كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب الناسك والضيف
بَابُ النَّاسِك والضيف
قَالَ دَبْسَلِيمُ المَلِكُ لِبيدَبا الفيلسوف : قد سَمِعْتُ هذا المثل . فَاضْرِبْ لِي مَثَلَ الَّذِي يَدَعُ صُنْعَهُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ ور وہ - وَيُشَاكِلُهُ ، وَيَطلُبُ غَيْره فَلَا يُدركه : فيبقى حيران مترددا قَالَ الفَيْلَسُوفُ : زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ بِأَرْضِ الْكَرْخِ نَاسِكَ عَابِدُ مجتهد . فَنَزَلَ بِهِ ضَيْفَ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَدَعَا النَّاسِكُ لِضَيْفِهِ بِمَرٍ : لِيُطْرِفَهُ بِهِ . فَأَكَلَا مِنْهُ جَمِيعًا . ثُمَّ قَالَ الضَّيْفُ : مَا أَحْلَى 6 هذَا السَّمْرَ وَأَطْيَبَهُ : فَلَيْسَ هُوَ فِي بِلَادِى الَّتِي أَسْكُنُهَا ! وَلَيْتَهُ كَانَ فِيهَا ! هُمَّ قَالَ : أَرَى أَنْ تُسَاعِدَنِي عَلَى أَنْ أَخُذَ مِنْهُ مَا أَغْرِسُهُ فِي أَرْضِنَا : فَإِنِّى لَسْتُ عَارِفًا بِنِمَارِ أَرْضِكُمْ هَذِهِ وَلَا بِمَوَاضِعِهَا . فَقَالَ لَهُ النَّاسِكُ : لَيْسَ لَكَ فِي ذلِكَ رَاحَةُ : فَإِنَّ ذلِكَ يَنْقُلُ عَلَيْكَ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لَا يُوَافِقُ أَرْضَكُمْ ، مَعَ أَنَّ بِلادَكُمْ كَثِيرَةُ الأَنْمَارِ فَا حَاجَتُهَا مَعَ كَثَرَةِ ثَمَارِهَا إِلَى التَّمْرِ وَخَامَتِهِ وَقِلَّةِ مُوَافَقَتِهِ لِلْجَسَدِ مِّمَّ قَالَ لَهُ النَّاسِكُ : إِنَّهُ لَا يُعد حَكِيمًا مَنْ طَلَبَ مَا لَا يَجِدُ ، وَإِنَّكَ سَعِيدُ الخَدٌ إِذَا قَنِعْتَ بالَّذِى تَجِدُ ، وَزَهدْتَ فمَا لَا تَجِدُ . وَكَانَ هَذَا النَّاسِك يَتَكَلَّمُ بالعبرانية . فَاسْتَحْسَنَ الضَّيْفُ كَلَامَهُ وَأَعْجَبَهُ ، فَتَكَلَّفَ أَنْ يتعلمهُ ، وَعَالَحَ فى ذلكَ نَفْسَهُ أَيَّامًا . فَقَالَ النَّاسِك لضيفه : ما أَخْلَقَكَ أَنْ تَقَعَ مِمَّا تَرَكتَ مِنْ كَلامِكَ ، وَتَكَلَّفْتَ مِنْ كَلام العِبْرَانِيَّةِ ، فِي مِثْلِ مَا وَقَعَ فِيهِ الْغُرَابُ : قَالَ الضَّيْفُ : وكيف كان ذلك ؟ قَالَ النَّاسكُ : زَعْمُوا أَنَّ غُرَابًا رَأَى حَجَلَةً تدرج وَتَمْشِي ، فَأَعْجَبَتْهُ مِشْيَتُهَا ، وَطَمع أن يَتَعَلَّمَهَا . فَرَاضَ عَلَى ذلِكَ نَفْسَهُ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِحْكامِهَا ، وَأَيْسَ مِنْهَا . وَأَرَادَ أَنْ يَعُودَ إلَى مِشْيَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا : فَإِذَا هُوَ قَدِ اخْتَلَطَ وَتَخَلَّعَ فِي مِشْيَتِهِ، وَصَارَ أَقْبَحَ الطَّيْرِ مَشْيَا ، وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا المُثَلَ مَا رأَيْتُ مِنْ أَنَّكَ تَرَكْتَ لِسَانَكَ الَّذِي طُبِعَتَ عَلَيْهِ ، وَأَقْبَلْتَ عَلَى لِسَانِ الْعِبْرَانِيَّةِ ، وَهُوَ لَا يُشَاكِلَكَ ، وَأَخَافُ أَلَّا تُدْرِكَهُ 6 وَتَنْسَى لِسَانَكَ ، وَتَرْجِعَ إِلَى أَهْلِكَ وَأَنْتَ شَرْهُمْ لِسَانًا : فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ : إِنَّهُ يُعَدُّ جَاهِلًا مَنْ تَكَلَّفَ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَا يُشَاكِلُهُ، E وَلَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ وَلَم يود به عَلَيْهِ آبَاؤُهُ وَأَجْدَادَهُ مِن قَبْلُ . ) انقضى باب التاسك والضيف )