انتقل إلى المحتوى

كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب الحمامة المطوقة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: المطبعة الأميرية - بولاق (1937)، الصفحات ١٧٧–٢٠٠
 

بَابُ الحَمامَة المُطَوَّقَة

قَالَ دَبْسَلِيمُ المَلِكُ لِبَيْدَبا الفيلسوف : قد سَمِعْتُ مَثَلَ المتحابينِ كَيْفَ قَطَعَ بينَهُمَا الكَذُوبُ ، وَإِلَى مَاذَا صَارَ عَاقِبَةُ أَمرِه مِنْ بَعْدِ ذلكَ . فَدَتَنِي ، إِنْ رَأَيْتَ ، عَنْ إِخْوَانِ الصَّفَاءِ كَيْفَ يبتدأ تَوَاصَلَهم ويستمتعُ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ ? قَالَ الفَيْلَسُوفُ : إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَعْدِلُ بِالْإِخْوَانِ شَيْئًا . فَالْإِخْوَانُ هُمُ الْأَعْوَانُ عَلَى الخير كله ، وَالْمُوَّاسُونَ عِنْدَ مَا يَنُوبُ مِنَ المكروه . وَمِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ مَثَلُ الحَمامَةِ المُطَوَّقَة وَالحُرَدْ وَالظَّبي وَالْغُرَابِ . قَالَ الْمَلِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ?

قَالَ بَيْدَبَا : زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ بِأَرْضِ سَكَا وَنَدَ حِينَ ، عِنْدَ مَدِينَةٍ دَاهَرَ ، مَكَانُ كَثِيرُ الصَّيْدِ ، يَنْتَابُهُ الصَّيَّادُونَ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ شَجَرَةُ كَثِيرَةُ الْأَعْصَانِ مُلْتَقَةُ الْوَرَقِ . فِيهَا وَكَرْ غُرَابِ . فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ سَاقِطٌ فِي وَكَرِهِ إِذا بَصَرَ بِصَيَّادٍ قَبيح المنظر، روستا Net سَبِي الحَقِ ، عَلَى عَاتِقِهِ شَبَكَة ، وفِي يَدِهِ عَصا ، مُقْبِلا نَحْوَ لشَّجَرَةِ ، فَذَعَرَ مِنْهُ الْغُرَابُ ؛ وَقَالَ : لَقَدْ سَاقَ هَذَا الرَّجُلَ إلى هذا المكان : إِمَّا حَيْفِ وَإِمَّا حَيْنُ غَيْرِي ، فَلَاثْبُتُنَّ مَكَانِي حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يَصْنَعُ . ثُمَّ إِنَّ الصَّيَّادَ نَصَبَ شَبَكَتَهُ ، ونثر عَلَيْهَا الحَبَّ ، وَكُنَ قَرِيبًا مِنْهَا ، فَلَمْ يَلْبَتْ إِلَّا قَلِيلًا ، حَتَّى تْ (٢) بِهِ حَمَامَةً يقَالُ لَهَا الْمُطَوَّقَةُ ، وَكَانَتْ سَيْدَةَ الحمام ، قال مَعَهَا حَمَام كَثِيرُ ، فَعَمِيَتْ هِيَ وَصَوَاحِبُهَا عَنِ الشَّرَكَ ، فَوَقَعْنَ عَلَى الحَب يَلْتَقِطْنَهُ ، فَعَلَقْنَ في الشَّبَكَةِ كُلُّهُنَّ ، وَأَقْبَلَ الصَّيَّادُ فَرِحا مَسْرُورًا . بَفَعَلَتْ كُل حَمَامَةٍ تَضْطَرِبُ فِي حَبائِلِهَا (٣) وَتَلْتَمِسُ الخلاصَ لِنَفْسِهَا . قَالَتِ الْمُطَوَّقَةُ : لَا تَخَاذَلْنَ في المُعالحَةِ ، وَلَا تَكُن نَفْسُ إحْدَاكُنَّ أَهَمَّ إِلَيْهَا مِنْ نَفْسٍ helpe whethe صَاحِبَتِهَا ، وَلكِن نَتَعَاوَنُ جَمِيعًا فَضْلَعُ الشَّبَكَةَ ، فَيَنجُو ؛ توکند بَعْضُنَا بِبعض ؛ فَقَلَعْنَ الشَّبَكَة جَميعُهُنَّ بِتَعَاوُنِينَ ، وَعَلَونَ في الحَوِّ ، وَلَمْ يَقْطَع الصَّيَّادُ رَجَاءَهُ مِنْهُنَّ وَظَنَّ أَنَّهُنَّ لَا يُجَاوِزْنَ - خاف (٢) تواری (٣) لا تتركن مساعدة بعضكن بعضا ( 1 ) ST كليلة ودمنة إلَّا قَرِيبًا وَيَقَعْنَ . فَقَالَ الْغُرَابُ : لَأَتْبَعُهُنَّ وَأَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنْهُنَّ . فَالْتَفَتَتِ المُطَوَّقَةُ فَرَاتِ الصَّيَّادَ يَتْبَعُهُنَّ . فَقَالَتْ لِلْحَمَام : هذَا الصَّيَّادُ مُجِدُّ فِي طَلَبِكُنَّ ، فَإِنْ نَحْنُ أَخَذْنَا فِي الْفَضَاءِ لَمْ يَحْفَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا ، وَلَمْ يَزَلْ يَتْبَعُنَا ، وَإِنْ نَحْنُ و زیادیار توجهنا إلى العمران خَفِي عَليهِ ،امرنَا، وَانْصَرَفَ . وبمكان كذا جُرَةٌ هُوَ لِي أَخٌ ، فَلَوِ انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ قَطَّعَ عَنَّا هَذَا الشَّرَكَ فَفَعَلْنَ ذلِكَ . وأيسَ الصَّيَّادُ مِنْهُنَّ وَانْصَرَفَ ، وَتَبِعَهُنَّ الْغُرَابُ . فَلَمَّا انْتَهَتِ الحَمَامَةُ المُطَوَّقَةُ إِلَى الْجُرَةِ ، أَمَرَتِ الحَمامَ أَنْ وولا يَسْقُطْنَ ، فَوَقَعْنَ ، وَكَانَ لِلْجُرَةِ مِائَةٌ مُحْرِ لِلْمَخَاوِفُ ، فَنَادَتْهُ المُطَوَّقَةُ بِايْمِهِ ، وَكَانَ اسْمُهُ زِيرَكَ ، فَأَجَابَهَا الْجُرَدُ مِنْ جُحْرِهِ : أَنْتِ ؟ قَالَتْ : أَنَا خَلِيلَتُكَ الْمُطَوَّقَةُ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا الحُرَذُ أو يسعى، [١] ، فَقَالَ لَهَا : مَا أَوْقَعَكِ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ ? قَالَتْ لَهُ : أَلَمْ لا ہے مجھے تَعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الخَيْرِ وَالشَّرِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ مُقَدَّرُ عَلَى مَنْ تُصِيبُهُ المقادِيرُ ، وَهِيَ الَّتِي أَوْقَعَتَنِي فِي هَذِهِ الْوَرَطَةِ ، فَقَدْ لاَ يَمتَنَعُ هنا مِنَ الْقَدَرِ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّى وَأَعْظَمُ أَمْرًا؛ وَقَد تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ والْقَمَرُ إِذَا قُضى ذلِكَ عَلَيْهِمَا . ثُمَّ إِنَّ الْجُرَدُ أَخَذَ فِي قَرْضِ الْعَقْدِ الَّذِي فيه المُطَوَّقَةُ . فَقَالَتْ لَهُ المُطَوَّقَةُ : ابْدَأَ بِقَطع عقدِ سَائِرِ الحمام رو بعدَ ذَلِكَ أَقْبِلْ عَلَى عَقْدِى ، وَأَعَادَتْ ذلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا ، وَهُوَ لا يَلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِهَا ، فَلَمَّا أَكْثَرَتْ عَلَيْهِ الْقَوْلَ وَكَذَرَتْ ، قَالَ لَهَا : لَقَدْ كَرْرْتِ الْقَوْلَ عَلَى ، كَأَنَّكَ لَيْسَ لَكِ فِي نَفْسِك حَاجَةً ، ولَا لَكِ عَلَيْهَا شَفَقَةً ولَا تَرْعَيْنَ هَا حَقًّا . قَالَتْ : إِنِّي أَخَافُ ، إِنْ أَنْتَ بَدَأْتَ بِقَطْعِ عَقْدِى أَنْ تَمَلَّ وَتَكُل عَنْ قَطْعِ مَا بَقِي ؛ وَعَرَفْتُ أَنَّكَ إِنْ بَدَأْتَ بِهِنَّ قَبْلِي، وَكُنتُ أَنَا الْأَخِيرَةَ ، لَمْ تَرْضَ ، وَإِنْ أَدْرَكَكَ الفُتُورُ ، أَنْ أَبْقَى فِي الشَّرَكِ ، قَالَ الْجُرَةُ : هَذَا مِمَّا يَزِيدُ الرَّعْبَةَ وَالْمَوَدَّةَ فِيكِ . ثُمَّ إِنَّ الْحُوَذَ أَخَذَ فِي قَرْضِ الشَّبَكَةِ حَتَّى فَرَغَ منْهَا ، فَانْطَلَقَتِ المُطَوَّقَةُ وَحَمَامُهَا مَعَهَا . فَلَمَّا رَأَى الْغُرَابُ صُنْعَ الحُرَةِ ، رَغِبَ فِي مُصَادَقَتِهِ ، بَقَاءَ وَنَادَاهُ بِاسْمِهِ ، فَأَخْرَجَ الْخَرَذُ رَأْسَهُ ، فَقَالَ لَهُ : مَا حَاجَتِكَ ؟ قَالَ : إِلى أُريدُ مُصَادَقَتَكَ . قَالَ الْحُرَدُ : لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ تَوَاصُل ، وإِنَّمَا الْعَاقِلُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ مَا يَجِدُ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، وَيَتْرُكَ الْيَمَاسُ مَا لَيْسَ إِلَيْهِ سَبِيل ، فَلا مَا أَنْتَ الْآكِلُ ، وَأَنَا طَعَامُ لَكَ . قَالَ الْغُرَابُ : إِنَّ أَخْلِي إِيَّالَ وَإِنْ كُنتَ لِي نہیں فوائد طَعَامًا ، مِمَّا لَا يُغْنِي عَنِي شَيْئًا ، وَإِنَّ مَوَدَّتَكَ آنَسُ لِي مِمَّا ذَكَرْتَ ، وَلَسْتُ بِحَقِيقِ ، إِذَا جِنْتُ أَطْلُبُ مَوَدَّتَكَ ، أَنْ تَرُدَّنِي خائِبًا ، فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِي مِنْكَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ مَا رَغَبَنِي فِيكَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ تَلْتَمِسُ إظْهَارَ ذلِكَ : فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَخْفَى فَضْلُهُ، وَإِنْ هُوَ أَخْفَاهُ ، كَالْمِسْكِ الَّذِي يُكتمُ ثُمَّ لَا يَمْنَعُهُ ذلِكَ مِنَ النَّشْرِ الطَّيِّبِ وَالْأَرَجِ الْفَائِحِ . قَالَ الْحُرَذُ . إِنَّ أَشَدَّ الْعَدَاوَةِ عَدَاوَةً الحَوْهي : وَهِيَ عَدَاوَتَانِ : مِنْهَا مَا هُوَ مُتَكَافِي كَعَدَاوَةِ الْفِيلِ والأسد . فَإِنَّهُ رُبَّمَا قَتَلَ الأَسَدُ الفِيلَ أَوِ الْفِيلُ الْأَسَدَ ، وَمِنْهَا ما قُوتُهُ مِنْ أَحَدِ الْحَائِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَعَدَاوَةِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّوادِ وبيني وبينك : فَإِنَّ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَنَا لَيْسَتْ تَضُرِكَ ، وَإِنَّمَا ضَرُرُهَا عَاندُ عَلَى : فَإِنَّ المَاءَ لَوْ أَطِيلَ إِسْحَانَهُ لَمْ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ o إِطَفَائِهِ النَّارَ إِذَا صُبَّ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا مُصَاحِبُ الْعَدُوِّ وَمُصَالِحُهُ ، الحَيَّةِ يَحْمِلُهَا فِي كُمِّهِ ، وَالْعَاقِلُ لَا يَسْتَأْنِسُ إِلَى الْعَدُو الأريب إلى قالَ الْغُرَابُ : قَدْ فَهِمْتُ مَا تَقُولُ ، وَأَنْتَ خَلِيقُ أَنْ تَأْخُدَ بِفَضْلِ خَلِيفَتِكَ ، وَتَعْرِفَ صِدْقَ مَقَالَتِي ، وَلَا تُصْعِبَ عَلَى الْأَمْرَ بِقَوْلِكَ : لَيْسَ إِلَى التَّوَاصُلِ بَيْنَنَا سَبِيلٌ : فَإِنَّ الْعُقَلَاءَ الكرامَ لا يَبْتَغُونَ عَلَى مَعْرُوفِ جَزَاءُ ، وَالمَوَدَّةُ بَيْنَ الصَّالِحِينَ ريع اتصالها بَعِلَى انْقِطَاعُهَا . وَمَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ الْكُوزِ مِنَ الذَّهَبِ : بَطِي: الانْكِسَارِ ، سَرِيعُ الْإِعَادَةِ ، هَيْنُ الإِصْلَاح ، إِنْ أَصَابَهُ ثَلَمُ أَو كَسْرُ ، وَالمَوَدَّةُ بَيْنَ الْأَشْرَارِ سَرِيعُ انْقِطَاعُهَا ، ى انْصَالُهَا . وَمَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ الْكُوزِ مِنَ الْفَخَّارِ ، سَرِيعُ الأنكِسَارِ ، يَنْكَسِرُ مِنْ أَدْنَى عَيْبٍ ، وَلَا وَصَلَ لَهُ أَبَدًا . وَالْكَرِيمُ يَوَدُّ الكَرِيمَ ، وَاللَّيْمُ لَا يَوَدُّ أَحَدًا إِلَّا عَن رَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةً . وَأَنَا إِلَى وُدُكَ وَمَعْرُوفِكَ مُحْتَاجُ : لِأَنَّكَ كَرِيمٌ ؛ وأَنَا مُلَازِمُ لِبَابِكَ، غَيْرَ ذَائِي طَعَامًا ، حَتَّى تُوَاخِيَنِي ، قَالَ الْجُرَدُ : قَدْ قَبِلْتُ إِخَاءَكَ : 6 ١٨٣ فَإِنِّي لَمْ أَرْدُدْ أَحَدًا عَنْ حَاجَةٍ قَط ، وَإِنَّمَا بَدَأَتُكَ بِمَا بَدَأَتُكَ يه إرادة التولي لنفسى ، فمن أنت قدرت بي لم تقل : إلى وَجَدتُ الحُرَذَ سَرِيع الانخداع . ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مُجْرِهِ ، فَوَقَفَ عِندَ الْبَابِ . فَقَالَ لَهُ الْغُرَابُ : مَا يَمْنَعُكَ مِنَ الخَرُوج إِلَى ، وَالاسْتَنَاس فِي ؟ فَهَلْ فِي نَفْسِكَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِّي رِيبَةُ ؟ قَالَ


الْجُرَدُ : إِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا يَتَعَاطُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَمْرَينِ ، وَيَتَوَاصَلُونَ عَلَيْهِمَا ، وَهُمَا ذَاتُ النَّفْسِ ، وَذَاتُ الْيَدِ . . فَالْمُتَبَاذِلُونَ ذَاتَ النَّفْسِ هُمُ الْأَصْفِيَّاءُ ، وَأَمَّا الْمُتَبَاذِلُونَ ذَاتَ اليَدِ فَهُمُ امج حائل کرنا الْمُتَعَاوِنُونَ الَّذِينَ يَلْتَمِسُ بَعْضُهُمْ الانتفاع بِبَعْضٍ . وَمَنْ كَانَ يَصْنَعُ المَعْرُوفَ لِبَعْضِ مَنَافِعِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّمَا مَثَلُهُ فِيمَا يَبْدُلُ و يُعطى كَمَثَلِ الصَّيَّادِ وَالْقَانِهِ الحَبَّ لِلطَّيْرِ ، لَا يُرِيدُ بِذلِكَ نَفْعَ الطَّيْرِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ نَفَعَ نَفْسِهِ ، فَتَعَاطِي ذَاتِ النَّفْسِ أَفْضَلُ مِنْ تتَعَاطِي ذَاتِ الْيَدِ ، وَإِنِّى وَنِقْتُ مِنْكَ بِذَاتِ نَفْسِكَ ، وَمَنَحْتُكَ مِنْ نَفْسِي مِثْلَ ذَلِكَ . وَلَيْسَ يَمْنَعُنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكَ سُوءُ ظَنْ بِكَ ، وَلكِنْ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ لَكَ أَصْحَابًا. وَلَيْسَ رَأَتُهُمْ فِي كَرَأيك . تريد أ) جوهرهم قَالَ الْغُرَابُ : إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الصَّدِيقِ أَنْ يَكُونَ لِصَدِيقِ صَدِيقِهِ صَدِيقًا ، وَلِعَدُوِّ صَدِيقِهِ عَدُوا ، وَلَيْسَ لِي بِصَاحِبِ آسان ہوتا ہے وو و دو ولا صَدِيقٍ مَنْ لَا يَكُونُ لَكَ مُحِبا ، وَإِنَّهُ يَهُونُ عَلَى قَطيعة من ، كانَ كَذلِكَ مِنْ جَوْهَرِى . ثُمَّ إِنَّ الْخَرَدَ خَرَجَ إِلَى الْغُرَابِ فتَصالَهَا وَتَصَافَيًا ، وَأَنِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ ، حَتَّى إِذَا مضَتْ لَهُمَا أَيَّامُ قَالَ الْغُرَابُ لِلْجُرَةِ : إِنَّ جُحْرَكَ قَرِيبٌ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ ، وَأَخَافُ أَنْ يَرْمِيكَ بَعْضُ الصِّبْيَانِ بِحَجَرٍ ، وَلِي مَكَانُ -- فِي عُزلةٍ ، ولِي فِيهِ صَدِيقٌ مِنَ السَّلاحف ، وَهُوَ خَصَبُ مِنَ السَّمَكَ ، وَنَحْنُ وَاجِدُونَ هُنَاكَ مَا نَأْكُلُ ، فَارِدُ أَنْ أَنْطَلِقَ بِكَ إلَى هُنَاكَ لِنَعِيشَ آمِنَيْنِ . قَالَ الْجُرَةُ : إِنَّ لِي أَحْبَارًا وَقِصَصًا سَأَقُصُهَا عَلَيْكَ إِذَا انتهينا حيثُ تُرِيدُ ، فَافْعَلْ مَا تَشَاءُ ، فَأَخَذَ الْغُرَابُ بِذَنَبِ الحَرَةِ ، وَطَارَ بِهِ حَتَّى بَلَغَ بِهِ حَيْثُ أَرَادَ ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي فِيهَا السُّلَحْفَاةُ، بَصُرَتِ السُّلَحْفَاةُ بِغُرَاب ومَعَهُ جُردُ ، فَذَعِرَتْ مِنْهُ ، وَلَمْ تَعْلَمُ أَنَّهُ صَاحِبُهَا ، فَنَادَاهَا ، نَفَرَجَتْ إلَيْهِ ، وَسَأَلَتْهُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ : فَأَخْبَرَهَا بِقِصَّتِهِ حِينَ تَبِعَ لَمَامَ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الحَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا فَلَ سَمِعَتْ السُّلَحْفَاةُ شَأَنَ الْجُرَةِ ، عَجَبَتْ مِنْ عَقْلِهِ وَوَفَائِهِ • ، وَرَحْبَتْ بِهِ ، وَقَالَتْ لَهُ : مَا سَاقَكَ إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ ? قَالَ الغُرَابُ لِلْجُرَدَ : اقْصُصْ عَلَى الْأَخْبَارَ الَّتِي زَعَمْتَ أَنَّكَ تُحَدِّتُنِي بهَا ، فَأَخْبِرْنِي بِهَا مَعَ جَوَابِ مَا سَأَلَتِ السُّلَحْفَاةُ : فَإِنَّهَا عِندَكَ بمنزِلَتِي ، فَبَدَأَ الحَرَدُ وَقَالَ : عار كَانَ مَنْزِلِي أَوَّلَ أَمْرِى بِمَدِينَةِ مَارُوتَ فِي بَيْتِ رَجُلٍ نَاسِك ؛ وَكَانَ خَالِيًا مِنَ الْأَهْلِ وَالْعِبَالِ ، وَكَانَ يُوتَى فِي كُل يوم بِسَلَّةٍ .. من الطعام فيا كل مِنهَا حَاجَته ويعلق الباقي ، وَكُنتُ أرصُدُ النَّاسِكَ ، حَتَّى يَخْرُجَ وَأَتِبُ إِلَى السَّلَةِ ، فَلَا أَدَعُ فِيهَا طَعَامًا إِلَّا أكلتُهُ ، وَأَرْمِي بِهِ إِلَى الخَرْدَانِ . بَعَهِدَ النَّاسِكُ مِرَارًا أَنْ يُعَلَّقَ السَّلَةَ مَكَانًا لَا أَنَالُهُ فَلَمْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى نَزَلَ بِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ ضَيْفُ ، فَأَكَلَا جَمِيعًا ، ثُمَّ أَخَذَا فِي الْحَدِيثِ ، فَقَالَ النَّاسِكُ لِلضَّيْفِ : مِنْ أَى أَرْضِ أَقْبَلْتَ : وَأَيْنَ تُرِيدُ الْآنَ وَكَانَ الرَّجُلُ قَدْ جَابَ الْآفَاقَ ، وَرَأَى عَجَائِبَ ، فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُ النَّاسِكَ عَمَّا natiile وطى مِنَ الْبِلادِ ، وَرَأَى مِنَ الْعَجَانِبِ ، وَجَعَلَ النَّاسِك خِلَالَ ؛ تالي مجانا ذلِكَ يُصَفَقِ بِيَدَيْهِ ، لِيُنفِّرَنِى عَنِ السَّلَّةِ ، فَغَضِبَ الضَّيْفُ ؛ وَقَالَ : أَنَا أَحَدِّثُكَ وَأَنتَ تَها بِحَدِينِي ! مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ سألتني : فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ النَّاسِكُ ، وَقَالَ : إِنَّمَا أَصَفْقُ بِيَدِى الأنفرَ سُحَرَذًا قَدْ تَحَيَّرْتُ في أَمْرِهِ ، وَلَسْتُ أَضَعُ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ إلَّا أَكَلَهُ ، فَقَالَ الضَّيْفُ : حَرَةٌ وَاحِدُ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ خِرْزَانُ كَثِيرَةٌ : فَقَالَ النَّاسِكُ : يَحْرَذَانَ البَيْتِ كَثِيرَةُ ، ولكِنْ فِيهَا جُرَةٌ واحِدُ هُوَ الَّذِى غَلَبَنِي ، فَا أَسْتَطِيعُ لَهُ حِيلَةٌ ، قَالَ الضَّيْفُ : ، . لَقَدْ ذَكْرتَنِي قَوْلَ الَّذِي قَالَ : لأمرِ مَا بَاعَتْ هذه المرأة سمسم هَذِهِ مَقْشُورًا بِغَيْرِ مَقْشُورٍ ! قَالَ النَّاسِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ? قَالَ الضَّيفُ : نَزَلْتُ مَرَّةً عَلَى رَجُلٍ بِمَكَانِ كَذَا ، فَتَعَشينَا ، هُمَّ فَرَشَ لِي . وَانْقَلَبَ الرَّجُلُ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي آخِرِ جماعت اللَّيْلِ لامرأتِهِ: إِلَى أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ عَمَدًا رَفَعَ لِيَأْكُلُوا عِنْدَنَا ، فَاصْنَعِي لَهُمْ طَعَامًا . فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ : كَيْفَ تَدْعُو النَّاسَ إِلَى بجا ہوا ١٨٧ طَعَامِكَ ، وَلَيْسَ فِي بَيْتِكَ فَضْلُ عَنْ عِيَالِكَ ؟ وَأَنْتَ رَجُلٌ لا تُقِ شَيْئًا وَلَا تَدَّخِرُهُ . قَالَ الرَّجُلُ : لَا تَنْدَعِي عَلَى شَيْءٍ أَطْعَمْنَاهُ وأَنفَقْنَاهُ: فَإِنَّ الجمع والادخار رُبَّمَا كَانَتْ عَاقِبَتُهُ كَعَاقِبَةِ الذَّنْبِ . قالت المرأةُ وَكَيْفَ كَانَ ذلك ؟ سان قَالَ الرَّجُلُ : زَعَمُوا أَنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ قَانِصٌ ، وَمَعَهُ ( ) ) قَوْسُهُ وَنُشَابُهُ فَلَمْ يُجَاوِزُ غَير بَعِيدٍ، حَتَّى رَبِّي ظبيا ، فَمَلَهُ وَرَجع طالبًا مَنْزِلَهُ ، فَاعْتَرَضَهُ خَنْزِير بَرَى فَرَمَاهُ بِنُشَابَةِ نَفَذَتْ فِيهِ ؛ .. دانتونده ها فَأَدْرَكَهُ الخِنزِيرُ وَضَرَبَهُ بِأَنْيَا بِهِ ضَربَةٌ أَطَارَتْ مِنْ يَدِهِ الْقَوسَ ، من الأسرة ووقعا مَيْتَيْنِ ، فَأَتَى عَلَيْهِمْ ذِنْب فَقَالَ : هَذَا الرَّجُلُ وَالظَّى ووو فاكله ، وَالخِنْزِيرُ يَكفيني أكلهم مُدَةٌ ، وَلكِنْ أَبْدَأَ بِهَذَا الْوَتَرِ فَيَكُونُ قُوتَ يَوْمِي ، فَعَابَحَ الْوَتَرَحَى قَطَعَهُ ، فَلَمَا انْقَطَعَ (٢) طَارَتْ سِيَةُ الْقَوْسِ ، فَضَرَبَتْ حَلْقَهُ فَاتَ . وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكِ هذا المثلَ لِتَعْلَى أَنَّ الْجَمْعَ وَالِادْخَارَ وَحَيمُ الْعَاقِبَةِ ، فَقَالَتِ (1) جمع نشابة وهى السهم . (٣) طرفها کھے جدا There كليلة ودمنة المرأةُ : نِعمَ مَا قُلْتَ : وَعِنْدَنَا مِنَ الْأَرْزِ وَاليَميمِ مَا يَكفى سُنَّةَ نَفَرٍ أَوْ سَبْعَةٌ ، فَأَنَا غَادِيَةٌ عَلَى اصْطَنَاعِ الطَّعَامِ، فَادْعُ مَنْ أَحْيَيْتَ . وأخذت المرأة حينَ أَصْبَحَتْ سمسمًا فَقَشَرَتْهُ ، وَبَسَطَتْهُ فِي الشَّمْسِ ليجف ، وَقَالَتْ لِغُلَامٍ هُمْ : أَطْرُدْ عَنْهُ الطَّيْرَ وَالْكِلابَ . وَتَفَرَّغَتِ المَرْأَةُ لِصُنْعِهَا ، وَتَغَافَلَ الْغُلَامُ عَنِ السّمْسِيمِ ؛ بَقَاءَ كَلْبَ ، فَعَاثَ فِيهِ ، فَاسْتَقدَرته المرأة ، وكَرِهَتْ أن ه ، وَكَرِهَتْ أَنْ تَصْنَعَ مِنْهُ طَعَامًا مَا ؛ فَذَهَبَتْ بِهِ إِلَى السُّوقِ ، فَأَخَذَتْ بِهِ مُقَايَضَةً سِمْسِما غَيْرَ مَقْشُورٍ : مِثَلًا بِمِثْلٍ ، وَأَنَا وَاقِفُ فِي السُّوقِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : لأمْرِ مَا بَاعَتْ هَذِهِ المَرْأَةُ سَمْسمًا مَقْشُورًا بِغَيْر مَقْشُورٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلِي فِي هَذَا الْحُرَةِ الَّذِى ذَكَرْتَ أنَّهُ عَلَى غَيْرِ عِلَّةٍ مَا يَقْدِرُ عَلَى مَا شَكَوْتَ مِنْهُ ، فَالْتَمِسُ لِي فَأْسًا لَعَلَى أَحْتَفِرُ مُجْرَهُ فَأَطَّلِعَ عَلَى بَعْضِ شَأْنِهِ ! فَاسْتَعَارَ النَّاسِكُ مِنْ بَعْضِ جِيرَانِهِ فَأْسًا ، فَأَتَى بها الضَّيْفَ ، وَأَنَا حِينَئِذٍ فِي جُحْرٍ غَيْر يُجْرِى أَسْمَعُ كَلَامَهُمَا ، وَفِي مُجْرِى كيس فِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ ، لا أَدْرِى مَنْ وَضَعَهَا ، فَاحْتَفَرَ (1) أفسد G الضَّيْفُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الدَّنَانِيرِ فَأَخَذَهَا وَقَالَ لِلنَّاسِكِ : مَا كَانَ هذَا الْجُرَدُ يَقْوَى عَلَى الْوُلُوبِ حَيْثُ كَانَ يَنبُ إِلَّا بِهَذِهِ پیدا کیا بووی الدَّنَانِيرِ : فَإِنَّ الْمَالَ جَعَلَ لَهُ قُوَّةً و زِيَادَةٌ فِي الرأي والتمكن . وَستَرى بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُتُوبِ حَيْثُ كَانَ يَبُ فلما كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ الحِرْزَانُ الَّتِي كَانَتْ مَعِي فَقَالَتْ : قَدْ أَصَابَنَا الجُوعُ ، وَأَنْتَ رَجَاؤُنَا ، فَانْطَلَقْتُ وَمَعَى الْحَرْذَانُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي كُنْتُ أَعِبُ مِنْهُ إِلَى السَّلَةِ ، فَخَاوَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا : فلم أقدِرْ عَلَيْهِ . فَاسْتَبَانَ لِلْحِرْذَانِ نَقْصُ حَالِي ، فَسَمِعْتُهُنَّ يَقُلْنَ : انْصَرِفْنَ عَنْهُ ، وَلَا تَطْمَعْنَ فِيمَا عِنْدَهُ : فَإِنَّا نَرَى لَهُ حَالًا مل لا تَحْسَبُهُ إِلَّا قَدِ احْتَاجَ مَعَهَا إِلَى مَنْ يَعُولُهُ ، فَتَرَكْنَنِي، وَحَقْنَ بأَعْدَانِي وَجَفَوَنَنِي ، وَأَخَذْنَ فِي غِيبَتِي عِنْدَ مَنْ يُعَادِينِي وَيَحْسُدُنِي . فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : مَا الْإِخْوَانُ وَلَا الْأَعْوَانُ وَلَا الْأَصْدِقَاءُ إِلَّا بالمالِ وَوَجَدْتُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ ، إِذَا أَرَادَ أَمْرًا ، فَعَدَ بِهِ الْعَدْمُ عممَّا يُرِيدُهُ : كَالَمَاءِ الَّذِي يَبْقَى فِي الْأَوْدِيَةِ مِنْ مَطَرِ الشَّتَاءِ : لا يمر إلى نهرٍ وَلَا يَجْرِى إِلَى مَكَانٍ ، فَتَشْرَبُهُ أَرْضُهُ . وَوَجَدْتُ (V) مَنْ لَا إِخْوَانَ لَهُ لَا أَهْلَ لَهُ ، وَمَنْ لَا وَلَدَ لَهُ لَا ذِكَرَ لَهُ، وَمَنْ لَا مَالَ لَهُ لَا عَقْلَ لَهُ ، وَلَا دُنْيَا وَلَا آخِرَةَ لَهُ : لأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا افْتَقَرَ قَطَعَهُ أَقَارِبُهُ وَإِخْوَانُهُ : فَإِنَّ الشَّجَرَةَ النَّابِيَّةُ فِي السَّبَاحَ ، المأكولة مِنْ كُلِّ جَانِبِ ، كَمَالِ الْفَقِيرِ الْمُحتاج إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ . وَوَجَدْتُ الْفَقْرَ رَأْسَ كُلَّ بَلَاءِ ، وَجَالبًا إِلَى صَاحِبِهِ كُلَّ مَقْتِ، نی ومَعْدنَ النَّمِيمَةِ . وَوَجَدتُ الرَّجُلَ إذَا افْتَقَرَ اتَهَمَهُ مَنْ كَانَ لَهُ مُوتَن مؤتمنا ، بِهِ ، واساء به الظن من كان يظن فيه حسنا : فإن اذنب كان -- 5 هو . للتهمة مَوْضِعًا، وَلَيْسَ مِنْ خَلَةٍ هِيَ لِلْغَنِي مَدْحُ لِلْفَقِيرِ ذَمُّ ، فَإِنْ كَانَ مُجَاعًا قِيلَ : أَهْوَجُ ، وَإِنْ كَانَ جوادًا سَمَّى مُبَشِّرًا ، وَإِنْ كَانَ حَلِيما سُمِّيَ ضَعِيفًا ؛ وَإِنْ كَانَ وقُورًا سُمَّى بِلِيدًا ، فَالمَوْتُ أَهْوَنُ مِنَ الْحَاجَةِ الَّتِي تُحْوِجُ صَاحِبَهَا إلى المسألة ، ولا سيما مَسْأَلَهُ الْأَسْحَاءِ وَالقَامِ : فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ كُلَّفَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي فَمِ الْأَفْتَى ، فَيُخْرِجَ مِنْهُ سَمَا فَيَبْتَلِعَهُ ، كانَ ذلِكَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ ، وَأَحَبَّ إِلَيْهِ مِن مَسْأَلَةِ البَيلِ اللَّهِيم . وقَدْ كُنتُ رَأَيْتُ الضَّيْفَ حِينَ أَخَذَ الدَّنَانِيرَ فَقَاسَمَهَا النَّاسِكَ ، 2. تاریپ فَعَلَ النَّاسِك نَصِيبَهُ فِي حَرِّيطَةٍ عِندَ رَأْسِهِ لَكَ جَنَّ اللَّيْلُ ، فَطَمِعْتُ أَنْ أَصِيبَ مِنْهَا شَيْئًا فَأَرُدَّهُ إِلَى مُجْرِي ، وَرَجَوْتُ أَنْ . مر يزيدَ ذَلِكَ فِي قُولِي ، وَيُرَاجِعَنِي بِسَبَبِهِ بَعْضُ أَصْدِقَانِي ، فَانْطَلَقْتُ إلَى النَّاسِكِ وَهُوَ نَائِمُ ، حَتَّى انْتَهَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَوَجَدْتُ الضَّيْفَ فَطَانَ ، وَيَده قضيب ، فَضَرَبَنِي عَلَى رَأْسِي ضَرْبَةٌ بیده موجعة ، فَتَعيتُ إلى مُجْرِي ، فَلَتَا سَكَنَ عَنِي الْأُلَمُ، هَيَّجَنِي . الحَرْصُ وَالشَّرَهُ ، فَخَرَجْتُ طَمَعًا كَطَمَعِى الْأَوَّلِ ، وَإِذَا الضَّيْفُ يَرْصُدُنِي ، فَضَرَبَنِي ضَرْبَةٌ أَسَالَتْ مِنى الدَّمَ ، فَتَقَلبَتْ ظهراً مِنِّي لِبَطْنٍ إِلَى مُجْرِى ، نَخَرَرْتُ مَعْشِيًّا عَلَى ، فَأَصَابَنِي مِنَ الْوَجَعِ ما بَعْضَ إِلَى الْمَالَ ، حَتَّى لَا أَسْمَعَ بِذِكْرِهِ إِلَّا تَدَا خَلَنِي مِن ذِكْرِ المَالِ رِعْدَةٌ وهَيْبَةٌ . ثُمَّ تَذَكَرْتُ فَوَجَدْتُ الْبَلَاءَ فِي الدُّنْيَا إِلَى يَسُوقُهُ الْحَرْصُ وَالشَّرَهُ ، وَلَا يَزَالُ صَاحِبُ الدُّنْيَا فِي بَلِيَّةٍ وَتَعَبٍ [٢] ونَصَبٍ ، وَوَجَدْتُ تَجَمَ الْأَسْفَارِ الْبَعِيدَةِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا أهْوَنَ عَلَى مِنْ بَسَط الْيَدِ إِلَى السَّحَى بِالمَالِ ، وَلَمْ أَرَ كَالرِّضَا شَيْئًا، فَصَارَ أَمْرِى إِلَى أَنْ رَضِيتُ وَقَنِعْتُ ، وَانْتَقَلْتُ مِن بَيْتِ النَّاسِكِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ ، وَكَانَ لِي صَدِيقٌ مِنَ الحمام، فَسِيقَتْ إلى بِصَدَاقَتِهِ صَدَاقَةٌ . ثُمَّ ذَكَرَ لِي الْغُرَابُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مِنَ المودَّةِ ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُرِيدُ إِنْيَانَكَ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ آتِيكَ مَعَهُ، فَكَرِهْتُ الْوِحْدَةَ ، فَإِنَّهُ لَا شَىءٍ مِنْ سُرُورِ الدُّنْيَا يَعْدِلُ مُحْبَةَ الإخْوَانِ ، وَلَا غَمْ فِيهَا يَعْدِلُ الْبُعْدَ عَنْهُمْ . وَجَرَّبْتُ : فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أنْ يَلْتَمسَ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ الْكَفَافِ الَّذِي يَدْفَعُ بِهِ الْأَذَي عَنْ نَفْسِهِ : وَهُوَ الْيَسِيرُ مِنَ المَطْعَم والمشرب ، إِذَا اسْتَمَلَ عَلَى صِحَةِ الْبَدَنِ وَرَفَاهَةِ البَالِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهبَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا ، لَمْ يَكُ يَنْتَفَعُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْقَلِيلِ الَّذِي يَدفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْحَاجَةَ : فَأَقْبَلْتُ مَعَ الْغُرَابِ إِلَيْكِ عَلَى هَذَا الرأي ، وَأَنَا لَك أَخُ ، فَلْتَكُنْ مَنْزِلَتِي عِنْدَكَ كَذلِك فَلَمَّا فَرَغَ الْجُرَدُ مِنْ كَلَامِهِ أَجَابَتْهُ السَّلَحْفَاةُ بِكَلامِ رقيق عَذْبٍ ، وَقَالَتْ : قَد سَمِعْتُ كَلَامَكَ ، وَمَا أَحْسَنَ مَا تَحَدَّمْتَ بِهِ ! إِلَّا أَبي رَأَيْتُكَ تَذكُرُ بَقَايَا أُمُورٍ هِيَ فِي نَفْسِكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ حُسْنَ الْكَلَام لَا يَتِمَّ إِلَّا بِحُسْنِ الْعَمَلِ ، وَأَنَّ المَرِيضَ الَّذِي قَدْ عليمَ دَوَاءَ مَرَضِهِ إِنْ لَمْ يَتَدَاوَ بِهِ ، لَمْ يُغْنِ عِلْمُهُ بِهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يَجِدْ لِدَائِهِ رَاحَةً وَلَا خَفَةٌ ، فَاسْتَعْمِل رَأْيَكَ ، وَلَا تَحْزَنْ لِقِلَّةِ المَالِ : فَإِنَّ الرَّجُلَ ذَا المُرُوءَةِ قَدْ يُكْرَمُ عَلَى غَيْرِ مَالِ : كَالأَسَدِ الَّذِي يُهَابُ ، وَإِن كَانَ رَائِضًا، وَالْغَنِيُّ الَّذِي لَا مُرُوءَةَ لَهُ يُسان وَإِنْ كَانَ كَثِيرَ المَالِ : كَالْكَلْبِ لَا يُحْفَلُ بِهِ ، وَإِن طُوقَ وخُلْحَلَ بِالذَّهَب . فَلَا تَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ غُرْبَتُكَ : فَإِنَّ الْعَاقِلَ لا غُربة لَهُ : كَالأَسَدِ الَّذِى لَا يَنقَابُ إِلَّا وَمَعَهُ قوتهُ . فَلْتُحْسِن لعَاهَدَكَ لِنَفْسِكَ : فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ جَاءَكَ الخَيْرُ يُعالَيكَ ما يطلب الماءَ الحِدَارَهُ . وَإِلَى جُعِلَ الْفَضْلُ لِلْحَازِمِ الْبَصِيرِ بِالْأُمورِ ؛ ومَا الْكَسْلَانُ المسترددُ فَإِنَّ الْفَضْلَ لَا يَصْحَبهِ ، وَقَدْ قِيلَ فِي أَشْيَاءَ لَيْسَ هَا ثَبَات وَلَا بَقَاءُ : ظِلُّ الْغَمَامَةِ فِي الصَّيْف وَخَلَهُ الْأَشْرَارِ ، وَالْبِنَاء عَلَى غَيْرُ أَسَاسِ ، وَالمَالُ الكَثِيرُ (1) يمكر أن يكون مأخوذا من المجلجل وهو موضع اختمال ولا وان كلمة خاصل لم ترد صريحا إلا في معنى حال العظم أخذ ما عليه من اللحم والمخجل مشتق فهو يشعر بأن له فعلا وإن لم تذكره المعاجم لأنها لا تعرض للقياس أو هو مما أميت من الكلم فَالْعَاقِلُ لَا يَحْزَنُ لِقِلَيْهِ ، وَإِلَى مَالُ الْعَاقِلِ عَقْلُهُ ، وَمَا قَدَّمَ مِن صَالِحٍ عَمَلِهِ ، فَهُوَ وَايْقٌ بِأَنَّهُ لَا يُسْلَبُ مَا عَمِلَ ، وَلَا يُوأَخَذُ بشَيْءٍ لَمْ يَعْمَلُهُ ، وَهُوَ خَلِيقٌ أَلَّا يَغْفُلَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِهِ : فَإِنَّ المَوْتَ لَا يَأْتِي إِلَّا بَغْتَةً ، لَيْسَ لَهُ وَقْتُ مُعَيَّنُ . وَأَنْتَ عَنْ مَوْعِظَتِي غَنِيٌّ بِمَا عِنْدَكَ مِنَ الْعِلْمِ . وَلَكِنْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْضِيَ مالكَ مِنْ حَقٍ قِبَلَنَا : لأَنَّكَ أَخُونَا ، وَمَا عِنْدَنَا مِنَ النَّصْحِ مَبْدُولُ لَكَ . ثمار. فلما سَمِعَ الْغُرَابُ كَلَامَ السَّلَحْفَاةِ لِلْجُرَةِ ، وَرَدَّهَا عَلَيْهِ ، وَمُلَا طَفَتهَا إِيَّاهُ فَرِحَ بِذلِكَ ، وَقَالَ : لَقَدْ سَرَرْتِنِي ، وَأَنْعَمْتِ عَلَى ، وَأَنْتِ جَدِيرَةً أَنْ تَسُرِى نَفْسَتْ بِمِثْلِ مَاسَرِدتَنِي بِهِ ، وَإِنَّ أولَى أَهْلِ الدُّنْيَا بِشِدَّةِ السُّرُورِ مَنْ لَا يَزَالُ رَبَّعُهُ مِنْ إِخْوَانِهِ وأصدقائِهِ مِنَ الصَّالِحِينَ مَعْمُورًا ، وَلَا يَزَالُ عِندَهُ مِنْهُم جَمَاعَةٌ - يسرهُمْ وَيَسرُونَهُ ، وَيَكُونُ مِن وَرَاءِ أُمُورِهِمْ وَحَاجَاتِهِمْ بِالْمِرْصَادِ : فَإِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا عُتَرَ لَا يَأْخُذُ بِيَدِهِ إِلَّا الْكِرَامُ : كَالْفِيلِ إِذَا وَحِلَ لَا تُخْرِجُهُ إِلَّا الْفِيلَةُ ، السلحفاة فَبَيْنَمَا الْغُرَابُ فِي كَلَامِهِ ، إِذْ أَقْبَلَ نَحْوَهُمْ ظَيُّ يَسْعَى فَذَعِرَتْ مِنْهُ السَّلَحْفَاةُ ، فَغَاضَتْ فِي الْمَاءِ ، وَنَخَرَجَ الْحُرَذُ إِلَى مُجْرِهِ ، وَطَارَ الْغُرَابُ ، فَوَقَعَ عَلَى شَجَرَةٍ . ثُمَّ إِنَّ الْغُرَابَ حَلَّقَ في السَّمَاءِ لِيَنْظُرَ هَلْ لِلطَّبِي طَالِبٌ : فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ؛ فَنَادَى الجُرَذَ وَالسُّلَحْفَاةَ ، وَخَرَجًا ، فَقَالَتِ السُّلَحْفَاةُ لِلظَّابِي ، حِينَ رأته ينظر إلى المَاءِ : اشْرَبْ إِن كَانَ بِك عَطَشِ ، وَلَا تَخَفْ : فَإِنَّهُ لَا خَوْفَ عَلَيْكَ ، فَدَنَا الظَّبْيُّ ، فَرَحْبَتْ بِهِ وَحَيْتَهُ ، وَقَالَتْ لَهُ : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ : قَالَ : كُنتُ أَسْنَحُ بهذه الصَّحَارَى ، فَلَمْ تَرَكِ الْأَسَاوِرَةُ تَطْرُدُنِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى مكان . حَتَّى رَأَيْتُ الْيَوْمَ شَبَعاً . خَفْتِ أَنْ يَكُونَ قَائِصًا. قالَتْ : لَا تَخَفْ : فَإِنَّا لَمْ تَرَهَاهُنَا قَائِصًا قَط ، وَنَحْنُ نَبْدُلُ لَكَ، وُدَّنَا وَمَكَانَنَا ، وَالمَاءُ وَالمَرْعَى كَثِيرَانِ عِنْدَنَا : فَارْعَبْ فِي صُحْبَتِنَا ، فَأَقَامَ الظَّبي مَعَهُمْ ، وَكَانَ هُمْ عَرِيشُ يَجْتَمِعُونَ ( 1' (٢) (1) انسان من الصيد : ماهر من المياسر الى المياسي - والبارح صده ، والمراد هما مطلق الرتوع . جمع إسوار وهو الرامي بالسهام (3) مكان يستظل به فيه ، وَيَتَذَا كَرُونَ الْأَحَادِيثَ وَالْأَخْبَارَ . فَبَيْنَمَا الْغُرَابُ وَالْحُرَدُ والسَّلَحْفَاةُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي الْعَرِيشِ ، غَابَ الظَّيُّ ، فَتَوَقَعُوهُ سَاعَةٌ، [٣] [٤] ، فَلَمْ يَأْتِ . فَلَتَ أَبْطَأَ أَشْفَقُوا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَهُ عَنتُ فَقَالَ الحُرَةُ وَالسَّلَحْفَاةُ لِلْغُرَابِ : انْظُرْ هَلْ تَرَى مَا يَلِينَا شَيْئًا ؟ فَخَلَقَ الْغُرَابُ فِي السَّمَاءِ فَنَظَرَ : فَإِذَا الظَّبْيُّ فِي الْحَبائِلِ مُقْتَنَصًا ، فَانْقَضَ مُسْرِعاً ، فَأَخْبَرَهُمَا بِذَلِكَ ، فَقَالَتِ السُّلَحْفَاةُ وَالْغُرَابُ هذا أَمْرُ لَا يُرْجَى فيه غَيْرُكَ ، فَأَعْتْ أَخَاكَ ، فَسَعَى الجُرَةُ مُسْرِعًا ، فَأَتَى الظَّبى ، فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ وَقَعْتَ فِي هَذِهِ [٥] الْوَرْطَةِ وَأَنْتَ مِنَ الْأَكْيَاسِ ، قَالَ الظَّيُّ : هَلْ يُغْنِي الكَيْسُ مَعَ المَقَادِيرِ شَيْئًا ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الحَدِيثِ إِذْ وَافَتْهُمَا السَّلَحْفَاةُ، فَقَالَ لَهَا الظَّبى . مَا أَصَبْتِ بِمجيئكِ إِلَيْنَا : فَإِنَّ الْقَائِصَ لَوِ

انتَهَى إِلَيْنَا وَقَدْ قَطَعَ الْحُرَةُ الْحَبائِلَ اسْتَبَقَتُهُ عَدوا ، ولِلْجُرَةِ أَجْجَارُ كَثِيرَةٌ ، والْغُرَابُ يَطِيرُ ، وَأَنْتِ ثَقِيلَةُ : لا سَعَى لَكِ ولا حركَةَ ، وَأَخَافُ عَلَيْك الْقَائِصَ . قَالَتْ : لَا عَيْشَ مَعَ فراق الأحبَّةِ ، وَإِذَا فَارَقَ الْأَلِيفُ أَلِيفَهُ فَقَدْ سُلِبَ فُؤَادَهُ رو >> وحرم سروره ، وعَشِى بصره . فَلَم يَنْتَهِ كَلَامُهَا حَتَّى وَافَى الْقَائِصُ ؛ وَوَافَقَ ذَلِكَ فَرَاغَ الْجُرَةِ مِنْ قَطْعِ الشَّرَكِ ، فَنَجَا الظَّي بِنَفْسِهِ ، وَطَارَ الغُرَابُ مُحَلِفٌ ، ودَخَلَ الْحُرَذُ بَعْضَ

الْأَبْحَارِ، وَلَم يبقَ غَيْرُ السَّلَحْفَاةِ ، وَدَنَا الصَّيَّادُ فَوَجَدَ حِبَالَتَهُ مُقَطَّعَةٌ، فَنَظَرَ يمينا وشمَالًا فَلَمْ يَجِدْ غَيْرَ السُّلَحْفَاةِ تَدِبُّ، فَأَخَذَهَا وَرَبَطَهَا ، فَلَمْ يَلْبَتِ الْغُرَابُ وَالحُرَةُ وَالظَّيُّ أَنِ اجْتَمَعُوا فَنَظَرُوا الْقَائِصَ قَدْ رَبِّطَ السُّلَحْفَاةَ ، فَاشْتَدَّ حُزْتُهُمْ ، وَقَالَ الْحُرَدُ : مَا أَرَانَا نُجَاوِزُ عَقَبَةٌ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا صِرْنَا فِي أَشَدَّ مِنْهَا . وَلَقَدْ صَدَقَ الَّذِي قَالَ : لَا يَزَالُ الْإِنْسَانُ مُسْتَمِرا فِي إِقْبَالِهِ مَا لَمْ يَعْتُر (1) فَإِذَا عَرَجَ بِهِ الْعِشَارُ ، وَإِنْ مَشَى فِي جَدَدِ الْأَرْضِ ، وَحَذَرِى على السُّلَحْفَاةِ خَيْرِ الْأَصْدِقَاءِ الَّتِي خُلَّتُهَا لَيْسَتْ لِلْمُجَازَاةِ وَلَا لالتِمَاسِ مُكَافَأَةٍ ، ولكنَّهَا خُلَةُ الكَرَمِ وَالشَّرَفِ ، لَةٌ . (١) تمادى (٢) الأرض الغليظة المستوية . (٣) الخلة : الصداقة . أَفْضَلُ مِنْ خُلَّةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ، خُلَةٌ لا يُزيلُهَا إِلَّا المَوْتُ . ونح هذَا الحَسَد المُوَكَّلِ بِهِ البَلاءُ الَّذِي لَا يَزَالُ فِي تَصَرف وتَقَلُّبِ ، وَلَا يَدُومُ لَهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَلْبَثُ مَعَهُ أَمْرُ : كَمَا لَا يَدُومُ لِلطَّالِع مِنَ النجوم طُلُوعُ ، وَلَا لِلْافَلِ مِنْهَا أُفُولُ ، لَكِنْ لَا يَزَالُ الطَّالِعُ (}) مِنْهَا افلا ، وَالْآفِلُ طَالِعا ، وَكَما تَكُونُ آلَامُ الْكُلُومِ وَانْتِقَاضُ الْحَرَاحَاتِ ، كَذلِكَ مَنْ قَرِحَتْ كُلُومُهُ بِفَقْدِ إِخْوَانِهِ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِ بِهمْ . فَقَالَ الظَّبى وَالْغُرَابُ لِلْجُرَةِ : إِنَّ حَذَرَنَا وَحَذَرَكَ وَكَلَامَكَ ، وَإِنْ كَانَ بَلِيغًا ، كُلَّ مِنْهَا لَا يُغْنِي عَنِ السُّلَحْفَاة شَيْئًا . وَإِنَّهُ كَمَا يُقَالُ : إِنَّمَا يُحْتَبَرُ النَّاسُ عِنْدَ الْبَلاءِ ، وَذُو الأمانة عند الأخذ وَالْعَطَاءِ ، وَالأهْلُ وَالْوَلَدُ عِندَ الْفَاقَةِ ، كذلك - يُخْتَبَرُ الْإِخْوَانُ عِندَ النَّوَائِبِ . قَالَ الْجُرَدُ : أَرَى مِنَ الْحِيلَةِ أَنْ تذهَبَ ، أَيُّهَا الظَّيُّ ، فَتَقَعَ بِمَنْظُرِ مِنَ الْقَائِصِ : كَأَنَّكَ حَرِيعُ ؛ S وَيَقَعُ الْعَرَابُ عَلَيْكَ كَأَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْكَ ، وَأَسْعَى أَنَا فَأَكُونُ قَرِيباً. مِنَ الْقَانِصِ ، مُرَاقِبًا لَهُ ، فَعَلَهُ أَنْ يَرْمِي مَا مَعَهُ مِنَ الْآلَةِ ، (1) مع كلم وهو الجرح وَيَضَعَ السَّلَحْفَاةَ ، وَيَقْصِدَكَ طَامِعاً فِيكَ ، رَاحِبًا تَحْصِيلَكَ . ، فَإِذَا دَنَا مِنْكَ فَفِرَّ عَنْهُ رُوَيْدًا : بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ طَمَعُهُ مِنْكَ وَمَنْهُ مِنْ أَخْذِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، حَتَّى يَبْعُدَ عَنَا ، وَالْجُ مِنْهُ ، هذَا النَّحْوَ مَا اسْتَطَعْتَ : فَإنّى أَرْجُو أَلَّا يَنْصَرِفَ إِلَّا وَقَدْ قطَعْتُ الحَبائِلَ عَنِ السَّلَحْفَاةِ ، وَأَنجُو ا . فَفَعَلَ الْغُرَابُ وَالظَّرُ مَا أَمَرَهُمَا بِهِ الْحَرَدُ ، وَتَبِعَهُمَا الْقَانِصُ، فَاسْتَجَرَهُ الظَّى، ، 6 حَتَّى أَبْعَدَهُ عَنِ الْحُرَةِ وَالسَّلَحْفَاةِ ، وَالْجُرَدُ مُقْبِلُ عَلَى قَطع الحَبائِلِ ، حَتَّى قَطَعَهَا ، وَنَجَا بِالسَّلَحْفَاةِ ، وَعَادَ الْقَانِصُ (٢) (1) مجهودًا لَاغِبًا فَوَجَدَ حِبَالَتَهُ مُقَطَّعَةً . فَفَكَّر فى أمر فِي أَمْرِهِ مَعَ الظَّبي المُتَظَالِعِ ، فَظَنَّ أَنَّهُ خُولِطَ فِي عَقْلِهِ ، وَفَكَرَ فِي أَمْرِ الظَّبي وَالْغُرَابِ الَّذِي كَأَنَهُ يَأْكُلُ مِنْهُ ، وَقَرْضِ حِبَالَتِهِ ، فَاسْتَوْحَشَ مِنَ الْأَرْضِ وَقَالَ : هَذِهِ أَرْضُ جِن أَوْ سَحَرَةٍ ، فَرَجَعَ مُوَلَّيا . لا يَلْتَمِسُ شَيْئًا ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ . وَاجْتَمَعَ الْغُرَابُ وَالظَّبي والجُرَدُ وَالسُّلَحْفَاةُ إلَى عَرشِهِمْ سَالِمِينَ آمِنِينَ كَأَحْسَن مَا كَانُوا عَلَيْهِ (1) تعبا (٢) المتظاهر بالطلع وهو منى شده با لعرج فَإِذَا كَانَ هَذَا الخَلْقُ مَعَ صِغَرِهِ وَضَعْفِهِ قَدْ قَدَرَ عَلَى التَّخَلْصِ مِنْ مَرَابِطِ الهَلَكَةِ مَرَّةً بَعْدَ أَخْرَى بِمَوَدَّتِهِ وَخُلُوصِهَا ، وَثَبَاتِ قَلْبِهِ عَلَيْهَا ، وَاسْتِمْتَاعِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ بَعْضِهِمْ بَعْضٍ ؛ فَالْإِنْسَانُ الَّذِي قَدْ أُعْطِيَ الْعَقْلَ وَالْقَهم . وألم الخيرَ وَالشَّرَ ، وَمُنحَ التمييز والمعرِفَةَ ، أولى وأخرى بالتواصلِ وَالتَّعَاضُدِ. فَهَذَا مَثَلُ إخوان الصَّفَاءِ وَأَتِلافِهِمْ فِي الصَّحْبَةِ .

( اقصى باب الحمامة المطوقة )

  1. كل أمر تعسر النجاة منه
  2. تكاف الأمر على مشقة .
  3. خافوا
  4. وقوع في أمر شاق
  5. جمع كيس وهو الفطن الظريف