كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب ایلاذ و بلاذ وايراخت
باب إيلاذَ وَبِلَاذَ وَابْرَاخْتَ
قَالَ دَبْسَلِيمُ المَلِكُ لبَيدَبا الفيلسوف : قَدْ سَمِعْتُ هذا المثل ، فَاضْرِبْ لِي مَثَلًا فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمَلِكِ أَنْ - يُلْزِمَ هَا نَفْسَهُ ، وَيَحْفَظَ مُلْكَهُ وَيُثَبِّتَ سُلْطَانَهُ ، وَيَكُونَ ذلك رأسَ أَمْرِهِ وَمِلَاكَهُ : أَبِالحِلْم أَمْ بِالمُرُوءَةِ أَمْ بِالشَّجَاعَةِ أَمْ بالحودِ * قَالَ بَيْدَبَا : إِنَّ أَحَقِّ مَا يَحفَظُ بِهِ الْمَلِكُ مُلْكَهُ الحلمُ ، وَبِهِ تَنْبُتُ السَّلْطَنَةُ ، وَالْحَلمُ رَأْسُ الأُمورِ وَمِلا كُهَا ، وَأَجْوَدُ مَا كَانَ فِي الْمُلُوكِ : كَالَّذِى زَعَمُوا مِنْ أَنَّهُ كَانَ مَلِكَ يُدْعَى 6 بِلَاذَ ، وَكَانَ لَهُ وَزِيرُ يُدْعَى إِيلَاذَ ، وَكَانَ مُتَعَبدًا نَاسِكًا فنام الملِكُ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ ثَمَانِيَةَ أَحْلَام أَفْزَعَتَهُ ، فَاسْتَيْقَظَ مَرْعُوبًا ، فَدَعَا الْبَرَاهِمَةَ ، وَهُمُ النَّسَاكُ لِيَعْبُرُوا رُؤيَاهُ ، فَلَمَّا حَضَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَصَّ عَلَيْهِمْ مَا رَأَى . فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ : لَقَدْ رَأَى المَلِكُ عَجَبًا فَإِنْ أَمْهَلَنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ حِمْنَاهُ بِتَأْوِيلِهِ . قَالَ الْمَلِكُ : قَدْ أَمْهَلْتُكُمْ فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِه . ٢٧٥ ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِ أَحَدِهِمْ وَأَتَمَرُوا بَيْنَهُمْ . وَقَالُوا : قَدْ وَجَدْتُمْ علما واسعًا تُدْرِكُونَ بِهِ ثَاركم وتنتقمونَ بِهِ مِن عدوكم ، وقد عَلَيتم أنَّهُ قَتَلَ مِنَّا بِالْأَمْسِ اثْنَى عَشَرَ أَلْفًا . وَهَا هُوَ قَدْ أَطْلَعَنَا وَسَأَلَنَا تَفْسِيرَ رُؤْيَاهُ : فَهَدُمُوا نُغْلَظَ لَهُ الْقَوْلَ وَتُخَوفَهُ حَتَّى يَمِلَهُ الْفَرَقُ وَالجَزَعُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ الَّذِي نُرِيدُ وَنَأْمُرُ
فَنَقُولُ : ادْفَعْ إِلَيْنَا أَحِبَّاءَكَ وَمَنْ يَكْرُمُ عَلَيْكَ حَتَّى نُقَتلَهُمْ فَإِنَّا قَدْ نَظَرْنَا فِي كُتُبِنَا فَلَمْ تَرَ أَنْ يُدْفَعَ عَنْكَ مَا رَأَيْتَ لِنَفْسِكَ ومَا وَقَعَتَ فِيهِ مِنْ هَذَا الشَّرِّ إِلَّا بِقَبْلِ مَنْ نُسَمِّى لَكَ . فَإِنْ قَالَ المَلِكُ : وَمَا تُرِيدُونَ أَنْ تَقْتُلُوا : سَمَوهُمْ لي . قُلْنَا : يُرِيدُ المَلِكَة إِبْرَاحْتَ أُمَّ جَوِيرَ الحَمُودَةَ أَكْرَمَ نِسَائِكَ عَلَيْكَ . وَنُرِيدُ جَوِيرَ أَحَبَّ بَنِيكَ إِلَيْكَ وَأَفْضَلَهُمْ عِنْدَكَ . وَنُرِيدُ ابْنَ أخِيكَ الكَرِيمَ ، وَإِيلَاذَ خَلِيلَكَ وَصَاحِبَ أَمْرِكَ . وَنُرِيدُ كَالا الكاتب صَاحِبَ سِرِّكَ وَسَيْفَكَ الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ ، وَالْفِيلَ الْأَبْيَضَ الَّذى لَا تَلْحَقُهُ الخَيلُ ، وَالْفَرَسَ الَّذِى هُوَ مَرْكَبُكَ في القَتَالِ ، وَنُرِيدُ الفيلينِ الآخَرَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ اللدِّيْنِ يَكُونَانِ مَعَ الْفِيلِ الذَّكَرَ . وَنُرِيدُ الْبُخْتِيَّ السَّرِيعَ الْقَوِى . وَيُرِيدُ كَارِيُونَ الْحَكِيمِ الْفَاضِلَ الْعَالِمَ بِالْأُمُورِ لِنَنْتَقِمَ مِنْهُ بِمَا فَعَلَ بِنَا . ثمَّ نَقُولُ : إِنَّمَا يَنْبَغِي لَكَ أَيُّهَا المَلِكُ أَنْ تَقْتُلَ هَؤُلَاءِ الَّذِين سمَّيْنَاهُمْ لَكَ ، ثُمَّ تَجْعَلَ دِمَاءَهُمْ فِي حَوْضِ تَمْلَوهُ ، ثُمَّ تَقْعُدُ فِيهِ . فَإِذَا خَرَجْتَ مِنَ الحَوضِ اجْتَمَعْنَا نَحْنُ مَعَاشِرَ الْبَرَاهِمَةِ مِنَ الآفَاقِ الْأَرْبَعَةِ تَجُولُ حَوْلَكَ فَنَرْقِيكَ وَنَتْفُلُ عَلَيْكَ وَمَسَحُ عَنْكَ الدَّمَ وَنَغْسِلُكَ بِالْمَاءِ وَالدُّهْنِ الطَّيِّبِ . ثُمَّ تَقُومُ إِلَى مَنْزِلِكَ البهى فَيَدْفَعُ اللَّهُ بِذلكَ البَلاءَ الَّذِي تَخَوَّفُهُ عَلَيْكَ ، فَإِنْ صَبَرْتَ ، أَيْهَا المَلكُ ، وَطَابَتْ نَفْسُكَ عَنْ أَحِبَّا تِكَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا لكَ ، وَجَعَلْتَهُمْ فِدَاءَكَ ، تَخَلَصْتَ مِنَ الْبَلَاءِ ، وَاسْتَقَامَ لَكَ ملكك وسُلْطَانُكَ ، وَاسْتَخْلَفْتَ مِنْ بَعْدِهِمْ مَنْ أَحْيَيْتَ وَإِنْ أَنتَ لَمْ تَفْعَلْ تَخَوفْنَا عَلَيْكَ أَنْ يُغْصَبَ مُلْكُكَ أَوْ تَهْلِكَ . فَإِنْ هُوَ أَطَاعَنَا فِيمَا نَامُرُهُ قَتَلْنَاهُ أَى قِتْلَةٍ شِلْنَا . . فلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى مَا أَثْمَرُوا بِهِ رَجَعُوا إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ . وقَالُوا لَهُ : أَيُّهَا المَلِكُ ، إِنَّا نَظَرْنَا فِي كُتُبِنَا فِي تَفْسِيرِ مَا رَأَيْتَ، وَخَصْنَا عَن الرَّأْيِ فِيمَا بَيْنَنَا ، فَلْتَكُنْ لَكَ أَيُّهَا المَلكُ الطَّاهِرُ الصَّالِحُ الكَرَامَهُ . وَلَسْنَا نَقْدِرُ أنْ نُعْلِمَكَ بِمَا رَأَيْنَا إِلَّا أَنْ تخلُو بِنَا . فَأَخْرَجَ الْمَلِكُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ وَخَلَا بِهِمْ . فَخَدَّنُوا بِالَّذِي الْتَمَرُوا بِهِ . فَقَالَ لَهُمْ : المَوْتُ خَيْرٌ لِي مِنَ الحَيَاةِ 6 إِنْ أَنَا قَتَلْتُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ عَدِيلُ نَفْسِي ، وَأَنَا مَيِّتُ لَا مَحَالَةَ ، وَالْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ ، وَلَسْتُ كُلَّ الدَّهْرِ مَلِكًا ، وَإِنَّ المَوْتَ عِنْدِى وَفِراقَ الْأَحِبَّاءِ سَوَاءٌ . قَالَ لَهُ الْبَرَاهِمَةُ : إِنْ أَنْتَ لَمْ تَغْضَبْ أخْبَرْنَاكَ ، فَأَذِنَ هُمْ . فَقَالُوا : أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّكَ لَمْ تَقُلْ . صوَابًا حِينَ تَجْعَلُ نَفْسَ غَيْرِكَ أَعَنَّ عِنْدَكَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَاحْتَفِظُ بِنَفْسِكَ وَمُلْككَ ، وَاعْمَل هذَا الَّذِي لَكَ فيهِ الرَّجَاءُ الْعَظِيمُ عَلَى ثِقَةٍ وَيَقِينِ . وَقَرَّ عَيْنًا بِمُلْككَ فِي وُجُوهِ أَهْلِ مَمْلَكَكَ الَّذِينَ شَرفْتَ وَكَرَمْتَ بِهِمْ . وَلَا تَدَعِ الْأَمْرَ الْعَظِيمَ وَتَأْخُذُ بالضَّعِيفِ فَتُهْلِكَ نَفْسَكَ إِيثَاراً لِمَنْ تُحِبُّ . وَاعْلَمْ أَيُّهَا المَلِكُ أَنَّ الإِنْسَانَ إِنَّمَا يُحِبُّ الْحَيَاةَ مَحَبَّةٌ لِنَفْسِهِ . وَأَنَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ أَحَبَّ مِنَ الْأَحْبَابِ إِلَّا لِيَتَمَتَعَ تِهِمْ فِي حَيَاتِهِ . وَإِنَّمَا قِوامُ نَفْسِكَ بَعْدَ الله تَعَالَى بِمُلْكِكَ . وَإِنَّكَ لَمْ تَنَلٌ مُلْكَكَ إلَّا بِالمُشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ الْكَثِير فِي الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ . وَلَيْسَ ينبَغِي أَنْ تَرْفُضَهُ وَيَهُونَ عَلَيْكَ ، فَاسْتَمِعْ كَلَامَنَا . فَانْظُرْ لنفسك مُنَاهَا ، وَدَعْ مَا سِوَاهَا : فَإِنَّهُ لَا خَطَرَ لَهُ . فَلَمَّا رأى الملِكُ أَنَّ الْبَرَاهِمَةَ قَدْ أَغْلَظُوا لَهُ فِي الْقَوْلِ وَاجْتَرَءُ وا عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ اشْتَدَّ عَمهُ وَحُزْنُهُ . وَقَامَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيهِمْ وَدَخَلَ إِلَى مُجْرَتِهِ فَخَرَ عَلَى وَجْهِهِ يبكي وَيَتَقَلَّبُ كَمَا تَتَقَلَبُ 5 السَّمَكَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ المَاءِ ، وَجَعَلَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ مَا أَدْرِى أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَعْظَمُ فِي نَفْسِي : المَمْلَكَةُ أَمْ قَتْلُ أَحِبَّانِي؟ وَلَنْ أَنَّالَ الْفَرَحَ مَا عِشْتُ ، وَلَيْسَ مُلْكِي بِبَاقٍ عَلَى إِلَى الْأَبَدِ . وَلَسْتُ بِالْمُصِيبِ سُولِي فِي مُلْكي . وَإِنِّي لَزَاهِدُ في الْحَيَاةِ إِذَا لَمْ أَرَ إِيرَاخْتَ . وَكَيْفَ أَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِمُلْكي إِذَا هَلَكَ وَزِيرِى إِيلَاذُ وَكَيْفَ أَضْبِطُ أَمْرِى إِذَا هَلَكَ فِيلِي الأبيضُ وَفَرَسَى الحَوَادُ : وَكَيْفَ أَدعَى مَلَكًا وَقَدْ قَناتُ مَنْ أَشَارَ الْبَرَاهِمَةُ بِقَتْلِهِ ؟ وَمَا أَصْنَعُ بِالدُّنْيَا بَعْدَهُمْ ? ثُمَّ إِنَّ الحَدِيثَ فَشَا فِي الْأَرْضِ بِحُزْنِ الْمَلِكِ وَهَمِّهِ . فَلَمَّا رَأَى إيلاذُ مَا نَالَ المُلَكَ مِنَ الهم والحزن فكر بحكمته وَنَظَرَ وَقَال : - مَا يَنْبَغِى لي أنْ أسْتَقبِلَ المَلِكَ فَأَسْأَلَهُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِى قَدْ نَالَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْعُونِي . ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى إِبْرَاخْتَ فَقَالَ : إِنِّي مُنذُ خَدَمْتُ الْمَلِكَ إِلَى الآنَ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا إِلَّا بِمَشُورَتِي وَرَأْيِي . وَأَرَاهُ يَكْتُمُ عَني أَمْرًا لَا أَعْلَمُ مَا هُوَ . وَلَا أَرَاهُ يُظهِرُ مِنْهُ شَيْئًا . وَإِنّى رَأَيْتُهُ خَالِيًا مَعَ جَمَاعَةِ الْبَرَهْمِينَ منذ ليالٍ . وَقَدِ احْتَجَبَ عَنَّا فِيهَا . وَأَنَا خَائِفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَطْلَعَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَسْرَارِهِ ، فَلَسْتُ آمَنْهُمْ أَنْ يُشِيرُوا عَلَيْهِ بِمَا يَضُرَّهُ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْهُ السُّوءُ . فَقُومِي وَادْخُلِي -- عَلَيْهِ فَاسْأَلِيهِ عَنْ أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ . وَأَخْبِرينِي بِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَأَعْلِمِينِي : فَإِنِّى لَسْتُ أَقْدِرُ عَلَى الدُّخُولِ عَلَيْهِ . فَلَعَلَّ الْبَرَهمِيين قَدْ زَيَّنُوا لَهُ أَمْرًا أَوْ حَمَلُوهُ عَلَى حُطَّةٍ قَبِيحَةٍ ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ مِنْ خُلُقِ الملِكِ أَنَّهُ إِذَا غَضِبَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا . وَسَوَاءٌ عِندَهُ صَغِيرُ الْأُمُورِ وَكَبِيرُهَا . فَقَالَتْ إِيرَاخْتُ : إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ الملك بَعْضُ الْعِتَابِ فَلَسْتُ بِدَاخِلَةٍ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ : فَقَالَ لَهَا إيلاذُ : لَا تَمْلِي عَلَيْهِ الْحَقْدَ في مِثْلِ هَذَا ، وَلَا يَحْطُرَنَّ ذلِكِ على بالك فَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى الدُّخُوبِ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَاكَ . وَقَدْ سَمِعْتُهُ كَثِيرًا يَقُولُ : مَا اشْتَدَّ غَمَّى وَدَخَلَتْ عَلَى إِبْرَاخْتُ إِلَّا سُرى عنى ، فَقُومِي إِلَيْهِ وَاصْفَحِي عَنْهُ . وَكَلِّمِيهِ بِمَا تَعْلَمِينَ أَنَّهُ تَطِيبُ بِهِ نَفْسُهُ وَيَذْهَبُ الَّذِي يَجِدُهُ ، وَأَعْلِمِينِي بِمَا يَكُونُ جوَابَهُ : فَإِنَّهُ لَنَا وَلِأَهْلِ المَمْلَكَةِ أَعْظَمُ الرَّاحَةِ ، فَانْطَلَقَتْ .
إيراختُ فَدَخَلَتْ عَلَى المَلِكِ فَلَسَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ . فَقَالَتْ ما الَّذِي بِكَ أَيُّهَا المَلِكُ الحَمُودُ : وَمَا الَّذِى سَمِعْتَ مِنَ الْبَرَاهِمَةِ ؟ فَإِنِّي أَرَاكَ مَحْزُونًا ، فَأَعْلِمْنِي مَابِكَ ، فَقَدْ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ تَحْزَنَ مَعَكَ وَنُوَاسِيَكَ بِأَنْفُسِنَا . فَقَالَ الْمَلِكُ : أَيَّتُهَا السَّيِّدَةُ لَا تَسْأَلِينِي عَنْ أَمْرِى فَتَزِيدِينِي عَمَّا وَحُزْنًا : فَإِنَّهُ أَمْرُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْأَلِينِي عنْهُ . قَالَتْ : أَوَ قَدْ نَزَلْتُ عِندَكَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَسْتَحِقُ هَذَا ؟ إِنَّمَا أَحْمَدُ النَّاسِ عَقْلًا مَنْ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ النَّازِلَةُ كَانَ لِنَفْسِه أَشَدَّ ضَبطًا ، وَأَكْثَرَهُمُ اسْتِمَاعًا مِنْ أَهْلِ النَّصْحِ حَتَّى يَنْجُوَ مِنْ تلكَ النَّازِلَةِ بِالْحِيلَةِ وَالْعَقْلِ وَالْبَحْثِ وَالمُشَاوَرَةِ . فَعَظِيمُ الذَّنْبِ لَا يَقْنَطُ مِنَ الرَّحْمَةِ . وَلَا تُدْخِلَنَّ عَلَيْكَ شَيْئًا مِنَ الهُم والحزن . فَإِنَّهُمَا لَا يَرُدَّانِ شَيْئًا مَقْضِيًّا . إِلَّا أَنَّهُمَا يُخِلان الجسْم وَيَشْفِيَانِ الْعَدُو . قَالَ لَهَا الْمَلِكُ : لَا تَسْأَلِينِي عَنْ [١] شَيْءٍ فَقَدْ شَقَفْتِ عَلَى . وَالَّذِى تَسْأَلِينَنِي عَنْهُ لَا خَيْرَ فِيهِ : لأَنَّ عَاقِبَتَهُ هَلَاكِي وَهَلَا كُكَ وَهَلَاكُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي وَمَن هوَ عَدِيلُ نَفْسِى . وَذَاكَ أَنَّ الْبَرَاهِمَةَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَتْلِكِ وَقَتْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ مَوَدَّتِي . وَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَكُمْ . وَهَلْ أَحَدٌ يَسْمَعُ بِهَذَا إِلَّا اعْتَرَاهُ الْحُزْنُ : فَلَمَّا سَمِعَتْ ذَلِكَ إِبْرَاحْتُ جَزِعَتْ ، وَمَنَعَهَا عَقْلُهَا أَنْ تُظْهِرَ لِلْمَلِكِ بَجَزَعًا ، فَقَالَتْ : أَيُّهَا المَلِكُ لَا تَجْزَعْ فَنَحْنُ لَكَ الْفِدَاءُ . وَلَكَ فِي سِوَايَ وَمِثْلِي مِنَ الْحَوَارِي مَا تَقَرُ بِهِ عَيْنُكَ . وَلكِنى تَقُربِهِ أَطْلُبُ مِنْكَ ، أَيُّهَا المَلِكُ ، حَاجَةٌ يَحْمِلُنِي عَلَى طَلَبِهَا حُبِّي لَكَ وإِيثَارِى إِيَّاكَ . وَهِيَ نَصِيحَتِي لَكَ . قَالَ الْمَلِكُ : وَمَا هِيَ ? قالَتْ : أَطْلُبُ مِنكَ أَلَّا تَشِقَ بَعْدَهَا بِأَحَدٍ مِنَ الْبَرَاهِمَةِ . وَلَا تُسَاوِرَهُمْ فِي أَمْرٍ حَتَّى نَتَتَبَّتَ فِي أَمْرِكَ ، ثُمَّ تُشَاوِرَ فِيهِ ثِقَاتِكَ مِرَارًا : فَإِنَّ الْقَتْلَ أَمْرُ عَظِيمٌ ، وَلَسْتَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تُحْيِي مَنْ كليلة ودمنة قتلت . وَقَدْ قِيلَ فِي الحَدِيثِ : إِذَا لَقِيتَ جَوهَرا لَا خَيْرَ فِيهِ فَلَا تُلْقِهِ مِن يَدِكَ حَتَّى تُرِيَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ . وَأَنتَ أَيُّهَا الملكُ لا تَعْرِفُ أَعْدَاءَكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَراهِمَةَ لَا يُحِبُّونَكَ . وَقَدْ قَتَلْتَ منْهُمْ بِالْأَمْسِ اثْنَى عَشَرَ أَلْفًا . وَلَا تَظُنَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أُولئِكَ . وَلَعَمْرِى مَا كُنتَ جَدِيرًا أَنْ تُخْبِرَهُمْ بِرُؤيَاكَ ، وَلَا أَنْ تُطْلِعَهُمْ عَلَيْهَا . وَإِثْمَا قَالُوا لَكَ مَا قَالُوا لِأَجْلِ الْحِقْدِ الَّذِي بينك وبينهم : لَعَلَّهُمْ يَهْلِكُونَكَ وَيُهْلِكُونَ أَحِبَّاءَكَ وَوَزِيرَ : فَيَبْلُغُوا قَصْدَهُمْ مِنْكَ ، فَأَظُنُّكَ لَوْ قَبِلْتَ مِنْهُمْ فَقَتَاتَ مَنْ . أَشَارُوا بِقَتْلِهِ ظَفِرُوا بِكَ وَغَلَبُوكَ عَلَى مُلْككَ ، فَيَعُودُ المُلك إليهم كَمَا كَانَ . فَانْطَلِقُ إلى كَجَارِ يُونَ الْحَكِيمِ ، فَهُوَ عَالِمُ فَطِنُ ، فَأَخْبِرُهُ عَمَّا رَأَيْتَ فِي رُؤْيَاكَ وَاسْأَلْهُ عَنْ وَجْهِهَا وَتَأْوِيلِهَا فَلَمَّا سَمِعَ المَلِكُ ذلِكَ سُرْعَ عَنْهُ مَا كَانَ يَجِدُهُ مِنَ الْغَمُ . فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأَسْرِجَ فَرَكِبَهُ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلى كَبَارِيُونَ الحَكيم . فلمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَسَجَدَ لَهُ ، وَقَامَ مُطَاطِفٌ الرأسَ بَينَ يَدَيهِ . فَقَالَ لَهُ الْحَكِيمُ : مَا بَالُكَ أَيُّهَا المَلِكُ ? وَمَا لِي أراك مُتَغَيَّرَ اللَّوْنِ * فَقَالَ لَهُ المَلِكُ إِنِّى رَأَيْتُ فِي المَنَامِ ثَمَانِيَةَ أَحْلامٍ فَقَصَصْتُهَا عَلَى البَرَاهِمَةِ . وَأَنَا خَائِفُ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ ذلِكَ عَظِيمُ أَمْرٍ مِمَّا سَمِعْتُ مِنْ تَعْبِيرِهِمْ لِرُؤْيَايَ ، وَأَخْشَى أَنْ يُغصَبَ مِنْ مُنكَى أَو أَنْ أَغْلَبَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ الحَكِيمُ : إِنْ شِئْتَ فَاقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى . فَلَمَّا قَصَّ عَلَيْهِ المَلِكُ رُؤْيَاهُ . قَالَ : لَا يَحْزُنكَ أَيُّهَا الْمَلكُ هذَا الأَمْرُ وَلَا تَخَفْ مِنْهُ : أَمَّا السَّمَكَانِ الحَمْرَاوَانِ اللَتَانِ وَأَيْتَهُمَا قَانِعَتَيْنِ عَلَى أَذْنَا بِهِمَا فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ رَسُولُ مِنْ مَلِكِ نَهَا وَنَدَ بِعُلْبَةٍ فِيهَا عِقْدَانِ مِنَ الدر والْيَاقُوتِ الأخيرِ ، قِيمَتُهُما أَربَعَةُ آلَافِ رِطْلٍ مِنْ ذَهَبٍ فَيَقُومُ بين يَدَيْكَ . وَأَمَّا الوَزَّتَانِ الْكانِ رَأَيْتُهُمَا طَارَنَا مِن وَرَاءِ ظَهْرِكَ == --- فَوَقَعَدا بين يديكَ : فَإِنّه يَأْتِيكَ مِن مَلِكِ بَلْ فَرَسَانِ لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُهُمَا فَيَقُومَانِ بَينَ يَدَيْكَ . وَأَمَّا الْحَيَّةُ الَّتِي رَأَيْتَهَا تَدِبُّ عَلَى رِجْلِكَ الْيُسْرَى : فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ مِنْ مَلِكِ صِنْعِينَ مَنْ يَقُومُ بَينَ يَدَيْكَ بِسَيْف خَالِص الحديد لا يُوجَدُ مِثْلُهُ وأَمَّا الدَّمُ الَّذِى رَأَيْتَ كَأَنَّهُ خُضِبَ بِهِ جَسَدُكَ : فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ مِنْ مَلَكِ كَازَرُونَ مَنْ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْكَ بِلِبَاسِ مُعْجِبْ يُسَمَّى حلة أَرْجُوانِ يُضِيءُ فِي الظُّلَمَةِ . وَأَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنْ غَسْلِكَ حِسْمَكَ [٢] و و بِالمَاءِ : فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ مِنْ مَلِكِ رِهْزِينَ مَنْ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْكَ بيَابِ كَانَ مِنْ لِبَاسِ المُلُوكِ . وَأَمَّا مَا رَأَيْتَ مِنْ أَنَّكَ على جَبَلٍ أَبْيَضَ : فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ مِنْ مَلِكِ كَيْدُورَ مَنْ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْكَ بِفِيلِ أَبْيَضَ لَا تَلْحَقُهُ الخَيلُ . وَأَمَّا مَا رَأَيْتَ عَلَى رَأْسِكَ شبيها بِالنَّارِ : فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ مِنْ مَلِكِ أَرزَنَ مَن يَقومُ بَينَ يَدَيَكَ باكليل مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلِ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ . وَأَمَّا الطَّيْرُ الَّذِي رَأَيْتَهُ ضَرَبَ رَأْسَكَ بِمِنْقَارِهِ : فَلَسْتُ مُفَسِّرًا ذلِكَ الْيَوْمَ . وَلَيْسَ بِضَارِّكَ ، فَلَا تَوجَلَنَّ مِنْهُ . وَلكِنْ فِيهِ بَعْضُ السُّخط والإِعْرَاضِ عَمَّنْ تُحِبُّهُ : فَهَذَا تَفْسِيرُ رُؤْيَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ ، وَأَمَّا هذهِ الرُّسُلُ وَالْبُرُدُ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَكَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ جَمِيعًا فَيَقُومُونَ بينَ يَدَيْكَ . فَلَمَّا سَمِعَ المَلِكُ ذلكَ سَجَدَ لِجَبَارِبُونَ وَرَجَعَ إِلَى منزله . فلا كَانَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ جَاءَتِ الْبَشَائِرُ بِقُدُومِ الرُّسُلِ نَخَرَجَ الملك بفَلَسَ عَلَى التَّخْتِ، وَأَذِنَ لِلْأشراف ، وَجَاءَتْهُ الهَدَايَا ما أَخْبَرَهُ كَبَارِيُونُ الحَكِيمُ . فَلَمَّا رَأَى المَلِكُ ذَلِكَ اشْتَدَّ عَجَبُهُ وَفَرَحهُ مِنْ عِلْمٍ تَجَارِيُونَ . وَقَالَ : مَا وُفِّقْتُ حِينَ قَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى الْبَرَاهِمَةِ فَأَمُرُونِي بِمَا أَمْرُونِي بِهِ . وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تعالى تدَارَكَنِي بِرَحْمَتِهِ لَكُنتُ قَدْ هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ ، وَكَذلك لا يَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْمَعَ إِلَّا مِنَ الْأَخِلَّاءِ ذَوِى الْعُقُولِ . وَإِنَّ إِبْرَاحْتَ أَشَارَتْ بِالخَيْرِ فَقَبِلْتُهُ . وَرَأَيْتُ بِهِ النَّجَاحَ . فَضَعُوا الهدِيَّةَ بَيْنَ يَدَيْهَا لَتَأْخُذَ مِنْهَا مَا اخْتَارَتْ ، ثُمَّ قَالَ لِإِيلَاذَ خُذِ الْإِحْلِيلَ وَالنّيَابَ وَاحْمِلْهَا وَاتَّبِعْنِي بِهَا إِلَى مَجْلِسِ النِّسَاءِ . ثُمَّ إِنَّ المُلِكَ دَعَا إِبْرَاخْتَ وَحُورَقْنَاهُ أَكْرَمَ نِسَائِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ . فَقَالَ لِإِيلَاذَ : ضَعِ الكُسْوَةَ وَالْإِحْلِيلَ بَيْنَ يَدَى إِبْرَاخْتَ
التأخُذَ أَيْهَا شَاءَتْ ، فَوُضِعَت الهَدَايَا بَيْنَ يَدَى إِبْرَاخْتَ فَأَخَذَتْ مِنْهَا الإِكِلِيلَ ، وَأَخَذَتْ حُورَقْنَاهُ كُسْوَةٌ مِنْ أَنْفَرِ النياب وَأَحْسَنِهَا . وَكَانَ مِنْ عَادَةِ المَلِك أَنْ يَكُونَ لَيْلَةٌ عِنْدَ ().) إيراختَ وَلَيْلَةٌ عِندَ حُورَقْنَاه . وَكَانَ مِنْ سُنَّةِ المَلِكِ أَنْ تُهَى لَهُ المَرْأَةُ الَّتِي يَكُونُ عِندَهَا في لَيْلَتِهَا أَرْزًا بِحَلَاوَةٍ فَتُطْعَمَهُ إِيَّاهُ . فَأتَى المَلِكُ إيراختَ فِي نَوْبَتِهَا . وَقَدْ صَنَعَتْ لَهُ أَرْزًا . فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ بِالصَّحْفَةِ وَالإِكليلُ عَلَى رَأْسِهَا . فَعَلِمَتْ حُورَقْنَاهُ بِذلِكَ فَغَارَتْ مِنْ إِبْرَاخْتَ . فَلَبِسَتْ تِلْكَ الْكُسْوَةَ . وَمَرَتْ بَينَ يدي الْمَلِكِ وَتِلْكَ النّيَابُ تُضِيءُ عَلَيْهَا مَعَ نُورِ وَجْهِهَا ما تُضِي الشَّمْسُ . فَلَمَّا رَآهَا المَلِكُ أَعْجَبَتْهُ . ثُمَّ الْتَفَتَ إلى إيراختَ فَقَالَ : إِنَّكِ جَاهِلَةٌ حِينَ أَخَذَتِ الْإِكْلِيلَ وَتَرَكْتِ الكُسْوَةَ الَّتِي لَيْسَ فِي خَزَائِنِنَا مِثْلُهَا . فَلَمَّا سَمعَتْ إيراخْتُ مَدْحَ الْمَلِكِ لِحُورَقْنَاهُ وَتَنَاءَهُ عَلَيْهَا