انتقل إلى المحتوى

كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب الأسد والشغبر الناسك وهو ابن آوى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: المطبعة الأميرية - بولاق (1937)، الصفحات ٢٦٢–٢٧٣
 

بَابُ الأَسَد وَالشَّعْبَرَ النَّاسِكَ وَهُوَ ابْنُ آوَى

قَالَ دَلِيمُ المَلِكُ لِبَيْدَبَا الْفَيْلَسُوفِ : قَدْ سَمِعْتُ هَذَا المثل ، فَاضْرِبْ لِي مَثَلَ المَلِكِ الَّذِي يُرَاجِعُ مَنْ أَصَابَتْهُ مِنْهُ عُقُوبَةً مِن غَير حُرم ، أَوْ جَفْوَةٌ مِنْ غَيْرِ ذَنْب . قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : إِنَّ المَلِكَ لَوْ لَمْ يُرَاجِعْ مَنْ أَصَابَتْهُ مِنْهُ جَفْوَةٌ عَنْ ذَنْبٍ أَوْ عَنْ غَيْرِ ذَنْبِ ، ظُلِمَ أَوْ لَمْ يُظْلَمَ ، لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْأُمُورِ، وَلَكِنَّ الْمَلِكَ حَقيقُ أَنْ يَنْظُرَ فِي حَالِ مَنِ ابْتُلِيَ بِذلِكَ ، وَيَخبَرَ مَا عِندَهُ مِنَ المنافِعِ : فَإِنْ كَانَ مَمَنْ يُوثَقُ بِهِ فِي رَأْيِهِ وَأَمَانَتِهِ ، فَإِنَّ الْمُلِكَ حقيقُ بِالْحِرْصِ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ : فَإِنَّ الْمُلْكَ لَا يُسْتَطَاعُ ضَبْطُهُ إِلَّا مَعَ ذَوِى الرَّأْي وَهُمُ الْوُزَرَاءُ وَالْأَعْوَانُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِالْرُزَرَاءِ وَالْأَعْوَانِ إِلَّا بِالْمَوَدَّةِ وَالنَّصِيحَةِ ، وَلَا مَوَدَّةً وَلَا نَصِيحَةَ إِلَّا لِذَوِى الرَّأْيِ وَالْعَفَافِ ، وَأَعْمَالُ السُّلْطَانِ كَثِيرَةٌ ، وَالَّذِينَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعُمَّالِ وَالْأَعْوَانِ كَثِيرُونَ . وَمَنْ يَجْمعُ مِنْهُمْ مَا ذَكَرْتُ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْعَفَافِ قَلِيلُ . وَالمَثَلَ فِي ذَلِكَ مَثَلُ الْأَسَدِ وَابْنِ آوَى . قَالَ المَلِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ (١) يعاود قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : زَعَمُوا أَنَّ ابْنَ آوَى كَانَ يَسْكُنُ فِي بَعْضِ [١] الدحال ، وَكَانَ مُتَزَهُدًا متعففاً ، مَعَ بَنَاتِ آوَى وَذِتَابٍ وَتَعَالِبَ . وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعْنَ ، وَلَا يُغيرُكَما يُغرْنَ ، ولا يُريقُ دَمًا ، وَلَا يَأْكُلُ بَ ، فَقَاصَمَهُ تِلْكَ السِّباعُ ، وَقانَ : - لا تَرْضَى بِسِيرَتِكَ وَلَا رَأْيِكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ تَزَهْدِكَ : مَعَ أَنَّ تَزَهَدَكَ لَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . وَأَنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ إلَّا كَأَحَدِنَا : تَسْعَى مَعَنَا ، وَتَفْعَلُ فِعْلَنَا فَمَا الَّذِي كَفَّكَ عَنِ الدِّمَاءِ وَعَنْ أَكْلِ اللَّحْمِ ? قَالَ ابْنُ آوَى : إِنَّ صُحْبَتِي إِيَّاكُنَّ لا توتُمُنِي إِذَا