَى وَزِيرِهِ بُزُرْ جَهْرَ فَقَالَ لَهُ : قَدْ عَرَفتَ مُنَاصَحَةً بَرْزَوَيْهِ لَنَا، وَتَجَشُّمَهُ[١١] الخَاوِفَ وَالْمُهَالِكَ فِيمَا يُقربُهُ مِنَّا ، وَإِنْعَابَهُ بَدَنَهُ فِيمَا يَسُرنَا، وَمَا أَتَى بِهِ إِلَيْنَا مِنَ المَعْرُوفِ، وما أفَادَنَا اللهُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الحكمة والأدبِ الْبَاقِي لَنَا نَفْرَهُ ، وَمَا عرَضْنَا عَلَيْهِ مِنْ خَزَائِتِنَا لِنَجْزِيَهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ ، فَلَمْ تَمِلْ نَفْسُهُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ بُغْيَتُهُ وَطَلِبَتْهُ مِنَّا أَمْرًا يَسيرًا رَآهُ هُوَ الثَّوَابَ مِنَّا لَهُ وَالْكَرَامَةَ الْحَلِيلَةَ عِنْدَهُ ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ نَتَكَلَّم فِي ذَلِكَ وَتُسْعَفَهُ بِحَاجَتِهِ وَطَلِبَتِهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسُنِي، وَلَا تَدَعْ شَيْئًا مِنَ الاِجْتِهَادِ وَالمُبَالَغَةِ إِلَّا بَلَغْتَهُ ، وَإِنْ نَالَتْكَ فِيهِ مَشَقَةٌ ، وَهُوَ أَنْ تَكْتُبَ بَابًا مُضَارِعًا لِتِلْكَ الْأَبْوابِ الَّتِي فِي الْكِتَابِ ، وَتَذْكُرَ فِيهِ فَضْلَ بَرْزَوَيْهِ ، وَكَيْفَ كَانَ ابْتِدَاءُ أمْرِه وَشَأْنُهُ ، وَتَنْسُبَهُ إِلَيْهِ وَإِلَى حَسَبِهِ وَصِنَاعَتِهِ ، وَتَذْكُرَ فِيهِ بعْتَتَهُ إِلَى بِلَادِ الهِنْدِ فِي حَاجَتِنَا ، وَمَا أَفَدْنَا عَلَى يَدَيْهِ مِنْ هُنَالِكَ، وَشُرَفْنَا بِهِ وَفَضَّلْنَا عَلَى غَيْرِنَا ، وَكَيْفَ كَانَ حَالُ بَرْزَوَيْهِ وَقُدُومُهُ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ ؛ فَقُلْ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفْرِيفِ وَالْإِطْنَابِ فِي مَدْحِهِ ، وَبَالِغ فِي ذلِكَ أَفضَلَ المُبَالَغَةِ وَاجْتَهَدَ فِي ذلِكَ اجْتِهَادًا يسر برزَوَيْهِ وَأَهْلَ الْمَمْلَكَةِ . وَإِنَّ بَرْزَوَيْهِ أَهْلُ لِذلِكَ مِنِّى وَمِنْ جميع أهْلِ الْمَمْلَكَةِ وَمِنْكَ أَيْضًا : تَحَبَّتِكَ لِلْعُلُومِ ، وَاجْهَدْ أَنْ . يكُونَ عَرَضُ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِى يُنْسَبُ إِلَى بَرْزَوَيْهِ أَفْضَلَ مِنْ أَغْرَاضِ تِلْكَ الْأَبْوَابِ عِندَ الْحَاصِ وَالْعَامَ ، وَأَشَدَّ مُشَاكَلَةً لِحَالِ هذَا الْعِلْمِ : فَإِنَّكَ أَسْعَدُ النَّاسِ كُلِّهِم بِذلِكَ : لِانْفَرَادِكَ بِهَذَا الكتاب ، وَاجْعَلْهُ أَوَّلَ الْأَبْوَابِ . فَإِذَا أَنْتَ عَمِلْتَهُ وَوَضَعْتَهُ في موضعِهِ فَأَعْلِينِي لأَجمَعَ أَهْلَ الْمَمْلَكَةِ وَتَقْرَأَهُ عَلَيْهِمْ ، فَيَظْهَرَ فَضْلُكَ ه موی مرموه مراق واجْتِهَادُكَ فِي مَحَبَّتِنَا ، فَيَكُونَ لَكَ بِذلكَ نَفْرٌ ، فَلَمَّا سَمِعَ بُزُرجمهر مقالة الملِك نَحْلَهُ سَاجِدًا ، وَقَالَ : أَدَامَ اللَّهُ لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ الْبَقَاءَ ، وَبَلَغَكَ أَفْضَلَ مَنَازِلِ الصَّالِحِينَ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى؛ لقَدْ شَرفْتَنِي بِذلِكَ شَرَفًا بَاقِيًا إلَى الْأَبَدِ . هُم نَخَرَجَ بُزُر جَمِهْرُ مِنْ عِندِ الْمَلِكِ ، فَوَصَفَ بَرَزَوَيْهِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ دَفَعَهُ أَبَوَاهُ إِلَى الْمُعَلَّم، ومُضِيَّهُ إِلَى بِلَادِ الهِنْدِ فِي طَلَبِ الْعَقَاقِيرِ[١٢] وَالْأَدويَةِ ، وَكَيْفَ تَعَلَّمَ خُطُوطَهُم وَلغَتَهُمْ ، إِلَى أَنْ بَعَنَهُ أَنُوشِرْوَانُ إِلَى الِهِنْدِ فِي طَلَبِ الكتاب . وَلَمْ يَدَعْ مِن فَضَائِلِ بَرْزَوَيْهِ وَحَكَمَتِهِ وَخَلَائِقه وَمَذْهَبِهِ أَمْرًا إِلَّا نَسْقَهُ ، وَأَتَى بِهِ بِأَجْوَدِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّرج. ثُمَّ أَعْلَمَ الْمَلِكَ بِفَرَاغِهِ مِنْهُ . يَقَمَعَ أَنُوشِرْوَانُ أَشْرَافَ قَوْمِهِ وَأَهْلَ ممْلَكَتِهِ ، وَأَدْخَلَهُمْ إِلَيْهِ ، وَأَمَرَ بُزُر جَمِهرَ بِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ . وَ بَرْزَوَيْهِ قَائِمٌ إِلَى جَانِبِ بُزُرجهْرَ ، وَابْتَدَأَ بِوَصْفِ بَرْزَوَيهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِهِ. فَفَرِحَ المَلِكُ بِمَا أَتَى بِهِ بُزُرْ جَهْرُ مِنَ الحكمة والعلم . هُم أَثْنَى الْمَلِكُ وَجَميعُ الملك وجميع من حضره على بزرجمهر، وشكَرُوهُ وَمَدَحُوهُ ، وَأَمَرَ لَهُ المَلِكُ بِمَالٍ جَزِيلٍ وَكُسْوَةٍ وَحُلِي وأوانٍ ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا غَيْرَ كُسْوَةٍ كَانَتْ مِنْ ثِيَابِ الملوك . هُمَّ شَكَرَ لَهُ ذلِكَ بَرْزَوَيْهِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَيَدَهُ ، وَأَقْبَلَ برْزَوَيْهِ عَلَى الْمَلِكِ وَقَالَ : أَدَامَ اللهُ لَكَ الْمُلْكَ وَالسَّعَادَةَ فَقَدْ بلغت بي وبِأَهْلِي غَايَة الشَّرَفِ بِمَا أَمَرْتَ بِهِ بُزُرْ جَمِهْرَ مِنْ صُنْعا بلَغْتَ الْكِتَابَ فِي أَمْرِى وَإِبْقَاءِ ذكرى .

  1. الرعية
  2. أثبت
  3. متوددا متلطفا.
  4. مطلوبك.
  5. المسئول.
  6. عشرتك
  7. تغير اللون من السفر ونحوه
  8. وعاء تصان فيه الثياب
  9. الانكاش في الأمر : الجد فيه
  10. القدر والشرف
  11. تجشم الأمر : تكلمه على مشقة
  12. أصول الأدوية مفرده عقار