انتقل إلى المحتوى

كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب الأسد والثور

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: المطبعة الأميرية - بولاق (1937)، الصفحات ٩١–١٥٣
 

باب الأسد والثور وَهُوَ أَوَّلُ الكتاب

قَالَ دَبْلِيمُ المَلِكُ لِبَيْدَبَا الْفَيْلَسُوفِ ، وَهُوَ رَأْسُ الْبَرَاهِيمَة : اضْرِبْ لِي مَثَلًا لِلمُتَعَابَيْنِ يَقْطَعُ بَيْنَهُمَا الْكَذُوبُ الْمُحْتَالُ ، حَتَّى يَحْمِلَهُمَا عَلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ . قَالَ بَيْدَبَا : إِذَا ابْتُلِيَ الْمُتَحَابَّانِ بأن يَدْخُلَ بَيْنَهُمَا الكَذُوبُ المُحْتالُ ، لَم يَلْبَنا أن يتقاطعا وَيَتَدَابَرًا ، وَمِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِأَرْضِ دَسْتَاوَندَ رَجُلٌ شيخ ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ . فَلَمَّا بَلَغُوا أَشُدَّهُمْ أَسْرَفُوا فِي مَالِ أَبِيهِمْ ، وَلَمْ يَكُونُوا احْتَرَفُوا حَرْفَةٌ يَكْسِبُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِهَا خَيْرًا . فَلَامَهُمْ أَبُوهُمْ ؛ وَوَعَظَهُمْ عَلَى سُوءٍ فِعْلِهِمْ ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ لَهُمْ : هَا بَنِي إِنَّ صَاحِبَ الدُّنْيَا يَطْلُبُ ثَلَاثَةَ أُمُورِ لَن يُدْرِكَهَا إِلَّا بِأَرْبَعَةِ أشْيَاءَ خط الثلاثةُ الَّتِي يَطْلُبُ ، فَالسَّعَةُ فِي الرِّزْقِ وَالمَنزِلَهُ النَّاسِ وَالزَّادُلِلا خِرَةِ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إليها في درك الثَّلَاثَةِ ، فَاكْتِسَابُ المَالِ مِنْ أَحْسَنِ وَجْهِ يَكُونُ ، ثمَّ حُسْنُ الْقِيَامِ عَلَى مَا اكْتَسَبَ مِنْهُ ، ثُمَّ اسْتِتَارُهُ ، ثم إنفَاقُهُ ثُمَّ قَمَّ فيما يُصْلِحُ المَعِيشَةَ وَيُرْضى الأَهْلَ وَالْإِخْوَانَ ، فَيَعُودُ عَلَيْهِ نَفْعُهُ في الآخِرَةِ . فَمَنْ ضَيْعَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَمْ يُدْرِكْ مَا أَرَادَ مِنْ حَاجَتِهِ : لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْتَسِبْ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يعيش يه ؛ وَإِنْ هُوَ كَان ذَا مَالٍ واكتسابِ ثُمَّ لَمْ يُحْسِنِ الْقِيَامَ عَلَيْهِ ، أَوْشَكَ المَالُ أَنْ يَفْنَى وَيَبْقَى مُعْدِمًا ، وَإِنْ هُوَ وَضَعَهُ وَلَمْ يَسْتَغْمِرُهُ ، لَمْ تَمَنَعَهُ قِلَّةُ الْإِنْفَاقِ مِنْ سُرْعَةِ الذَّهَابِ : كَالْكُحْلِ الَّذى لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلَّا عُبَارُ المِيلِ ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلكَ سَرِيعُ فَنَاؤُهُ . - و إن انفقه في غير وجهه ، ووضعه في غير موضعه ، واخطا بِهِ مَوَاضِعَ اسْتِحْفَاقِهِ ، صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ثم لا يمنعُ ذَلِكَ مَالَهُ مِنَ التَّلَفِ بِالْحَوَادِثِ وَالْعِلَلِ الَّتِي تَجرى عَلَيْهِ ، كَمَحْبِس المَاءِ الَّذى لَا تَزَالُ المِيَاهُ تَنْصَبَ فِيهِ ، فَإِن لَّمْ لمسة يكن له تخرج ومفيض ومتنفس يَخْرُجُ المَاءُ مِنْهُ بِقَدْرِ ما ينبغي، حَرِبَ وَسَالَ وَنَزَّ مِنْ نَواجِ كَثِيرَةٍ ، وَرُبَّمَا أَنبَشَقَ الْبَلْقَ العَظِيمَ فَذَهَبَ المَسَاءُ ضَيَاعًا . ثُمَّ إِنَّ بَنِي الشَّيْخِ اتَّعَفُوا بِقُولِ أبِيهِمْ وَأَخَذُوا بِهِ وَعَلِمُوا أَنَّ فِيهِ الخَيْرَ وَعَوَّلُوا عَلَيْهِ ، فَانْطَلَقَ أَكْبَرَهُم تحوَ أَرْضِ يُقَالُ لَهَا مَيونُ، فَأَتَى فِي طَرِيقِهِ عَلَى مَكَانٍ فِيهِ وَحَل ، وكانَ مَعَهُ عَجَلَةً يجرها ثوران يُقَالُ لأَحَدِهِمَا شَرَبَةُ وللآخرِ بَنْدَبَةُ ، فَوَحِلَ شَتْرَبَةُ فى ذلِكَ المَكَانِ ، فَعَالَة الرَّجُلُ وأصْحَابُهُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُمُ الجَهْدُ ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إِخْرَاجِهِ فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَخَلَّفَ عِنْدَهُ رَجُلًا يُشَارِفُهُ : لَعَلَّ الْوَحَلَ يَنْشَفُ (٢) فَيَتْبَعَهُ بِالشَّوْر . فَلَمَّا بَاتَ الرَّجُلُ بِذلِكَ المَكَان ، تبرم به وَاسْتَوْحَشَ ؛ فَتَرَكَ التَّوْرَ والتَحَقَ بِصَاحِبِهِ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ التَّوْرَ قَدْ مَاتَ ، وَقَالَ لَهُ : إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا انْقَضَتْ مدته وَحَانَتْ مَنِيته ( 2 ) (T) . (١) انشق وانفجر فَهُوَ وَانِ اجْتَهَدَ فِي التَّوَقِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَخَافُ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ الهَلاكَ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُ شَيْئًا ، وَرُبَّمَا عَادَ اجْتِهَادُهُ فِي تَوَقِّيهِ وحذره و بالا عليه (١) کے كَالَّذِي قِيلَ : إِنَّ رَجُلًا سَلَكَ مَفَازَةٌ فِيهَا خَوْفٌ مِنَ السَّبَاعِ ؛ وَكَانَ الرَّجُلُ خَبِيرًا يَوَعْتِ تِلْكَ الْأَرْضِ وَخَوْفِهَا ، فَلَمَّا سَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ اعْتَرَضَ لَهُ ذِئْبُ مِنْ أَحَدِ الذَّهَابِ وَأَضْرَاهَا ؛ فَلَتَا رَأَى الرَّجُلُ أَنَّ الذُّنْبَ قَاصِد نحوه خَافَ مِنْهُ ، وَنَظَرَ يَمِينًا وشِمَالًا لَيَجِدَ مَوْضِعًا يَتَخَرَزُ فِيهِ مِنَ الذَّنْبِ فَلَمْ يَرَ إِلَّا قَرْيَةٌ خَلْفَ وَادٍ ؛ فَذَهَبَ مُسْرِعًا نَحْوَ الْقَرْيَةِ ، فَلَا أَتَى الْوَادِيَ لَمْ يَرَ عَلَيه قَنْطَرَةٌ ، وَرَأَى الذئبُ قَدْ أَدْرَكَهُ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الرِّبَاحَةَ ، وَكَادَ يَغْرَقُ ، لَوْلَا أَنْ بَصُرَ بِهِ قَوْمُ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ، فَتَوَاقَعُوا لِإِخْرَاجِهِ فَأَخْرَجُوهُ ، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى المَلاكِ ، فَلَمَّا حَصَلَ الرَّجُلُ عِندَهُمْ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ (٢) غائلَةِ الذَّنْبِ رَأَى عَلَى عُدْوَةِ الْوَادِى بَيْنَا مُفْرَدًا ، فَقَالَ : (1) وخيم العاقبة . (٢) العدوة بهم العين وكسرها : جانب الوادى أدْخُلُ هَذَا الْبَيْتَ فَأَسْتَرِيحُ فِيهِ . فَلَمَّا دَخَلَهُ وَجَدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصُوصِ قَدْ قَطَعُوا الطَّرِيقِ عَلَى رَجُلٍ مِنَ التَّجَارِ ، 6 وَهُمْ يَقْتَسِمُونَ مَالَهُ ، وَيُرِيدُونَ قَبْلَهُ ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذلكَ حَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَضَى نَحْوَ الْقَرْيَة ؛ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى حَائِط مِنْ حِيطَانِهَا لِيَسْتَرِيحَ مِمَّا حَلَّ بِهِ مِنَ الْهَوَلِ وَالْإِعْيَاء ، إِذْ سَقَطَ الحائط عَلَيْهِ فَمَاتَ . قَالَ النَّارُ : صَدَقْتَ ؛ قَدْ بَلَغَنِي هذا الحديث . وَأَمَّا الثورُ فَإِنَّهُ خَلَصَ مِنْ مَكَانِهِ وَانْبَعَثَ ، فَلَمْ - E- يَزَلْ فِي مَرچ مُخصب كَثيرِ المَسَاءِ وَالْكَلَا ؛ فَلَا سَمِنَ وَامِنَ من ٩٥ مرسو جعل يخور ويرفع صوته بالخوار. وكان قريبا منه أجمة فيها أَسَدٌ عَظِيمٌ ، وَهُوَ مَلِكُ تِلكَ النَّاحِيَةِ ، وَمَعَهُ سِبَاعُ كَثِيرَةٌ وَذِتَابُ وبَنَاتُ آوَى وَتَعَالِبُ وَفَهُودٌ ونُفُورٌ ، وَكَانَ هَذَا الْأَسَدُ مُنْفَرِدًا برَأْيِهِ دُونَ أَخذ بِرَأي أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ . فَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَ النورِ ، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى ثَوْرًا قَط ، وَلَا سَمِعَ خَوَارَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمَا مَكَانَهُ لا يَبْرَحُ وَلَا يَنشَطُ ، بَلْ يُؤْتَى بِرِزْقِهِ كُلَّ يَوْمٍ جُنْدِهِ . وَكَانَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ البَاعِ ابْنَا آوَى يُقَالُ على يد لِأَحَدِهِمَا كَلِيلَةُ وَلِلْآخَرِ دِمْنَةُ ، وَكَانَا ذَوَى دَهَاءٍ وعِلْمٍ وَأَدَبٍ . فَقَالَ دِمْنَةُ لِأَخِيهِ كَلِيلَةَ : يَا أَعِى مَا شَأْنُ الْأَسَدِ مُقِيمَا مَكَانَهُ لا يَبْرَحُ وَلَا يَنْشَطُ : قَالَ لَهُ كَلِيلَةُ : مَا شَأْنُكَ أَنتَ وَالْمَسْأَلَةَ عَنْ هذا لا نَحْنُ عَلَى بَابِ مَلِكَما آخِذِينَ بِمَا أَحَبَّ وَتَارِكِينَ مَا يَكْرَهُ، وَلَسْنَا مِنْ أَهْلِ المَرْتَبَةِ الَّتِي يَتَنَاوَلُ أَهْلُهَا كَلَامَ الْمُلُوكِ وَالنَّظَرَ في أُمُورِهِمْ . فَأَمْسِكَ عَنْ هَذَا ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ تَكَلَّفَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ الْقِرَدَ مِنَ النَّجَارِ . --- صور قَالَ دمنة : وكيف كان ذلكَ ؟ قَالَ كليلة : زعموا أن قردا رَأَى تَجَارًا يَسُقُ خَشَبَةٌ بَينَ وَتِدَينِ ، وَهُوَ رَاكِبُ عَلَيْهَا ، فَأَعْبَهُ ذلِكَ . ثُمَّ إِنَّ النَّجَارَ ذَهَبَ لِبَعْضِ شَأْنِهِ ، فَقَامَ الْقِرْدُ ، وَتَكَلَّفَ مَا لَيْسَ مِنْ شُغْلِهِ ، فَرَكِبَ الحَشَبَةَ ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ قِبَلَ الْوَتِد ، وَوَجْهَهُ قِبَلَ الحَشَبَةِ ، فَتَدلَّى ذَنْبُهُ فِي الشَّقِ ، وَنَزَعَ الْوَتِدَ فَلَزِم الشَّقُ عَلَيْهِ نَخَرَ مَغْشِيّا عَلَيْهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّجَارَ وَافَاهُ فَرَآهُ مَوْضِعَهُ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يَضْرِبُهُ . فَكَانَ مَا لَقِي مِنَ النَّجَّارِ مِنَ الضَّرْبِ أَشَدَّ (1) انضم ما أَصَابَهُ مِنَ الْخَشَبَةِ . قَالَ دِمْنَةُ : قَد سَمِعْتُ مَا ذَكَرْتَ ، وَلكِنِ اعْلَمْ أَنَّ كُل مَنْ يَدْنُو مِنَ الْمُلُوكِ لَيْسَ يَدْنُو مِنْهُمْ لِبَطْنِهِ، وَ إِنما يَدْنُو مِنْهُمْ لِبَسُر الصّدِيقَ وَيَكْبِتَ الْعَدُوَّ ، وَإِنَّ مِنَ . النَّاسِ مَنْ لا مُرُوءَةَ لَهُ ، وَهُمُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِالْقَلِيلِ وَيَرْضَوْنَ بالدُّونِ ، كَالْكَلْبِ الَّذِى يُصِيبُ عَظُما يابسًا فَيَفْرَحُ بِهِ . وَأَمَّا أهْلُ الفَضْلِ وَالْمُرُوءَةِ فَلَا يُقْنِعُهُمُ الْقَلِيلُ ، وَلَا يَرْضَوْنَ بِهِ دُونَ أَنْ تَسْمُو بِهِ نُفُوسُهُمْ إِلَى مَا هُمْ أَهْل لَهُ ، وَهُوَ أَيْضًا لهُمْ أَهْلُ ؛ كَالْأَسَدِ الَّذِي يَفْتَرِسُ الْأَرْنَبَ ، فَإِذَا رَأَى الْبَعِيرَ تَرَكَهَا [١] وَطَلَبَ الْبَعِير ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَلْبَ يُبَصْبِصُ بِذَنْبِهِ ، حَتَّى ترقى لَهُ الكِسْرَةُ ، وَأَنَّ الفِيلَ الْمُعْتَرَفَ بِفَضْلِهِ وَقَوَتِهِ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ مه الله میں اگر مو صورت مور علفه لا يعتلفه حتى يمسح ويتملق لَهُ . فَمَنْ عَاشَ ذَا مَالٍ وَكَانَ ذَا فَضْلِ وإِفْضَالٍ عَلَى أَهْلِهِ وَإِخْوَانِهِ فَهُوَ وَإِنْ قَلَّ عُمُرُهُ طَوِيلُ العُمرِ. وَمَن كَانَ فِي عَيْشِهِ ضِيفٌ وقِلَةٌ وإِمْسَاكُ عَلَى نَفْسِهِ وَذَوِيهِ >> فالمقبُورُ أَحْيَا مِنْهُ ، وَمَنْ عَمِلَ لِبَطْنِهِ وَقَعَ وَتَرَكَ مَا سِوَى ذلك عُدَّ مِنَ البَهَائِم . . قَالَ كَلِيلَةُ : قَدْ فَهِمْتُ مَا قُلْتَ ، فَرَاجِعْ عَقْلَكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْزِلَةٌ وقَدْرًا ، فَإِنْ كَانَ فِي مَنْزِلَتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا مُتَمَاسكًا ، كَانَ حَقِيقًا أَنْ يَقْنَعَ ، وَلَيْسَ لَنَا مِنَ الْمَنْزِلَةِ مَا يَحُط حَالَنَا الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا . قَالَ دِمنَةُ : إِنَّ الْمَنَازِلَ مَتَنَازَعَة مشتركة وو 3 9 عَلَى قَدْرِ المُروءَةِ ، فَالمرء ترفعه مروءَتَهُ مِنَ الْمُنْزِلَةِ الْوَضِيعَةِ إِلَى المَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؛ وَمَن لا مُرُوءَةَ لَهُ يَحُطُ نَفْسَهُ مِنَ المَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ إِلَى المَنْزِلَةِ الْوَضِيعَةِ . وَإِنَّ الارْتِفَاعَ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الشَّرِيفَةِ شَدِيدُ ، والانحطَاطَ مِنْهَا حَيْنُ ، كَالْجَرِ الثَّقِيلِ : رَفْعُهُ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى شكله العاتِقِ عَيرٌ ، وَوَضْعُهُ إِلَى الْأَرْضِ هَيِّنُ. فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ تَرُومَ 6 مَا فَوْقَنَا مِنَ الْمُنَازِلِ ، وَأَنْ نَلْتَمِسَ ذَلِكَ بِمُرُوءَتِنَا . ثُمَّ كَيْفَ نَفْنَعُ يها ونَحْنُ نَسْتَطِيعُ التَّحَولَ عَنْهَا ؟ قَالَ كَلِيلَةُ : فَمَا الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ رَأْيَكَ : قَالَ دِمْنَةُ : أُرِيدُ أَنْ أَتَعَرَّضَ لِلْأَسَدِ عِنْدَ هَذِهِ الْفُرْصَة : فَإِنَّ الْأَسَدَ ضَعِيفُ الرأي . وَلَعَلِّي عَلَى هَذِهِ الْحَابِ أدْنُو مِنْهُ فَاصِيبَ عِندَهُ مَنْزِلَةٌ ومَكَانَةٌ ، قَالَ كَلِيلَةُ : وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ الْأَسَدَ قَدِ الْتَبَسَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ : قَالَ دِمْنَةُ : بِالْحِسَ وَالرَّأْي أعلم ذلِكَ مِنْهُ : فَإِنَّ الرَّجُلَ ذَا الرَّأْي يَعْرِفُ حَالَ صَاحِبِهِ وَبَاطِنَ أَمْرِهِ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ دَلِهِ وَشَكْلِهِ . قَالَ كَلِيلَةُ : فَكَيْفَ تَرْجُو المَنْزِلَةَ عِندِ الْأَسَدِ وَلَسْتَ بِصَاحِبِ السُّلْطَانِ، وَلَا لَكَ عِلم بِخِدمَةِ السَّلَاطِينِ : قَالَ دِمْنَةُ : الرَّجُلُ الشَّدِيدُ الْقَوِى لا يُعجزه الحملُ النَّقِيلُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ الحَمَلَ ، وَالرَّجُلُ الضَّعِيفُ لا يَسْتَقِلْ بِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِنَاعَتِهِ ، قَالَ كَلِيلَةُ : فَإِنَّ السُّلْطَانَ لَا يَتَوَى بِكَرَامَتِهِ فَضَلَاءَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ ، وَلَكِنَّهُ يُؤْثِرُ الْأَدْنَى وَمَنْ قَرُبَ مِنْهُ ، وَيُقَالُ : إِنَّ مَثَلَ السُّلْطَانِ فِي ذَلكَ . مَثَلُ شَجَرِ الْكَرْمِ الَّذِي لَا يَعْلَقُ إِلَّا بِأَقْرَبِ الشَّجَرِ . وَكَيْفَ ترْجُو المَنْزِلَةَ عِنْدَ الْأَسَدِ وَلَسْتَ تَدْنُو مِنْهُ ؟ قَالَ دِمْنَةٌ : قَدْ فَهِمْتُ كلامَكَ جَمِيعَهُ وَمَا ذَكَرْتَ ، وَأَنْتَ صَادِقُ . لَكِنِ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي " هُوَ قَريبٌ مِنَ السُّلْطَانِ وَلَا ذلِكَ مَوْضِعُهُ وَلَا تِلْكَ مَنزِلَتُهُ G لَيْسَ كَمَنْ دَنَا مِنْهُ بَعْدَ الْبُعْدِ وَلَهُ حَقٌّ وَحَرَمَةٌ ، وَأَنَا مُلْتَمِسُ بُلُوغ مكانَتِهِمْ بِجُهْدِي . وَقَدْ قِيلَ : لَا يُوَاظِبُ عَلَى بَابِ السُّلْطَانِ إلَّا مَنْ يَطَّرِحُ الأَنْفَةَ وَيَحْمِلُ الْأَذَى وَيَكْظِمُ الْغَيْظَ وَيَرْفَقُ بِالنَّاسِ وَيَكُمُ السّر، فَإِذَا وَصَلَ إلَى ذلِكَ فَقَدْ بَلَغَ مُرَادَهُ ، قَالَ كَليلَة : هَبْكَ وَصَلْتَ إِلَى الْأَسَدِ ، فَمَا تَوْفِيقُكَ عِنْدَهُ الَّذِي تَرْجُو أَنْ تَنَالَ بهِ المَنْزِلَةَ وَالْحَظْوَةَ لَدَيْهِ ؟ قَالَ دِمَنْةٌ : لَوْ دَنَوْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ أَخْلَاقَهُ ، لَرَفَقْتُ فِي مُتَابَعَتِهِ وَقِلَّةِ الخِلَافِ لَهُ. وَإِذَا أَرَادَ أَمْرًا هُوَ فِي نَفْسِهِ صَوَابٌ ، زَيَّنْتُهُ لَهُ وَصَبَرَتُهُ عَلَيْهِ ، وَعَرْفتُهُ اليه ، بِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ وَالخير ؛ وشجعته عَلَيْهِ وَعَلَى الوصول حَتَّى يَزْدَادَ بِهِ سُرُورًا ، وَإِذَا أَرَادَ أَمْرًا يُخَافُ عَلَيْهِ ضَرَّهُ وَشَيْنُهُ ، بَصَرْتُهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الضُّيرِ وَالشَّيْنِ ، وَأَوْقَفْتُهُ عَلَى مَا فِي تَرْكِهِ مِنَ النفع وَالزَّيْنِ ، بِحَسَبِ مَا أَجِدُ إِلَيْهِ السَّبِيلَ . وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَزْدَادَ بِذلِكَ عِندَ الْأَسَدِ مَكَانَةٌ ويَرَى مِنِي مَا لَا يَرَاهُ مِنْ غَيْرِى : فإن الرجل الأديب الرفيق لو شاء أن يُبْطِلَ حَقًّا أَوْ يُعِي بَاطِلا لَفَعَلَ : كَالْمُصَوِرِ الْمَاهِرِ الَّذِي يُصَوِّرُ فِي الْحِيطَانِ صُورًا كَأَنها خَارِجَةٌ ولَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ، وَأَخْرَى كَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ وَلَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ . قالَ كَلِيلَةُ : أَمَّا إِنْ قُلْتُ هَذَا أَوْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنَ السُّلْطَانِ فَإِنَّ مُحْبَتَهُ خَطرَةً . وَقَدْ. قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : إِنَّ أمورًا کانت ثلَاثَةٌ لا يَجْتَرِى عَلَيْهِنَّ إِلَّا أَهْوَجُ ، وَلَا يَسلَمُ مِنْهُنَّ إِلَّا قَلِيلٌ ، وَهِيَ : صُحْبَةُ السُّلْطَانِ ، وَايْمَانُ النِّسَاءِ عَلَى الْأَسْرَارِ ، وَشُرْبُ اسيمِ لِلتَّجْرِبَةِ . وَإِنَّمَا شَبَّهَ الْعُلَمَاءُ السُّلْطَانَ بِالخَيلِ الصَّعْبِ المُرْتَقَى الَّذِي فِيهِ الثَّمَارُ الطَّيِّبَةُ وَالْخَوَاهِرُ النَّفِيسَةُ وَالْأَدْوِيَةُ التَّافِعَةُ . وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَعْدِنُ السباع والمُورِ وَالذَّتَابِ وَكُلِّ ضَارٍ مَخُوف . فَالِارْتِقَاهُ إِلَيْهِ شَدِيدُ ، وَالْمُقَامُ فِيهِ أَشَدُّ . قَالَ دِمْنَةٌ : صَدَقْتَ فيما ذَكَرْتَ ، غَيْرَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَرْكَبِ الْأَهْوَالَ، لَمْ يَنكِ الرَّغائب ؛ وَمَنْ تَرَكَ الأمْرَ الَّذِى لَعَلَّهُ يَبْلُغُ فِيهِ حَاجَتَهُ هَيْبَةٌ ومَخَافَةٌ مَا لَعَلَّهُ أن يَتَوَفَّاهُ ، فَلَيْسَ بِبَالِغ جَسِما . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ خِصَالًا ثَلَاثًا لَن يَسْتَطِيعَهَا أَحَدٌ إِلَّا تَمَعُونَةِ مِنْ عُلُو هِمَّةٍ وَعَظِيمِ خَطَرٍ : مِنْهَا (1) عَمَلُ السَّلْطَانِ وَتِجَارَةُ الْبَحْرِ وَمُنَاجَزَةُ الْعَدُةِ . وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاء الرَّجُلِ الْفَاضِلِ الرَّشِيدِ : إِنَّهُ لَا يُرَى إِلَّا فِي مَكَانَيْنِ ، وَلَا يَلِيقُ بِهِ غَيْرُهُمَا: إِمَّا مَعَ المُلُوك مكرماً ، وَإِمَّا مَعَ النِّسَاكِ مُتَعبدا ، 12- .. كَالْفِيلِ إِنَّمَا جَمَالُهُ وَبَهَاؤُهُ فِي مَكَانَيْنِ : إِمَّا أَنْ تَرَاهُ وَحْشِيًّا وَإِمَا مركجًا لِلْمُلُوكِ . قَالَ كَلِيلَةُ : خَارَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا عَزَمْتَ عَلَيْهِ ثُمَّ إِنَّ دِمْنَةَ انْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْأَسَدِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ . فَقَالَ الْأَسَدُ لِبَعْضِ جُلَسَائِهِ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ .

قالَ : قَدْ كُنْتُ أَعْرِفُ أَبَاهُ . ثُمَّ سَأَلَهُ أَيْنَ تَكُونُ : قَالَ لَمْ أَزَل مُلازِمًا بَابَ المَلِكِ ، رَجَاءَ أَن يَحْضُرَ أَمْرُ فَأَعِينَ المُلِكَ فِيهِ بِنَفْسِى وَرَأْيِي : فَإِنَّ أَبْوَابَ المُلُوكِ تَكْثُرُ فِيهَا الأُمُورُ الَّتِي رُبَّكَ يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الَّذِى لَا يُوبَهُ لَهُ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَصْعُرُ یو أَمْرُهُ إِلَّا وَقَدْ يَكُونُ عِندَهُ بَعْضُ الْغَنَاءِ وَالْمُنَافِعِ عَلَى قَدْرِهِ ؛ حَتَّى الْعُودُ المُلْقَ فِي الْأَرْضِ رُبَّمَا نَفَعَ ، فَيَأْخُذُهُ الرَّجُلُ فَيَكُونُ مقامه عدتَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ . فَلَمَّا سَمِعَ الْأَسَدُ قَوْلَ دِمْنَةَ أَعْجَبَهُ 6 (1) مقاتلة . (٢) جعل لك فيه الخير (٣) يفطن وَظَنَّ أَنَّ عِنْدَهُ نَصِيحَةً ورَأَيًا . فَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَ فَقَالَ : وو ی نارم منزل إِنَّ الرَّجُلَ ذَا الْعِلْمِ وَالمُرُوءَةِ يَكُونُ خَامِلَ الذِّكْرِ خَافِضَ المنزلة، 10 فَتَابَى مَنْزِلَتَهُ إِلَّا أَنْ تَسْببَ وَتَرْتَفِعَ ، كَالشُّعْلَةِ مِنَ النَّارِ يَضْرِبُهَا صاحِبُهَا وَتَأْبَى إِلَّا ارْتِفَاعًا . فَلَمَّا عَرَفَ دِمْنَهُ أَنَّ الْأَسَدَ قَدْ عَجِبَ مِنْهُ قَالَ : إِنَّ رَعِيَّةَ المَلِكِ تَحْضُرُ بَابَ المَلِكِ ، رَجَاءَ أن يَعْرِفَ مَا عِنْدَهَا مِنْ عِلْمٍ وَافِرٍ. وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ الْفَضْلَ فِي أَمْرَينِ : فَضْلُ المُقَاتِلِ عَلَى المُقَاتِلِ وَالْعَالِمِ عَلَى الْعَالِم . وَإِنَّ كَثرَةَ الْأَعْوَانِ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُكْتَبَرِينَ رُبَّنَا تَكُونُ مَضَرَّةٌ عَلَى الْعَمَلِ : فَإِنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ رَجَاوُهُ بِكَثْرَةِ الْأَعْوَانِ وَلَكِنْ بِصَالِحِي الأعوان . وَمَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ الرَّجُلِ الَّذِى يَحْمِلُ الجَرَ النَّقِيلَ . فَيُنْقِلُ بِهِ نَفْسَهُ ، وَلَا يَجِدُ لَهُ ثَمَنًا ، وَالرَّجُلُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الجذوع لا يُجْزِنَهُ الْقَصَبُ وَإِنْ كَثرَ . فَأَنْتَ الْآنَ أَيُّهَا المُلكُ حَقيقُ أَلَّا تَحْقِرَ مُرُوعَةٌ أَنتَ تَجِدُهَا عِنْدَ رَجُلٍ صَغِيرِ المَنْزِلَةِ : فَإِنَّ الصَّغِيرَ رُبَمَا عَظُمَ ، كَالْعَصَبِ يُؤْخَذُ مِنَ المَيْتَةِ فَإِذَا عُمِلَ مِنْهُ الْقَوْسُ أُكْرِمَ ، فَتَقْبِضُ عَلَيْهِ المَلُوكُ وَتَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْبَاسِ وَاللَّهْوِ . 