لَمْ أُوهُم نَفْسِى : لِأَنَّ الْأَثَامَ لَيْسَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَصْحَابِ ، وَلكِنَّهَا مِنْ قِبَلِ الْقُلُوبِ وَالْأَعْمَالِ ولو كَانَ صَاحِبُ المَكَانِ الصَّالِح يَكُونُ عَمَلُهُ فِيهِ صَالِحًا . وصاحِبُ المَكَانِ السَّيْ يَكُونُ عَمَلُهُ فِيهِ شَيْئًا ، كَانَ حِينَئِذٍ مَنْ قَتَلَ النَّاسِكَ فِي مِحْرَابِهِ لَمْ يَأْقَمْ ، وَمَنِ اسْتَحْيَاهُ فِي مَعْرَكَةِ الْقِتَالِ أَهِمَ. وَإِنّى إِنَّمَا صَحِبْتُكُنَّ بِنَفْسِي ، وَلَمْ أَصْحَبكُن بِقَلبي وأعْمَالِي : لأَنِّى أَعْرِفُ ثَمَرَةَ الْأَعْمَالِ : فَلَزِمْتُ حَالِي . وَثَبَتَ ابْنُ آوَى عَلَى حَالِهِ تِلْكَ ، وَاشْتَهَر بِالنَّسُكِ وَالتَزَهْدِ ، حَتَّى بَلَغَ ذلِكَ أَسَدًا كَانَ مَلِكَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ ، فَرَغِبَ فِيهِ : مَا بَلَغَهُ عَنْهُ مِنَ الْعَفَافِ وَالنَّزَاهَةِ وَالزُّهْدِ وَالأَمَانَةِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَدْعِيهِ . فلَمَّا حَضَرَ كَلَّمَهُ وَآنَسَهُ فَوَجَدَهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَفَقَ غَرَضِهِ . ثُمَّ دَعَاهُ بَعْدَ أَيَّامٍ إِلَى صُحْبَتِهِ وَقَالَ لَهُ : تَعْلَمُ أَنَّ عُمَالِي كَثِيرُ ، وَأَعْوَانِي جَمَّ غَفِيرُ ، وَأَنَا مَعَ َذلِكَ إِلَى الْأَعْوَانِ مُحْتَاجُ ، وَقَدْ . بلغَنِي عَنْكَ عَفَافُ وَأَدَبُ وَعَقَلُ وَدِينَ ، فَازْدَدْتُ فِيكَ رَغْبَةً . وأنَا مُوَلِّيكَ مِنْ عَمَلِي جَسِمًا وَرَافِعُكَ إِلَى مَنْزِلَةٍ شَرِيفَةٍ ، وَجَاعِلُكَ مِنْ خَاصَّتِي . قَالَ ابْنُ آوَى : إِنَّ الْمُلُوكَ أَحِقَّاءُ بِاخْتِيَارِ الْأَعْوَانِ فيما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم . وهم أخرى ألا يكرهوا على ذلكَ أَحَدًا : فَإِنَّ المُكْرَة لَا يَسْتَطِيعُ المُبَالَغَةَ فِي الْعَمَلِ ، وَإِنِّي لِعَمَلِ السُّلْطَانِ كَارِهُ . وَلَيْسَ لِي بِهِ تَجْرِبَةٌ ، وَلَا بِالسُّلْطَانِ رِفْقُ . . 6 وَأَنْتَ مَلِكُ السَّبَاعِ ، وَعِندَكَ مِنْ أَجْنَاسِ الْوُحُوشِ عَدَدَ كَثِيرُ ، فِيهِمْ أَهْلُ نُبْل وَقُوَّةٍ ، وَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ حَرْصُ ، وَعِنْدَهُمْ بِهِ و بالسُّلْطَانِ رِفْقُ : فَإِنِ اسْتَعْمَلَتَهُمْ أَغْنَوْا عَنْكَ ، وَاغْتَبَطُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ الْأَسَدُ : دَعْ عَنْكَ هَذَا : فَإِنِّى غَيْرُ مُعْفِيكَ مِنَ الْعَمَلِ . قَالَ ابْنُ آوَى : إِنَّمَا يَسْتَطِيعُ خِدْمَةَ السلْطَانِ رَجُلَانِ لَسْتُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا : إِمَّا فَارُ مُصَانِعُ ، يَنَالُ حاجَتَهُ بِفُجُورِهِ ، وَيَسْلَمُ بِمُصَانَعَتِهِ ، وَإِمَّا مُغَفَّلُ لَا يَحْسُدُهُ أَحَدٌ . فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْدُمَ السَّلْطَانَ بِالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَلَا يَحْلِطُ ذلِكَ بِمُصَانَعَتِهِ ، وَحِينَئِذٍ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ عَلَى ذلِكَ : لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عَدُوُّ السَّلْطَانِ وَصَدِيقُهُ بِالْعَدَاوَةِ وَالحَسَد . أَمَّا الصَّدِيقُ فَيُنَافِسُهُ فِي مَنْزِلَتِهِ ، وَيَبْغِي عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيُعَادِيهِ لأَجْلِهَا : وَأَمَّا عَدُوُّ السَّلْطَانِ فَيَضْطَعْنُ عَلَيْهِ ، لِنَصِيحَتِهِ لِسُلْطَانِهِ، وَإِغْنَائِهِ عَنْهُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ هَذَانِ الصَّنْفَانِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْهَلَاكِ . قَالَ الأَسدُ : لَا يَكُونَنَّ بَغَى أَصْحَابِي عَلَيْكَ ، وَحَسَدُهُمْ إِيَّاكَ - مِمَّا يَعْرِضُ فِي نَفْسِكَ : فَأَنْتَ مَعِي ، وَأَنَا أَكْفِيكَ ذَلِكَ وأبْلُغُ بِكَ مِنْ دَرَجَاتِ الكَرامَةِ وَالْإِحْسَانِ عَلَى قَدْرِ هَمَتِكَ . قَالَ ابْنُ آوَى : إِنْ كَانَ المَلِكُ يُرِيدُ الْإِحْسَانَ إِلَيَّ ، فَلْيَدَعْنِي في هذهِ البَرِّيَّةِ أَعِيشُ آمِنًا ، قَلِيلَ الهُم، رَاضِيَّا بِعَيْشِي مِنَ الْمَاءِ والعُشْبِ : فَإِن قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ صَاحِبَ السُّلْطَانِ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَذَى وَالخَوْفِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مَا لَا يَصِلُ إِلَى غَيْرِهِ فِي طُولِ عُمُرِهِ ، وَإِنَّ قَلِيلًا مِنَ الْعَيْشِ فِي أَمْنِ وَطُمَانِينَةٍ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعَيْشِ فِي خَوْفِ وَنَصَبٍ . قَالَ الْأَسَدُ : قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ ، فَلَا تَخَفْ شَيْئًا مِمَّا أَرَاكَ تَخَافُ مِنْهُ . وَلَسْتُ أجِدُ بُدا مِنَ الاِسْتِعَانَةِ بِكَ فِي أَمْرِى . قَالَ ابْنُ آوَى : أَمَّا إِذَا الملكُ إِلَّا ذَلِكَ فَلْيَجْعَلْ لى عَهْدًا ، إِنْ بَغَى عَلَى أَحَدٌ مِنْ أصْحَابِهِ عِنْدَهُ ، مِمَّنْ هُوَ فَوْقِي : مَخَافَةٌ عَلَى مَنْزِلَتِهِ ، أَوْ مِمَّنْ هُوَ دُونِي : لِيُنَازِعَنِي فِي مَنْزِلَتِي ، فَذَكَرَ عِندَ المَلِكِ مِنْهُمْ ذَاكِر بِلِسَانِهِ ، أَوْ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ مَا يُرِيدُ بِهِ تَعْمِيلَ الْمَلَكِ عَلَى ، أَلَّا يَعْجَلَ فِي أَمْرِى ، وأَن يَتَشَبَتَ فِيمَا يُرْفَعُ إِلَيْهِ وَيُذْكَرُ عِندَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَفْحَصَ عَنْهُ ، ثُمَّ لَيَصْنَعْ مَا بَدَا لَهُ . فَإِذَا وَثِقْتُ مِنْهُ بِذلِكَ ، أَعَنتُهُ بِنَفْسِي فِيمَا يُحِبُّ ، وَعَمِلْتُ لَهُ فِيمَا أَوْلَانِي بنصِيحَةٍ وَاجْتِهَادٍ ، وَحَرَصْتُ عَلَى أَلَّا أَجْعَلَ لَهُ عَلَى نَفْسِي سبِيلًا . قَالَ الْأَسَدُ : لَكَ ذَلِكَ عَلَى