وَتَجْهِيلَهَا هِيَ وَذَمَّ رَأْتِهَا أَخَذَهَا مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرَةُ وَالْغَيْظُ ، فَضَرَبَتْ بِالصَّحْفَةِ رَأْسَ الْمَلِكِ . فَسَالَ الْأَرْزُ عَلَى وَجْهِهِ . فَقَامَ المَلِكُ مِنْ مَكَانِهِ وَدَعَا بِإِيلَاذَ . فَقَالَ لَهُ : أَلَا تَرَى ، وَأَنَا مَلِكُ الْعَالَمِ ، كَيْفَ حَقَرَتْنِي هَذِهِ الْحَامِلَةُ ، وَفَعَلَتْ بِي مَا تَرَى ? فَانْطَلِقُ بِهَا فَاقْتُلْهَا وَلَا ترحمها . نَفَرَجَ إِبْلَاذُ مِنْ عِندِ المَلِكِ وَقَالَ : لَا أَقْتُلُهَا حَتَّى -- . يَسْكُنَ عَنْهُ الْغَضَبُ ، فَالْمَرْأَةُ عَاقِلَةٌ سَدِيدَةُ الرَّأْيِ مِنَ المَلِكات الَّتِي لَيْسَ لَهَا عَدِيلُ فِي النِّسَاءِ ، وَلَيْسَ المَلِكُ بِصَابِرٍ عَنْهَا . وَقَدْ خَلَصَتْهُ منَ المَوْتِ ، وَعَمِلَتْ أَعْمَا لا صَالِحةً . وَرَجَاؤُنَا
فيهَا عَظِيمٌ. وَلَسْتُ آمَنْهُ أَنْ يَقُولَ : لِمَ لَمْ تُوخَر قَتْلَهَا حَتَّى تراجعنِي : فَلَسْتُ قَاتِلَهَا حَتَّى أَنْظُرَ رَأَى الْمَلِكِ فِيهَا ثَانِيَةً : فَإِنْ رَأَيْتُهُ نَادِمًا حَزِينًا عَلَى مَا صَنَعَ جِئْتُ بِهَا حَيَّةٌ ، وَكُنتُ قَدْ عَمِلْتُ عَمَلاً عَظِيا . وَأَنجَيْتُ إِبْرَاخْتَ مِنَ الْقَتْلِ ، وَحَفَظْتُ قلب الملك . وَاتَّخَذْتُ عِندَ عَامَّة النَّاسِ بِذلِكَ يَدًا . وَإِنْ رَأَيْتُهُ فَرِحا مُسْتَرِيحًا مُصَوِّبًا رَأْيَهُ فِي الَّذِى فَعَلَهُ وَأَمَرَ بِهِ فَقَتْلُهَا لَا يَفُوتُ . ثُمَّ انْطَلَقَ بِهَا إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَوَكَلَ بِهَا خَادِمًا مِنْ أَمَنَائِهِ ، وَأَمَرَهُ بِخِدمَتِهَا وَحَرَاسَتِها ، حَتَّى يَنْظُرَ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهَا وَأَمْرِ المَلك . ثُمَّ خَضَبَ سَيْفَهُ بِالدَّمِ وَدَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ كَالْكَثِيبِ الْحَزِينِ . فَقَالَ أَيُّهَا المَلِكُ : إنِّى قَدْ أَمْضَيْتُ أَمْرَكَ فِي إِبْرَاخْتَ . فَلَمْ يلبَثِ الْمَلِكُ أَنْ سَكَنَ عَنْهُ الْغَضَبُ ، وَذَكَرَ جَمَالَ إِبْرَاخْتَ . وَاشْتَدَّ أَسَفُهُ عَلَيْهَا ، وَجَعَلَ يُعَزّى نَفْسَهُ عَنْهَا . وحسنها وَيَتَجَلَّدُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَسْتَعِى أَنْ يَسْأَلَ إِيلَاذَ : أَحَقًا أَمْضَى أمرهُ فِيهَا أَمْ لَا * وَرَجًا - مَا عَرَفَ مِنْ عَقْلِ إيلاذَ - ألا يكُونَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ . وَنَظَرَ إِلَيْهِ إِيلَاذُ بِفَضْلِ عَقْلِهِ فَعَلِمَ ، فَقَالَ لَهُ : لَا تَهم وَلَا تَحْزَنْ أَيُّهَا الْمَلِكُ : فَإِنَّهُ لَيْسَ في الهُم وَالْحُزْنِ مَنْفَعَةٌ ، وَلَكِنَّهُمَا يُلانِ الجُسْم وَيُفْسِدَانِهِ . فَاصْبِرْ أَيُّهَا الْمَلِكُ عَلَى مَا لَسْتَ بِقَادِرٍ عَلَيْهِ أَبَدًا . وَإِنْ أَحَبَّ الَّذِي بِهِ الملكُ حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ يُسْلِيهِ . قَالَ : حَدِّثْنِي قال إِيلَاذُ زَعَمُوا أَنَّ حَمَامَتَيْنِ ذَكَرا وَأَنثَى مَلَا عُدَّهُمَا مِنَ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ . فَقَالَ الذَّكَرُ لِلْأُنْثَى : إِنَّا إِذَا وَجَدْنَا فِي الصَّحَارَى مَا نَعِيشُ بِهِ فَلَسْنَا نَأْكُلُ فِى هَا هُنَا شَيْئًا . فَإِذَا جَاءَ الشَّتَاءُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَارَى شَيْءٍ رَجَعْنَا إِلَى مَافِي عُشْنَا فَأَكَلْنَاهُ . فَرَضِيَتِ الأُنثَى بِذلِكَ . وَقَالَتْ لَهُ : نِعْمَ مَا رَأَيْتَ . وَكَانَ ذَلكَ الْحَبُّ نَدِيَّا حِينَ وَضَعَاهُ فِي عُشْهمَا ، فَانْطَلَقَ الذَّكَرُ فَغَابَ [٣] فلَمَّا جَاءَ الصَّيْف يَبِسَ الْحَبُّ وَانْضَمَرَ . فَلَمَّا رَجَعَ الذَّكَرُ رَأَى الْحَبَّ نَاقصًا . فَقَالَ لَهَا : أَلَيْسَ مَا أَجْمَعْنَا رَأَيْنَا عَلَى أَلَّا تأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا ؟ فَلِمَ أَكَلْتِهِ ؟ بَفَعَلَتْ تَخْلِفُ أَنَّهَا مَا أَكَلَتْ مِنْهُ -شَيْئًا . وَجَعَلَتْ تَعْتَذِرُ إِلَيْهِ . فَلَمْ يُصَدِّقَهَا ، وَجَعَلَ يَنْقُرُهَا حتى ماتت . فَلَمَّا جَاءَتِ الْأَمْطَارُ وَدَخَلَ الشَّتَاءُ تَنَدَّى الحب وامْتَلأَ الْعُشُ كَمَا كَانَ . فَلَمَّا رَأَى الذَّكَرُ ذَلِكَ نَدَمَ . ثُمَّ اضْطَجَعُ إلى جانب حَمَامَتِهِ وَقَالَ : مَا يَنْفَعُنِي الْحَبُّ وَالْعَيْشُ بَعْدَكِ إِذَا طلبتُكِ فَلَمْ أَجِدْكِ ، وَلَمْ أَقْدِر عَلَيْكِ ، وَإِذَا فَكَرْتُ فِي أَمْرِكِ و عَلِمْتُ أنّى قَدْ ظَلَمْتُكِ ، وَلَا أَقْدِرُ عَلَى تَدَارُكِ مَا فَاتَ . ثمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى حُزْنِهِ فَلَمْ يَطْعَمْ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَتَّى مَاتَ إلى جانبها . وَالْعَاقِلُ لاَ يَعْجَلُ فِي الْعَذَابِ وَالْعُقُوبَةِ ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَخَافُ النَدَامَةَ ، كَمَا نَدِمَ الحَمامُ الذَّكَرُ . وَقَدْ سَمِعْتُ أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْجَبَلَ وَعَلَى رَأْسِهِ كَارَةٌ مِنَ الْعَدَسِ فَوَضَعَ الْكَارَةَ عَنْ ظَهْرِهِ لِيَسْتَرِيحَ . فَنَزَلَ قِرْدُ مِنْ شَجَرَةٍ فَأَخَذَ مِلْ كَفِّهِ مِنَ الْعَدَسِ وَصَعِدَ إِلَى الشَّجَرَةِ . فَسَقَطَتْ مِنْ حَبَّةٌ فَنَزَلَ في طَلَبِهَا فَلَمْ يَجِدْهَا . وَانْتَثَرَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنَ الْعَدَسِ أَجْمَعُ . وَأَنتَ أَيْضًا أَيُّهَا المَلِكُ عِنْدَكَ سِتَةَ عَشَرَ أَلْفَ يده = 6 امرأَة تَدَعُ أَنْ تَلْهُو بِهِنَّ وَتَطْلُبُ الَّتِي لَا تَجِدُ : فَلَمَّا سَمِعَ ! (١) مقدار . مر مر مر یک تله الملك ذلكَ خَشِيَ أَنْ تَكُونَ إِيرَاخْتُ قَدْ هَلَكَتْ ، فَقَالَ لا يلاذ : لِمَ لَا تَأْتَيْتَ وَتَثَبَّتَ : بَلْ أَسْرَعَتَ عِنْدَ سَمَاع كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَعَلَّقْتَ بِهَا ، وَفَعَلْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ سَاعَتِكَ ؟ قال إيلاذُ : إِنَّ الَّذِى قَوْلُهُ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَا اخْتِلَافَ لِقَوْلِهِ . قَالَ الْمَلِكُ : لَقَدْ أفسدتَ أَمْرِى وَشَدَدْتَ حُزْنِي بِقَتْلِ إِبْرَاخْتَ . قَالَ إِيلَاذُ : اثْنَانِ يَنبَغِي لَهُمَا أَنْ يَحْزَنَا : الَّذِي يَعْمَلُ الْإِثْمَ فِي كُلِّ يَومِ، وَالَّذِي لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ : لأَنَّ فَرَحَهُمَا فِي الدُّنْيَا وَنَعِيمِهَا قَلِيلُ . وَنَدَامَتَهُمَا إِذْ يُعَايِنَانِ الحَزَاءَ طَوِيلَةً لَا يُسْتَطَاعُ إحْصَاؤُهَا . قَالَ المَلِكُ : لَئِنْ رَأَيْتُ إِبْرَاخْتَ حَيَّةٌ لَا أَحْزَنُ عَلَى شَيْء أَبَدًا ، قَالَ إِيلَاذُ : اثْنَانِ لَا يَنْبَغِي لَهُمَا أَنْ يَحْزَنَا : المجتمدُ فِي البِرِّكُلَّ يَومٍ ، وَالَّذِى لَمْ يَأْقَمْ قَطُّ . قَالَ الْمَلِكُ : ما أَنَا بِنَاظِرٍ إِلَى إِبْرَاحْتَ أَكْثَرَ مِمَّا نَظَرْتُ ، قَالَ إِيلَاذُ : اثْنَانِ لا ينظران : الْأَعْمَى وَالَّذِي لَا عَقَلَ لَهُ . وَكَمَا أَنَّ الْأَعْمَى لَا يَنْظُرُ السَّماءَ ونجومها وأرْضَهَا وَلَا يَنظُرُ الْقُرْبَ وَالْبُعْدَ ، كَذلكَ الَّذِى لا عَقْلَ لَهُ لَا يَعْرِفُ الحَسَنَ مِنَ الْقَبِيحَ وَلَا الْمُحْسِنَ مِنَ المُسِيء . قَالَ المَلَكُ : لَوْ رَأَيْتُ إِبْرَاخْتَ لَاشْتَدَّ فَرَحِي، قَالَ إِيلَاذُ : اثْنَانِ هُمَا الْفَرِحَان : الْبَصِيرُ وَالْعَالِمُ . فَكَما أَنَّ الْبَصِيرَ يُبْصِرُ أَمُورَ الْعَالَمِ ا فِيهِ مِنَ الزَّيَادَةِ وَالنَّقْصَانِ وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، فَكَذَلِكَ الْعَالِمُ ، يُبْصِرُ البِر وَالإقم ، وَيَعْرِفُ عَمَلَ الْآخِرَةِ ، وَيَتَبَيَّنُ لَهُ نَجَاتُهُ ويهتدى إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم . قَالَ الْمَلِكُ : يَنْبَغِي لَنَا أَنْ تتَبَاعَدَ مِنْكَ يَإِيلَاذُ وَنَأْخُذَ الْحَذَرَ وَنَلْزَمَ الإنْفَاءَ . قَالَ إِيلَاذُ : اثْنَانِ يَنْبَغِي أَنْ يُتَبَاعَدَ مِنْهُمَا : الَّذِي يَقُولُ لَا تَر وَلَا إِثْمَ وَلَا عِقَابَ وَلَا تَوَابَ وَلَا شَيْءٍ عَلَى مَا أَنَا فِيهِ ، وَالَّذِي لَا يَكَادُ سرِفُ بَصَرَهُ عَمَّا لَيْسَ لَهُ بِمَحْرَمٍ ، وَلَا أُذُنَهُ عَنِ اسْتِمَاع السُّوءِ ، وَلَا قَلْبَهُ عَمَّا تَهُمْ بِهِ نَفْسُهُ مِنَ الْإِثْمِ وَالْحِرْصِ . قَالَ الْمَلِكُ : صَارَتْ يَدِى مِنْ إبراخْتَ صِفَرًا ، قَالَ إِيلَاذُ : ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ أَصْفَار : النهرُ الَّذِى لَيْسَ فِيهِ مَاهُ ، وَالْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَلِكُ وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا بَعْلُ . قَالَ الْمَلِكُ: إنَّكَ يَإِيلَاذُ لَتُلْقِي بِالخَوَابِ. قَالَ إِيلَاذُ : ثَلَاثَةٌ يُلْقُونَ بِالحَوَابِ : المَلِكُ الَّذِي يُعْطِي وَيَقْسِمُ مِنْ نَخَزَائِنِهِ ، وَالمرأةُ المهداة إلى منْ تَهْوَى مِنْ ذَوِى الحَسَبِ ، وَالرَّجُلُ الْعَالِمُ الموفَّقُ الْخَيْرِ (١) تحابى به أو توحى به وتوى إليه . ثُمَّ إِنَّ إِيلَاذَ لَا رَأَى المَلِكَ اشْتَدَّ بِهِ الْأَمْرُ ، قَالَ : أَيُّهَا الملِكُ ، إِنَّ إِبْرَاخْتَ بِالْحَيَاةِ . فَلَمَّا سَمِعَ المَلِكُ ذلك اشْتَدَّ فَرَحُهُ . وَقَالَ يَإِيلَاذُ : إِنَّمَا مَنَعَنِي مِنَ الْغَضَبِ مَا أَعْرِفُ مِن نَصِيحَتِكَ وَصِدْقِ حَدِيثِكَ . وَكُنتُ أَرْجُو لِمَعرِفَتِي بِعِليكَ أَلَّا تَكُونَ قَدْ قَتَلْتَ إِبْرَاخْتَ . فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَتَتْ عَظِيا وأَغْلَظَتْ فِي الْقَوْلِ فَلَمْ تَأْتِهِ عَدَاوَةٌ وَلَا طَلَبَ مَضَرَّةٍ ، وَلكِنها فَعَلَتْ ذَلِكَ لِلْغَيْرَةِ . وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْرِضَ عَنْ ذَلِكَ واحْتَمَلَهُ . ولكنَّكَ بإيلاذُ أَردتَ أَنْ تَحْتَبِرَنِي وَتَتْرَكَنِي فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِهَا . وَقَدِ اتَّخَذْتَ عِنْدِى أَفْضَلَ الْأَيْدِي ، وَأَنَا لَكَ شاكر. فَانْطَلِقُ فَأْتِنِي بِهَا . نَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ المَلِكِ فَأَتَى إِبْرَاخْتَ وأمرهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ فَفَعَلَتْ ذلِكَ . وَانْطَلَقَ بِهَا إِلَى المَلِكِ . فَلَمَّا دَخَلَتْ سَجَدَتْ لَهُ . هُم قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ . وَقَالَتْ : أَحْمَدُ الله تعالى هُمَّ أَحْمَدُ المَلِكَ الَّذِى أَحْسَنَ إِلَى : قَدْ أَذْنَبْتُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَمْ أَكُنْ لِلْبَقَاءِ أَهْلًا بَعْدَهُ ، فَوَسِعَهُ عِلْمُهُ وَكَرَمُ طَبْعِهِ وَرَأْفَتُهُ ، ثُمَّ أَحْمَدُ إِيلَاذَ الَّذِى أَخَرَ أَمْرِي، وَأَنْجَانِي مِنَ الْهَلَكَةِ، لِعِلْمِهِ بِرَأْفَةِ المَلِكِ وَسَعَةِ حِلْمِهِ وَجُودِهِ وَكَرَم جَوْهَرِهِ وَوَفَاءِ --- عَهْدِهِ . وَقَالَ الْمَلِكُ لِإِيلَانَ : مَا أَعْظَمَ يَدَكَ عِنْدِى وَعِنْدَ إبْرَاخْتَ وَعِنْدَ الْعَامَّةِ : إِذْ قَدْ أَحْيَيْتَهَا بَعْدَ مَا أُمِرْتَ بِقَتْلِهَا فَأَنْتَ الَّذِي وَهَبَهَا لِيَ الْيَوْمَ : فَإِنّى لَمْ أَزَلْ وَائِهَا بِنَصِيحَتِكَ = م. وتدبِيرِكَ . وَقَدِ ازددت اليوم عِنْدِى كَرَامَةً وَتَعْظِيما . وَأَنتَ حكُم فِي مُلْكِي تَفْعَلُ فِيهِ بِمَا تَرَى ، وَنَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمَا تُرِيدُ . فَقَدْ جَعَلْتُ ذلِكَ إِلَيْكَ وَوَثِقْتُ بِكَ . قَالَ إِيلَاذُ : أَدَامَ اللَّهُ لكَ أَيُّهَا المَلِكُ الْمُلْكَ وَالسُّرُورَ . فَلَسْتُ بِحَمُودٍ عَلَى ذلِكَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُكَ . لَكِنْ حَاجَتِي أَلَّا يَعْجَلَ المَلِكُ فِي الْأَمْرِ الحَسِيمِ الَّذِي يَنْدَمُ عَلَى فِعْلِهِ ، وَتَكُونُ عَاقِبَتُهُ الْغَم وَالْحَزَنَ . - وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَلِكَةِ النَّاصَحَةِ الْمُشْفِقَةِ الَّتِي لَا يُوجَدُ فِي الْأَرْضِ مِثْلُهَا : فَقَالَ المَلِكُ بِحَقِّ قُلْتَ يَإ يلاذُ ، وَقَدْ قَبِلْتُ قَوْلَكَ ، وَلَسْتُ عَامِلًا بَعْدَهَا عَمَلًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا 6 فَضْلًا عَنْ مِثْلِ هَذَا الْأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مَا سَلِمْتُ مِنْهُ ، إِلَّا بَعَدَ المُؤامَرَةِ وَالنَّظَرِ وَالتَرددِ إِلَى ذَوِى الْعُقُولِ وَمُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْمَوَدَّةِ (13) وَالرَّأْي . ثُمَّ أَحْسَنَ المَلِكُ جَائِزَةَ إِيلَاذَ ، وَمَكَنَهُ مِنْ أُولَئِكَ الْبَرَاهِمَةِ الَّذِينَ أَشَارُوا بِقَتْلِ أَحْبَابِهِ ، فَأَطْلَقَ فِيهِمُ السَّيْفَ 6 وَقَرتْ عَيْنُ المَلِكِ وَعُيُونُ عُظَمَاء أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، وَحَمَدُوا اللهَ وأثنوا عَلَى تَجَارِبُونَ بِسَعَة عِلَيهِ وَفَضْلِ حِكْمَتِهِ : لِأَنَّهُ بِعِلْمِهِ خَلَّصَ المَلِكَ وَوَزِيرَهُ الصَّالِحَ وأَمْرَأَتَهُ الصَّالِحَةَ.