انتقل إلى المحتوى

كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب برزويه - ترجمة بزر جمهر بن البختكان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: المطبعة الأميرية - بولاق (1937)، الصفحات ٧٤–٩١
 

باب برزويه ترجمة بزرجمهر بنِ الْبَحْتَكَانِ

قَالَ بَرْزَوَيْهِ رَأْسُ أَطِباءِ فَارِسَ ، وَهُوَ الَّذِي تَولَّى انْتِسَاخَ هذَا الْكِتَابِ ، وَتَرْجَمَهُ مِنْ كُتُبِ الْهِنْدِ ( وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ ) : أبي كَانَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ ، وَكَانَتْ أُتِي مِنْ عُظَمَاءِ بُيُوتِ الزَّمَازِمَةِ[١] . وَكَانَ مَنْشَنِي فِي نِعْمَةٍ كَامِلَةٍ ، وَكُنْتُ أَكْرَمَ وَلَدِ أَبَوَى عليهما ، وَكَانَا بىَ أَشَدَّ احْتِفَاظًا مِنْ دُونِ إِخْوَتِي ، حَتَّى إِذَا بلغتُ سَبْعَ سِنِينَ ، أَسْلَمَانِي إِلَى الْمُؤدِّبِ ، فَلَمَّا حَذِقْتُ الكابةَ ، شَكَرْتُ أَبَوَى ، وَنَظَرْتُ فِي الْعِلْمِ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَتُ بِهِ ، وَحَرَصْتُ عَلَيْهِ ، عِلْمُ العبُ : لأَنِّي كُنْتُ عَرَفْتُ فَضْلَهُ . وَكَلَّمَا ازْدَدْتُ مِنْهُ عِلْمًا ازْدَدْتُ فِيهِ حَرْصًا ، وَلَهُ اتَّبَاعًا . فَلَمَّا هَمَّتْ نَفْسِي بِمُدَاوَاةِ المُرَضَى ، وَعَزَمْتُ عَلَى ذَلِكَ آمَرْتُهَا[٢] ثُمَّ خَيَّرْتُهَا بَيْنَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا النَّاسُ ، وَفِيهَا يَرْغَبُونَ، وَلَهَا يَسْعَوْنَ . فَقُلْتُ : أَيَّ هَذِهِ الخِلَالِ أَبْتَغِي فِي عِلْمِي ? وَأَيُّهَا أَخْرَى بِى فَأُدْرِكَ مِنْهُ حَاجَتِي : أَلمَالُ ، أَمِ الذِّكْرُ ، أَمِ اللَّذَاتُ vo أم الآخِرَةُ : وَكُنتُ وَجَدْتُ فِي كُتُبِ الحِب أَنَّ أَفْضَلَ الْأَطباء مَن وَاظَبَ عَلَى بَهِ ، لَا يَبْتَغِي إِلَّا الْآخِرَةَ. فَرَأَيْتُ أَنْ أَطْلُبَ الاشْتِغَالَ بِالطَّبُ ابْتِغَاءَ الْآخِرَةِ : لِئَلَّا أَكُونَ كَالتَّاجِرِ الَّذِي بَاعَ يَاقُوتَةٌ يَمِينَةٌ بِخَرَزَةٍ لَا تُسَاوِي شَيْئًا، مَعَ أَنِّي قَدْ وَجَدْتُ فِي كُتُبِ الأَوَّلِينَ أَنَّ الطَّبِيبَ الَّذِي يَبْتَغِي بِطِبَهِ أَجْرَ الآخِرَةِ لَا يَنقُصُهُ ذلِكَ حَظَّهُ مِنَ الدُّنْيَا . وَإِنَّ مَثَلَهُ مَثَلُ الزَّارِعِ الَّذِي يَعْمُرُ أَرْضَهُ ابتغَاءَ الزَّرْعِ لَا ابْتِغَاءَ الْعُشْبِ ، ثُمَّ هِيَ لَا مَحَالَةَ نَابِتُ فِيهَا أَلْوَانُ الْعُشب مَعَ يَانِعِ الزّرع . فَأَقْبَلْتُ عَلَى مُدَاوَاةِ المَرْضَى ابْتِغَاءَ أَجْرِ الآخرةِ ، فَلَمْ أَدَعْ مَرِيضًا أَرْجُو لَهُ الْبُرْءَ ، وَآخَرَ لَا أَرْجُو لَهُ ذلِكَ ، إِلَّا أَنِّي أَطْمَعُ أَن يَخِفَّ عَنْهُ بَعْضُ المَرَضِ ، إِلَّا بَالَغَتُ في مُداوَاتِهِ مَا أَمْكَنَى الْقِيَامُ عَلَيْهِ بِنَفْسِي ؛ وَمَن لَمْ أَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَصَفْتُ لَهُ مَا يُصْلِحُ ، وَأَعْطَيْتُهُ مِنَ الدَّوَاءِ مَا يُعَالَج بهِ . وَلَمْ أردُ مَنْ فَعَلْتُ مَعَهُ ذَلِكَ جَزَاء وَلَا مُكَافَاةٌ ، وَلَمْ أَغبط أحَدًا مِنْ نُظَرَانِيَ الَّذِينَ هُمْ دُونِي فِي الْعِلْمِ وَفَوْقِي فِي الجَرَاءِ وَالْمَالِ وَغَيْرِ هِمَا كَمَا لَا خود به لام وَلَا حُسْنِ سِيرَةٍ قَوْلًا وَلَا عَمَلًا. [٣] وَكَ تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى غِشْيَانِهِمْ وَتَمَنَّتْ مَنَازِلَهُم أَثْبَتْ لَهَا الحُصُومَةَ، فَقُلْتُ لَهَا : يَا نَفْسُ ، أَمَا تَعْرِفِينَ نَفْعَكِ مِنْ ضُرِّك ? أَلَا تَنْتَهِينَ عَنْ تَمَنِي مَا لَا يَنَالُهُ أَحَدٌ إِلَّا قَلَّ انْتِفَاعُهُ بِهِ ، وَكَثُرَ عَنَاؤُهُ فِيهِ، وَاشْتَدَّتْ المَونَهُ عَلَيْهِ وَعَظُمَت المشقَةُ لَدَيْهِ بَعْدَ فِرَاقِهِ يَا نَفْسِي ، أمَا تَذْكُرِينَ مَا بَعْدَ هَذِهِ الدَّارِ : فَيُنْسِيَكِ مَا تَشْرَهِينَ إِلَيْهِ مِنْهَا ؟ أَلَا تَسْتَحْيِينَ مِنْ مُشارَكَةِ الْفُجَّارِ فِي حُبِّ هَذِهِ الْعَاجِلَةِ الْفَانِيَةِ الَّتِي مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٍ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ ، وَلَيْسَ بِبَاقٍ عَلَيْهِ ، فَلا يَأْلَفُهَا إِلَّا الْمُعْتَرُونَ الْجَاهِلُونَ يَا نَفْسُ انْظُرِى فِي أَمْرِك ، وَانْصَرِ فِى عَنْ هَذَا السَّفَهِ ، وَأَقْبِلِي بِقُوَّتِكَ وَسَعْيِكِ عَلَى تَقْدِيم الخَيْرِ ، وَإِيَّاكَ وَالشَّرَ؛ وَاذْكُرِى أَنَّ هَذَا الْحَسَدَ مَوْجُودُ لِآفَاتِ، وَأَنَّهُ مَمْلُوهُ أَخْلَاطًا فَاسِدَةً قَذِرَةً ، تَعْقِدُهَا الْحَيَاةُ ، وَالْحَيَاةُ إِلَى 25 der dar - و نَفَادٍ ، كَالصَّمِ الْمُفَصَّلَةِ أَعْضَاوهُ إِذَا رَكِبَت وَوُضِعَت ، يجمعها مِسْمَارُ وَاحِدٌ ، وَيَضُمَّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ ، فَإِذَا أُخِذَ ذَلِكَ الْمُسْمَارُ تساقطت الْأَوْصَالُ . يَانَفْسُ ، لَا تَغْتَرى بِصُحْبَةِ أَحبائك VV وأَصْحَابِكِ ، وَلَا تَحْرِصى عَلَى ذَلِكِ كُلَّ الْحَرْصِ : فَإِنَّ مُحْبَتَهُمْ - عَلَى مَا فِيهَا مِنَ السُّرُورِ كَثِيرَةُ المَسُّونَةِ ، وَعَاقِبَةُ ذَلِكِ الْفِرَاقُ . ومَثَلُهَا مَثَلُ المَغْرَفَةِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي عِدَّتِها لِسُخُونَةِ المَرَقِ، فَإِذَا انْكَسَرَتْ صَارَتْ وَقُودًا . يَا نَفْسُ ، لَا يَمْلَنَّكِ أَهْلُكِ وَأَقَارِبُك عَلَى جَمع مَا تَهْلِكِينَ فِيهِ ، إِرَادَةَ صِلَتِهِمْ ، فَإِذَا أَنْتِ كَالدُّحْنَةِ الأرجَةِ الَّتِي تَحْتَرِقُ وَيَذْهَبُ آخَرُونَ بِرِيحِهَا . يَا نَفْسُ ، لَا يَبعد عَلَيْكِ أَمْرُ الْآخِرَةِ فَتَمِيلِي إِلَى الْعَاجِلَةَ فِي اسْتِعْجَالِ الْقَلِيلِ وَبَيْعِ [٤] 6 الْكَثِيرِ بِالْيَسِيرِ ، كَالتَّاجِرِ الَّذِي كَانَ لَهُ مِلْءُ بَيْتِ مِنَ الصَّنْدَلِ، فَقَالَ: إِنْ بِعْتُهُ وَزْناً طَالَ عَلَى ، فَبَاعَهُ جَزَافًا بِأَبْخَسِ الثَّمَنِ. وَقَدْ وَجَدْتُ آرَاءَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ وَأَهْوَاءَهُمْ مُتَبَايِنَةٌ ، وَكُلَّ عَلَى كُلٌّ رَادُّ ، وَلَهُ عَدُوٌّ وَمُعْتَابٌ ، وَلِقَوْلِهِ مُخَالِفُ . فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ لم أجد إلَى مُتَابَعَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ سَبِيلًا ، وَعَرَفْتُ أَنِّي إِنْ صَدَّقْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا عِلْمَ لِي بِحَالِهِ ، كُنتُ فِي ذلِكَ كَالمُصَدِّقِ المخدوع (٣) (١) الدخنة : بخور تخر به الثياب أو البيت مثلث الفاء أى بالحدس والتقدير (٢) ذات الرائحة الطيبة الَّذِى زَعَمُوا فِي شَأْنِهِ أَنَّ سَارِقًا عَلَا ظَهْرَ بَيْتِ رَجُلٍ مِنَ الْأَغْنِيَاء، وكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَاسْتَيْقَظَ صَاحِبُ المَنْزِلِ مِنْ مد صمد صمد حَرَكَةِ أَقْدَامِهِمْ، فَعَرَفَ امْرَأَتَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهَا : رُوَيْدًا إِنِّي لأحْسَبُ اللصُوصَ عَلَوُا البَيْتَ ، فَأَيْقِظِينِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ الصُوصُ وَقُولِي أَلاَ تُحْرُنِي أَيُّهَا الرَّجُلُ عَنْ أَمْوَالِكَ هَذِهِ الكَثِيرَةِ و وكُنُوزِكَ الْعَظِيمَةِ : فَإِذَا نَهَيْتُكِ عَنْ هَذَا السُّوَّالِ فَأَلِى عَلَى بِالسُّوالِ ، فَفَعَلَتِ المرأةُ ذلِكَ وَسَأَلَتْهُ كَما أَمَرَهَا ، وَأَنْصَلَتِ اللصُوصُ إِلَى سَمَاعِ قَوْلِهِمَا ، فَقَالَ لَهَا الرَّجُلُ : أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، قَدْ ساقَكِ الْقَدَرُ إِلَى رِزْقٍ وَاسِع كثيرٍ : فَكُلِي وَاسْكَنِي، وَلَا تَسْأَلِي عَنْ أَمْرٍ إِنْ أَخْبَرْتُكِ بِهِ لَمْ آمَنْ أَن يَسْمَعَهُ أَحَدٌ ، فَيَكُونَ فِي ذَلِكَ ما أكره وتكرهِينَ . فَقَالَت المرأةُ : أَخْبِرْنِي أَيُّهَا الرَّجُلُ ، فَلَعَمْرِى مَا بِقُرْبِنَا أَحَدٌ يَسْمَعُ كَلَامَنَا . فَقَالَ لَهَا : فَإِنِّي أَخْبِرُكَ أَنَّى لَمْ أَجْمَعْ هذِهِ الْأَمْوَالَ إِلَّا مِنَ السَّرِقَةِ . قَالَتْ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ وَمَا كُنتَ تَصْنَعُ ؟ قَالَ : ذَلِكَ لِعِلْمٍ أَصَبْتُهُ فِي السَّرِقَةِ ، وَكَانَ الأمْرُ عَلَى يَسِيرًا ، وَأَنَا آمِنْ مِنْ أَن يَهمَنِي أَحَدُ أَوْ يَرْتَابَ فى . قَالَتْ : فَاذْكُرْلِي ذلكَ ، قَالَ : كُنْتُ أَذْهَبُ في اللَّيْلَةِ الْمُقْمِرَةِ، أَنَا وَأَصْحَابِي ، حَتَّى أَعْلُو دَارَ بَعْضِ الْأَغْنِيَاء مِثْلِنَا ، فَأَنتَهِيَ إِلَى الكَوَّةِ الَّتِي يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ فَأَرْتِي يَهذِهِ الرُّقْيَةِ وَهِيَ شولم شولم .. موقه سبع مَرَّاتٍ ، وَأَعْتَيْقُ الضَّوْءَ ، فَلَا يُحِسُّ بِوُقُوعِى أَحَدٌ ، فَلَا أَدَعُ مَالًا وَلَا مَتَاعًا إِلَّا أَخَذْتُهُ ، ثُمَّ أَرقى بِتِلْكَ الرَّقْيَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وأَعْتَنِقُ الضَّوْءَ ، فَيَجْدِينِي ، فَأَصْعَدُ إِلَى أَصْحَابِي ، فَنَمْضى سالِمِینَ آمِنِينَ ، فَلَمَّا سَمِعَ اللصُوصُ ذَلِكَ قَالُوا : قَدْ ظَفِرْنَا اللَّيْلَةَ بِمَا نُرِيدُ مِنَ المَالِ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَطَالُوا المُكْتَ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ وَزَوْجَتَهُ قَدْ هَجَعَا ، فَقَامَ قَائِدُهُمْ إِلَى مَدْخَلِ الضَّوْءِ ؛ وَقَالَ : شولم شولم سَبْعَ مَرَاتٍ ؛ ثُمَّ اعْتَنَقَ الضَّوْءَ يَنْزِلَ إِلَى أَرْضِ المَنْزِلِ ، فَوَقَعَ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ مُنَكَسًا ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ الرّجُلُ بِهِرَاوَتِهِ ، وَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ : قَالَ : أَنَا المُصَدِّقُ المخدوعُ المُفتَر بِمَا لَا يَكُون أَبَداً ، وَهَذِهِ عُمَرَهُ رُقْيَتِكَ ، فَلَمَّا تَحَرَّزْتُ مِنْ تَصْدِيقِ مَا لَا يَكُونُ ، وَلَمْ آمَنْ إِنْ صَدَّقْتُهُ أَن يُوقِعَنِي فِي مَهْلَكَةٍ عُدْتُ إلى طَلَبِ الأدْيَانِ وَالْتِمَاسِ الْعَدْلِ مِنْهَا ، فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ كَلَّمْتَهُ جَوَابًا فِيمَا سَأَلْتُهُ عَنْهُ فِيهَا ، وَلَمْ أَرَ فِيمَا كَلَّمُونِي بِهِ شَيْئًا يَحِقُ لِي فِي عَقلِي أَنْ أَصَدِّقَ بِهِ وَلَا أَنْ أَتَبِعَهُ . فَقُلْتُ لَ لَمْ أَجِدْ ثِقَةٌ آخَذُ مِنْهُ، الرَّأَى أَنْ أَلْزَمَ دِينَ آبَانِي وَأَجْدَادِى الَّذِي وجدتُهُمْ عَلَيْهِ . فَلَمَّا ذَهَبْتُ أَلْتَمِسُ الْعُدْرَ لِنَفْسِي فِي لُزُومِ دِينِ الآباءِ وَالْأَجْدَادِ ، لَمْ أَجِدْ لَهَا عَلَى النُّبُوتِ عَلَى دِينِ الْآبَاءِ طَاقَةً ؛ بَلْ وَجَدتُها تُرِيدُ أَنْ تَتَفَرَّعَ لِلْبَحْثِ عَنِ الْأَدْيَانِ وَالمَسْأَلَةِ عَنْهَا ، وَلِلنَّظَرِ فِيهَا ، فَهَجَسَ فِي قَلْبِي وَخَطَرَ عَلَى بَالِي قُرْبُ الْأَجَلِ وَسُرْعَة انْقِطَاعِ الدُّنْيَا وَاعْتِبَاطُ أَهْلِهَا وَتَقْومُ الدَّهْرِ حَيَاءَهُمْ . (٢)

  • =

ففَكَرْتُ فِي ذلِكَ . فَلَمَّا خِفْتُ مِنَ التَّرَدُّدِ وَالتَّحَولِ ، رَأَيْتُ أَلَّا أتَعَرَّضَ مَا أَتَخَوَّفُ مِنْهُ المَكْرُوهَ ، وَأَنْ أَقْتَصِرَ عَلَى عَمَلٍ تَشْهَدُ النَّفْسُ أَنَّهُ يُوَافِقُ كُلَّ الْأَدْيَانِ . فَكَفَفْتُ يَدَى عَنِ الْقَتْلِ والضَّرْبِ ، وَطَرَحْتُ نَفْسِي عَنِ المَكْرُوهِ وَالْغَضَبِ وَالسَّرِقَة وَالحَيَانَةِ وَالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَالْغِيبَةِ ، وَأَصْمَرْتُ فِي نَفْسِي أَلَّا أَبْغِى عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا أَكَذَّبَ بِالْبَعْث وَلَا الْقِيَامَةِ وَلَا التَّوَابِ وَلَا (\) وقع وخطر و با به ضرب (٢) هلاكهم بدون مرض (٣) القطع والاستئصال . الْعِقَابِ، وَزَايَلْتُ الْأَشْرَارَ بِقَلْبِي ، وَحَاوَلَتُ الجُلُوسَ مَعَ الْأَخْيَارِ بِجُهْدِي ، وَرَأَيْتُ الصَّلَاحَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ صَاحِبُ وَلَا قَرِينٌ ، وَوَجَدْتُ مَكْسَبَهُ إِذَا وَفَقَ اللهُ وَأَعَانَ يَسِيرًا ، وَوَجَدْتُهُ يَدُلُّ عَلَى الخَيْرِ وَيُشِيرُ بِالنَّصْح ، فِعْلَ الصَّدِيقِ بِالصَّدِيقِ ؛ وَوَجَدْتُهُ (1) لَا يَنْقُصُ عَلَى الأَنفَاقِ مِنهُ؛ بل يزداد جدةً وَحَسُنَا، وَوَجَدَتْه لَا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنَ السُّلْطَانِ أَن يَعْصِبَهُ ، وَلَا مِنَ المَاءِ أَن يُغْرِقَهُ ، وَلَا مِنَ النَّارِ أَنْ تُخْرِقَهُ ، وَلَا مِنَ اللَّصُوصِ أَنْ تَسْرِقَهُ ، ولَا مِنَ السَبَاعِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ أَنْ تُمَزِقَهُ ، وَوَجَدْتُ الرَّجُلَ السَّاهِيَ اللَّاهِيَ المُؤثِرَ الْيَسِيرَ يَنَالُهُ فِي يَوْمِهِ وَيَعْدَمُهُ فِي غَدِهِ عَلَى الكَثِيرِ الْبَاقِي نَعِيمُهُ ، يُصِيبُهُ مَا أَصَابَ التَّاحَرَ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ لَهُ جَوْهَر نَفِيسُ ، فَاسْتَأَحَرَ لِتَقْبِهِ رَجُلًا ، الْيَوْمُ بِمِائَةِ دِينَارٍ وانْطَلَقَ بِه إِلَى مَنْزِلِهِ لِيَعْمَلَ ، وَإِذَا فِي نَاحِيةِ الْبَيْتِ صَبح موضُوعُ . فَقَالَ التَّاحُرُ لِلصانع : هَلْ تُحْسِنُ أَنْ تَلْعَبَ بِالصَّنْج ؟ (1) هي ضد البلى (٢) الصنج نوعان ( ويسمى عند عوام مصر بالكاسات ( وما له أوتار .

ما يتخذ من الصفر يضرب به مع الدف قَالَ : نَعَمْ ، وَكَانَ بِلَعِبِهِ مَاهِرًا ، فَقَالَ التَّارُ : دُونَكَ والصَّبْجَ

فَأَسْمِعْنَا ضَرْبَكَ بِهِ ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ الصَّنْجَ ، وَلَمْ يَزَلْ يُسْمِعُ التَّابِحِرَ الضَّرْبَ الصَّحِيحَ ، وَالصَّوْتَ الرَّفِيعَ ، وَالنَّارُ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَرَأْسِهِ عرببًا ، حَتَّى أَمْسَى . فَلَمَّا حَانَ الْغُرُوبُ قَالَ الرَّجُلُ لِلتَّاجِرِ : مزلِي بِالْأُخِرَةِ . فَقَالَ لَهُ التَّارُ : وَهَلْ عَمِلْتَ شَيْئًا تَسْتَحِقُ بِهِ لأَخِرَةَ : فَقَالَ لَهُ : عَمِلْتُ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ، وَأَنَا أَجِيرُكَ ، وَمَا ستَعْمَلَتَنِي عَمِلْتُ ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى اسْتَوْقَى مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ . وبقي جوهَرَهُ غَير مَنقُوب . فَلَمْ أَزْدَدْ فِي الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا نَظَرًا ، إِلَّا ازْدَدْتُ فِيهَا زَهَادَةً وَمِنْهَا هَرَبًا ، وَوَجَدْتُ النُّشْكَ هُوَ الَّذِي يعهدُ لِلْمَعَادِ كَمَا يُعَهَدُ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ ، وَوَجَدْتُهُ هُوَ الْبَابَ الْمَفْتُوحَ محمد إِلَى النَّعِيمِ المُقِيمِ ، وَوَجَدْتُ النَّاسِكَ قَد تَدَ فِعْلَتَهُ بِالسَّكِينَةِ فَشَكَرَ وَتَوَاضَعَ وَقَعَ فَاسْتَغْنَى ، وَرَضِيَ وَلَمْ يَهتم ، وَخَلَعَ الدُّنْيَا فَنَجَا مِنَ الشَّرُورِ ، وَرَفَضَ الشَّهَوَاتِ فَصَارَ طَاهِرًا ، وَاطَّرَحَ الحسد فَوَجَبَتْ لَهُ المَحَبَّةُ ، وسَخَتْ نَفْسُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ، وَاسْتَعْمَلَ (1) النسك مثلثة النون و يضمتين : العبادة الْعَقْلَ وَأَبْصَرَ الْعَاقِبةَ فَأمِنَ النَّدَامَةَ ، وَلَمْ يُخَفِ النَّاسَ وَلَمْ يَدَبَّ إليهِمْ فَسَلَّمَ مِنْهُمْ . فَلَمْ أَزْدَدْ فِي أَمْرِ النُّسُكِ نَظَراً ، إِلَّا ازْدَدْتُ ٠٢ فِيهِ رَغْبَةٌ ، حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ . ثُمَّ تَخَوَّفَتُ ألَّا أَصْبَرَ عَلَى عَيْشِ النَّاسِ ، وَلَمْ آمَنْ إِنْ تَرَكْتُ الدُّنْيَا وَأَخَذْتُ فِي النَّسُكِ ، أَنْ أَضْعُفَ عَنْ ذَلِكَ ، وَرَفَضْتُ أَعْمَا لا كُنتُ أَرْجُو عَائِدَتَهَا ، وَقَدْ كُنتُ أَعْمَلُهَا فَأَنْتَفِعُ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، فَيَكُونُ مَثَلِي فِي ذُلِكَ مَثَلَ الْكَلْبِ الَّذِي مَرَّ بِنَهَرٍ وَفِي فِيهِ ضِلَعُ ؛ فَرَأَى ظِلَّهَا فِي المَسَاءِ ، فَهَوَى لِيَأْخُذَهَا ، فَأَتْلَفَ مَا كَانَ مَعَهُ ، وَلَمْ يَجِدْ فِي المَاءِ شَيْئًا . فَهِبْتُ النُّسُكَ مَهَابَةٌ شَدِيدَةٌ ، وَخِفْتُ مِنَ الضَّجَرِ وَقِلَّةِ الصَّبْرِ ، وَأَرَدْتُ الشَّبُوتَ عَلَى حَالَتِي الَّتِي كُنتُ علَيْهَا . ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَسْبُرَ مَا أَخَافُ أَلَّا أَصْبَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَذَى وَالضَّيقِ وَالخَشُونَةِ فِي النُّسُكِ ، وَمَا يُصِيبُ صَاحِبَ الدُّنْيَا مِنَ البَلاءِ ، وَكَانَ عندىَ أَنَّهُ لَيْسَ شَىءٍ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا إِلَّا وَهُوَ مُتَحَوِّلُ إِلَى الْأَذَى وَمَولدٌ لِلْحَزَنِ . فَالدُّنْيَا كَالْمَاءِ الملح الَّذِي لَا يَزْدَادُ شَارِبُهُ شُرْبًا ، إِلَّا ازْدَادَ عَطَشًا . وَهِيَ كَالْعَظْم الَّذِى يُصِيبُهُ الْكَلْبُ فَيَجِدُ فِيهِ رِيحَ اللحم ؛ فَلَا يَزَالُ يَطْلُبُ ذلِكَ حَتَّى يُدْيَ فَاهُ . وَكَالحِدَأَةِ الَّتِي تَظْفَرُ بِقِطْعَةٍ مِنَ اللَّحم ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ ، فَلَا تَزَالُ تَدُورُ وَتَدابُ حَتَّى تَعْيَا