كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب اللبؤة والإسوار والشغبر
قَالَ دَبْشَلِيمُ المَلِكُ لَبَيْدَنَا الْفَيْلَسُوفِ : قَدْ سَمِعْتُ هَذَا المَثَلَ : فَاضْرِبْ لِي مَثَلًا فِي شَأْنِ مَنْ يَدَعُ ضُرَّ غَيْرِهِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ لَا يُصِيبُهُ مِنَ الضُّرُ ، وَيَكُونُ لَهُ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِ وَاعِظُ وَزَاجِرٌ عَنِ ارْتِكَابِ الظَّلِمِ وَالْعَدَاوَةِ لِغَيْرِهِ . قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : إِنَّهُ لَا يُقْدِمُ عَلَى طَلَب مَا يَضُرُ بِالنَّاسِ وَمَا يَسُوءُ هُم إِلَّا أَهْلُ الجَهَالَةِ وَالسَّفَهِ. وَسُوءِ النَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَقِلَّةِ الْعلم ما يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ حُلُولِ النقمة ؛ وَبِمَا يلزمهم مِنْ تَبِعَةِ مَا اكْتَسَبُوا مِمَّا لَا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ . وَإِنْ سَلَّمَ بَعْضُهُمْ مِنْ ضَرَدِ بَعْضٍ بِمَنِيَّةٍ عَرَضَتْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ وَبَالُ ما صَنَعَ : فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُرْ فِي الْعَوَاقِبِ لَمْ يَأْمَنِ المَصَائِبَ ، وَحَقِيقُ أَلَّا يَسْلَمَ مِنَ المَعَاطِبِ ، وَرُبَّمَا اتَّعَظَ الجَاهِلُ وَاعْتَبَر مَا يُصِيبُهُ مِنَ المَضَرَّةِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَارْتَدَعَ عَنْ أَنْ يَغْشَى أَحَدًا بمثْلِ ذَلِكَ مِنَ الظَّلْمِ وَالْعُدْوَانِ ، وَحَصَلَ لَهُ نَفْعُ مَا كَفَّ عَنْهُ مِنْ ضَرَرِهِ لِغَيْرِهِ فِي الْعَاقِبَةِ ، فَنَظِيرُ ذلِكَ حَدِيثُ البُوَّةِ وَالْإِسْوَارِ والشَّعْبَرِ . قَالَ الْمَلِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلك ? (1) قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : زَعَمُوا أَنَّ لَبُوةٌ كَانَتْ فِي غَيْضَةٍ ، وَلَهَا سبُلَانِ ، وَأَنَّهَا نَخَرَجَتْ فِي طَلَبِ الصَّيْدِ وَخَلَفَتُهُمَا فِي كَهْفِهِمَا ؛ (٢) فَرَّ بِهِمَا إِسْوَارُ فَمَلَ عَلَيْهِمَا وَرَمَاهُمَا فَقَتَلَهُمَا ، وَسَلَخَ جِلْدَيْهِمَا فَاحْتَقَبَهُمَا ، وَانْصَرَفَ بِهِمَا إِلَى مَنزِلِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا رَجَعَتْ ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا حَلَّ بِهِمَا مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ اضْطَرَبَتْ ظَهْرًا لِبَطْنِ وَصَاحَتْ (1) أجمة (٢) ربطهما في مؤخر الرحل أو القتب وجت . وَكَانَ إِلَى جَنْبِهَا شَعْبَر ، فَلَمَّا سَمِعَ ذلكَ مِنْ صِيَاحِهَا قَالَ لَهَا : مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ * وَمَا نَزَلَ بِكِ ? فَأَخْبِرِينِي بِهِ . قَالَتْ الهَبُوةُ شِبْلَاكَ مَرَّ بِهِمَا إِسْوَارَ فَقَتَلَهُمَا ، وَسَلَخَ جلديهما [٣] فَاحْتَقَهُهُمَا ، وَنَبَذَهُمَا بِالْعَرَاءِ . قَالَ لَهَا الشَّعْبَرُ : لَا تَضِحى وَأَنْصِغِي مِنْ نَفْسِكَ ، وَاعْلَى أَنَّ هَذَا الإِسْوَارَ لَمْ يَأْتِ إِلَيْكِ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ كُنْتِ تَفْعَلِينَ بِغَيْرِكِ مِثْلَهُ ، وَتَأْتِينَ إِلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، مَنْ كَانَ يَجِدُ بِيَمِيمِهِ وَمَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا تَجِدِينَ ه صمد صمد سْبُلَيْكِ . فَاصْبِرِى عَلَى فِعْلِ غَيْرِك كَمَا صَبَرَ غَيْرُكَ عَلَى فِعْلِكِ : فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ : كَمَا تَدِينُ تُدَانُ ، وَلِكُلِّ عَمَلٍ ثَمَرَةٌ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَهُمَا عَلَى قَدْرِهِ فِي الْكَثَرَةِ وَالْقِلَّةِ . كَالزَرْعِ إِذَا حضَرَ الْحَصَادُ أَعْطَى عَلَى حَسَبِ بَدْرِهِ . قَالَتِ الْقَبُوةُ : بَين لي بَيِّنْ مَا تَقُولُ ، وَأَفْصِحْ لِي عَنْ إِشَارَتِهِ . قَالَ الشَّعْبَرُ : كَمْ أَتَى لَكِ مِنَ الْعُمُرِ : قَالَتِ اللبوة : مِائَةُ سَنَةٍ ، قَالَ الشَّغْبَرُ : مَا كَانَ قوتك ؟ قَالَتِ الْهَبُوةُ : لَحْمُ الْوَحْشِ ، قَالَ الشَّعْبَرُ : مَنْ كَانَ يُطْعِمُكِ إِيَّاهُ : قَالَتِ اللُّبُوةُ : كُنتُ أَصِيدُ الْوَحْشَ واكله . قَالَ الشَّعْبَرُ : أَرَأَيْتِ الْوُحُوشَ الَّتِي كُنْتِ تَأْكُلِينَ ، أَمَا كَانَ لَهَا آبَاءُ وَأُمَّهَاتُ : قَالَتِ : بَلَى . قَالَ الشَّعْبَرُ: فَمَا بَالِي لَا أَرَى ولا أَسْمَعُ لِتِلْكَ الْآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ مِنَ الْجَزَع وَالصَّحِيحِ مَا أَرَى وَاسْمَعُ لَكِ : أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بِكِ مَا نَزَلَ إِلَّا لِسُوء نَظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ وَقِلَّةِ تَفَكَّرِكِ فِيهَا ، وَجَهَالَتِكَ بِمَا يَرْجِعُ عَلَيْكَ مِنْ ضُرُهَا . فَلَمَّا سَمِعَتِ اللبوَّةُ ذلِكَ مِنْ كَلَامِ الشَّعْبَرِ عَرَفَتْ أَنَّ ذلك مما جَنَتْ عَلَى نَفْسهَا ، وَأَنَّ عَمَلَهَا كَانَ جُورًا وَظُلْمًا ، فتركتِ الصَّيْدَ ، وَانْصَرَفَتْ عَنْ أَكُلِّ اللَّهُم إِلَى الثَّمَارِ وَالنَّسُكِ [٤] وَالْعِبَادَةِ . فَلَمَّا رَأَى ذلكَ وَرَشَانُ كَانَ صَاحِبَ تِلْكَ الْغَيْضَةِ وَكَانَ عَيْتُهُ مِنَ الثَّمَارِ ) قَالَ هَا : قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الشَّجَرَ عَامَنَا هَذَا لَمْ تَحْمِلُ : لِقِلَّةِ المَاءِ ، فَلَمَّا أَبْصَرْتُكِ تَأْكُلِينَهَا 6 وَأَنْتِ آكِلَةُ اللحم ، فَتَرَكْتِ رِزْقَكِ وَطَعَامَ ، وَمَا قَسَمَ اللهُ لك ، وتَحَوِّلْتِ إِلَى رِزْقِ غَيْرِك فَانْتَقَصْتِهِ ، وَدَخَلْتِ عَلَيْهِ فِيهِ - -- عَلِمْتُ أَنَّ الشَّجَرَ الْعَامَ أَثْمَرَتْ كَمَا كَانَتْ تُثِيرُ قَبْلَ الْيَوْمِ ، وَإِنَّمَا أَتَتْ قِلَّةُ الثَّمَرِ مِنْ جِهَتِك، فَوَيْلٌ لِلشَّجَرِ وَوَيْلٌ لِلشِّمَارِ وَوَيْلٌ منْ عَيْتُهُ مِنْهَا ! مَا أَسْرَعَ هَلَا كَهُمْ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ فِي أَرْزَاقِهِمْ ، وغَلَبَهُمْ عَلَيْهَا مَنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَظِّ وَلَمْ يَكُن مُعْتَادًا لِأَكْلِهَا ! فَلَمَّا سَمِعَتِ اللَّبُوةُ ذَلِكَ مِنْ كَلامِ الْوَرَشَانِ تَرَكَتْ أَكل السَّمَارِ وأَقْبَلَتْ عَلَى أَكُلِ الْحَشِيشِ وَالْعِبَادَةِ . وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لكَ هذا المَثَلَ لِتَعْلَمَ أَنَّ الْجَاهِلَ رُبَّمَا انْصَرَفَ بِضُرٍ يُصِيبُهُ عَنْ ضُرُ النَّاسِ كَالبُوَّةِ الَّتِي انْصَرَفَتْ مَا لَقِيَتْ فِي شِبَلَيْهَا عَنْ أَكُلِ اللحم ثُمَّ عَنْ أَكْلِ النِّمَارِ بِقَوْلِ الْوَرَشَانِ ، وَأَقْبَلَتْ عَلَى النُّسُكِ والْعِبَادَةِ . والنَّاسُ أَحَقُّ بِحُسْنِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ : فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ ما لا ترضاه لنفسِكَ لاَ تَصَنَعُهُ لِغَيرِكَ : فَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْعَدْلَ : وَفِي الْعَدْلِ رضا الله تَعَالَى وَرِضًا النَّاسِ ) انقضى باب اللبؤة والإسوار والتغير )