انتقل إلى المحتوى

كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب البوم والغربان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: المطبعة الأميرية - بولاق (1937)، الصفحات ٢٠٠–٢٣١
 

باب اليوم والغربان

قَالَ دَبْشَلِيمُ الْمَلِكُ لِبَيْدَبَا الْفَيْلَسُوفِ : قَدْ سَمِعْتُ مَثَلَ إِخْوانِ الصَّفَاءِ وَتَعَاوُنِهِمْ ، فَاضْرِبْ لِي مَثَلَ الْعَدُوِّ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفترَ بِهِ ، وَإِنْ أَظْهَرَ تَضَرُّعًا وَمَلَقًا . قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : مَنِ اغْتَرَ بالْعَدُو الَّذِى لَمْ يَزَلْ عَدُوّاً ، أَصَابَهُ مَا أَصَابَ البُومَ مِنَ الْغِرْبَانِ . مو قَالَ المُلكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلكَ ؟ قَالَ بَيْدَبَا : زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ فِي جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرَ الدَّوحِ [١]، فِيهَا وَكُرُ أَلْفِ غُرَابٍ ، وَعَلَيْهِنَّ وَالٍ مِنْ أَنْفُسِهِنَّ ؛ (1)

كليلة ودمنة وكَانَ عِنْدَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ كَهْفُ فِيهِ أَلْفُ بُومَةٍ ، وَعَلَيْهِنَّ وَالِ منهنَّ . خَرَجَ مَلِكُ الْبُومِ لِبَعْضِ غُدُوَاتِهِ وَرَوْحَاتِهِ ، وَفِي نَفْسِهِ العَدَاوَةُ لِمَلِكِ الْغِرْبَانِ ، وَفِي نَفْسِ الْغِرْبَانِ وَمَلِهَا مِثْلُ ذَلِكَ لبوم ؛ فَأَغَارَ مَلِكُ الْبُومِ فِي أَصْحَابِهِ عَلَى الْغِرْبَانِ فِي أَوْ كَارِهَا ، فَقَتَلَ وَسَى مِنْهَا خَلْقًا كَثِيرًا ، وَكَانَتْ الْغَارَةُ لَيْلًا ، فَلَمَّا أصْبَحَتِ الْغِرْبَانُ اجْتَمَعَتْ إِلَى مَلِهَا فَقُلْنَ لَهُ : قَدْ عَلَمْتَ مَا لَقِينَا اللَّيْلَةَ مِنْ مَلِكِ الْبُومِ ، وَمَا مِنَّا إِلَّا مَنْ أَصْبَحَ قَتِيلا أوْ جَرِيعا أَوْ مَكْسُورَ الخَنَاحِ أَوْ مَنتُوفَ الرِّيشِ أَوْ مَقْطُوفَ الذَّنَبِ وَأَشَدُ مِمَّا أَصَابَنَا ضُرًا عَلَيْنَا حَرَاءَتُهُنَّ عَلَيْنَا ، وَعِلْمُهُنَّ بِمَكَانِنَا، وَهُنَّ عَائِدَاتُ إِلَيْنَا غَيْرُ مُنقَطِعَاتِ عَنَّا : لِعِلْمِهِنَّ بِمَكَانِنَا : فَإِنَّمَ نَحْنُ لَكَ ، وَلَكَ الرَّأْيُّ ، أَيُّهَا الْمَلِكُ ، فَانْظُرْ لَنَا وَلَنَفْسِكَ. وكَانَ فِي الْغِرْبَانِ خَمْسَةٌ مُعْتَرَفُ هَهُنَّ بِحُسْنِ الرَّأْي ، يُسْنَدُ إِلَيْهِنَّ فِي الْأُمُورِ ، وَيُلْقَى عَلَيْهِنَّ أَزِمَّةُ الْأَحْوَالِ ، وَكَانَ المَلِكُ كَثِيرًا . ما يُشَاوِرُهُنَّ فِي الْأُمُورِ ، وَيَأْخُذُ آرَاءَ هُنَّ فِي الْحَوَادِثِ وَالنَّوَازِلِ (1) جمع قدوة وهى الذهاب في البكرة فَقَالَ الملِكُ لِلأَوَّلِ مِنَ الخَمْسَةِ : مَا رَأَيْكَ في هَذَا الْأَمْرِ ? قَالَ : رَأَبِي قَدْ سَبَقَتْنَا إِلَيْهِ الْعُلَمَاءُ ، وَذَلكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَيْسَ (1) للعدو الحَيقِ إِلَّا الْهَرَبُ مِنْهُ . قَالَ المَلِكُ لِلنَّانِي : مَا رَأَيْكَ أنتَ فِي َهذَا الْأَمْرِ : قَالَ : رَابِي مَا رَأَى هَذَا مِنَ الهَرَبِ . قَالَ المُلكُ : لَا أَرَى لَكُما ذلك رأيًا ، أَنْ نَرْحَلَ عَنْ أَوْطَائِنَا وَتُخْلِيَهَا لِعَدُونَا مِنْ أَوَّلِ نَكْبَةٍ أَصَابَتْنَا مِنْهُ ، وَلَا يَنْبَغِي لَنَا ذَلِكَ ، (٢) ولكن تُمِعُ أَمْرَنَا ، وَنَسْتَعِدُ لِعَدُونَا ، وَنُذكي نَارَ الحَرْبِ فِيمَا بيننا وبين عَدُونَا ، وَتَحْتَرِسُ مِنَ الْعَرَةِ إِذَا أَقْبَلَ إِلَيْنَا ، فَنَلْقَاهُ مُسْتَعِدِينَ ، وَنُقَاتِلُهُ قِتَالًا غَيْرَ مُرَاجِعِينَ فِيهِ ، وَلَا مُقَصِّرِينَ -- عَنْهُ ، وَتَلْقَى أَطْرَافَنَا أَطْرَافَ الْعَدُهِ، وَتَخَرَزُ بِحُصُونِنَا ، وَنَدَافِعُ (٤) عَدُونَا : بِالْأَنَاةِ مَرَّةٌ ، وَبِالْحَلَادِ أُخْرَى ، حَيْثُ يُصِيبُ فُرْصَتَنَا وبغيتنَا ، وَقَدْ ثَنَيْنَا عَدُونَا عَنَّا ثُمَّ قَالَ المَلِكُ لِلثَّالِثِ : مَا رَأَيْكَ أَنْتَ ؟ قَالَ : مَا أَرَى مَا قَالَا رأيا . وَلكِنْ نَبَتْ الْعُيُونَ ، وَنَبْعَثُ الحَوَاسِيسَ ، ويُرْسِلُ (1) (٣) الغفلة (٤) المضاربة بالسيوف المغتاظ (٢) توقد الطَّلَائِعَ بَيْنَنَا وَبَينَ عَدُونَا ، فَنَعْلَمُ أَيُرِيدُ صُلَحَنَا أَمْ يُرِيدُ حَرْبَنَا أَمْ يُريدُ الْفِدْيَةَ ? فَإِنْ رَأَيْنَا أَمْرَهُ أَمْرَ طَامِع فِي مَالٍ ، لَمْ نَكْرَه الصَّلَحَ عَلَى خَراجِ نُوَدِيهِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ ، نَدْفَعُ بِهِ عَنْ أَنْفُسِنَا. وَنَطْمَئِنَّ فِي أَوْطَائِنَا : فَإِنَّ مِنْ آرَاءِ الْمُلُوكِ إِذَا اشْتَدَّتْ شَوْكَهُ عَدُوِّهِمْ ، خَافُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَبِلَادِهِمْ، أَن يَجْعَلُوا الْأَمْوَالَ جُنَّةَ الْبِلَادِ وَالمَلِكِ وَالرَّعيَّةِ . قَالَ الْمَلِكُ لِلرَّابِعِ : فَمَا رَأَيْكَ في هذا الصلح : قَالَ لَا أَرَاهُ رَأْيَا ، بَلْ أَنْ نُفَارِقَ أَوْطَانَنَا وَنَصْبِرَ عَلَى الْغُرْبَةِ وَشِدَّةِ المَعِيشَةِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ نُضِيعَ أَحْسَابَنَا وَتَخْضَعَ لِلْعَدُو الَّذِي نَحْنُ أَشْرَفُ مِنْهُ ، مَعَ أَنَّ الْبُومَ لَوْ عَرَضْنَا [٢] ذلِكَ عَلَيْهِنَّ لَمَا رَضِينَ مِنَّا إِلَّا بِالشَطَطِ ، وَيُقَالُ فِي الْأَمْثَالِ : قَارِب عَدُوّكَ بَعْضَ الْمُقَارَبَةِ : لِتَنَالَ حَاجَتَكَ . وَلَا تُقَارِبهُ كُل المُقَارَبَة : فَيَجْتَرى عَلَيْكَ ، وَيُضْعِفَ جُنْدَكَ ، وَتَذلَّ نَفْسُكَ . وَمَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ الحَشَبَةِ المَنْصُوبَةِ فِي الشَّمْسِ : إِذَا أملتها قَلِيلًا زَادَ ظِلُّهَا ، وَإِذَا جَاوَزْتَ بِهَا الْحَدَّ فِي إِمَالَتِهَا نَقَصَ الظُّلُ . وَلَيْسَ عَدُونَا رَاضيًا مِنَّا بِالدُّونِ فِي الْمُقَارَبَةِ . فَالرَّأَى لَنَا وَلَكَ المُحارَيَةُ .• قال الملك للخامس : مَا تَقُولُ أَنتَ : وَمَاذَا تَرَى : الْقِتَالَ - أمِ الصُّلْحَ َأمِ الحَلَاءَ عَنِ الْوَطَنِ ؟ قَالَ : أَمَّا الْقِتَالُ فَلَا سَبِيلَ للْمَرْءِ إِلَى قِتَالِ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ >> نَفْسَهُ حتفِهَا ، مَعَ أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَسْتَصْغِرُ عَدُوًّا : فَإِنَّ مَنِ اسْتَصْغَرَ عَدُوهُ اغْتَرَ بِهِ ، وَمَنِ اغْتَرَ بِعَدُوِّهِ لَمْ يَسْلَمَ مِنْهُ . وَأَنَا لِلْبُومِ شَدِيدُ الهيبة ، وَإِنْ أضْرَبْنَ عَنْ قِتَالنَا ، وَقَدْ كُنتُ أَهَابُهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَعَدُوَّهُ ، وَقَاتَلَ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ ، حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى فَإِنَّ الْحَازِمَ لَا يَأْمَنُ عَدُوَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا (1) لَمْ يَأْمَنْ سَطْوَتَهُ ، وَإِنْ كَانَ مُكْثِبًا لَمْ يَأْمَن وَثَبَتَهُ ، وَإِنْ كَانَ وَحِيدًا کورد لَمْ يَأْمَن مَكْرَهُ . وَأَحْزَمُ الْأَقْوَامِ وَأَكْيَسُهُمْ مَنْ كَرِهَ الْقِتَالَ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ فِيهِ : فَإِنَّ مَادُونَ الْقِتَالِ النَّفَقَةُ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْقَوْلِ (1) قريبا وَالْعَمَلِ ، وَالْقِتَالُ النَّفَقَةُ فِيهِ مِنَ الْأَنْفُسِ وَالْأَبْدَانِ . فَلَا يَكُونَنَّ الْقِتَالُ لِلْبُومِ مِنْ رَأْيِكَ ، أَيُّهَا الْمَلِكُ : فَإِنَّ مَنْ قَاتَلَ [٣] مَنْ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ فَقَدْ غَرَّرَ بنَفْسِهِ . فَإِذَا كَانَ الْمَلِكُ مُحَصَنا للأَسْرَارِ ، مُتَخَيْراً لِلْوُزَرَاءِ ، مَهِيبًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ ، بَعِيدًا مِنْ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ ، كَانَ خَلِيفٌ أَلَّا يُسْلَبَ صَحِيحَ مَا أُوتِيَ مِنَ الخير . وأنتَ ، أَيُّهَا المَلِكُ ، كَذَلِكَ . وَقَدِ اسْتَشَرْتَنِي فِي أَمْرِ جَوَابُكَ مِنِّى عَنْهُ ، فِي بَعْضِهِ عَلَانِيَةٌ ، وَفِي بَعْضِهِ مِر وَلِلأَسْرَارِ مَنَازِلُ : مِنْهَا مَا يَدْخُلُ فِيهِ الرَّهْطُ ، وَمِنْهَا مَا يُسْتَعَانُ فِيهِ بِالْقَوْمِ ، وَمِنْهَا مَا يَدْخُلُ فِيهِ الرَّجُلَانِ . وَلَسْتُ أَرَى هَذَا السِّرْ عَلَى قَدْرِ مَنْزِلَتِهِ أَنْ يُشَارَكَ فِيهِ إِلَّا أَرْبَعُ آذَانِ وَلَسَانَانِ . فَنَهَضَ المَلِكُ مِنْ سَاعَتِهِ ، وَخَلَا بِهِ ، فَاسْتَشَارَهُ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ المَلِكُ أَنَّهُ قَالَ : هَلْ تَعْلَمُ ابْتِدَاءَ عَدَاوَةِ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبُومِ ؟ قَالَ : نَعَمْ : كَلِمَةً تَكَلَّمَ بِهَا غُرَابُ . قَالَ الملكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ : (٢) قوم الرجل وقيلته قَالَ الْغُرَابُ : زَعَمُوا أَنَّ جَمَاءَةٌ مِنَ الْكَرَاكِي لَمْ يَكُنْ لَهَا ملكُ ، فَأَجَمَعَتْ أَمْرَهَا عَلَى أَنْ يُمَلِكُنَ عَلَيْهِنَّ مَلِكَ الْبُومِ؛ فبينما هِيَ فِي تَجْمَعَهَا إِذْ وَقَعَ لَهَا غُرَابَ ، فَقَالَتْ : لَوْ جَاءَنَا هَذَا الْغَرَابُ لَاسْتَشْرِنَاهُ فِي أَمْرِنَا ، فَلَمْ يَلْبَحْنَ دُونَ أَنْ جَاءَ هُنَّ ؛ الغُرَابُ ، فَاسْتَشَرْنَهُ ، فَقَالَ : لَوْ أَنَّ الطَّيْرَ بَادَتْ مِنَ الأَقاليم، وفقد الطاوُسُ والبَط والنَّعَامُ والجَمَامُ مِنَ الْعَالِمَ لَكَ اضْطُرِرْتُنَّ إِلَى أَنْ تُمَلِكْنَ عَلَيْكُنَّ الْبُومَ الَّتِي هِيَ أَقبَحُ الطَّيْرِ مَنْظَرا 6 وَأسْوَوْهَا خُلُقًا ، وَأَقَلُّهَا عَقْلاً ، وَأَشَدَّهَا غَضَبًا ، وَأَبْعَدُهَا من ()) كَلِ رَحْمَةٍ ، مَعَ عَمَاهَا وَمَا بَهَا مِنَ الْعَشَا بِالنَّهَارِ ، وَأَشَدُ مِنْ ذَلِكَ وأَقْبَحُ أُمُورِهَا سَفَهُهَا وَسُوءُ أَخْلَاقِهَا ، إِلَّا أَنْ تَرَيْنَ أَنْ تُمَلِكَنَهَا وتكُنَّ أَنْتُنَّ تُدَيرْنَ الْأُمُورَ دُونَهَا بِرَأْيِكُنَّ وَعُقُولِكُنَّ ، كَمَا فَعَلَتِ الْأَرْنَبُ الَّتِي زَعَمَتْ أَنَّ الْقَمَرَ مَلِكُهَا ، ثُمَّ عَمِلَتْ بِرَأْتِهَا . قَالَ الطَّيْرُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ ا ( 1 ) قَالَ الْغُرَابُ : زَعَمُوا أَنَّ أَرْضًا مِنْ أَرَاضِي الْفِيلَةِ تَتَابَعَتْ عَلَيْهَا السنون ، وأجْدَبَتْ ، وَقَلَّ مَاؤُهَا ، وَغَارَتْ عُيُونُهَا ، وَذَوَى نبتها ، وَيَبِسَ شَجَرُهَا ، فَأَصَابَ الفِيلَةَ عَطَشُ شَدِيدٌ : فَشَكَوْنَ ذلِكَ إِلَى مَلِكِهِنَّ ، فَأَرْسَلَ المَلِكُ رُسُلَهُ وَرُوَادَهُ فِي طَلَبِ المَاءِ ، فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ الرُّسُلِ ، فَأَخْبَرَهُ إنِّي قَدْ وَجَدْتُ بِمَكَانِ كَذَا عَيْنًا يُقَالُ لَهَا عَيْنُ الْقَمَرِ، كَثِيرَةَ الماء . فَتَوَجَّهَ مَلِكُ الْفِيلَةِ بِأَصْحَابِهِ إِلَى تِلْكَ الْعَيْنِ لِيَشْرَبَ مِنْهَا هُوَ وَفِيَلَتُهُ . وَكَانَتِ الْعَيْنُ فِي أَرْضِ لِلْأَرَانِبِ ، فَوَطِنَ الأرَاتِبَ فِي أَبْحَارِهِنَّ ، فَأَهْلَكْنَ مِنْهُنَّ كَثِيرًا . فَاجْتَمَعَتِ الْأَرَانِبُ إِلَى مَلِكِهَا فَقُلْنَ لَهُ : قَدْ عَلِمْتَ مَا أَصَابَنَا مِنَ الْفِيَلَةِ فَقَالَ : لِيُحْضِرُ مِنْكُنَّ كُلَّ ذِي رَأَي رَأْيَهُ . فَتَقَدَّمَتْ أَرْنَبُ مِنَ الْأَرَائِبِ يُقَالُ لَهَا فَيَرُوزُ . وَكَانَ الْمَلِكُ يَعْرِفُهَا بِحُسْنِ الرَّأْي وَالْأَدبِ ، فَقَالَتْ : إِنْ رَأَى الْمَلِكُ أَنْ يَبْعَثَنِي إِلَى الْفِيلَةِ ويُرْسِلَ مَعِي أَمِينًا ، لِيَرَى وَيَسْمَعَ مَا أَقُولُ ، وَيَرْفَعَهُ إِلَى الْمَلِكِ . فقال لها الملكُ : أَنت أمينَةُ ، وَنَرْضَى بِقَوْلِكَ ، فَانْطَلِقي إِلَى الْفِيَلَةِ ، وَبَلِنِي عَنِّي مَا تُرِيدِينَ . وَاعْلَى أَنَّ الرَّسُولَ بِرَأْيِهِ وَعَقْلِهِ ، وَلِينِهِ وَفَضْلِهِ ، يُخبِرُ عَنْ عَقلِ الْمُرْسِل . فَعَلَيْكِ باللينِ والرفق ، والحلم والثانى : فَإِنَّ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِى يُلِينُ الصُّدُورَ (1) إذَا رَفَقَ ، وَيُخَشِنُ الصُّدُورَ إِذَا نَخْرُقَ . ثُمَّ إِنَّ الْأَرْنَبَ انْطَلَقَتْ فِي لَيْلَةٍ قَرَاءَ ، حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى الْفِيْلَةِ ، وَكَرِهَتْ أَنْ تدْنُو مِنْهُنَّ : مَخَافَةَ أَنْ يَطَأْنَهَا بِأَرْجُلِهِنَّ ، فيقتلنهَا ، وَإِنْ كُنَّ غَيْرَ مُتَعَمَدَاتٍ . ثُمَّ أَشْرَفَتْ عَلَى الْجَبَلِ ، وَنَادَتْ مَلِكَ الْفِيلَةِ ، وقَالَتْ لَهُ : إِنَّ الْقَمَرَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ ، وَالرَّسُولُ غَيْرُ مَلُومٍ فِيمَا يبلغ ، وَإِنْ أَغْلَظَ فِي الْقَوْلِ . قَالَ مَلِكُ الْفِيلَةِ : فَمَا الرِّسَالَةُ : قالَتْ : يَقُولُ لَكَ : إِنَّ مَنْ عَرَفَ فَضْلَ قُوَّتِهِ عَلَى الضُّعَفَاءِ ، فَاغْتَر بِذلِكَ فِي شَأْنِ الْأَقْوِيَاء ، قِيَاسًا لَهُمْ عَلَى الضُّعَفَاءِ ، كَانَتْ قوتُهُ وَبَالًا عَلَيْهِ . وَأَنتَ قَدْ عَرَفْتَ فَضْلَ قُوَّتِكَ عَلَى الدَّوَاتِ، فَغَرَّكَ ذلِكَ ، فَعَمَدْتَ إِلَى الْعَيْنِ الَّتِي تُسَمَّى بِاسْمِي ، فَشَرِبْتَ > مِنْهَا ، وَكَدَّرْتَهَا . فَأَرْسَلَنِي إِلَيْكَ : فَأَنْذِرُكَ أَلَّا تَعُودَ إِلَى مِثْلِ ( 1 ) ذلِكَ . وَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ أَغَضُ بَصَرَكَ ، وَأُتْلِفْ نَفْسَكَ وَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنْ رِسَالَتِي ، فَهَلُمَّ إِلَى الْعَيْنِ مِنْ سَاعَتِكَ : فَإِنِّي مُوَافِيكَ بِهَا . فَعَجِبَ مَلِكُ الْفِيَلَةِ مِنْ قَوْلِ الْأَرْنَبِ 6 فَانْطَلَقَ إِلَى الْعَيْنِ مَعَ فَيَرُوزَ الرَّسُولِ . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا ، رَأَى ضَوْءَ الْقَمَرِ فِيهَا . فَقَالَتْ لَهُ فَيَرُوزُ الرَّسُولُ : خُذْ بِخُرْطُومِكَ مِنَ الْمَاءِ فَاغْسِلْ بِهِ وَجْهَكَ ، وَاسْجُدْ لِلْقَمَرِ . فَأَدْخَلَ الْفِيلُ خُرْطُومَهُ فِي الْمَاءِ ، فَتَحَرَّكَ نَفَيْلَ لِلْفِيلِ أَنَّ الْقَمَرَ ارْتَعَدَ فَقَالَ : مَا شَأْنُ الْقَمَرِ ارْتَعَدَ : أَتُرَاهُ غَضِبَ مِنْ إِدْخَالِ الخُرْطُومَ فِي الْمَسَاءِ : قَالَتْ فَيُرُوزُ الْأَرْنَبُ : نَعَمْ . فَسَجَدَ الْفِيلُ للقمرِ مَرَّةٌ أُخْرَى ، وَتَابَ إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعَ ، وَشَرَطَ أَلَّا يَعُودَ م إلَى مِثْلِ ذَلِكَ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ فِيَلَتِهِ . قَالَ الْغُرَابُ : وَمَعَ مَا ذَكَرْتُ مِنْ أَمْرِ الْبُومِ إِنَّ فِيهَا الحِبَّ وَالْمَكْرَ وَالخَدِيعَةَ ، وَشَر الملوك المخادِعُ ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِسُلْطَانِ مُخَادِعٍ، وَخَدَمَهُ ، أَصَابَهُ [٤] ما أصَابَ الْأَرْنَبَ وَالصَّفَرِدَ حِينَ احْتَكَما إِلَى السِّنَوْرِ . قَالَتِ الكَرَاكِيُّ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ قالَ الْغُرَابُ : كَانَ لِي جَارُ مِنَ الصَّفَارِدَةِ ، فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِن وَكَرِى ، وَكَانَ يُكْثِرُ مُوَاصَلَتِي ، ثُمَّ فَقَدْتُهُ ، فَلَمْ أَعْلَمْ أَيْنَ غَابَ ، وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ عَنِى . فَاءَتْ أَرْنَبُّ إِلَى مَكَانِ الصِّفْرِدِ ، فَسَكَنَتْهُ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَخَاصِمَ الْأَرْنَبَ ، فَلَبِثَتْ فِيهِ زَمَانًا . ثم إِنَّ الصِّفْرِدَ عَادَ بَعْدَ زَمَانٍ ، فَأَتَى مَنْزِلَهُ ، فَوَجَدَ فِيهِ الْأَرْنَبَ ، فَقَالَ لَهَا : هَذَا المَكَانُ لِي ، فَانْتَقِلي عنه . قَالَتِ الْأَرْنَبُ : المَسكَنُ لِي ، وَتَحْتَ يَدِى ؛ وَأَنْتَ مُدَّعٍ لَهُ . فَإِنْ كَانَ لَكَ حَقٌّ فَاسْتَعِدَّ بِإِثْبَاتِهِ عَلَى ، قَالَ الصِّفْرِدُ : الْقَاضِي مِنًا قَرِيبٌ : فَهَلَتِى بِنَا إِلَيْهِ . قَالَتِ الْأَرْنَبُ : وَمَنِ الْقَاضِي : قالَ الصِّفْرِدُ : إِنَّ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ سنورًا مُتَعَبدًا ، يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ الَّليْلَ كُلَّهُ ، وَلَا يُوْذِى دَابَّةٌ ، وَلَا يُرِيقُ دَما ؛ عَيْشُهُ مِنَ الخَشِيشِ وَمِمَّ يَقْدِفَهُ إِلَيْهِ الْبَحْرُ . فَإِنْ أَحْبَيْتِ تَحَاكَمْنَا إِلَيْهِ ، وَرَضِينَا بِهِ . قَالَتِ الْأَرْنَبُ : مَا أَرْضَانِي بِهِ إِذَا كَانَ كَمَا وَصَفْتَ ! فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ ، فَتَبِعْهُمَا لِأَنْظُرَ إِلَى حُكُومَةِ الصَّوَامِ الْقَوَّامِ ، ثُمَّ إِنَّهُمَا ذَهَبَا إِلَيْهِ ، فَلَمَّا بَصُرَ السَّنَوْرُ بِالْأَرْنَبِ وَالصِّفْرِد مُقْبِلَيْنِ نَحْوَهُ ، انتَصَبَ قَائِمَ يُصَلِّى ، وَأَظْهَرَ الْخُشُوعَ وَالتَّنَسكَ ، فَعَجِبَا مَ رَأيَا مِنْ حَالِهِ ، وَدَنَوْا مِنْهُ هَانِينِ لَهُ ، مردم گرمه وَسَلَّمَا عَلَيْهِ ، وَسَأَلَاهُ أنْ يقضى بينهما . فَأَمَرَهُمَا أَن يَقُصَّا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَفَعَلَا، فَقَالَ لَهُمَا : قَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ ، وَثَقُلَتْ أذُنَايَ : فَادْنُوا مِنِّي ، فَأَسْمِعَانِي مَا تَقُولَانِ . فَدَنَوَا مِنْهُ ، وَأَعَادًا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، وَسَأَلَاهُ الحكم . فَقَالَ قَدْ فَهِمْتُ مَا قُلْتُمَا ، وَأَنَا مبْتَدِتُها بِالنَّصِيحَةِ قَبْلَ الْحُكُومَةِ بَيْنَكَما : فَأَنَا أَمُرُكَما بِتَقْوَى اللهِ وَأَلَّا تَطْلُبَا إِلَّا الحَقِّ : فَإِنَّ طَالِبَ الْحَقِّ هُوَ الَّذِي يُفْلِحُ ، وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ ، وَطَالِبَ الْبَاطِلِ مَحْصُومٌ ، وَإِنْ قُضِيَ لَهُ . وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدُّنْيَا مِنْ دُنْيَاهُ شَيْءٍ ، لَا مَالَ وَلَا صَدِيقٌ سوَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ يُقَدِّمُهُ ، فَذُو الْعَقْلِ حَقيقُ أَنْ يَكُونَ سعيهُ فِي طَلَبِ مَا يَبقَى وَيَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِ غَدًا ، وَأَن يُحقَتَ بِسَعْيِهِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا : فَإِنَّ مَنْزِلَةَ الْمَالِ عِندَ [٥] الْعَاقِلَ بِمَنْزِلَةِ المَدرِ، وَمَنْزِلَةَ النَّاسِ عِندَهُ فِيمَا يُحِبُّ لَهُمْ مِنَ الخير ويكرهُ مِنَ الشَّرِّ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ . ثُمَّ إِنَّ السِّنَوْرَ لَمْ يَزَلْ يَقُصُّ عَلَيْهِمَا مِنْ جِنْسِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ ، حَتَّى أَنِسَا إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَا عَلَيْهِ ، وَدَنَوَا مِنْهُ ، ثُمَّ وَتَبَ عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا قالَ الْغُرَابُ : ثُمَّ إِنَّ الْبُومَ تَجْمَعُ - مَعَ مَا وَصَفْتُ لَكُنَّ مِنَ السُّومِ - سَائِرَ الْعُيُوبِ : فَلَا يَكُونَنَّ تَمْلِيكُ الْبُومِ مِنْ رأيكُنَّ . فَلَمَّا سَمِعَ الْكَرَاكِيُّ ذلِكَ مِنْ كَلَامِ الْغُرَابِ أَضْرَ بْنَ عَنْ تَمْلِيكِ الْبُوم . وَكَانَ هُنَاكَ بُومُ حَاضِرٌ قَدْ سَمِعَ مَا قَالُوا ، [٦] فَقَالَ لِلْغُرَابِ : لَقَدْ وَتَرْتَنِي أَعْظَمَ البَرَةِ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَلَفَ مِنِّي إلَيْكَ سُوءُ أَوْجَبَ هَذَا . وَبَعْدُ فَاعْلَمْ أَنَّ الفَأْسَ يُقْطَعُ بِهِ الشَّجَرُ، gor > فيعود ينبتُ ، وَالسَّيفَ يَقطَعُ اللَّحْمَ ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَنْدَمِلُ ، وَاللَّسَانَ لَا يَنْدَمِل جُرْحُهُ وَلَا تُوسَى مَقَاطِعُهُ . وَالنَّصْلَ مِنَ السَّهم يَغِيبُ فِي اللَّحْمِ ، ثُمَّ يُنْزَعُ فَيُخْرَجُ ، وَأَشْبَاهَ النَّصْلِ مِنَ الْكَلَام إِذَا وَصَلَتْ إِلَى الْقَلْبِ لَمْ تُنْزَعُ وَلَمْ تُسْتَخْرَج. وَلِكُلِّ حَرِيقٍ مُطْفِيُّ : فَلِلنَّارِ المَاءُ ، وَلِلسُّمُ الدَّوَاءُ ، وَلِلْحَزَنِ الصَّبْرُ ، وَنَارُ الحقد لا تَحْبُو أَبَدًا . وَقَدْ غَرَسْتُمْ ، مَعَاشِرَ الْفِرْبَانِ ، بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ شَجَرَ الْحَقْدِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ . (٢) تداوی فَلَمَّا قَضَى الْبُومُ مَقَالَتَهُ ، وَلَى مُغضَبًا ، فَأَخْبَرَ مَلِكَ اليوم بِمَا جَرَى وَبِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِ الْغُرَابِ ، ثُمَّ إِنَّ الْغُرَابَ نَدِمَ على ما فَرَطَ مِنْهُ ، وَقَالَ : وَاللهِ لَقَدْ نَرُقْتُ فِي قَوْلِيَ الَّذِي جلَبْتُ بِهِ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ عَلَى نَفْسِي وَقَوْمِي ! وَلَيْتَنِي لَم أَخْبِرِ الكراكي بِهْذِهِ الْحَالِ : وَلَا أَعْلَمْتُهَا بِهذَا الْأَمْرِ : وَلَعَلَّ أَكْثَرَ الطَّيْرِ قَدْ رَأَى أَكْثَرَ مِمَّا رَأَيْتُ ، وَعَلِمَ أَضْعَافَ مَا عَلِمْتُ ، فَنَعَهَا مِنَ الْكَلَام بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُ اتَّقَاءُ مَا لَمْ أَتَّقِ ، وَالنَّظَرُ فِيمَا لَمْ أَنْظُرْ فِيهِ مِنْ حِذَارِ الْعَوَاقِبِ ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ أَفْطَعَ كَلَام ، يَلْقَى مِنْهُ سَامِعُهُ وَقَائِلُهُ المَكْرُوهَ مَا يُورِثُ الحِقْدَ والضَّعِينَةَ ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَشْبَاهِ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ تُسَمَّى كَلَاماً ، وَلكِن سِهَامًا . وَالْعَاقِلُ ، وَإِنْ كَانَ وَائِفًا بِقُوَّتِهِ وَفَضْلِهِ ، 6 لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَجْلِبَ الْعَدَاوَةَ عَلَى نَفْسِهِ الْكَالا [٧] عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ وَالْقُوَّةِ ، كَمَا أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ عِندَهُ العَرْيَاقُ لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْرَبَ السَّمَ الْكَالًا عَلَى مَا عِنْدَهُ . وَصَاحِبُ حُسْنِ الْعَمَلِ ، وَإِنْ قَصَّرَ بِهِ الْقَوْلُ فِي مُسْتَقَبَلِ الْأَمْرِ ، كَانَ فَضْلُهُ بين واضحاً فِي الْعَاقِبَةِ وَالاِخْتِبَارِ ، وَصَاحِبُ حُسْنِ الْقَوْلِ وَإِنْ أَعْجَبَ النَّاسَ مِنْهُ حُسْنُ صِفَتِهِ لِلْأُمُورِ ، لَمْ مُحمدٌ عَاقِبَةُ أَمْرِه . . 6 وأَنَا صَاحِبُ الْقَوْلِ الَّذِى لَا عَاقِبَةَ لَهُ حَمُودَةً . أَلَيْسَ مِنْ سَفَهِيَ اجْتِرَائِي عَلَى التَّكَلَّمِ فِي الْأَمْرِ الجسيم لَا أَسْتَشِيرُ فِيهِ 6 أَحَدًا ، وَلَمْ أَعْمِل فِيهِ رَأبًا * وَمَنْ لَمْ يَسْتَشِيرِ النَّصَحَاءَ الْأَوْلِيَاءَ وَعَمِلَ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ النَّظَرِ وَالرَّوِيَةِ ، لَمْ يَعْتَبِطُ بِمَوَاقِعِ رَأْيِهِ . ما كَانَ أَغْنَانِي عَمَّا كَسَبْتُ يَوْمِي هَذَا ، وَمَا وَقَعْتُ فِيهِ مِنَ الهُم ! وعاتب الْغُرَابُ نَفْسَهُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَأَشْبَاهِهِ وَذَهَبَ . فَهُذَا مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ مِن ابْتِدَاءِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَنَا وَبَينَ البوم . وَأَمَّا الْقِتَالُ فَقَدْ عَلِمْتَ رَأيِي فِيهِ ، وَكَرَاهَتِي لَهُ ، وَلَكِنَّ عِنْدِى منَ الرَّأْيِ وَالْحِيلَةِ غَيْرَ الْقِتَالِ مَا يَكُونُ فِيهِ الْفَرَجُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِنَّهُ رُبَّ قَوْمٍ قَدِ احْتَالُوا بِارَاتِهِمْ حَتَّى ظَفِرُوا بِمَا أَرَادُوا . وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الجَمَاعَةِ الَّذِينَ ظَفِرُوا بِالنَّاسِكِ (1) وَأَخَذُوا عَرِيضَهُ.. قَالَ المَلِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ : ، (1) المعز : ما أى عليه سنة قَالَ الْغُرَابُ : زَعَمُوا أَنَّ نَاسِكًا اشْتَرَى عَرِيضًا ضَخمًا لِيَجْعَلَهُ قُرْبَانًا ، فَانْطَلَقَ بِهِ يَقُودُهُ . فَبَصْرَ بِهِ قَوْمُ مِنَ المَكَرَةِ ، فَأَتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ مِنَ النَّاسِكِ . فَعَرَضَ لَهُ أَحَدُهُمْ فَقَالَ لَهُ : أنها الناسكُ، مَا هَذَا الْكَلْبُ الَّذِى مَعَكَ لا تَمَّ عَرَضَ لَهُ الآخرُ فَقَالَ لَصَاحِبِهِ : مَا هَذَا نَاسِكَ ، لأَنَّ النَّاسِكَ لَا يَقُودُ كَلْبًا مه شده فَلَمْ يَزَالُوا مَعَ النَّاسِكِ عَلَى هَذَا ومِثْلِهِ حَتَّى لَمْ يَضُلَّ أَنَّ الَّذِي يَقُودُهُ كَلْبٌ ؛ وَأَنَّ الَّذِي بَاعَهُ إِيَّاهُ سَحَرَ عَيْنَهُ ، فَأَطْلَقَهُ مِنْ يَدِهِ ؛ فَأَخَذَهُ الجَمَاعَةُ الْمُحْتَالُونَ وَمَضَوا بِهِ ، وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَ المَثَلَ مَا أَرْجُو أَنْ نُصِيبَ مِنْ حَاجَتِنَا بِالرِّفْقِ وَالْحِيلَةِ ، وَإِدِ أُرِيدُ مِنَ المَلِكِ أَنْ يَنْقُرَنِي عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ ، وَيَنْتِفَ رِيشي وَذَنَبِي ، ثُمَّ يَطْرَحَنِي فِي أَصْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، وَيَرْتَحِل الملك هو -- وَجُنُودُهُ إِلَى مَكَانِ كَذَا ، فَأَرْجُو أَنِّي أَصْبِرُ وَأَطَّلِعُ عَلَى أَحْوَاهِمْ ومواضع تحصينهم وأبوابهم ، فَأَخَادِعَهُمْ وَآتِي إِلَيْكُمْ لِنهج عَلَيْهِمْ ، وَنَنَالَ مِنْهُمْ غَرَضَنَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى . قال الملكُ : أَتَطِيبُ نَفْسُكَ لذلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَكَيْفَ لا تَطِيبُ نَفْسِي لِذلِكَ وَفِيهِ أَعْظَمُ الرَّاحَاتِ لِلْمَلِكِ وَجُنُودِهِ ? فَفَعَلَ المَلِكُ بِالْغُرَابِ مَا ذَكَرَ ، ثم ارتحل عَنْهُ . فَعَلَ الْغُرَابُ و يين ويهمس حتى راته البوم وسمعته ييْن ، فَأَخَبَرْنَ مَلكَهُنَّ بذلكَ ، فَقَصَدَ نَحْوَهُ لِيَسْأَلَهُ عَنِ الْغِرْبَانِ . فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ أَمَرَ بُوما أن يَسْأَلَهُ فَقَالَ لَهُ : مَنْ أَنتَ : وَأَيْنَ الْغِرْبَانُ : فَقَالَ : أَمَّا اسْمِي فَفُلَانٌ ، وَأَمَّا مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَإِنِّي أَحْسَبُكَ تَرَى أَنَّ حَالِي حَالُ مَنْ لَا يَعْلَمُ الْأَسْرَارَ . فَقِيلَ لِمَلِكِ الْبُومِ : هَذَا وَزِيرُ مَلِكِ الْغَرْبَانِ وَصَاحِبُ رَابِهِ ، فَنَسْأَلُهُ بِأَيِّ ذَنْبٍ صُنِعَ بِهِ مَا صُنِعَ : فَسُئِلَ الْغُرَابُ عَنْ أَمْرِهِ فَقَالَ : إِنَّ مَلِكَمَا اسْتَشَارَ جَمَاعَنَنَا فِيكُنَّ : وكُنتُ يَوْمَئِذٍ بِحَضَرِ مِنَ الْأَمْرِ ، فَقَالَ : أَيُّهَا الْغِرْبَانُ ، مَا تَرَوْنَ في ذلِكَ : فَقُلْتُ : أَيُّهَا المَلِكُ لا طَاقَةَ لَنَا بِقِتَالِ الْبُومِ : لِأَنَّهُنَّ أَشَدُّ بَطْشًا، وَأَحَدٌ قَلْبًا مِنَّا ، وَلكِنْ أَرَى أَنْ نَلْتَمِسُ الصَّلَحَ ؛ . ثُمَّ نَبْزُلَ الْفِدْيَةَ فِي ذلِكَ ، فَإِن قَبِلَتِ الْبُومُ ذَلِكَ مِنَّا ، وإِلَّا (1) الهمس : الصوت الخفي هرَبْنَا فِي الْبِلاد . وَإِذَا كَانَ الْقِتَالُ بَيْنَنَا وَبَينَ الْبُومِ كَانَ خيْرًا هُنَّ وَشَرًا لَنَا ، فَالصِّلْحُ أَفْضَلُ مِنَ الْخُصُومَةِ . وَأَمَرْتُهُنَّ بالرجُوعِ عَنِ الْحَرْبِ ، وَضَرَبْتُ هَنَّ الْأَمْثَالَ فِي ذَلِكَ ، وَقُلْتُ هُنَّ : إِنَّ الْعَدُوّ الشَّدِيدَ لَا يَرُدُّ بَأسَهُ وَغَضَبَهُ مِثْلُ الخُضُوع لَهُ : الاترَيْنَ إِلَى الْحَشِيشِ كَيْفَ يَسْلَمُ مِنْ عَاصِفِ الرِّيحِ لِلينِهِ وَمَيْلِهِ >= معها حَيْثُ مَالَتْ ، فَعَصَيْنَنِي فِي ذلِكَ ، وَزَعَمَنَ أَنَّهَنَ يُرِدْنَ (1) الْقِتَالَ وأَتَهَمْنَنِي فِمَا قُلْتُ ، وَقانَ : إِنَّكَ قَدْ مَالَأتَ الْبُومَ علينا ، ورددن قولي ونصيحتي ، وعَذَّبَانِي بِهَذَا الْعَذَابِ، وَتَرَكَنِي الملكُ وَجُنودُهُ وَارتَحَل . وَلَا عِلم لِي يَان بَعد ذلِكَ : فَلَمَّا سَمِعَ مَلِكُ الْبُومِ مَقَالَةَ الْغَرَابِ قَالَ لِبَعْضِ وَزَرَائِهِ : ما تَقُولُ فِي الْغُرَابِ : وَمَا تَرَى فِيهِ : قَالَ : مَا أَرَى إِلَّا الْمُعَاجِلَةَ لَهُ بِالْقَتْلِ : فَإِنَّ هَذَا أَفْضَلُ عُدَدِ الْغِرْبَانِ ، وَفِي قَتْلِهِ لَنَا رَاحَةً مِنْ مَكْرِهِ ، وَفَقَدُهُ عَلَى الْغِرْبَانِ شَدِيدٌ ، وَيُقَالُ : مَنْ ظفر بِالسَّاعَةِ الَّتِي فِيهَا يَنجَحُ العَمَلُ ، ثُمَّ لَا يُعَاجِلَهُ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُ ، (1) ساعدت فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ ، وَمَنْ طَلَبَ الْأَمْرَ الجسم ، فَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ فَأَغْفَلَهُ. فَاتَهُ الْأَمْرُ ، وَهُوَ خَلِيقٌ أَلَّا تَعُودَ لَهُ الْفُرْصَةُ ثَانِيَةٌ ، وَمَنْ وَجَدَ - عدُوهُ ضَعِيفًا وَلَمْ يُنخِرْ قَتْلَهُ ، نَدِمَ إِذَا اسْتَقْوَى وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ . قَالَ المَلِكُ لِوَزِيرٍ آخَرَ : مَا تَرَى أَنْتَ فِي هَذَا الْغُرَابِ ؟ قَالَ : أرى ألَّا تَقْتُلَهُ : فَإِنَّ الْعَدُوَّ الدَّلِيلَ الَّذِي لَا نَاصِرَ لَهُ أَهْلُ لأَنْ يُسْتَبقَى وَيُرْحَمَ وَيُصْفَحَ عَنْهُ ، لَا سِمَ المُسْتَجِيرُ الحَائِفُ : فَإِنَّهُ أَهْلُ لأَنْ يُؤْمَنَ.

قَالَ مَلِكُ الْبُومِ لِوَزِيرٍ آخَرَ مِنْ وُزَرَائِهِ : مَا تَقُولُ فِي الْغُرَابِ ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ تَسْتَبْقِيَهُ وَتُحْسِنَ إِلَيْهِ : فَإِنَّهُ خَلِيقٌ أَنْ يَنْصَحَكَ وَالْعَاقِلُ يَرَى مُعَادَاةَ بَعْضِ أَعْدَانِهِ بَعْضًا ظَفَرًا حَسَنًا ، وَيَرَى اشتغالَ بَعضِ الأَعْدَاء بِبَعْضٍ خَلَاصًا لِنَفْسِهِ مِنْهُمْ ، وَنَجَاةٌ كنجَاةِ النَّاسِكِ مِنَ اللَّصَ وَالشَّيْطَانِ حِينَ اخْتَلَفَا عَلَيْه قَالَ المَلِكُ لَهُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلك .

قَالَ الْوَزِيرُ : زَعَمُوا أَنَّ نَاسِكًا أَصَابَ مِنْ رَجُلٍ بَقَرَةٌ حَلُوبًا ، فَانْطَلَقَ بِهَا يَقُودُهَا إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَعَرَضَ لَهُ لِضٌ أَرَادَ سَرِقَتَهَا، واتَّبَعَهُ شَيْطَانَ يُرِيدُ اختطَافَهُ . فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلصّ : مَنْ 6 أَنتَ ؟ قَالَ : أَنَا اللصُّ ، أُرِيدُ أَنْ أَسْرِقَ هَذِهِ الْبَقَرَةَ مِنَ النَّاسِكِ إِذَا نَامَ . فَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الشَّيْطَانُ أُرِيدُ اخْتِطَافَهُ إِذَا نَامَ وأَذْهَبُ بِهِ . فَانْتَهَيَا عَلَى هَذَا إِلَى الْمَنْزِلِ ، فَدَخَلَ النَّاسِكُ مَنْزِلَهُ ، وَدَخَلَا خَلْفَهُ ، وأَدْخَلَ الْبَقَرَةَ فَرَبَطَهَا فِي زَاوِيَةِ الْمَنْزِلِ ، وَتَعَشَّى وَنَامَ . فَأَقْبَلَ اللصُّ وَالشَّيْطَانُ يَأْتَمِرَانِ فِيهِ ، وَاخْتَلَفَا عَلَى مَنْ يبْدَأُ بِشُغْلِهِ أَوَلَّا ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلْصُ : إِنْ أَنْتَ بَدَأْتَ بِأَخْذِ الْبَقَرَةِ فَرُبَمَا اسْتَيْقَظَ وَصَاحَ ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ : فَلَا أَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ ، فَأَنْظُرْنِي رَيْتَمَا أَخُذُهُ ، وَشَأْنَكَ وَمَا تُرِيدُ ، فَأَشْفَقَ اللصْ إِنْ بَدَأَ الشَّيْطَانُ بِاخْتِطَافِهِ فَرُبَّمَا اسْتَيْقَظَ ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الْبَقَرَةِ ، فَقَالَ : لا ، بَلْ أَنْظُرْنِي أَنْتَ حَتَّى أَخُذَ الْبَقَرَةَ ، وَشَأْنَكَ وَمَا تُرِيدُ. فَلَمْ يَزَالَا فِي الْمُجَادَلَةِ هَكَذَا ، حَتَّى نَادَى اللَّصُ : أَيُّهَا النَّاسِكُ انْتَبِهُ : فَهَذَا الشَّيْطَانُ يُرِيدُ اخْتِطَافَكَ، وَنَادَى الشَّيْطَانُ : أَيُّهَا النَّاسِلُ انْتَبِهُ : فَهَذَا اللَّصْ ريدُ أَنْ يَسْرِقَ بَقَرَتَكَ ، فَانْتَبَةَ النَّاسِكُ وَجِيرَانُهُ بِأَصْوَاتِهِمَا 6 وهربَ الخَبِيثَانِ . قَالَ الْوَزِيرُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَشَارَ بِقَتْل الْغُرَابِ : أَظُنُّ أَنَّ الْغُرَابَ قَدْ خَدَعَكُنَّ ، وَوَقَعَ كَلَامُهُ فِي نَفْسِ .. الْغَيِّ مِنْكُنَّ مَوْقِعَهُ ، فَتُرِدْنَ أَنْ تَضَعْنَ الرَّأْيَ فِي غَيْرُ مَوْضِعِهِ . فَمَهْلًا مَهْلًا أَيُّهَا المَلِكُ عَنْ هذا الرأي . فَلَمْ يَلْتَفِت الملك إلَى قَوْلِهِ وَأَمَرَ بِالْغُرَابِ أَنْ يُعْمَلَ إِلَى مَنَازِلِ الْبُومِ ، وَيُكْرَم - ويستوصى به خيرا ثُمَّ إِنَّ الْغُرَابَ قَالَ لِلْمَلِكِ يَوْماً ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةً مِنَ الْبُومِ ، وفِيهِنَّ الْوَزِيرُ الَّذِى أَشَارَ بِقَتْلِهِ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، قَدْ عَلِمْتَ مَا جَرَى عَلَى مِنَ الْغُرْبَانِ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَرِيعُ قَلْبِي دُونَ أَخْذِى بِتَأْرِى مِنْهُنَّ ، وَإِنِّى قَدْ نَظَرْتُ فِي ذلِكَ ، فَإِذَا بِي لَا أَقْدِرُ عَلَى مَا دمْتُ : لأنّى غُرَابَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا

مَنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِأَنْ يَحْرِقَهَا ، فَقَدْ قَرَّبَ لِلَّهِ أَعْظَمَ الْقُرْبَانِ لا يَدْعُو عِندَ ذلِكَ بِدَعْوَةٍ إِلا اسْتَجِيبَ لَهُ . فَإِن رَأَى الْمَلِكُ أنْ يَأْمُرَنِي فَأَحْرِقَ نَفْسِي ، وَأَدْعُوَ رَبِّي أَنْ يُحَوِّلَنِي بُومًا ، فَأَكُونَ (1) هذا في اعتقاد الهنود الذين لم يستضيئوا بنور الإسلام أَشَدَّ عَدَاوَةً وَأَقْوَى بَأْسًا عَلَى الْغِرْبَانِ ، لَعَلَى أَنْتَقِمُ مِنْهُنَّ ! قَالَ الْوَزِيرُ الَّذِي أَشَارَ بِقَتْلِهِ : مَا أَشَبُهُكَ فِي خَيْرِ مَا تُظهِرُ وَشَرِّ مَا تُخفي إِلَّا بِالمَرَةِ الطَّيِّبَةِ الطَّعْمِ وَالرِّيح المنقع فيها السم . أرأيتَ لَوْ أَحْرَقْنَا حِسْمَكَ بِالنَّارِ كَانَ جَوْهَرُكَ وَطِبَاعُكَ مُتَغَيرَةٌ أَلَيْسَتْ أَخْلَاقُكَ تَدُورُ مَعَكَ حَيْمُا دُرْتَ ، وَتَصِيرُ بَعْدَ ذلِكَ إِلَى أَصْلكَ وَطَوِيتِكَ : كَالْفَأَرَةِ الَّتِي خُيَرَتْ فِي الْأَزْوَاجِ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالرِّيحِ والسَّحَابِ وَالخَبَلِ فَلَمْ يَقَعُ اخْتِيَارُهَا إِلَّا عَلَى الْجُرَةِ . قِيلَ لَهُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلك ؟ قَالَ : زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ نَاسِكُ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ ، فبينما هُوَ ذَاتَ يَوْمِ جَالِسٌ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ إِذْ مَرَتْ بِهِ حَدَأَةُ فِي رِجْلِهَا


رص فارةٍ. فَوَقعَتْ مِنْهَا عِندَ النَّاسِكِ ، وَأَدْرَكَتْهُ لَهَا رَحْمَةً فَأَخَذَهَا وَلَفَهَا فِي وَرَقَةٍ ، وَذَهَبَ بِهَا إِلَى مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ خَافَ أَنْ تَشقَّ عَلَى أَهْلِهِ تَرْبِيَتُهَا ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحَونَهَا جَارِيَةً : فَتَحَوَّلَتْ جَارِيَةٌ حَسَنَاءَ ، فَانْطَلَقَ بِهَا إِلَى امْرَأَتِهِ ، فَقَالَ لَهَا : هَذِهِ ابْنَتِي ، - (1) ولد الفأرة . (A) 6 ودمنة خر فَاصْنَعِي مَعَهَا صَنِيعَك بولدى . فَلَمَّا كَبِرَتْ قَالَ لَهَا النَّاسِكُ : يا بنية اختارِى مَنْ أَحْبَيْتِ حَتَّى أَزَوجَكَ بِهِ . فَقَالَتْ ، أَمَّا إِذَ خيرْتَنِي فَإِنِّى أَخْتَارُ زَوْجًا يَكُونُ أَقوَى الْأَشْيَاءِ ، فَقَالَ النَّاسِكُ لعلك تُرِدِينَ الشَّمْسَ ! ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الشَّمْسِ فَقَالَ : أَيُّهَ الخَلْقُ الْعَظِيمُ ، لِي جَارِيَةٌ ، وَقَدْ طَلَبَتْ زَوْجًا يَكُونُ أَقوَى الأشياء ، فَهَلْ أَنتَ مُتَزَوِّجُهَا ؟ فَقَالَتِ الشَّمْسُ : أَنَا أَدُلُّكَ علَى مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّى : السَّحَابُ الَّذِي يُغَطِّينِي ، وَيَرُدْ حَ شعَاعِي، وَيَكْسِفُ أَشِعَةَ أَنْوَارِى . فَذَهَبَ النَّاسِكُ إِلَى السَّحَابِ فَقَالَ لَهُ مَا قَالَ ِللشَّمْسِ ، فَقَالَ السَّحَابُ : وَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي : فَاذْهَبْ إِلَى الرِّيحِ الَّتِي تُقْبِلُ بِي وَتُدْبِرُ، وَتَذْهَبُ بي شَرْقًا وَغَرْبًا . بَقَاءَ النَّاسِكُ إِلَى الرِّيحِ فَقَالَ لَهَا كَقَوْلِ لِلسَّحَابِ . فَقَالَتْ : وَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ هُوَ أَقوَى مِنِّي ، وَهُوَ الجَبَلُ الَّذِي لَا أَقْدِرُ عَلَى تَحْرِيكه . قَضَى إِلَى الْحَبَلِ فَقَالَ لَهُ القَوْلَ المذكور . فَأَجَابَهُ الْجَبَلُ وَقَالَ لَهُ : أَنَا أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ هُوَ أقوَى مِنِّى : الْجُرَدُ الَّذِى لَا أَسْتَطِيعُ الاِمْتِنَاعَ مِنْهُ إِذَا تَقَبَنِي وَاتَّخَذَنِي مَسْتَنا . فَانْطَلَقَ النَّاسِكُ إِلَى الْحُرَةِ فَقَالَ لَهُ : هَلْ أنتَ مُتَزَوِّجُ هَذِهِ الخَارِيَةَ : فَقَالَ : وَكَيْفَ أَتَزَوَّجُهَا وَيُجْرِى ضَيقُ : وَإِنَّمَا يَتَزَوَّجُ الجُرَدُ الْفَأَرَةَ ، فَدَعَا النَّاسِكُ رَبَّهُ أَنْ يحون فَأَرَةٌ كَما كَانَتْ وَذَلِكَ بِرِضًا الْحَارِيَةِ ، فَأَعَادَهَا اللَّهُ إِلَى عُنْصُرِهَا الْأَوَّلِ فَانْطَلَقَتْ مَعَ الْجُرَةِ . فَهَذَا مَتَلكَ : أَيُّهَا المُخادِعُ . فلم يَلْتَفِتْ مَلِكُ الْبُومِ إِلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَرَفَقَ بِالْغُرَابِ ، وَلَمْ يزْدَدْ لَهُ إِلَّا إِكْرَامًا ، حَتَّى إِذَا طَابَ عَيْشُهُ ، وَنَبَتَ رِيشُهُ ؛ واطلَعَ عَلَى مَا أَرَادَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيهِ ، رَاغَ رَوْغَةً . فَأَتَى أَصْحَابَهُ بِمَا رَأَى وَسَمِعَ . فَقَالَ لِلْمَلِكِ : إِنِّى قَدْ فَرَغْتُ مِمَّا كُنتُ أرِيدُ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَسْمَعَ وَتُطِيعَ ، قَالَ لَهُ : أَنَا وَالحُمْدُ تحت أمرك ، فَاحْتِكُمْ كَيْفَ شِئْتَ قَالَ الْغُرَابُ : إِنَّ الْبُومَ بِمَكَانِ كَذَا ، فِي جَبَلٍ كَثِيرِ الْخَطَبِ، (1) وفي ذلك الموضع قطيعُ مِنَ الْغَنِمِ ، مَعَ رَجُلٍ رَاعٍ ، ونَحْنُ مصيبُونَ هُنَاكَ نَارًا ، وَنُلْقِيهَا فِي أَنْقَابِ الْبُومِ ، وَنَقْذِفُ عَلَيْهَا (1) جمع نقب أو نقب بمعنى الثقب أو الطريق ، والمراد بها مساكن البوم . مِنْ يَابيس الحطب ، وَنَتَرَاوَحُ عَلَيْهَا ضَرْبًا بِأَجْنِحَتِنَا ، حَتى تَضْطَرمَ النَّارُ فِي الْحَطَّبِ : فَمَنْ نَخَرَجَ مِنْهُنَّ احْتَرَقَ وَمَنْ لَمْ يَخْرُجُ مات بِالدَّخَانِ مَوضِعَهُ . فَفَعَلَ الْغِرْبَانُ ذَلِكَ : فَأَهْلَكْنَ الْبُومَ قَاطِبَةٌ ، وَرَجَعْنَ إلَى مَنَازِهِنَّ سَلِمَاتِ آمِنَاتٍ ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ الْغِرْبَانِ قَالَ لِذلِكَ الْغُرَابِ : كَيْفَ صَبَرَتَ عَلَى صحْبَةِ الْبُومِ ، وَلَا صَبْرَ لِلْأَخْيَارِ عَلَى صُحْبَةِ الْأَشْرَارِ فَقَالَ الْغُرَابُ : إِنَّ مَا قُلْتَهُ ، أَيُّهَا المَلِكُ لَكَذلِكَ . وَلَكِنَّ الْعَاقِلَ إِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ الْفَظِيعُ الْعَظِيمُ الَّذِي يَخَافُ مِنْ عَدَمٍ تَمْلِهِ الْحَائِحَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَوْمِهِ ، لَمْ يَجْزَعَ مِنْ شِدَّةِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ ، لَا يَرْجُو مِنْ أَنْ يُعْقِبَهُ • صَبْرُهُ حُسْنَ الْعَاقِبَةِ وَكَثِيرَ الخَيْرِ فَلَمْ يَجِدُ لِذلِكَ أَلَكَ ، وَلَمْ تكره نَفْسُهُ الحُضُوعَ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ ، حَتَّى يَبْلُغَ حَاجَتَهُ ، فَيَعْتَبِط بِخَاتِمَةِ أَمْرِهِ ، وَعَاقِبَةِ صَبْرِهِ . فَقَالَ المَلِكُ : أَخْبِرْنِي عَنْ عُقُولِ . الْبُوم : قَالَ الْغُرَابُ : لَمْ أَجِدْ فِيهِنَّ عَاقِلًا إِلَّا الَّذِي كَانَ يَحْشُهُنَّ على قتلي ، وَكَانَ حَرَّضَهُنَّ عَلَى ذلِكَ مِرَارًا ، فَكُنَّ أَضْعَفَ شَيْءٍ (١) الشدة المهلكة ٢٢٠ رأيا ! فَلَمْ يَنظُرْنَ فِي أَمْرِى ، وَيَذْكُرْنَ أَنِّي قَدْ كُنْتُ ذَا مَنْزِلَةٍ في الْغِرْبَانِ ، وَأَنِّى أَعَدُّ مِنْ ذَوِى الرأي ، وَلَمْ يَتَخَوفْنَ مَكْرِى وحيلتي ، وَلا قَبِلْنَ مِنَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ ، وَلَا أَخْفَيْنَ دُونِي أَسْرَارَهُنَّ . وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ : يَنبَغِي لِلْمَلِكِ أَنْ يُحَصِّنَ أُمُورَهُ مِنْ أَهْلِ النَّمِيمَةِ ، وَلَا يُطْلِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ عَلَى مَوَاضِع سِره . فَقَالَ المَلِكُ : مَا أَهْلَكَ الْبُوْمَ فِي نَفْسِي إِلَّا الْبَغْنُ ، وَضَعْفُ رَأي الملك ، وَمُوَافَقَتُهُ وُزَرَاءَ السُّوءِ، فَقَالَ الْغُرَابُ : صَدَقْتَ أَيُّهَا الملك ، إِنَّهُ قَلَّمَا ظَفِرَ أَحَدٌ يعنى وَلَمْ يُطَعْ ، وَقَلَّ مَنْ أَكْثَرَ ، مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا مَرِضَ . وَقَلَّ مَنْ وَثِقَ بِوُزَرَاءِ السُّوءِ وَسَلِمَ من أَنْ يَقَعَ فِي الْمُهَالِكِ . وَكَانَ يُقَالُ : لَا يَطْمَعَنَّ ذُو الْكِبْرِ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ، وَلَا الخَتْ فِي كَثْرَةِ الصَّدِيقِ ، وَلَا السَّيِّ الأدب فِي الشَّرَفِ ، وَلَا الصَّحِيحُ فِي الْبِرِّ ، وَلَا الحَرِيصُ فِي قِلَّةِ الذُّنُوبِ ، وَلَا المَلِكُ المحتالُ ، المتهاونُ بِالأُمور ، الضَّعِيفُ الْوُزَرَاءِ فِي تَبَات مُلْكِهِ ، وَصَلاحِ رَعِيَّتِهِ . قَالَ المَلِكُ : لَقَدِ احْتَمَلتَ مَشَقَةٌ شَدِيدَةٌ في تَصَعِكَ لِلْبُومِ ، وتضرعكَ لَهُنَّ . قَالَ الْغُرَابُ : إِنَّهُ مَنِ احْتَمَلَ مَشَقَةٌ يَرْجُو نَفْعَهَا ، وَنَحى عَنْ نَفْسِهِ الأَنْفَةَ وَالمَيَّةَ ، وَوَطَّنَها عَلَى الصَّبْرِ is (1) حَمدَ عَب رَأْيِهِ ، كَمَا صَبَرَ الْأَسْوَدُ عَلَى حَمْلِ مَلِكِ الضَّفَادِعِ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَشَبعَ بِذلِكَ وَعَاشَ . قَالَ المَلِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ : قَالَ الْغُرَابُ : زَعَمُوا أَنَّ أَسْوَدَ مِنَ الْحَيَّاتِ كَبِرَ ، وَضَعُفَ بَصَرُهُ . وَذَهَبَتْ قُوتهُ : فَلَمْ يَسْتَطعْ صَيْدًا ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى طَعَامٍ؛ وَأَنَّهُ انْسَابَ يَلْتَمِسُ شَيْئًا يَعِيشُ بِهِ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَيْنٍ كَثِيرَةِ الضَّفَادِيعِ ، قَدْ كَانَ يَأْتِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَيُصِيبُ مِنْ ضَفَادِعِهَا رِزْقَهُ ، فَرَمَى نَفْسَهُ قَرِيبًا مِنْهُنَّ مُظهرًا لِلْكَابَةِ وَالْحُزْنِ . فَقَالَ لَهُ ضِفْدِعُ : مَا لِيَ أَرَاكَ ، أَيُّهَا الْأَسْوَدُ ، كَثِيبًا حَزِينًا ? قَالَ : وَمَنْ أخرَى بِطُولِ الْحُزْنِ مِنِي ! وَإِنَّمَا كَانَ أَكْثَرُ مَعِيشَتِي مِمَّا كُنتُ اصيبُ مِنَ الصَّفَادِعِ ، فَابْتُلِيتُ بِبَلاء ، وَحَرُمَتْ عَلَى الضَّفَادِعُ مِنْ أَجْلِهِ ، حَتَّى إِنِّى إِذَا الْتَقَيْتُ بِبَعْضِهَا ، لَا أَقْدِرُ عَلَى إِمْسَاكِهِ . (٢) (١) عاقبة والجمع ضفادع (٢) بكسر أوله وثالثه أو فتحهما أو ضم الأول وفتح الثالث الواحدة بهاء فانْطَلَقَ الضّفْدِعُ إِلَى مَلِكِ الضَّفَادِعِ ، فَبَشِّرَهُ بِمَا سَمِعَ مِنَ الأسْوَدِ . فَأَتَى مَلِكُ الضَّفَادِعِ إِلَى الْأَسْوَدِ ، فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ كَانَ أَمْرُكَ * قَالَ : سَعَيْتُ مُنْذُ أَيَّامٍ فِي طَلَبِ ضِفْدِع . وَذَلِكَ عند المَسَاءِ ، فَاضْطَرَرْتُهُ إِلَى بَيْتِ نَاسِكٍ ، وَدَخَلْتُ فِي أَثَرِهِ في الظُّلَمَةِ وَفِي الْبَيْتِ ابْنُ لِلنَّاسِك ، فَأَصَبْتُ إِصْبَعَهُ ، فَظَنَنْتُ - أنَّهَا الضّفْدِعُ ، فَلَدَعْتُهُ فَمَاتَ . تَخَرَجْتُ هَارِبًا ، فَتَبِعَنِي النَّاسِكُ فِي أَثَرِي ، وَدَعَا عَلَى ، وَلَعَنَي . وَقَالَ : كَمَا قَتَلْتَ ابْنِي مورد البرىء ظُلْمًا وَتَعَدّيًا ، أَدْعُو عَلَيْكَ أَنْ تَذِلَّ وَتَصِيرَ مَرْحَبًا لِمَلِكِ الضَّفَادِعِ ، فَلَا تَسْتَطِيعُ أَخْذَهَا ، وَلَا أَكُلَ شَيْءٍ مِنْهَا ، إِلَّا مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْكَ مَلِكُهَا . فَأَتَيْتُ إِلَيْكَ لِتَرْكَبَنِي ، مُقِرا بِذلِكَ ، رَاضِيَّا بِهِ . فَرَغِبَ مَلِكُ الضَّفَادِعِ فِي رُكُوبِ الْأَسْودِ، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ نَخَرُ لَهُ وَشَرَفُ ، وَرِفْعَةٌ، فَرَكِبَهُ وَاسْتَطَابَ ذَلِكَ . فَقَالَ لَهُ الْأَسْوَدُ ، قَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا المَلِكُ أَنَّى مَحْرُومُ ، فَاجْعَلْ لِي رِزْقًا أَعِيشُ بِهِ . قَالَ مَلِكُ الضَّفَادِعِ : لَعَمْرِي لَا بُدَّ لَكَ مِنْ رِزْقٍ يَقُومُ بِكَ ، إِذْ كُنتَ مَرْكَي . فَأَمَرَ لَهُ بِضِفْدِعَيْنِ وو كليلة ودمنة يُؤخَذَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، وَيَدْفَعَانِ إِلَيْهِ . فَعَاشَ بِذلِكَ ، وَلَمْ يضره خضوعه للعدو الدَّلِيلِ ؛ بَلِ انْتَفَعَ بِذلِكَ ، وَصَارَ لَهُ رِزْقًا وَمَعِيشَةً . وَكَذَلِكَ كَانَ صَبْرِى عَلَى مَا صَبَرَتْ عَلَيْهِ ، الْحِمَاسًا لهذا النَّفْعِ الْعَظِيمِ الَّذِى اجْتَمَعَ لَنَا فِيهِ الْأَمْنُ وَالظَّفَرُ، وَهَلَاكُ العدو والراحَةُ مِنْهُ . وَوَجَدْتُ صَرعَةَ الدِّينِ وَالرُّفْقِ أَسْرَعَ وَأَشَدَّ اسْتَنْصَالًا لِلعَدُوِّ مِنْ صَرَعَةِ المُكَابَرَةِ : فَإِنَّ النَّارَ لَا تَزِيدُ بِحِدَّتِهَا - . وَحَرُهَا إِذَا أَصَابَتِ الشَّجَرَةَ عَلَى أَنْ تُخْرِقَ مَا فَوْقَ الْأَرْضِ مِنْهَا . والْمَاءُ بِبَرْدِهِ وَلِينِهِ يَسْتَأْصِلُ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْهَا ، وَيُقَالُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ لَا يُسْتَقَلَّ قَلِيلُهَا : النَّارُ وَالْمَرَضُ وَالْعَدُوُّ وَالدَّيْنُ . قالَ الْغُرَابُ : وَكُلُّ ذلِكَ كَانَ مِنْ رَأْي الْمَلِكِ وَأَدَبِهِ وَسَعَادَةِ جَدِّهِ . وَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ : إِذَا طَلَبَ اثْنَانِ أَمْرًا ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمَا أفضلُهُمَا مُرُوءَةً . فَإِن اعْتَدَلا في المُرُوءَةِ ، فَأَشَدُّهُمَا عَزْماً فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْعَزمِ ، فَأَسْعَدُهُمَا جَدًّا . وَكَانَ يُقَالُ : مَنْ خاربَ المَلِكَ الْحَازِمَ الْأَرِيبَ المُتَضَرعَ الَّذِي لَا تُبْطِرُهُ السَّراءُ، وَلَا تُدْهِشُهُ الضَّرَّاءُ ، كَانَ هُوَ دَاعِى الحنف إِلَى نَفْسِهِ ، وَلَا سَيِّمَا إذا كَانَ مِثْلَكَ ، أَيُّهَا المَلِكُ الْعَالِمُ بِفُرُوضِ الْأَعْمَالِ ، وَمَوَاضِعِ الشِّدَّةِ وَاللَّينِ ، وَالْغَضَبِ وَالرّضَا ، وَالْمُعَاجَلَةِ وَالْأَنَاةِ ؛ النَّاظِرُ في أمر يَوْمِهِ وَغَدِهِ ، وَعَواقِب أَعْمَالِهِ . قَالَ الْمَلِكُ لِلْغُرَابِ : بَلْ بِرَأْيِكَ وَعَقْلِكَ وَنَصِيحَتِكَ وَيُمْنِ طَالِعِكَ كَانَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ رَأَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ ، الْعَاقِلِ الْحَازِمِ ، أَبْلَعُ فِي هَلَاكِ الْعَدُو مِنَ الجُنُودِ الكَثِيرَةِ، مِنْ ذَوِى الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ ، وَالْعَدَدِ وَالعُدَّةِ . وَإِنَّ مِنْ عَجَيبِ أَمْرِكَ عِنْدِي طُولَ لُبَيْكَ بَيْنَ ظَهْرَانَ الْبُومِ تَسْمَعُ الكَلامَ الغَلِيظَ ، هُم لَم تَسْقُط بَيْنَهُنَّ بِكَلِمَةٍ : قَالَ الْغُرَابُ : ثُمَّ لَمْ أَزَلْ ما أَدَبِكَ ، أَيُّهَا المَلِكُ : أَصْحَبُ الْبَعِيدَ وَالْقَرِيبَ، مُمسكًا ، بالرفقِ وَالدِّينِ ، وَالمُبَالَغَةِ والمواتاة . قَالَ المَلِكُ : أَصْبَحْتُ وقَدْ وَجَدْتُكَ صَاحِبَ الْعَمَلِ ، وَوَجَدْتُ غَيْرَكَ مِنَ الْوُزَرَاءِ أَصْحَابَ أَقَاوِيلَ : لَيْسَ لَهَا عَاقِبَةُ حِيدَةً فَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا 6 بِكَ مِنَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ نَكُن قَبْلَهَا تَجِدُ لَذَّةَ الطَّعَامِ وَلَا الشَّرابِ ولَا النَّوْمِ وَلَا الْقَرَارِ . وَكَانَ يُقَالُ : لَا يَجِدُ المَرِيضُ لَذَّةَ الطَّعَامِ وَالنَّوْم حَتَّى يبرأ ، وَلَا الرَّجُلُ الشَّرِهُ الَّذِي قَدْ أَطْمَعَهُ سُلْطَانُهُ مهمه

ور مرید وو كليلة ودمنة في مَالٍ وَعَمَلِ فِي يَدِهِ ، حَتَّى يُنجزَهُ لَهُ ، وَلَا الرَّجُلُ الذِي قَدْ أَحَ عليه عدوه ، وهو يخافه صباحا ومساءً حَتى يَسْتَرِيحَ مِنْهُ قَلبـ قَلْبُهُ . وَضَعَ الْجُمْلَ التَّقِيلَ عَنْ يَدَيْهِ أَرَاحَ نَفْسَهُ ، وَمَنْ أَمِنَ عَدُوهُ [٨] ثلج صدره + قَالَ الْغُرَابُ : أَسْأَلُ اللهَ الَّذِى أَهْلَكَ عَدُوَّكَ أَنْ يُمتَعَكَ بِسُلْطَانِكَ ، وَأَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ صَلَاحَ رَعِيَّتِكَ ، وَيُشْرِكَهُمْ فِي قُرَّةِ الْعَيْنِ بِمُلْكِكَ : فَإِنَّ المَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مُلْكِهِ قُرَّةَ [٩] عُيُون رَعِيَّتِهِ ، فَمَثَلُهُ مَثَلُ زَنَمَةِ الْعَيْنِ الَّتِي يَمَصْهَا ، وَهُوَ يَحْسَبُها حكمة الضَّرْعِ ، فَلَا يُصَادِفُ فِيهَا خَيْرًا . قَالَ الْمَلِكُ : أَيُّهَا 6 الْوَزِيرُ الصَّالِحُ ، كَيْفَ كَانَتْ سِيرَةُ الْبُومِ وَمَلِكِهَا فِي حُرُوبِهَا . وفِيها كَانَتْ فِيهِ مِنْ أُمُورِهَا * قَالَ الْغُرَابُ : كَانَتْ سِيرَتُهُ سِيرَةَ بَطَرٍ ، وَأَشَرٍ وَخُيَلَاءَ ، وَعَجْرٍ ، وَنَفَرٍ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ النَّمِيمَةِ ، وَكُلُّ أَصحابِهِ وَوُزَرَائِهِ شَبِيهُ بِهِ ، إِلَّا الْوَزِيرَ الَّذِي كانَ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِقَتْلِي : فَإِنَّهُ كَانَ حَكِيمًا أَرِيبًا ، فَيْأَسُوفًا حَازِمًا عالى ، قَلَمَا يُرَى مِثْلُهُ فِي عُلُوّ الهِمَّةِ ، وَكَالِ الْعَقْلِ ، وَجَوْدَةِ الرأي . قَالَ الْمَلِكُ : وَأَى خَصْلَةٍ رَأَيْتَ مِنْهُ كَانَتْ أَدَلَّ عَلَى عَهْلِهِ ؟ قَالَ : خَلَتَانِ : إِحْدَاهُمَا رَأَيْهُ فِي قَتْلِي ، وَالْأُنْخَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُن يَكْتُمُ صَاحِبَهُ نَصِيحَتَهُ ، وَإِنِ اسْتَقَلَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ كَلَامَ عنف وَقَسْوَةٍ ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ رِزْقٍ وَلِينٍ حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا أَخْبَرَهُ ببعض عُيُوبِهِ ، وَلَا يُصرِحُ بِحَقِيقَةِ الحَالِ بَلْ يَضْرِبُ لَهُ الْأَمْثَالَ، ويحدثه بعيب غيره ، فيه فيعرف عيبه . فَلَا يَجِدُ مَلِكُهُ إِلَى الْغَضَبِ عَلَيْهِ سَبِيلًا . وَكَانَ مِمَّا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِمَلِكِهِ : إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمَلِكِ أَنْ يَغْفُلَ عَنْ أَمْرِهِ ، فَإِنَّهُ أَمْرُ جَسِيمٌ ، لَا يَظْفَرُ بِهِ مِنَ النَّاسِ إِلَّا قَلِيلٌ ، وَلَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْحَزْمِ ، فَإِنَّ الْمُلْكَ عَزِيزُ ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَلْيُحْسِن حفَظَهُ وَتَحْصِينَهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ : إِنَّهُ فِي قِلَّةِ بَقَائِهِ بِمَنْزِلَةِ قِلَّةِ بَقَاءِ الظَّل عَنْ وَرَقِ التَّيَكوفَرِ ؛ وَهُوَ فِي خِفَّةِ زَوَالِهِ ، وَسُرْعَةِ إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ كَالرِّيحِ ، وَفِي قِلَّةِ شَبَاتِهِ كَالكَبِيبِ مَعَ اللَّتَامِ ، وَفِي سُرْعَةِ اضْمِحْلَالِهِ تَحَبَابِ المَاءِ مِنْ وقع المنطَرِ. فَهَذَا مَثَلُ أَهْلِ الْعَدَاوَةِ الَّذِينَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُغْتَر عِيم؛ وَإِنْ هُمْ اظهروا توددا وتضرعا . انقضی باب اليوم والغريان)

  1. جمع دوحة وهي الشجرة العظيمة
  2. مجاوزة الحد
  3. عرضها للملكة
  4. طائر جيان كنيته أبو المليح
  5. واحدته مدرة وهو قطع الطين اليابس والحجارة .
  6. أصبتني بأذى عظيم : جعل لك فى قلبى عداوة لا تمحى وحقدا لا يزول .
  7. دواء السموم
  8. اطمان
  9. قطعة لحم تتدلى من عنقه . 6