كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب الجرذ والسنور
باب الجرذ والسنور
قَالَ دَبْسَلِيمُ المَلِكُ لِبيدَبا الفيلسوف : قَدْ سَمِعْتُ هَذَا المَثَلَ ، فاضْرِبْ لِي مَثَلَ رَجُلٍ كَثرَ أَعْدَاؤُهُ ، وَأَحْدَقُوا بِهِ مِنْ كُلِّ جانب ؛ فَأَشْرَفَ مَعَهُمْ عَلَى الهَلاك ، فَالْتَمَسَ النَّجَاةَ وَالمَخْرَجَ موا لَاةِ بَعْضٍ أَعْدَائِهِ وَمُصَالَحَتِهِ ، فَسَلِمَ مِنَ الخَوْفِ وَأَمِنَ ، ثُمَّ -- وَفَى لِمَنْ صَاحَهُ مِنْهُمْ . قَالَ الفَيْلَسُوفُ : إِنَّ المَوَدَّةَ وَالْعَدَاوَةَ لا تَبَتَانِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أَبَدًا . وَرُبَّمَا حَالَتِ المَوَدَّةُ إِلَى العَدَاوَةِ ، وَصَارَتِ الْعَدَاوَةُ وَلَايَةً وَصَدَاقَةً . وَلِهَذَا حَوَادِثُ وَعِلَلَ وَتَجَارِبُ ، وَذُو الرَّأْي يُحْدِثُ لَكُلِّ مَا يَحْدُثُ مِنْ ذَلكَ رأَبًا جَدِيدًا : أَمَّا مِنْ قِبَلِ الْعَدُوِّ فَبِالْبَأْسِ ، وَأَمَّا مِنْ قِبَلِ الصَّدِيقِ بِالاِسْتِنْنَاسِ ، وَلَا تَمْنَعُ ذَا الْعَقْلِ عَدَاوَةٌ كَانَتْ فِي نَفْسِهِ لِعَدُوِّهِ - مِنْ مُقَارَبَتِهِ وَالاِسْتِنْجَادِ بِهِ عَلَى دَفْعِ مَخُوفٍ أَوْ جَرٌ مَرْغُوبٍ . ومَنْ عَمِلَ فِي ذَلِكَ بِالحَزْمِ ظَفِرَ بِحَاجَتِهِ . وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الجُرَةِ وَالسِّنّورِ حِينَ وَقَعَ فِي الْوَرطَةِ ، فَنَجَوَا بِاصْطِلاحِهِمَا جَمِيعًا مِنَ الْوَرْطَةِ وَالشِّدَّةِ . قَالَ المَلِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ ؟ قَالَ بَيْدَبَا : زَعَمُوا أَنَّ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَ فى أَصْلِهَا مُخَرُ سِورٍ يُقَالُ لَهُ رُومِي، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ جُحْنُ جُرَذٍ يُقَالُ لَهُ فَرِيدُونَ ، وَكَانَ الصَّيَّادُونَ كَثِيرًا يَتَدَاوَلُونَ ذلِكَ المَكَانَ ، يَصِيدُونَ فِيهِ الْوَحْشَ وَالطَّيْرَ ، فَنَزَلَ ذَاتَ يَوْمٍ صَيَّادُ ، فَنَصَبَ حِبَانَهُ قريبا من موضع رُوبِي ، فَلَمْ يُلَبَتْ أَن وَقَعَ فِيهَا . نَخَرَجَ الْخُرَة يدب ، وَيَطْلُبُ مَا يَأْكُلُ ، ، وَهُوَ حَدَرٌ مِنْ رُومِي . فَبَيْنَمَا هُوَ يسْعَى إِذْ بَصُرَيهِ فِي الشَّرَك ، فَسُرِّ وَاسْتَبْشَرَ ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى خلَفَهُ ابْنَ عِرْس ، يُرِيدُ أَخَذَهُ ، وَفِي الشَّجَرَةِ بُوما ، يُرِيدُ اختطَافَهُ ، فَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ ، وَخَافَ إِنْ رَجَعَ وَرَاءَهُ أَخَذَهُ ابْنُ عِرْسٍ ، وَإِنْ ذَهَبَ يَمِينًا أَو شِمَالًا اخْتَطَفَهُ الْبُومُ ، وَإِنْ تَقَدَّمَ أمَامَهُ افْتَرَسَهُ السِّنَورُ . فَقَالَ فِي نَفْسِهِ : هَذَا بَلَاءٌ قَدِ اكْتَنَفَنِي ، وَشُرُورُ تَظَاهَرَتْ عَلَى ، وَمَحَنُ قَدْ أَحَاطَتْ بي . وَبَعْدَ ذلِكَ فَعِي عَقْلِ، فَلَا يُفْزِعْنِي أَمْرِي، وَلَا يَهُولُنِي شَأْنِي ، وَلَا يَلْحَقُنِي الدَّهَشُ ، وَلَا يَذْهَبُ قَلْبِي شَعَاءًا : فَالْعَاقِلُ لَا يَفْرَقُ عِنْدَ سَدَادِ رابِهِ ، وَلَا يَعْرُبُ عَنْهُ ذِهْنَهُ عَلَى حَالٍ . وَإِنَّمَا الْعَقْلُ شَبِيه بِالْبَحْرِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ غَوره . وَلَا يَبْلُغُ الْبَلاءُ مِنْ ذِي الرَّأْي مجهوده فيهلكه ، وتحقق الرجاءِ لَا يَنبَغِي أَنْ يَبْلُغَ مِنْهُ مُبْلَغَا يبطرهُ وَيُسْكِرَهُ : فيعمى عَلَيْهِ أَمْرُهُ . وَلَسْتُ أَرَى لِي مِنْ هَذَا البلاء مَخلَصاً إِلَّا مُصَالحَةَ السُّنَوْرِ : فَإِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ مِثْلُ مَا قَدْ نَزَلَ فِى أَوْ بَعْضُهُ . وَلَعَلَّهُ إِنْ سَمِعَ كَلَامِي الَّذِي أَكَلَّمُهُ بِهِ ، (1) يخاف وَوَعَى عَى فَصيحَ خِطَاب ، وَمَحْضَ صِدْقِ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ ، 6 ولَا خِدَاعَ مَعَهُ فَفَهِمَهُ ، وَطَمِعَ فِي مَعُونَتِي إِيَّاهُ ، تَخْلُص جميعًا ثُمَّ إِنَّ الْجُرَةَ دَنَا مِنَ السِّنَوْرِ فَقَال لَهُ : كَيْفَ حَالُكَ : قَالَ لَهُ السنورُ : كَمَا تُحِبُّ : فِي ضَنك وَضِيقٍ . قَالَ : وَأَنَا الْيَوْمَ شيريكُكَ فِي الْبَلَاءِ ، وَلَسْتُ أَرْجُو لِنَفْسِي خَلَاصًا إِلَّا بِالَّذِى أَرْجُو لَكَ فِيهِ الخلاص . وَكَلَامِي هَذَا لَيْسَ فِيهِ كَذِبُ وَلَا خَدِيعَةً . وَابْنُ عِرْسٍ هَا هُوَ كَامِنَّ لِي ، وَالْبُومُ يَرْصُدُنِي ، وكَلاهُمَا لِي وَلَكَ عَدُوٌّ ، فَإِنْ جَعَلْتَ لِي الْأَمَانَ ، قَطَعْتُ حَبائِلَكَ ، وَخَلَصْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَخَلَّصَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا بِسَبَبِ صَاحِبِهِ : كَالسَّفِينَةِ وَالرُّكَّابِ فِي الْبَحْرِ : فَبِالسَّفِينَةِ يَنجُونَ ، وَبِهِمْ تَنجُو السَّفِينَةُ . فَلَمَّا سَمِعَ السنورُ كَلَامَ الجُرَةِ ، وَعَرَفَ أَنَّهُ صَادِقُ ، قَالَ لَهُ : إِنَّ قَوْلَكَ هَذَا لَشَبِيهُ بِالحَقِّ ، وَأَنَا أَيْضًا رَاغِبُ فِيمَا أَرْجُو لَكَ وَلِنَفْسِي بِهِ الخلاص . ثُمَّ إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَسَأَشْكُرُ لَكَ مَا بَقِيتُ قال الجُرَدُ : فَإِنِّى سَأَدْنُو مِنكَ ، فَأَقَطَّعُ الْحَبائِلَ كُلَّهَا إِلَّا حَبْلاً وَاحِدًا أَبْقِيهِ لِأَسْتَوْثِقَ لِنَفْسِي مِنْكَ . ثُمَّ أَخَذَ فِي قَرْضِ حَبائِلِهِ ثُمَّ إِنَّ الْبُومَ وَابْنَ عِرْسٍ كَ رَأيَا دُنُو الحَرَةِ مِنَ السَّنَوْرِ أَيسَا منْهُ وَانْصَرَفَا . ثُمَّ إِنَّ الْحُرَدَ أبْطَأَ عَلَى رُومِي فِي قَطْعِ الحَبائِلِ فَقَالَ لَهُ : مَالِي لَا أَرَاكَ مُجدا فِي قَطْعِ حَبَائِلِي : فَإِنْ كُنْتَ قَدْ ظفِرْتَ بِحَاجَتِكَ : فَتَغَيرتَ عَمَّا كُنتَ عَلَيْهِ، وَتَوَانَيْتَ فِي حَاجَتِي، فَمَا ذَلِكَ مِنْ فِعْل الصَّالِحِينَ : فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يَتَوَانَى فِي حَقٌّ صَاحِبِهِ . وَقَدْ كَانَ لَكَ فِي سَابِقِ مَوَدَّتِي مِنَ الْفَائِدَةِ وَالنَّفْعِ مَا قَدْ رَأَيْتَ . وَأنْتَ حَقِيقُ أَنْ تُكَافِتَنِي بِذلِكَ ، وَلَا تَذْكُرَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ : فَالَّذِي حَدَثَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الصلح حَقِيقُ أَنْ يُنْسِيَكَ ذلِكَ ، مَعَ مَا فِي الْوَفَاءِ مِنَ الْفَضْلِ وَالْأَجْرِ ، وَمَا فِي الْغَدْرِ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ : فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يَكُونُ إِلَّا شَكُورًا غَيْرَ حَقُودٍ ، تُنْسِيهِ الحَلَةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْإِحْسَانِ (١) شكر ونصح : تعديتهما باللام أفصح : من تعديتهما بنفسهما الخلالَ الكَثِيرَةَ مِنَ الإِساءَةِ . وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ أَعْجَلَ الْعُقُوبَةِ عُقُوبَةُ الْغَدْرِ. وَمَنْ إِذَا تُضُرّعَ إِلَيْهِ ، وَسُئِلَ الْعَفْوَ ، فَلَمْ يَرْحَمْ ، وَلَمْ يَعْفُ ، فَقَدْ غَدَرَ ، قَالَ الْحُرَةُ : إِنَّ الصَّدِيقَ صَدِيقَانِ : طَائِعُ وَمُضْطَرُ . وَكَلاهُمَا يَلْتَحِسَانِ الْمَنْفَعَةَ ، وَيَحْتَرِسَانِ مِنَ المَضَرَّةِ . فَأَمَّا الطَّائِعُ فَيُسْتَرْسَلُ إِلَيْهِ ، وَيُؤْمَنُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ . وَأَمَّا الْمُضْطَرُّ فَفِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ يُسْتَرْسَلُ إِلَيْهِ ، ، وفِي بَعْضِهَا يُخَذَرُ مِنْهُ . وَلَا يَزَالُ الْعَاقِلُ يَرْتَهِنُ مِنْهُ بَعْضَ حَاجَاتِهِ لِبَعْضِ مَا يَتَنِي وَيَخَافُ . وَلَيْس عَاقِبَةُ التَّوَاصُلِ مِنَ الْمُتَوَاصِلِ إِلَّا طَلَبَ عَاجِلِ التَّفْعِ وَبُلُوغِ مَأْمُولِهِ . وَأَنَا وَافٍ لَكَ بِمَا - جَعَلْتُ لَكَ ، وَمُحْتَرِسُ مِنْكَ مَع ذَلِكَ ، مِنْ حَيْثُ أَخَافُكَ تخوفًا أَنْ يُصِيبَنِي مِنْكَ مَا أَلْحَأَنِي خَوْفُهُ إِلَى مُصَالَحَتِكَ، وَأَبْحَاكَ إِلَى قَبُولِ ذَلِكَ مِنِّي : فَإِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ حِينًا . فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ في حِينِهِ ، فَلَا حُسْنَ لِعَاقِبَتِهِ ، وَأَنَا قَاطِعُ حَبائِلَكَ كُلَّهَا ، غَيْرَ أَنِّى تَارِكُ عُقْدَةً وَاحِدَةً أَرْتَهنُكَ بِهَا ، وَلَا أَقْطَعُهَا إِلَّا فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَعْلَمُ أَنَّكَ فِيهَا عَنِّى مَشْعُولٌ : وَذَلِكَ عِنْدَ مُعَايَنَى الصَّيَّادَ . ثُمَّ إِنَّ الْجُرَةَ أَخَذَفِي قَطْعِ حَبائِلِ السَّنَوْرِ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذلِكَ إذ وَافَى الصَّيَّادُ ، فَقَالَ لَهُ السِّنَوْرُ : الآنَ جَاءَ الحِد فِي قَطع حبائِلِي ، فَأَجْهَدَ الْحَرَذُ نَفْسَهُ فِي الْقَرْضِ ؛ حَتَّى إِذَا فَرَغَ وَثَبَ السنورُ إِلَى الشَّجَرَةِ عَلَى دَهَشٍ مِنَ الصَّيَّادِ ، وَدَخَلَ الحُرَذُ بَعْضَ الْأَبْحَارِ ، وَجَاءَ الصَّيَّادُ فَأَخَذَ حَبَائِلَهُ مُقَطَّعَةً ، هُمَّ انْصَرَفَ خَائِب هُمَّ إِنَّ الْجُرَدَ خَرَجَ بَعْدَ ذلِكَ ، وَكَرَهَ أَنْ يَدْنُو مِنَ السِّنَوِرِ ، فَنَادَاهُ السَّنَوْرُ : أَيُّهَا الصَّدِيقُ النَّاصِحُ ، ذُو الْبَلَاءِ الحَسَنِ عِنْدِي ، مَا مَنَعَكَ مِنَ الدُّنُو إِلَيَّ ، لِأَجَازِيكَ بِأَحْسَنِ مَا أَسْدَيْتَ إلَى ، هَلُمَّ إِلَى وَلَا تَقْطَعْ إِخَانِي : فَإِنَّهُ مَنِ اتَّخَذَ صَدِيقًا ، وَقَطَعَ إِخَاءَهُ ، وَأَضَاعَ صَدَافَتَهُ ، حَرِمَ قَمَرَةَ إِخَانِهِ ، وَأَيْسَ مِنْ نَفْعِهِ الإخْوَانُ وَالأَصْدِقَاءُ . وَإِنَّ يَدَكَ عِنْدِي لَا تُنْسَى ، وَأَنْتَ حَقِيقُ أَنْ تَلْتَمِسَ مُكَا فَأَةَ ذَلِكَ مِنِّي وَمِنْ إِخْوَانِي وَأَصْدِقَانِي وَلَا تَخَافَنَّ مِني شَيْئًا . وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قِبَلِي لَكَ مَبْذُولُ . ثُمَّ حَلَفَ وَاجْتَهَدَ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا قَالَ ، فَنَادَاهُ الْجُرَةُ : رُبَّ صَدَاقَةٍ ظَاهِرَةٍ بَاطِنُهَا عَدَاوَةٌ كَامِنَةٌ ، وَهِيَ أَشَدُّ مِنَ الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ . وَمَن لم يحترس مِنْهَا ، وَقَعَ مَوقِعَ الرَّجُلِ الَّذِي يَرْكَبُ نَابَ الْفِيلِ [١] ، المغتدِيم ، ثُمَّ يَغْلِبُهُ النَّعَاسُ ، فَيَسْتَيْقِظُ تَحْتَ فَرَاسِنِ الْفِيلِ فَيَدُوسُهُ وَيَقْتُلُهُ . وَإِنَّمَا سُمى الصديق صديقًا : مَا يُرْجَى مِنْ نَفْعِهِ ، وَسُمَّى العَدُوُّ عَدُوًّا : لِمَا يُخَافُ مِنْ ضَرَرِهِ . وَالْعَاقِلُ إِذَا رَجَا نَفْعَ العَدُوأَظْهَرَ لَهُ الصَّدَاقَةَ ، وَإِذَا خَافَ ضُرَّ الصَّدِيقِ أظهَرَ لَهُ الْعَداوَةَ . أَلَا تَرَى : تَتَّبِعُ البَهَائِمُ أُمَّهَاتِهَا رَجَاءَ أَلْبَاتِها ، فَإِذَا انْقَطَعَ ذَلِكَ انْصَرَفَتْ عَنْهَا . وَرُبَّمَا قَطَعَ الصَّدِيقُ عَنْ صدِيقِهِ بَعْضَ مَا كَانَ يَصِلُهُ ، فَلَمْ يَخَفْ شَرَّهُ : لِأَنَّ أَصْلَ أمره لم يكُنْ عَدَاوَةً . فَأَمَّا مَنْ كَانَ أَصْلُ أَمْرِهِ عَدَاوَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ، ثُمَّ أَحْدَثَ صَدَاقَةَ حَاجَةٍ حَمَلَتْهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إِذَا زَالَتِ الحَاجَةُ الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلَى ذلِكَ ، زَالَتْ صَدَاقَتُهُ ، فَتَحَوَّلَتْ عَدَاوَةٌ ، وَصَارَ إِلَى أَصل أَمْرِهِ : كالمَاءِ الَّذِي يُسَخَنُ بِالنَّارِ ، فَإِذَا رُفِعَ عَنْهَا عَادَ بَارِدًا . وَلَيْسَ مِنْ أَعْدَانِي عَدُوٌّ أَضَرُّ لِي . منكَ . وَقَدِ اضْطَرَّنِي وَإِيَّاكَ حَاجَةً إِلَى مَا أَحْدَتَنَا مِنَ الْمُصَاحَةِ . وَقَدْ ذَهَبَ الأمْرُ الَّذِى احْتَجْتَ إِلَى وَاحْتَجْتُ إِلَيْكَ فِيهِ 6 >>> يُصَالِحُ كليلة ودمنة وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَهَابِهِ عَودُ العَدَاوَةِ . وَلَا خَيْرَ لِلضَّعِيف فِي قُربِ الْعَدُوِّ الْقَوِى ، وَلَا لِلدَّلِيلِ فِي قُرْبِ الْعَدُو الْعَزِيزِ وَلَا أَعْلَمُ لَكَ قِبَلَى حَاجَةً ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تُرِيدُ أَكْلِي ، وَلَا أَعْلَمُ لي قبلَكَ حَاجَةٌ ، وَلَيْسَ عِنْدِى بِكَ ثِقَةٌ : فَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الضَّعِيفَ الْمُحْتَرِسَ مِنَ الْعَدُوِّ الْقَوِى أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَة مِنَ الْقَوِى إِذَا اغْتَرَ بِالضَّعِيف واسْتَرْسَلَ إِلَيْهِ . وَالْعَاقِلُ عَدُوهُ إِذَا اضْطَرَّ إِلَيْهِ ، وَيُصَانِعُهُ ، وَيُظْهِرُ لَهُ وُدَّهُ ، نَفْسِهِ الاسْتِرْسَالَ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدا ، ثُمَّ يُعَجِّلُ الاِنْصِرَافَ عَنْهُ ، حِينَ يَجِدُ إِلَى ذلكَ سَبِيلًا . وَاعْلَمْ أَنَّ سريع الاسترسال لَا تُقَالُ عَشْرَتُهُ . وَالْعَاقِلُ يَنِي لِمَنْ صَاحَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ بِمَا جَعَلَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يَنْقُ بِهِ كُلَّ الثَّقَةِ ، ولَا يَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الْقُرْبِ مِنْهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُ مَا اسْتَطَاعَ . وَأَنَا أَودُكَ مِنْ بَعِيدٍ ، وَأُحِبُّ لَكَ مِنَ الْبَقَاءِ والسَّلَامَةِ ، مَا لَمْ أَكُنْ أَحِبَّهُ لَكَ مِنْ قَبْلُ . وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تُجَازِينِي علَى صَنِيعِي إِلَّا بِمِثْلَ ذَلِكَ : إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى اجْتِمَاعِنَا وَالسَّلَامُ . ديريه انقضى باب الجرذ والسنور )
- ↑ جمع فرسين وهو بمنزلة الحافر . .