كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب الناسك وابن عرس
بَابُ النَّاسِك وَابْنِ عِرْس
قَالَ دَنَسلِيمُ المَلِكُ لِبيدَبا الفيلسوف : قَدْ سَمِعْتُ هَذَا المُثَلَ . فاضرِبْ لِي مَثَلَ الرَّجُلِ الْعَجَلَانِ فِي أَمْرِهِ ، مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَلَا نَظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ . قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَمْرِهِ مُتَنبنا ، لَمْ يَزَلْ نَادِمًا ، وَيَصِيرُ أَمْرُهُ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ النَّاسِكُ مِنْ قَتْلِ ابْنِ عِرْس . وَقَدْ كَانَ لَهُ وَدُودًا . قَالَ المَلِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلك ؟ ر قَالَ الفَيْلَسُوفُ : زَعَمُوا أَنَّ نَاسِكًا مِنَ النَّسَاكِ كَانَ بِأَرْضِ حُرْجَانَ[١] وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ جَميلَةٌ ، فَمَكَما زَمَانًا لَمْ يُرْزَقَا وَلَدًا ثُمَّ حَمَلَتْ مِنْهُ بَعْدَ الْإِيَاسِ . فَسُرَّتِ المرأَةُ وَسُرَّ النَّاسِك بِذلِكَ ، محمد الله تَعَالَى ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ ذَكَرًا . وَقَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَبشرى : فَإِنّى أَرْجُو أَنْ يَكُونَ غُلَامًا ، لَنَا فِيهِ منَافِعُ ، وَقُرَّةُ عَيْنٍ ، أَخْتَارُ لَهُ أَحْسَنَ الْأَسْمَاءِ ، وَأَحْضَرُ لَهُ سَائِرَ الْأَدَبَاءِ . فَقَالَتِ المرأَةُ : مَا يَعْمَلُكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ عَلَى أَنْ تتَكَلَّمَ بِمَا لَا تَدْرِى أَيَكُونُ أَمْ لَا : وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَصَابَهُ ما أَصَابَ النَّاسِكَ الَّذِى أَرَاقَ عَلَى رَأْسِهِ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ . قَالَ لَهَا : وَكَيْفَ كَانَ ذلكَ ؟ قَالَتْ : زَعَمُوا أَنَّ نَاسِكًا كَانَ يَجْرِى عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ رَجُلٍ تاجِرٍ ، فِي كُلِّ يَوْمٍ ، رِزْقُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ ، وَكَانَ يَأْكُلُ مد صدمه اگر مِنْهُ قُونَهُ وَحَاجَتَهُ ، وَيَرْفَعُ الْبَاقِيَ ، وَيَجْعَلُهُ فِي جَرَّةٍ ، فَيُعَلِّقُهَا في وتد فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ ، حَتَّى امْتَلَاتُ ، فَبَيْنَمَا النَّاسِكُ ذَاتَ يوم مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَالْعُكَازَةُ فِي يَدِهِ ، وَالْحَرَّةُ مُعَلَّقَةٌ عَلَى رأْسِهِ ، تَفَكَّرَ فِي غَلَاءِ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ ، فَقَالَ : سَأَبِيعُ مَا فِي هَذِهِ الحَرَّةِ بِدِينَارٍ ، وَأَشْتَرِى بِهِ عَشْرَةَ أَعْنُرِ ، فَيَحْبَلْنَ وَيَلِدْنَ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ بَطْنًا ، وَلَا تَلْبَثُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى تَصِيرَ غَنَمًا كَثِيرَةٌ ، إِذَا وَلَدَتْ أَوْلَادُهَا ، ثُمَّ حَرَّرَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ بِسِنِينَ فَوَجَدَ ذلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمانَةِ عَنْ ، فَقَالَ : أَنَا أَشْتَرِى هَا ممِائَةٌ مِنَ الْبَقَرِ، بِكُلِّ أَرْبَعَةِ أَعْتُرٍ ثَوْرًا أَوْ بَقَرَةً ، وَأَشْتَرِى أَرْضًا [٢] وَبَدْرًا ، وَأَسْتَأْخِرُ أَكَرَةً وَأَزْرَعُ عَلَى السِّيرَانِ ، وَأَنْتَفِعُ بِأَلْبَانِ الإناتِ وَنِتاجِهَا فَلَا يَأْتِي عَلَى نَمْسُ سِنِينَ إِلَّا وَقَدْ أَصَبْتُ مِنَ الزَّرْعِ مَالًا كَثِيرًا : فَأَبْنِي بَيْتًا فَاخِرًا ، وَأَشْتَرِى إِمَاءً وَعَبِيدًا ؛ وَأَتَزَوَّجُ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ ذَاتَ حُسنٍ ؛ ثُمَّ تَأْتِي بِغُلَامٍ سَرِى نَجِيب ؛ فَأَخْتَارُ لَهُ أَحْسَنَ الْأَسْمَاءِ ، فَإِذَا تَرَعْرَعَ أَدَبْتُهُ ، وَأَحْسَنْتُ تَأْدِيبَهُ ، وَأَشَدَّدُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ يَقْبَلْ مِنِّي ، وَإِلَّا ضَرَبْتُهُ بهذه الْعُكَازَةِ ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الحَرَّةِ فَكَسَرَهَا ، فَسَالَ مَا كَانَ فيها عَلَى وَجْهِهِ . وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا المُثَلَ لِكُلِّ لَا تَعْجَلَ بذكر ما لا ينبغي ذكرهُ ، وَمَا لَا تَدْرِى أَيَصحُ أَمْ لَا يَصِحُ . فَاتَّعَظَ النَّاسِكُ بِمَا حَكَتْ زَوْجَتُهُ . ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ وَلَدَتْ غُلَامًا جَمِيلًا فَفَرِحَ بِهِ أَبُوهُ . وَبَعْدَ أَيَّامٍ حَانَ لَهَا أَنْ تَتَطَهَّرَ فَقَالَتِ المرأةُ لِلنَّاسِك : اقْعُدْ عِندَ ابْتِكَ حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى الْحَمَّامِ فَأَغْتَسِلَ وَأَعُودَ . ثُمَّ إِنَّهَا انْطَلَقَتْ إلى الحمام ، وَخَلَفَتْ زَوْجَهَا وَالْغُلَامَ . فَلَمْ يَلْبَتْ أَنْ جَاءَهُ رَسُولُ الْمَلِكِ يَسْتَدْعِيهِ ، وَلَمْ يَجِدُ مَنْ يَخْلُفُهُ درو عِندَ ابْنِهِ ، غَيْرَ ابْنِ عِرْسٍ دَاجِنِ عِنْدَهُ ، كَانَ قَدْ رَبَّاهُ صَغِيرًا فَهُوَ عِندَهُ عَدِيلُ وَلَدِهِ . فَتَرَكَهُ النَّاسِكُ عِنْدَ الصَّبِيُّ ، وَأَغْلَقَ علَيْهِمَا الْبَيْتَ ، وَذَهَبَ مَعَ الرَّسُولِ . خَرَجَ مِنْ بَعْضِ أَبْحَارِ الْبَيْتِ حَيَّةٌ سَوْدَاءُ ، فَدَنَتْ مِنَ الْغُلَامِ، فَضَرَبَهَا ابْنُ عِرس 6 تم وَتَبَ عَلَيْهَا فَقَتَلَها ، ثُمَّ قَطَّعَهَا وَامْتَلَا فَمُهُ مِنْ دَمِهَا ، ثُمَّ جَاءَ النَّاسِلُ ، وَفَتَحَ الْبَابَ ، فَالْتَقَاهُ ابْنُ عِرْسٍ ، كَالْبَشِّرِ لَهُ بِمَ صَنَعَ مِنْ قَتلِ الحَيَّةِ . فَلَمَّا رَآهُ مُلُونَا بِالدَّمِ ، وَهُوَ مَدْعُورٌ ، طَارَ عَقْلُهُ ، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ خَنَقَ وَلَدَهُ . وَلَمْ يَتَتَبَّتْ فِي أَمْرِهِ ، محوریک 6 ولم يترو فِيهِ ، حَتَّى يَعْلَمَ حَقِيقَةَ الحَالِ ، وَيَعْمَلَ بِغَيْرِ مَا ظَنَّ مِنْ ذَلِكَ . وَلَكِنْ عَجَلَ عَلَى ابْنِ عِرْسٍ ، وَضَرَبَهُ بِعُكَازَةٍ كَانَتْ (١) آلف فِي يَدِهِ ، عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ ، فَمَاتَ . وَدَخَلَ النَّاسِكُ فَرَأَى الْغُلَامَ سليما حيا ، وعنده أسود مقطع ، فَلَمَّا عَرَفَ الْقِصَّةَ ، وَتَبَيَّنَ لَهُ سُوءُ فِعْلِهِ فِي الْعَجَلَةِ ، لَطَمَ عَلَى رَأْسِهِ . وَقَالَ : لَيْتَنِي لَمْ أَرْزَقْ هذَا الْوَلَدَ ، وَلَمْ أَغْدِرُ هَذَا الْغَدْرَ : وَدَخَلَتِ امْرَأَتُهُ ، فَوَجَدَتْهُ عَلَى تِلْكَ الحَالِ. فَقَالَتْ لَهُ : مَا شَأْنُكَ : فَأَخْبَرَهَا بِالخَبَرِ مِنْ حُسْنِ فِعْل ابْنِ عِرْسٍ وَسُوءِ مُكَافَاتِهِ لَهُ . فَقَالَتْ : هَذِهِ ثَمَرَةٌ الْعَجَلَةِ ! فَهَذَا مَثَلُ مَنْ لَا يَتَثَبَّتُ فِي أَمْرِهِ ، بَلْ يَفْعَلُ أَغْرَاضَا. بالسرعة والعجلة