وَزِيَادَةٌ . ثُمَّ وَلَاهُ خَزَايْنَهُ ، وَاخْتَصَّ بِهِ دُونَ أَصْحَابِهِ ، وَزَادَ في كَرَامَتِهِ . فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ الْأَسَدِ ذلكَ ، غَاظَهُمْ وَسَاءَهُمْ . فَأَجْمَعُوا مر الله سرگر كيدهم ، واتفقوا كلهم على أن يحملوا عَلَيْهِ الْأَسَدَ . وَكَانَ الْأَسَدُ قد اسْتَطَابَ لَم فَعَزَلَ مِنْهُ مِقدَارًا ، وَأَمَرَهُ بِالاحْتِفَاظُ بِهِ ، وَأَنْ يَرْفَعَهُ فِي أَحْصَنِ مَوْضِعِ طَعَامِهِ وَأَحْرَزِهِ : لِيُعَادَ عَلَيْهِ ؛ فَأَخَذُوهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، وَحَمَلُوهُ إِلَى بَيْتِ ابْنِ آوَى، خَبَوهُ فِيه، ولا عِلْمَ لَهُ بِهِ ؛ هُم حَضَرُوا يُكَذِّبُونَهُ إِنْ حَرَتْ فِي ذَلِكَ حَالُ . فلما كَانَ مِنَ الْغَدِ ، وَدَعَا الْأَسَدُ بِغَدَائِهِ ، فَقَدَ ذلِكَ اللَّحْمَ ، فَالْتَمَسَهُ وَلَمْ يَجِدْهُ ، وَابْنُ آوَى لَمْ يَشْعُر بِمَا صُنِعَ فِي حَقِّهِ مِنَ المَكِيدَةِ. فَحَضَرَ الَّذِينَ عَمِلُوا المَعِيدَةَ ، وَقَعَدُوا فِي الْجَلِسِ . ثُمَّ إِنَّ المَلِكَ سَأَلَ عَنِ اللَّحْم ، وَشَدَّدَ فِيهِ ، وَفِي المَسْأَلَةِ عَنْهُ ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ قَوْلَ المخبرِ النَّاصِحِ : إِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَنْ تُخْبِرَ المَلكَ مَا يَضُرُّهُ وَيَنْفَعُهُ ، وَإِنْ شَوَّ ذلك عَلَى مَنْ يَشْقُ عَلَيْهِ . وَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ آوَى هُوَ الَّذِي ذَهَبَ بِاللَّحْمِ إِلَى مَنْزِلِهِ ، قَالَ الْآخَرُ : لَا أَرَاهُ يَفْعَلُ هَذَا ، وَلكن انْظُرُوا وَاقْصُوا : فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الخَلَائِقِ شَدِيدَةٌ. فَقَالَ الْآخَرُ : لَعَمْرِى مَا تَكَادُ السَّرَائِرُ تُعْرَفُ ، وَأَظُنُّكُمْ إِنْ خَصْتُمْ عَنْ هَذَا وَجَدْتُمُ اللَّحْمَ بِبَيْتِ ابْنِ آوَى، وَكُلَّ شَيْءٍ يُذْكَرُ مِنْ عُيُوبِهِ وَحْيَانَتِهِ نَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نُصَدِّقَهُ . قَالَ الْآخَرُ : لَئِنْ وَجَدْنَا هَذَا حَقًّا فَلَيْسَتْ بِالحَيَانَةِ فَقَط ، وَلكِنْ مَعَ الحَيَانَةِ كُفْرُ النَّعْمَةِ ، وَالخَرَاءَةُ على المَلِكِ . قَالَ الْآخَرُ : أَنْتُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ ، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُكَذَّبَكُمْ ، وَلكن سَيَبِينُ هَذَا لَوْ أَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَى بَيْتِهِ مَنْ يُفتتهُ . قَالَ آخَرُ : إِنْ كَانَ المَلِكُ مُفَتشًا مَنْزِلَهُ فَلْيُعَجِّلْ فَإِنَّ عُيُونَهُ وَجَوَاسِيسَهُ مَبْثُونَةٌ بِكُلِّ مَكَانٍ . وَلَمْ يَزَالُوا فِي هَذَا الْكَلَامِ وَأَشْبَاهِهِ ، حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِ الْأَسَدِ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ بِابْنِ آوَى خَضَرَ ، فَقَالَ لَهُ : أَيْنَ اللَّهُمُ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِالاِحْتِفَاظُ بِهِ ، قالَ : دَفَعْتُهُ إِلَى صَاحِب الطَّعَامِ لِيُقَرِّبَهُ إِلَى المَلِكِ . فَدَعَا الْأَسَدُ بِصَاحِبِ الطَّعَامِ ، وَكَانَ مِنْ شَايَعَ وَبَايَعَ مَعَ الْقَوْمِ عَلَى ابْنِ آوَى ، فَقَالَ : مَا دَفَعَ إِلَى شَيْئًا . فَأَرْسَلَ الْأَسَدُ أَمِينًا إِلَى بَيْتِ ابْنِ آوَى لِيُفَتِّشَهُ ، فَوَجَدَ فِيهِ ذَلِكَ اللَّحْمَ ، فَأَتَى بِهِ الْأَسَدَ . فَدَنَا مِنَ الْأَسَدِ ذِئْبُ لَمْ يَكُنْ تَكَلَّمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . وَكَانَ يُظهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْعُدُولِ الَّذِينَ لَا يَتَكَلَّمُونَ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ ، حَتَّى ينبيَّنَ لَهُمُ الْحَقِّ . فَقَالَ : بَعْدَ أَنِ اطَّلَعَ المَلِكُ عَلَى حَيَانَةَ ابْنِ > Jar آوَى فَلَا يَعْفُونَ عَنْهُ : فَإِنَّهُ إِنْ عَفَا عَنْهُ لَمْ يَطَّلِعِ الْمَلِكُ بَعْدَهَا على خيَانَةِ خَائِنٍ ، وَلَا ذَنْبِ مُذنب . فَأَمَرَ الْأَسَدُ بِابْنِ آوَى أَنْ يُخرج ، وَيُحتفظ به . فَقَالَ بَعضُ جُلَسَاءِ الْمَلِكِ : إِنِّي لَأَعْجَبُ


- مِن رَأْي الْمَلِكِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْأُمُورِ كَيْفَ يَحْفَ عَلَيْهِ أَمْرُ هَذَا ، رای وَلَمْ يَعرِفْ خَبَّهُ وَمُخَادَعَتَهُ * وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَتَى أَرَاهُ سَيَصْفَحُ عَنْهُ ، بَعْدَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ ، فَأَرْسَلَ الْأَسَدُ بَعْضَهُمْ رَسُولًا إِلَى ابْنِ آوَى يَلْتَمِسُ مِنْهُ الْعُذْرَ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ بِرِسَالَةٍ كَاذِبَةِ اخْتَرَعَهَا ، فَغَضِبَ الْأَسَدُ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَرَ بِابْنِ آوَى أَنْ يُقْتَلَ . فَعَلِمَتْ أُمُّ الْأَسَدِ أَنَّهُ قَدْ عَجَلَ فِي أَمْرِهِ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى الَّذِينَ أُمِرُوا

- بِقَبْلِهِ أن يوخروه ، وَدَخَلَتْ عَلَى ابْنِهَا ، فَقَالَتْ : يَابَى بِأَى ذَنْبِ أَمَرْتَ بِقَتْلِ ابْنِ آوَى * فَأَخْبَرَهَا بِالْأَمْرِ ، فَقَالَتْ : يَابني عَجَلتَ . وَإِنَّمَا يَسْلَمُ الْعَاقِلُ مِنَ النَّدَامَةِ بِتَرْكِ الْعَجَلَةِ وبالتثبت . والعجلة لا يزال صاحبها يجْتَنِي ثَمَرَةَ النَّدَامَةِ ، بِسَبَبٍ ضَعْفِ الرَّأْي . وَلَيْسَ أَحَدُ أَحْوَجَ إِلَى الْتَّوْدَةِ وَالتَّشَبَتِ مِنَ المُلُوكِ : فَإِنَّ المَرْأَةَ بِزَوْجِهَا ، وَالْوَلَد بِوَالِدَيْهِ ، وَالمتعلم بالمعلم ، وَالجُنْدَ بِالقَائدِ ، والنَّاسِكَ بِالدِّينِ ، وَالْعَامَّةَ بالملوكِ ، وَالمُلُوكَ بِالتَّقْوَى ، وَالتَّقْوَى بِالْعَقْلِ ، وَالْعَقْلَ بِالتَّعَبتِ وَالْأَنَاةِ ؛ وَرَأْسُ الْكُلِّ الحَزْمُ ، وَرَأْسُ الْحَزْمِ لِلْمَلِكِ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهِ ، وَإِنْزَاهُمْ مَنَازِهُمْ عَلَى طَبَقَاتِهِم ، واتهامه بعضهم عَلَى بَعْضٍ ، فَإِنَّهُ لَو وَجَدَ بَعْضُهُمْ إِلَى هَلَاكِ بَعْضٍ سَبِيلًا لَفَعَلَ . وَقَدْ حَرَّبْتَ ابْنَ آوَى ، وبكوت رأيه وأمانته ومروءته ، م. يخونه ثُمَّ لَمْ تَزَلْ مَادِحًا لَهُ رَاضِبًا عَنْهُ . وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمَلِكِ أَنْ بَعْدَ ارْتِضَائِهِ إِيَّاهُ وَأَتِمَانِهِ لَهُ ، وَمُنْذُ يَجِينِهِ إِلَى الْآنَ لَمْ يُطَلَعْ لَهُ علَى خِيَانَةٍ إِلَّا عَلَى الْعِفَّةِ وَالنَّصِيحَةِ . وَمَا كَانَ رَأَى المَلِكِ أن يُعَجِّلَ عَلَيْهِ لأَجْلِ طَابَتِ لَحْمٍ . وَأَنْتَ أَيُّهَا المُلكُ حَقِيقُ أَنْ تنْظُرَ فِي حَالِ ابْنِ آوَى : لِتَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَتَعَرَّضَ لِحْمِ استودعتهُ إِيَّاهُ . وَلَعَلَّ المَلِكَ إِنْ فَصَ عَنْ ذَلِكَ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ ابْنَ آوَى لَهُ حُصَاءُ هُمُ الَّذِينَ أَتَمَرُوا بِهَذَا الْأَمْرِ . وَهُمُ الَّذِينَ ذهَبُوا بِاللّهم إلى بَيْتِهِ فَوَضَعُوهُ فِيهِ : فَإِنَّ الْحَدَاةَ إِذَا كَانَ فِي رِجْلِهَا قِطْعَةُ لَحَم اجتمعَ عَلَيْهَا سَائِرُ الطَّيْرِ ، وَالْكَلْبَ إِذَا كانَ مَعَهُ عَظمُ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْكِلابُ . وَابْنُ آوَى مُنذُ كَانَ إلَى الْيَوْم نَافِعُ ، وَكَانَ مُحْتَمِلًا لِكُلِّ ضَرَرٍ فِي جَنْب مَنْفَعَةٍ تصلُ إِلَيْكَ ، وَلِكُلِّ عَنَاءِ يَكُونُ لَكَ فِيهِ رَاحَةُ ، وَلَمْ يَكُنْ يَطْوِى دُونَكَ سِرا • فَبَيْنَا أُمُّ الْأَسَدِ تَقُصُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ، إِذْ دَخَلَ عَلَى 6 الْأَسَدِ بَعْضُ ثِقَاتِهِ ، فَأَخْبَرَهُ بِبَرَاءَةِ ابْنِ آوَى . فَقَالَتْ أُمُّ الْأَسَدِ ، بعد أن أطَّلَعَ المَلِكُ عَلَى بَرَاءَةِ ابْنِ آوَى : إِنَّ المَلِكَ حَقِيقُ أَلَّا يُرَخُصَ لِمَنْ سَعَى بِهِ لِئَلَّا يَتَجَرَّهُوا عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ؛ بَلْ يُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ لِكَيْ لَا يَعُودُوا إِلَى مِثْلِهِ : فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُرَاجِعَ فِي أَمْرِ الْكَفُور لِحُسْنَى ، الجَرِى عَلَى الْغَدْرِ، الزَّاهِدِ فِى الْخَيْرِ ، الَّذِي لَا يُوقِنُ بِالْآخِرَةِ . وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْزَى بِعَمَلِهِ ، وَقَدْ عَرَفتَ سُرْعَةَ الْغَضَب وَفَرْطَ الهَفْوَةِ ، وَمَنْ سَخِطَ بالْيَسيرِ لَمْ يَبْلُغَ رِضَاهُ بِالْكَثِيرِ ، وَالْأَوْلَى لَكَ أَنْ تُرَاجِعَ ابْنَ آوَى، وَتَعْطِفَ عَلَيْهِ ، وَلَا يُونِسَنَكَ مِنْ مُنَا صَحَتِهِ مَا فَرَطَ مِنْكَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِسَاءَةِ : فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ عَلَى حَالٍ مِنَ الأحوالِ ، وَهُوَ مَنْ عُرِفَ بِالصَّلَاحِ وَالْكَرَمِ وَحُسْنِ الْعَهْدِ والشكرِ وَالْوَفَاءِ وَالْمَحَبَّةِ لِلنَّاسِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الْحَسَدِ وَالْبُعْدِ مِنَ الْأَذَى وَالاِحْتِمَالِ لِلْاخْوَانِ وَالْأَصْحَابِ وَإِنْ تَقُلَتْ عَلَيْهِ که منْهُمُ المَسُّونَةُ ، وَأَمَّا مَن يَنبَغِي تَرَكَهُ فَهُوَ مَنْ عُرِفَ بِالسَّرَاسَةِ وَلُوْمِ الْعَهْدِ وَقِلَّةِ الشَّكْر وَالْوَفَاءِ وَالْبُعْدِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْوَرَعِ ، وَاتَّصَفَ بِالْحُودِ لِوَابِ الْآخِرَةِ وَعِقابِهَا. وَقَدْ عَرفت ابن آوى وَجَرَّبْتَهُ وَأَنتَ حَقيقُ بِمُوَاصَلَتِهِ فَدَعَا الْأَسَدُ بِابْنِ آوَى وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِمَّا كَانَ مِنْهُ وَوَعَدَهُ خَيْراً ، وَقَالَ : إِنِّى مُعْتَذِرُ إِلَيْكَ وَرَادُّكَ إِلَى مَنْزِلَتِكَ ، فَقَالَ " ابن آوى : إِنَّ شَرِّ الْأَخِلَّاءِ مَنِ الْتَمَسَ مَنْفَعَةٌ نَفْسِهِ بِضُرٍّ أَخِيهِ ، > مَنْ كَانَ غَيْرَ نَاظِرٍ لَهُ كَنَظَرِهِ لِنَفْسِهِ ، أَوْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُرْضِيَهُ - - بِغَير الحقِّ لأجل اتباعِ هَوَاهُ . وَكَثِيراً مَا يَقَعُ ذَلِكَ بَينَ الْأَخِلَّاءِ. وَقَدْ كَانَ مِنَ المَلِك إِلَى مَا عَلِمَ ، فَلَا يَغْلُظَنَّ عَلَى نَفْسِهِ مَا أُخبِرُهُ بِهِ أَنِّى بِهِ غَيْرُ وَادِي ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَصْحَبَهُ : فَإِنَّ المُلُوكَ لا يَنْبَغِي أَنْ يَصْحَبُوا مَنْ عَاقَبُوهُ أَشَدَّ الْعِقَابِ ؛ وَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَرْفُضُوهُ أَصْلاً : فَإِنَّ ذَا السُّلْطَانِ إِذَا عُزِلَ كَانَ مُسْتَحِقًا لِلكَرَامَةِ فِي حَالَةِ إِبْعَادِهِ وَالْإِقْصَاءِ لَهُ . فَلَمْ يَلْتَفِتِ الأسَدُ إِلَى كَلَامه . ثُمَّ قَالَ لَهُ : إِنِّى قَدْ بَلَوْتُ طِبَاعَكَ وَأَخْلاقَكَ ، وَجَرَّبْتُ أَمَانَتكَ وَوَفَاءَكَ وَصِدْقَكَ ، وَعَرَفْتُ كَذبَ مَنْ تَمَحَلَ الخِيلَ لِتَحَملِي عَلَيْكَ . وَإِنِّي مُنزِلُكَ مِنْ نَفْسِي مَنْزِلَةَ الْأَخْيَارِ الكُرَمَاءِ ، وَالْكَرِيمُ تُنْسِيهِ الحَلَةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الإِحْسَانِ ، الخَلَالَ الكَثِيرَةَ مِنَ الْإِساءَةِ . وَقَدْ عُدْنَا إِلَى الثَّقَةِ بكَ ، فَعُدْ إِلَى الثَّقَةِ بِنَا : فَإِنَّ لَنَا وَلَكَ بِذلِكَ غِبْطَةٌ وَسُرُورًا . فعادَ ابْنُ آوَى إِلَى وِلَايَةِ مَا كَانَ يَلِي ، وَضَاعَفَ لَهُ الْمَلِكُ الكَرَامَةَ ، وَلَمْ تَزِدْهُ الْأَيَّامُ إِلَّا تَقَرُبا مِنَ السُّلْطَانِ انقضی باب الأسد وأبن آوى )

  1. نقب صيق فه ، متسع أسفله