وَتَتَعَبَ ، فَإِذَا تَعِبَتْ أَلْقَتْ مَا مَعَهَا . وَكَالْكُوزِ مِنَ الْعَسَلِ الَّذِي فِي أَسْفَلِهِ السُّمُ الَّذِي يُذَاقُ مِنْهُ حَلَاوَةٌ عَاجِلَةٌ وَآخِرُهُ مَوْتُ دُعَافُ ، وَكَأَعْلَامِ النَّامِ الَّتِي يَفْرَحُ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي نَوْمِه ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ ذَهَبَ الْفَرَحُ . فَلَمَّا فَكَّرْتُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ ، رجَعْتُ إلى طَلَب النُّسُكِ ، وَهَزَنِي الاشْتِيَاقُ إِلَيْهِ ، هُمَّ خَاصَمَتُ نَفْسِي إِذْ هِيَ فِي شُرُورِهَا سَارِحَةٌ ، وَقَدْ لَا تَنْبُتُ عَلَى أَمْرٍ تَعْزِمُ عَلَيْهِ : كَفَاضٍ سَمِعَ مِنْ خَصْمٍ وَاحِدٍ حَكَم لَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ الخصمُ الثَّانِي عَادَ إِلَى الْأَوَّلِ وَقَضَى عَلَيْهِ . (١) ذعاف : سریع ثم نَظَرْتُ فى الَّذِى أَكَابِدُهُ مِنَ احْتِمَالِ النُّسُكِ وَضِيقِهِ ، فَقُلْتُ : مَا أَصْغَرَ هَذِهِ المُشَقَّةَ فِي جَانِبِ رَوْحِ الْأَبَدِ وَرَاحَتِهِ ، ثُمَّ نَظَرْتُ فيما تَشْرَهُ إِلَيْهِ النَّفْسُ مِنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا ، فَقُلْتُ : مَا أَمَرَ هَذَا وَأَوْجَعَهُ ، وَهُوَ يَدَفَعُ إِلَى عَذَابِ الْأَبَدِ وَأَهْوَالِهِ ! وَكَيْفَ لَا يَسْتَحْلِي الرَّجُلُ مَرَارَةً قَلِيلَةٌ تَعْقُبَهَا حَلَاوَة طَوِيلَةُ : وَكَيْفَ لَا تَمُرُّ عَلَيْهِ حلاوَةُ قَلِيلَةٌ تَعْقِبُهَا مَرَارَةً دَائِمَةً : وَقُلْتُ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا عُرِضَ عَلَيْهِ أَن يَعِيشَ مِائَةَ سَنَةٍ ، لَا يَأْتِي عَلَيْهِ يَوْمَ وَاحِدٌ (٢) إِلَّا يُضِعَ مِنْهُ بَضْعَةٌ ، ثمَّ أَعِيدَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ ، غَيْرَ أَنَّهُ يُشْرَطُ لَهُ ، أَنَّهُ إِذَا اسْتَوْقَى السِّنِينَ الْمَانَةَ ، نَجَا مِنْ كُلِّ أَلَمٍ وَأَذَى، وَصَارَ إلى الأَمْنِ وَالسُّرُور ، كَانَ حَقِيقًا أَلَّا يَرَى تِلْكَ السِّنِينَ شَيْئًا . وَكَيْفَ يَأْبَى الصَّبْرَ عَلَى أَيَّامٍ قَلَائِلَ يَعِيتُهَا فِي النَّسُكِ ، وَأَذَى تلكَ الأَيَّامِ قَلِيلُ يُعْقِبُ خَيْرًا كَثِيرًا ? فَلَنَعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا كَلَهَا بَلَاء وَعَذَابٌ . أَوَلَيْسَ الإِنسَانُ إِنَّمَا يَتَقَلَّبُ فِي عَذَابِ الدُّنْيَا مِنْ (1) قطع . (٢) قطعة حينِ يَكُونُ جَنِينًا إِلى أَن يَسْتَوْفِي أَيَّامَ حَيَاتِهِ فَإِذَا كَانَ طِفْلًا ذَاقَ مِنَ الْعَذَابِ أَلْوَانَّا : إِنْ جَاعَ فَلَيْسَ بِهِ اسْتِطْعَامُ أَوْ عَطِشَ فَلَيْسَ بِهِ اسْتِسْقَاهُ ، أَوْ وَجِعَ فَلَيْسَ بِهِ اسْتِغَانَةٌ ، 6 مَعَ مَا يَلْقَى مِنَ الْوَضْعِ وَالْحَمْلِ وَاللَّفْ والدَّهْنِ والمسح ؛ إن أنيم عَلَى ظَهْرِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ تَقَلَّبا ، ثُمَّ يَلْقَ أَصْنَافَ الْعَذَابِ مَا دَامَ رَضِيعًا ، فَإِذَا أَهْلِتَ مِنْ عَذَابِ الرَّضَاعِ ، أَخَذَ فِي عَذَابِ الأدب ، فَأَذِيقَ مِنْهُ أَلْوَاناً : مِنْ عُنف المُعَلِيمِ ، وَهَجَرِ الدَّرْسِ ، وَسَامَةِ الْكَابَةِ ، ثُمَّ لَهُ مِنَ الدَّوَاءِ وَالحَميَةِ وَالْأَسْقَامِ وَالْأَوْجَاعِ أَوْفَى حَظِّ . فَإِذَا أَدْرَكَ كَانَتْ هِمْتُهُ فِي جَمْعِ الْمَالِ 13 ه اگر مر حومه وتربيَةِ الْوَلَدِ وَمُخَاطَرَةِ الطَّلَبِ وَالسَّعي وَالْكَدِ وَالتَّعَب . وَهُوَ مَعَ ذلك يَتَقَلَّبُ مَعَ أَعْدَانِهِ البَاطِنِيَّةِ اللازمة لَهُ : وَهِيَ الصَّفْرَاءُ وَالسَّوْدَاءُ وَالرِيحُ وَالْبَلْغَمُ وَالدَّمُ وَالسُّمُ الْمُمِيتُ وَالحَيَّةُ اللَّاذِعَةُ ؛ مَعَ الخَوفِ مِنَ السّبَاعِ وَالهَوَامَ ، مَعَ صَرْفِ الحَرِ وَالْبَرْد والمَطَرِ والرِّيَاحِ ، ثُمَّ أَنْوَاعِ عَذَابِ الهَرَمِ لِمَنْ يَبْلُغُهُ . فَلَوْ لَمْ . خاص (1) AV يخف مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ شَيْئًا، وَكَانَ قَدْ أَمِنَ وَوَيْتَ بِالسَّلَامَةِ مِنْها فَلَمْ يُفَكَرْ فِيهَا ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يَعْتَبِرُ بِالسَّاعَةِ الَّتِي يَحْضُرُهُ فِيهَا الْمَوْتُ ، فَيُفَارِقُ الدُّنْيَا ، وَيَتَذَكُرُ مَا هُوَ نَا زِلُ بِهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ : مِنْ فِرَاقِ الْأَحِبَّةِ وَالْأَهْلِ وَالْأَقَارِب وَكُلِ مَضْنُونَ بِهِ مِنَ الدُّنْيَا ، والإشراف عَلَى الهَوْلِ الْعَظِيمِ بَعْدَ المَوْتِ ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَل ذلك، لكَانَ حَقِيقًا أَن يُعَدَّ عَاجِرًا مُفَرِّطًا مُحمَّا لِلدَّنَاءَةِ مُسْتَحِقًا لِلوم ؛ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَعْلَمُ وَلَا يَحْتَالُ لِغَدٍ جُهْدَهُ فِي الحِيلَةِ ، وَيَرْفُضُ مَا يَسْعَلُهُ وَيُلْهِيهِ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَغُرُورِهَا : وَلَا سِيَّما فِي هَذَا الزَّمَانِ السَّبِيهِ بِالصَّافِي وَهُوَ كَدِرُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ حَازِمًا عَظِيمَ المَقْدُرَةِ ، رَفِيعَ الْهُمَّةِ بَلِيغَ الْفَحْصِ ، عَدْلًا مَرْجُوا صَدُوعًا شكُورًا ، رَحْبَ الذِرَاعِ مُفْتَقِدًا مُوَاظِبًا مُسْتَمِرًا عَلى بِالنَّاسِ عَالِمًا وَالْأُمُورِ ، مُحِبَّا لِلْعِلْمِ وَالخَيْرِ وَالْأَخْيَارِ ، شَدِيدًا عَلَى الظَّلَمَةِ ، غَيْرَ جبَان وَلَا خَفِيفِ الْقِيَادِ ، رَفِيقًا بِالتَّوَسعِ عَلَى الرَّعِيَّةِ فِيمَا يُحِبُّونَ، وَالدَّفْعِ لَا يَكْرَهُونَ ، فَإِنَّا قَدْ نَرَى الزَّمَانَ مُدْبِرًا بِكُلِّ مَكَانٍ ، فَكَأَنَّ أُمُورَ الصِّدْقِ قَدْ نُزِعَتْ مِنَ النَّاسِ ، فَأَصْبَحَ مَا كَانَ (1) عَزِيزاً فَقَدُهُ مَفْقُودًا ، وَمَوْجُودًا مَا كَانَ ضَائِرًا وُجُودُهُ . وَكَأَنَّ وووو قد الخَيْرَ أَصْبَحَ ذَابِلًا وَالشَّرَ أَصْبَحَ نَاضِرًا . وَكَأَنَّ الفَهُمْ أَصْبَحَ زالت سُبُلَهُ . وَكَأَنَّ الحَقِّ وَلَى كَسِيرًا وَأَقْبَلَ الْبَاطِلُ تَابِعَهُ . وَكَانَ اتِبَاعَ الهَوَى وَإِضَاعَةَ الْحُكْمِ أَصْبَحَ بِالحَكَامِ مُوَكَلا ، وَأَصْبَحَ المظلُومُ بِالخَيْف مُقِرًّا وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ مُسْتَطِيلًا . وَكَأَنَّ الْخَرْصَ أَصْبَحَ فَاعِرًا فَاهُ مِنْ كُلِ جِهَةٍ يَتَلَقَّفُ مَا قَرُبَ مِنْهُ وَمَا بَعْدَ . وَكَأَنَّ الرِضَا أَصْبَحَ تَجْهُولًا . وَكَأَنَّ الْأَشْرَارَ يَقْصِدُونَ السَّمَاءَ صُعُودًا . وَكَأَنَّ الْأَحْيَارَ يُرِيدُونَ بَطْنَ الْأَرْضِ ، وَأَصْبَحَتِ المرُوءَةُ مَقْذُوفًا بِهَا مِنْ أَعْلَى شَرَفِ إِلَى أَسْفَلِ دَرْكٍ ، وَأَصْبَحَتِ ووه الدَّنَاءَةُ مُكَرَمةً مُمكنَةً ، وأصبح السلطانُ مُنتَقِلًا عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ إلَى أَهْلِ النَّقْص . وَكَأَنَّ الدُّنْيَا جَدِلَةٌ مَسْرُورَةٌ تَقُولُ : قَدْ غُيِّبَتِ الخيرات وأظهرت السَّيِّئَاتُ ، فَلَمَّا فَكَرْتُ فِي الدُّنْيَا وَأُمُورِهَا ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ أَشْرَفُ الخَلْقِ فِيهَا وَأَفْضَلُهُ ، ثُمَّ هُوَ لَا يَتَقَلَّبُ إِلَّا فِي السُّرُورِ وَالْهُمُومِ ، عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانُ ذُو عَقْلٍ يَعْلَمُ (1) ضارا (٢) فاتحا . (3) المراد هنا القدرة ذلِكَ ثُمَّ لَا يَحْتَالُ لِنَفْسِهِ فِي النَّجَاةِ ، فَعَجِبْتُ مِنْ ذَلِكَ كُلَّ الْعَجَبِ . ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا الْإِنْسَانُ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ الاِحْتِيَالِ لِنَفْسِهِ إِلَّا لَذَةً صَغِيرَةً حَقِيرَةً غَيْرُ كَبِيرَةٍ مِنَ السَّم والذَّوقِ وَالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَاللَّمْس : فَعَلَهُ يُصِيبُ مِنْهَا الطَّفِيفَ أَوْ يَقْتَنِي مِنْهَا الْبَسِيرَ ؛ فَإِذَا ذَلكَ يَشْغَلُهُ وَيَذْهَبُ بِهِ عَنْ الاِهْتِمَامِ لِنَفْسِهِ وَطَلَبِ النَّجَاةِ لَهَا فَالْتَمَسْتُ لِلْإِنْسَانِ مَثَلًا، فَإِذَا مَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ نَجَا مِنْ خَوْفِ فيل هَائِجِ إِلَى بِرِ، فَتَدَلَّى فِيهَا ، وَتَعَلَّقَ بِغُصْنَيْنِ كَانَا عَلَى سمانها ، فَوَقَعَتْ رِجْلَاهُ عَلَى شَيْءٍ فِي طَى الْبِيْرِ ، فَإِذَا حَيَّاتُ قَدْ أَخْرَجْنَ رُءُوسَهُنَّ مِنْ أَجْحَارِهِنَّ ، ثُمَّ نَظَرَ فَإِذَا فِي قَاعِ البر تنين فاتح فَاهُ مُنتَظِرُ لَهُ لِيَقَعَ فَيَأْخُذَهُ ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى الْبِرِ تِنِينُ اربع (٢) الْغُصْنَيْنِ فَإِذَا فِى أَصْلِهِمَا جُرَدَانِ أَسْوَدُ وَأَبْيَضُ ، وَهُمَا يَقْرِضَان (٣) الْعُصْنَيْنِ دَائِبَيْنِ لَا يَفْتُرانِ ، فَبينما هُوَ فِى النَّظَرِ لأَمرِهِ وَالاهْتِمَامِ لِنَفْسِهِ ، إِذ أَبْصَر قَرِيبًا مِنْهُ حَوَارَةٌ فِيهَا عَسَلُ تَحْلِ ، فَذَاقَ (٣) (٢) مثنى جرذ : ضرب من الفأر . (1) ضرب من الحيات شيء يتخذ للنحل من القضبان وهى الخلية . العَسَلَ ، فَشَغَلَتْهُ حَلَاوَتْهُ وَأَهْتَهُ لذَتْهُ عَنِ الْفِكْرَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أمْرِهِ ، وَأَن يَلْتَمِسَ الخَلَاصَ لِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ رِجْلَيْهِ عَلَى حَيَّاتٍ أربع لَا يَدْرِى مَتَى يَقَعُ عَلَيْهِنَّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْجُرَدَيْنِ >> دائبَانِ فِي قَطْعِ الْعُصْنَيْنِ ، وَمَتَى انْقَطَعَا وَقَعَ عَلَى السِّنِّينِ . فَلَمْ يَزَلْ لَا هِيا غَافِلاً مَشْعُولاً بِتِلْكَ الْحَلَاوَةِ حَتَّى سَقَطَ فِي فَمِ السِّنِّينِ فهلَكَ . فَشَبَّهتُ بِالْبِثْرِ الدُّنْيَا الْمَمْلُوءَةَ آفَاتٍ وَشُرُورًا ، ومَخَافَاتٍ وَعَاهَاتٍ ، وَشَبَّهَتُ بِالْحَيَّاتِ الْأَرْبَعِ الْأَخْلَاطَ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي فِي الْبَدَنِ : فَإِنَّهَا مَتَى هَاجَتْ أَوْ أَحَدُهَا كَانَتْ عُحمة الأَفَاعِى وَالسّمُ المُمِيتِ ، وَشَبَّهتُ بِالْغُصْنَيْنِ الْأَجَلَ الَّذِي لَا بُدَّ منَ انْقِطَاعِهِ ، وَشَبَهَتُ بِالْحُرَذَيْنِ الْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ اللَّذَيْنِ هُمَا دَائِبَانِ فِي إِفْنَاءِ الْأَجَلِ ، وَشَبَّهتُ بِالتنين المصير الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَشَبَّهَتُ بِالْعَسَلِ هَذِهِ الْحَلَاوَةَ الْقَلِيلَةَ الَّتِي يَنَالُ مِنْهَا الْإِنْسَانُ فَيَطْعَمُ وَيَسْمَعُ وَيَسْمْ وَ يَلْبِسُ، وَيَتَشَاغَلُ عَنْ نَفْسه ، وَيَلْهُو عَنْ شَأْنِهِ ، وَيَصُدُّ عَنْ سَبِيلِ قَصْدِهِ . حَينَئِدٍ (1) إبرة النحلة ونحوها صَارَ أَمْرِى إِلَى الرِّضَا بِحَالِي وَإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْتُ إِصْلَاحَهُ [٥] مِنْ عَمَلِي : لَعَلِي أَصَادِفُ بَاقِي أَيَّامِيَ زَمَانًا أَصِيبُ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى هُدَايَ، وَسُلْطَانًا عَلَى نَفْسِي ، وَقِوَامًا لأَمْرِى، فَأَقَمْتُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ وانْتَسَحْتُ كُتُبا كَثِيرَةً ، وَانْصَرَفْتُ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ ، وَقَدْ ؛ نسختُ هَذَا الْكِتَابَ . (انقصی باب برزويه المتطبب )


  1. طائفة من الفرس
  2. شاورتها
  3. أعلنها بالمخاصمة
  4. الدخنة : بخور تخر به الثياب أو البيت مثلث الفاء أى بالحدس والتقدير (٢) ذات الرائحة الطيبة
  5. حجة أو قدرة