6 وَأَحَبَّ دِمْنَةُ أَن يُرِى الْقَوْمَ أَنَّ مَا نَالَهُ مِنْ كَرَامَةِ الْمَلِكِ إِنَّمَا 30 هُوَ لِرَابِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَعَقْلِهِ : لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا قَبْلَ ذلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِ أَبَاهُ ، فَقَالَ : إِنَّ السُّلْطَانَ لَا يُقَرِّبُ الرِّجَالَ لقُرْبِ آبائِهِمْ ، وَلَا يُبْعِدُهُمْ لِبَعْدِهِمْ ، وَلكِنْ يَنْبَغِي أَن يَنْظُرَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ بِمَا عِنْدَهُ : لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَقْرَبُ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ جَسَدِهِ وَمِنْ جَسَدِهِ مَا يَدْوَى حَتَّى يُؤْذِيَهُ وَلَا يُدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهُ إِلَّا بِالدَّوَاءِ الَّذِى يَأْتِيهِ مِنْ بَعْدِ فَلَمَّا فَرَغَ دِمْنَهُ مِن مَقَالَتِهِ هَذِهِ أَعْجِبَ الْمَلِكُ بِهِ إِبْحَابًا شَدِيدًا، وَأَحْسَنَ الرَّدَّ عَلَيْهِ ، وَزَادَ فِي كَرَامَتِهِ . ثُمَّ قَالَ الْحُلَسَانِهِ : يَنبَغِي - للسُّلْطَانِ أَلَّا يَلِجُ فِي تَضْلِيعِ حَقٌّ ذَوِي الْحُقُوقِ ، وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ رَجُلَانِ : رَجُلُ طَبْعُهُ الشَّرَاسَةُ ، فَهُوَ كَالحَيَّةِ إِن وطنها الْوَاطِيُّ فَلَمْ تَلْدَغَهُ ، لَمْ يَكُنْ جَدِيرًا أَنْ يَغُرَهُ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَيَعُودَ إِلَى وَطْهَا ثَانِيَا فَتَلَدَعَهُ ، وَرَجُلٌ َأصْلُ طَبَاعِهِ السَّهُولَةُ ، فَهُوَ كَالصَّنْدَلِ الْبَارِدِ الَّذِي إِذَا أُفْرِطَ فِي حَكِه صَارَ حَارًا موذِيًا (1) يمرض " ثُمَّ إِنَّ دِمْنَةَ اسْتَأْنَسَ بِالْأَسَدِ وَخَلَا بِهِ . فَقَالَ لَهُ يَوْمًا : أَرَى و الملِكَ قَدْ أَقَامَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لَا يَبْرَحُ مِنْهُ، فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ فبينما هُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِذْ خَارَ شَتْرَبَةُ خُوَارًا شَدِيدًا : فَهِيجَ - --- الأسدُ وَكَرِهَ أَنْ يُخير دمنة بما نَالَهُ ، وَعَلِمَ دِمْنَةٌ أَنَّ ذلكَ الصَّوْتَ A [٢] قد أَدْخَلَ عَلَى الْأَسَدِ رِيبَةً وهَيْبَةٌ. فَسَأَلَهُ : هَلْ رَابَ الْمَلِكَ سَمَاعُ هَذَا الصَّوْتِ ? قَالَ لَمْ يَرِيْنِي شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ . قَالَ دمْنَةُ : لَيْسَ المَلِكُ بِحَقِيقِ أَنْ يَدَعَ مَكَانَهُ لِأَجْلِ صَوْتٍ . فَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْأَصْوَاتِ تَحِبُ الهَيِّبَةُ قَالَ الْأَسَدُ : وَمَا مَثَلُ ذلِكَ ? [٣] قَالَ دِمْنَةُ : زَعَمُوا أَنَّ ثَعْلَبَا أَتَى أَجَمَةٌ فِيهَا طَبْلُ مُعَلَّقٌ عَلَى شَجَرَةٍ ، وَكُلَّمَا هَبَتِ الريحُ عَلَى قُضْبَانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ حَرَّكَتْهَا ، فضرَبَتِ الطَّبْلَ فَسُمِعَ لَهُ صَوْتُ عَظِيمٌ ، فَتَوَجَّهَ التَّعْلَبُ نَحْوَهُ مونا برا لأَجْلِ مَا سَمِعَ مِنْ عِظَمِ صَوْتِهِ ، فَلَمَّا أَتَاهُ وَجَدَهُ ، فَلَمَّا أَتَاهُ وَجَدَهُ ضَفَا ، فَأَيْقَنَ فِي نَفْسِهِ بِكَثْرَةِ الشَّحْم وَالحْم . فَعَالَه حَتَّى شَقَّهُ . فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ لَا شَيْءٍ فِيهِ ، قَالَ : لَا أَدْرِي لَعَلَّ أَقْتَلَ الْأَشْيَاءِ أَجْهَرُهَا صَوْتًا وأَعْظَمُهَا جُنَّةً . وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هذا المثل لِتَعْلَم أَنَّ هَذَا الصَّوْتَ الَّذِي رَاعَنَا ، لَوْ وَصَلْنَا إِلَيْهِ ، لَوَجَدْنَاهُ أَيْسَرَ مِمَّا فِي أَنْفُسِنَا . فَإِنْ شَاءَ المَلِكُ بَعَثَنِي وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ حَتَّى آتِيَهُ بِبَيَانِ هَذَا الصّوْتِ ، فَوَافَقَ الْأَسَدَ قَوْلُهُ ، فَأَذِنَ لَهُ بِالذَّهَابِ نَحْوَ الصَّوْتِ ، فَانْطَلَقَ دِمْنَةٌ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي فِيه شَتْرَبَةٌ ، فَلَمَّا فَصَلَ دِمْنَةً مِنْ عِنْدِ الْأَسَدِ ، فَكَرَ الْأَسَدُ فِي أَمْرِه ، وندمَ عَلَى إِرْسَالِ دِمْنَةَ حَيْثُ أَرْسَلَهُ ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ : ما أَصَبْتُ فِي اثْمَانِي دِمْنَةَ ، وَقَدْ كَانَ بِبَابِي مَطْرُوحًا ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ يَحْضُرُ بَابَ المُلكِ ، وَقَدْ أَبْطلَتْ حُقُوقُهُ مِنْ غيْرِ حَرْمٍ كَانَ مِنْهُ ، أَوْ كَانَ مَبْغِيًّا عَلَيْهِ عِنْدَ سُلْطَانِهِ ، أَوْ كَانَ عِندَهُ مَعْرُوفًا بِالشَّرِهِ وَالْخَرْصِ ، أَوْ كَانَ قَدْ أَصَابَهُ ضُرٌّ وَضِيقُ فَلَمْ يُنْعِشهُ ، أَوْ كَانَ قَدْ اجْتَرَمَ جُرْماً فَهُوَ يَخَافُ الْعُقُوبَةَ مِنْهُ ، أَو كَانَ يَرْجُو شَيْئًا يَضُرُّ المَلِكَ وَلَهُ مِنْهُ نَفْعُ ، أَوْ يَخَافُ فِي شَيْءٍ مِما يَنفَعُهُ ضُرًا ، أَو كَانَ لعَدُو المَلِكِ مُسَالٌ ، ولِمَسَالِمِهِ مُحَارِباً ، فَلَيْسَ السُلطَانُ بِحَقِيقِ أَنْ يَعْجَلَ بِالاِسْتِرْسَالِ إِلَيْهِ ، وَالنِّقَة به ، وَالاِنْتِمَانِ لَهُ : فَإِنَّ دَمْنَةَ دَاهِيَةً أُرِيبُ . وَقَدْ كَانَ بِبَابِي مطرُوحًا مَجْفُوًا . وَلَعَلَهُ قَدِ احْتَمَلَ عَلَيَّ بِذلِكَ ضِعْنًا ، وَلَعَلَّ ذلِكَ يَعْمِلُهُ عَلَى حَيَانَتِي وَإِعَانَةِ عَدُوّى وَنَقِيصَقِي عِنْدَهُ ، وَلَعَلَّهُ صَادَفَ صَاحِبَ الصَّوْتِ أَقوَى سُلْطَانًا مِنِى فَيَرْغَبَ بِهِ عَنِي وَيَميلَ مَعَهُ عَلَى ... ثُمَّ قَامَ مِن مَكَانِهِ فَشَى غَيْرَ بَعِيدٍ ، فَبَصُرَ بدمنَةَ مُقْبِلا تَحوَهُ فَطَابَتْ نَفْسُهُ بِذلِكَ ، وَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ وَدَخَلَ دِمْنَةٌ عَلَى الْأَسَدِ فَقَالَ لَهُ : مَاذَا صَنَعْتَ : وَمَاذَا رَأَيْتَ ؟ قال : رَأَيْتُ ثَوْرًا هُوَ صَاحِبُ الخوارِ وَالصَّوْتِ الَّذِى سَمِعْتَهُ . > قَالَ : فَمَا قُوَّتُهُ ؟ قَالَ : لَا شَوكة له . وقد دنوت منه وحاورته محاوَرَةَ الْأَكْفَاءِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ لِي شَيْئًا . قَالَ الْأَسَدُ : لَا يَغُرَنَّكَ ذلكَ مِنْهُ وَلَا يَصْغُرَنَّ عِنْدَكَ أَمْرُهُ : فَإِنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ لَا تَعْبَا بِضَعِيف الحشيش ، لكِنَّهَا تُحطَّمُ طِوَالَ النَّخْلِ وَعَظِيمَ الشَّجَرِ. قَالَ دِمْنَةُ : لَا تَهَابَنَّ أَيُّهَا المَلِكُ مِنْهُ شَيْئًا ؛ وَلَا يَكْبُرنَ عَلَيْكَ أمرُهُ : فَأَنَا آتِيكَ بِهِ لِيَكُونَ لَكَ عَبْدًا سَامِعًا مُطِيعًا . قَالَ الأسَدُ : دُونَكَ وَمَا بَدَا لَكَ . فَانْطَلَقَ دِمْنَةُ إِلَى التَّوْرِ ، فَقَالَ لَهُ غَيْرَ هَابٍ وَلَا مُكْتَرِبْ : إِنَّ الْأَسَدَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِآتِيَهُ بِكَ ، وَأَمَرَنِي ، إِنْ أَنتَ عَجَلْتَ إِلَيْهِ طَائِعًا ، أَنْ أُومِنَكَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِكَ فِي التَّأَثْرِ عنه وترككَ لِقَاءَهُ ، وَإِنْ أَنتَ تَأَتَّخِرْتَ عَنْهُ وَأَجَمْتَ ، أَن أعجل الرَّجْعَةَ إِلَيْهِ فَأَخْبِرَهُ . قَالَ لَهُ شَتْرَبَةُ : وَمَنْ هُوَ هَذَا الأَسَدُ الَّذِى أَرْسَلَكَ إِلَى : وَأَيْنَ هُوَ ؟ وَمَا حَالُهُ ؟ قَالَ دِمْنَةُ :

هُوَ مَلِكُ السّباعِ ، وَهُوَ بِمَكَانِ كَذَا ، وَمَعَهُ جُندٌ كَثِيرٌ مِنْ جِنْسِهِ فَرعِبَ شَتْرَبَةُ مِنْ ذِكْرِ الأَسَدِ وَالسَّبَاعِ ، وَقَالَ : إِنْ أَنتَ جَعَلْتَ لِي الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِى أَقْبَلْتُ مَعَكَ إِلَيْهِ . فَأَعْطَاهُ دِمْنَةٌ مِنَ الْأَمَانِ مَا وَيْقَ بِهِ . ثُمَّ أَقْبَلَ وَالنَّوْرُ مَعَهُ ، حَتَّى دَخَلَا عَلَى الْأَسَدِ فَأَحْسَنَ الْأَسَدُ إِلَى الثَّوْرِ وَقَرَّبَهُ ؛ وَقَالَ لَهُ : مَتَى قَدِمْتَ هذه البلاد ؟ وَمَا أَقْدَمَكَهَا ؟ فَقَصَّ شَتْرَبَةُ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ . فَقَالَ لَهُ الْأَسَدُ أَصْحَبْنِي وَالْزَمَنِي : فَإِنِّى مُكْرِمُكَ ، فَدَعَا لَهُ النَّوْرُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ . ثُمَّ إِنَّ الْأَسَدَ قَرَّبَ شَتْرَبَةً وَأَكْرَمَهُ وَأَنسَ بِهِ وَأَتَمَنَهُ عَلَى أَسْرَارِه وَشَاوَرَهُ فِي أَمْرِهِ ، وَلَمْ تَزِدْهُ الْأَيَّامُ إِلَّا عَجَباً بِهِ وَرَغْبَةً فِيهِ وَتَقْرِيبًا مِنْهُ ، حَتَّى صَارَ أَخَصَّ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً . فَلَمَّا رَأَى دِمْنَةُ أَنَّ التَّوْرَ قَدِ اخْتَصَّ بِالْأَسَدِ دُونَهُ وَدُونَ أَصْحَابِهِ ، وَأَنَّهُ قَدْ صار صَاحِبَ رَابِهِ وَخَلَوَاتِهِ وَهَوِهِ ، حَسَدَهُ حَسَدًا عَظِياً ، وبَلَغَ . مِنْهُ غَيْظُهُ كُلَّ مَبْلَغ : فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَخِيهِ كَلِيلَةَ ، وَقَالَ لَهُ : أَلَا تَعْجَبُ يَا أَمِي مِنْ عَجْزِ رَأَبِي ، وَصُنْعِي بِنَفْسِي ! وَنَظَرِى فِيمَا يَنْفَعُ الْأَسَدَ ، وَأَغْفَلْتُ نَفَعَ نَفْسِي حَتَّى جَلْبَتُ إِلَى الْأَسَدِ ثَوْرًا غَلَبْنِي عَلَى مَنْزِلَتِي قَالَ كَلِيلَهُ : أَخْبِرْنِي عَن رَأْيِكَ وَمَا تَرِيدُ أَنْ تَعْزِمَ عَلَيْهِ في ذلِكَ . قَالَ دِمْنَةُ : أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ الْيَوْمَ أَرْجُو أَنْ تَزْدَادَ منْزِلَتِي عِنْدَ الأَسَدِ فَوْقَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، وَلكِنْ أَلْتَمِسُ أَنْ أَعُودَ إِلَى مَا كُنتُ عَلَيْهِ : فَإِنَّ أُمُورًا ثَلَاثَةُ الْعَاقِلُ جَدِيرُ بِالنَّظَرِ فِيهَا ، وَالاحْتِيَالِ لَهَا بِجُهْدِهِ : مِنْهَا النَّظَرُ فِيمَا مَضَى مِنَ الضُّرِ وَالنَّفْعِ ، فَيَحْتَرِسُ مِنَ الضُّرَ الَّذى أَصَابَهُ فِيمَا سَلَفَ لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى ذَلِكَ الضَّرِ ، وَيَلْتَمِسُ النَّفْعَ الَّذِى مَضَى وَيَحْتَالُ لِمُعَاوَدَتِهِ ، وَمِنْهَا النظرُ فِيمَا هُوَ مُقِيمُ فِيهِ مِنَ المُنَافِعِ وَالْمُضَارِ ، وَالاسْتِينَاقُ بِمَا يَنْفَعُ وَالهَرَبُ مِمَّا يَضُرُّ ، وَمِنْهَا النَّظَرُ فِي مُسْتَقْبَل مَا يَرْجُو مِنْ قِبَلِ التَّفْعِ ، وَمَا يَخَافُ مِنْ قِبَلِ الضَّرِ ، فَيَستَتِم مَا يَرْجُو وَيَتَوَفَّى مَا يَخَافُ بِجَهْدِهِ . وَإِنِّي لَمَ نَظَرْتُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي بِهِ أَرْجُو أَنْ تَعُودَ مَنْزِلَتِي ، وَمَا غُلِبْتُ عَلَيْهِ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ ، لَمْ أَجِدْ حِيلَةً وَلَا وَجْهَا إِلَّا الاِحْتِمَالَ لا كلِ الْعُشْبِ هَذَا، حَتَّى أُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَاةِ : فَإِنَّهُ إِنْ فَارَقَ الْأَسَدَ عَادَتْ لِي مَنْزِلَتِي . ولعل ذلك يَكُونُ خَيْرًا لِلأَسَدِ : فَإِنَّ إِفْرَاطَهُ فِي تَقْرِيبِ التَّوْرِ خَلِيقَ أَنْ يَشِينَهُ وَيَضَرَهُ في أَمْرِهِ . قَالَ كَليلَةُ : مَا أَرَى عَلَى الْأَسَدِ فِى رَأْيِهِ فِي التَّوْرِ وَمَكَانِهِ مِنْهُ وَمَنْزِلَيْهِ عِنْدَهُ شَيْئًا وَلَا شَرًّا . قَالَ دِمْنَةُ : إِنَّمَا يُولَى السُّلْطَانُ وَيَفْسُدُ أَمْرُهُ مِنْ قِبَلِ سِتَّةِ محرم به خا أَشْيَاءَ : الحَرمَانِ وَالْفِتْنَةِ وَالهَوَى وَالْفَطَاظَةِ وَالزَّمَانِ وَالخُرْق . (1) أتى فلان كفنى أشرف عليه العدو والمراد فتح باب الشر عليه فَأَمَّا الْحِرْمَانُ فَأَنْ يُحْرَمَ صَالِحَ الْأَعْوَانِ وَالنَّصَحَاءِ وَالسَّاسَةِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَتَرَكُ التَفَقَدِ مِنْ هُوَ كَذلِكَ . وَأَمَّا هروه الْفِتْنَةُ فَهِيَ تَحَارُبُ النَّاسِ وَوُقُوعُ الحَرْبِ بَيْنَهُم . وَأَمَّا الهوى فَالْغَرَامُ بِالحَدِيثِ وَاللَّهْوِ وَالشَّرَابِ وَالصَّيْدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْفَطَاظَةُ فَهِيَ إِفْرَاطُ الشَّدَّةِ حَتَّى يَجحَ النِّسَانُ بِالشَّتِم وَاليَد بِالْبَطْسُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمَا ، وَأَمَّا الزَّمَانُ فَهُوَ مَا يُصِيبُ النَّاسَ مِنَ السِّنِينَ وَالمَوْتِ وَنَقْصِ الثَّمَرَاتِ وَالْغَزَوَاتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ . وَأَمَّا الخُرْقُ فَإِعْمَالُ الشِّدَّةِ فِي مَوضِعِ الدِّينِ ، وَالدِّينِ في موضع الشَّدَّةِ . وَإِنَّ الْأَسَدَ قَدْ أُغْرِمَ بِالنَّوْرِ إِغْرَامًا شَدِيدًا هُوَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَنَّهُ خَلِيقُ أَن يَشِينَهُ وَيَضُرَّهُ فِي أَمْرِهِ . قَالَ كِلِيلَةُ : وكيف تطيق الثور وهو أشد مِنكَ وَاكْرَمَ عَلَى الْأَسَدِ مِنْكَ وَأَكْثَرُ أَعْوَانَا ؟ قَالَ دِمْنَةً : لَا تَنظُر إِلَى صِغَرِى وَضَعَفِي : فَإِنَّ الْأُمُورَ لَيْسَتْ بالضَّعْفِ وَلَا الْقُوَّةِ وَلَا الصّغَرِ وَلَا الكبر فِي الجُنَّةِ : فَرُبَّ صَغِيرٍ ضَعِيفَ قَدْ بَلَغَ بِحِيلَتِهِ وَدَهَائِهِ وَرَأْيِهِ ما يعجز عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَقْوِيَاءِ. أَوَلَمْ يَبْلُغُكَ أَنَّ غُرَابًا ضَعِيفًا اختالَ لأَسْوَدَ حَتَّى قَتَلَهُ ؟ قَالَ كَليلَةُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلكَ ؟ قَالَ دِمْنَةٌ : زَعَمُوا أَنَّ غُرَابًا كَانَ لَهُ وَكَرَ فِي شَجَرَةٍ عَلَى جَبَلٍ ؟ وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ جُحْرُ تُعْبَانِ أَسْوَدَ ، فَكَانَ الْغُرَابُ إِذَا فَرَّخَ عَمَدَ الْأَسْوَدُ إِلَى فِرَاخِهِ فَأَكَلَهَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنَ الْغُرَابِ وَأَحْزَنَهُ ، ففَشَكَا ذَلِكَ إِلَى صَدِيقٍ لَهُ مِنْ بَنَاتِ آوَى ؛ وَقَالَ لَهُ : أُرِيدُ مشاوَرَتَكَ فِي أَمْرٍ قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ الْغُرَابُ : قَدْ عَزَمْتُ أَنْ أَذهَبَ إِلَى الْأَسْوَدِ إِذَا نَامَ ، فَأَنْقُرَ عينيهِ ، فَأَفْقَأَهُمَا ، لَعَلَى أَسْتَرِيحُ مِنْهُ . قَالَ ابْنُ آوَى : بِئْسَ الحيلَةُ الَّتِي احْتَلْتَ ، فَالْتَمِسُ أَمْرًا تُصِيبُ فِيهِ بِغَيْتَكَ مِنَ الْأَسْوَدِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُغَرِّرَ بِنَفْسِكَ وَتَخَاطر بها . وَإِيَّاكَ أَن (٣) يكُونَ مَتَلكَ مَثَلَ الْعُلْجُومِ الَّذِي أَرَادَ قَتْلَ السَّرَطَانِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ . قَالَ الْغُرَابُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلكَ ? قَالَ ابْنُ آوَى : زَعموا أن علجوما عشش في مَةٍ كَثِيرَةِ السمك ، فَعَاشَ بِهَا مَا عَاشَ ، ثُمَّ هُرِمَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ صَيْدًا ؛ فَأَصَابَهُ جُوعٌ وجَهْدُ شَدِيدٌ ، فَخَلَسَ حَزِينًا يَلْتَمِسُ الحِيلَةَ (١) طائر أبيض (٢) حيوان بحری معروف ١١٣ في أَمْره ؛ فَمَرَّ بِهِ سَرَطَانُ ، فَرَأَى حَالَتَهُ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَابَةِ والحزن ؛ فَدَنَا مِنْهُ وَقَالَ : مَالِي أَرَاكَ أَيُّهَا الطَّائِرُ هَكَذَا حَزِينًا كَئيبا ؟ قَالَ الْعُلْجُومُ : وَكَيْفَ لَا أَحْزَنُ وَقَدْ كُنْتُ أَعِيشُ مِنْ صَيْدِ مَا هَاهُنَا مِنَ السَّمَكَ * وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ صَيَّادَيْنِ قَدْ مَرَّاً بِهَذَا المَكَانِ ؛ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : إِنَّ هَا هُنَا سَمَعًا كَثِيرًا أَفَلَا نَصِيدُهُ أَوَّلا ? فَقَالَ الْآخِرُ : إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ فِي مَكَانِ كَذَا سَمَعًا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا السَّمَكِ ، فَلْتَبْدَأَ بِذلِكَ ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْهُ جِتْنَا إِلَى هَذَا فَأَفْنَيْنَاهُ . وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُمَا إِذَا فَرَغَا مِمَّا هناك، انتهيا إلى هذهِ الأَجَمَةِ فَاصْطَادًا مَا فِيهَا ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَهُوَ هَلَاكِي وَنَفَادُ مُدَّتِي . فَانْطَلَقَ السَّرَطَانُ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى جَمَاعَةِ السَّمَكِ فَأَخَبَرَهُنَّ بِذلِكَ ، فَأَقْبَلْنَ إِلَى الْعُلْجُومِ فَاسْتَشَرْنَهُ، وَقُلْنَ لَهُ : إِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتُشِيرَ عَلَيْنَا : فَإِنَّ ذَا الْعَقْلِ لَا يَدَعُ مُشَاوَرَةَ عَدُوِهِ . قَالَ الْعُلْجُومُ : أَمَّا مَكَابَرَةُ الصَّيَّادَيْنِ فَلَا طَاقَةَ لِي بِهَا ، وَلَا أَعْلَمُ حِيلَةٌ إِلَّا الْمَصِيرَ إِلَى غَدِيرٍ قَرِيبٍ مِنْ هَاهُنَا ، فِيهِ سَمَكَ وَمِيَاهُ عَظِيمَةً وَقَصَبٌ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُنَ الانتِقَالَ إِلَيْهِ ، كَانَ فيه صَلاحُكُنَّ وَحَصُبُكُنَّ ، فَقُلْنَ لَهُ : مَا يَكُن عَلَيْنَا بِذلِكَ غَيْرُكَ . فَعَلَ الْعُلْجُومُ يَحْمِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَمَكَتَيْنِ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِمَا إِلَى بعض السّلَالِ فَيَأْكُلَهُمَا ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ جَاءَ لِأَخْذِ السَّمَكَتَيْنِ ، فَجَاءَهُ السَّرَطَانُ ، فَقَالَ لَهُ : إِنِّي أَيْضًا قَدْ أَشْفَقْتُ من مكاني هذَا وَاسْتَوحَشْتُ مِنْهُ فَاذْهَبْ بِي إِلَى ذلِكَ الْغَدِير ؛ فَاحْتَمَلَهُ وَطَارَ بِهِ ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الثَّلِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ فِيهِ نَظَرَ السَّرَطَانُ فَرَأَى عِظَامَ السَّمَكَ جَمُوعَةٌ هُنَاكَ ، السَّمَكَ و فَعَلِمَ أَنَّ الْعَلْجُومَ هُوَ صَاحِبَهَا ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ . فَقَالَ فِي نَفْسِهِ : إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ عَدُوَّهُ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا هَالِك ، سواءٌ قَاتَلَ أَمْ لَمْ يُقَاتِلُ كَانَ حَقِيقًا أَن يُقَاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ كَرَما وحفاظ ، ثُمَّ أَهْوَى بِكَلْبَتَيْهِ عَلَى عَنْقِ الْعُلْجُومِ (٢) 6 فَعَصَرَهُ فَمَاتَ ، وَتَخَلَصَ السَّرَطانُ إِلَى جَمَاعَةِ السَّمَك فَأَخْبَرَهُنَّ بِذلِكَ . وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا المُثَلَ لِتَعْلَمَ أَنَّ بَعْضَ الحِيلَةِ (1) . أنهة (٢) كلبنا السرطان

هما قرناء اللذان يشيهان الأداة التي يأخذ بها

الحداد الحديد المحمر أو التي يخرج بها النجار المسامير من الخشب (الكماشة ) . مَهْلَكَةُ لِلْمُحْتَالِ وَلكِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ ، إِنْ أَنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهِ، گان فِيهِ هَلَاكُ الْأَسْوَدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهْلِكَ به نَفْسَكَ ، وَتَكُونُ فيه سَلَامَتكَ . قَالَ الْغُرَابُ : وَمَا ذَاكَ لا قَالَ ابْنُ آوَى : تَنْطَلِقُ فَتَبَصَرُ فِي طَيَرَانِكَ : لَعَلَّكَ أَنْ تَظْفَرَ ة زايدة بِشَيْءٍ مِنْ حَلِي النِّسَاءِ فَتَخَطَفَهُ ، وَلَا تَزَالُ طَائِرًا واقِعا ، بِحَيْثُ لا تَفُوتُ الْعُمُونَ ، حَتَّى تَأْتِيَ بَحْرَ الْأَسْوَدِ فَتَرْمِي بِالْحَلِي عِنْدَهُ . فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَخَذُوا حَلَيْهِمْ وَأَرَاحُوكَ مِنَ الْأَسْوَدِ . فَانْطَلَقَ الْغُرَابُ مُحَلَقًا فِي السَّمَاءِ ، فَوَجَدَ امْرَأَةَ مِنْ بَنَاتِ الْعُظَمَاءِ فَوْقَ سَطْح تَغْتَسِلُ ، وَقَدْ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا وَحُلِيهَا نَاحِيَةً ، فَانْقَضَ وَاخْتَطَفَ مِنْ حُليها عقدًا ، وطَارَ بِهِ ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ، وَلَمْ يَزَلْ طَائِرًا واقعا ، بِحَيْثُ يَرَاهُ كُلَّ أَحَدٍ ؛ حَتَّى انْتَهَى إِلَى جُحْرِ الْأَسْوَدِ ، فَأَلْقَى الْعِقْدَ عَلَيْهِ ، والنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ . فَلَمَّا أَتَوْهُ أَخَذُوا الْعِقْدَ وَقَتَلُوا الْأَسْوَدَ . وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا الْمُثَلَ لِتَعْلَمَ أَنَّ الْحِيلَةَ تُجْرِى مَالَا تُجْزِئُ الْقُوَّةُ . قَالَ كَلِيلَةُ : إِنَّ النَّوْرَ (1) مستديرا في طيرانه كالخاتمة لَوْ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَ شِدَّتِهِ رَأَيْهُ لَكَانَ كَمَا تَقُولُ . وَلَكِنَّ لَهُ مَعَ شِدَّتِهِ وَقُوَّتِهِ حُسْنَ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ . فَمَاذَا تَسْتَطِيعُ لَهُ : قَالَ <> دِمْنَةُ : إِنَّ التَّوْرَ لَكَما ذَكَرْتَ فِي قُوتِهِ وَرَأيهِ ، وَلَكِنَّهُ مُقر لي بِالْفَضْلِ ، وَأَنَا خَلِيقُ أَنْ أَصْرَعَهُ كَمَا صَرَعَتِ الْأَرْنَبُ الْأَسَدَ قَالَ كَلِيلَةُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ ? قَالَ دِمْنَةٌ : زَعَمُوا أَنَّ أَسَدًا كَانَ فِي أَرْضِ كَثِيرَةِ المِيَاهِ وَالْعُشْبِ ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مِنَ الْوُحُوشِ فِي سَعَة المياه والممَرْعَى شَى كَثِيرُ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْفَعُهَا ذَلِكَ خَوْفِهَا مِنَ الأَسَدِ ، فَاجْتَمَعَتْ وَأَتَتْ إِلَى الْأَسَدِ ، فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّكَ لَنُصيب منَّا الدَّابَّةَ بَعْدَ الجَهْدِ وَالتَّعَبِ ، وَقَدْ رَأَيْنَا لَكَ رَأْيَا فِيهِ اند صلاح لكَ وَأَمَنُ لَنَا . فَإِنْ أَنْتَ أَمَّنْتَنَا وَلَمْ تُحْفَنَا ، فَلَكَ عَلَيْنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ دَابَّةٌ نُرْسِلُ بِهَا إِلَيْكَ فِي وَقْتِ غَدَائِكَ : فَرَضِيَ الْأَسَدُ بِذلِكَ ، وَصَالَحَ الْوُحُوشَ عَلَيْهِ ، وَوَفَيْنَ لَهُ بِهِ . ثُمَّ إِنَّ أَرْنَب أصابَتْهَا الْقُرْعَةُ ، وَصَارَتْ غَدَاءَ الْأَسَدِ ، فَقَالَتْ لِلْوُحُوشِ : إنْ أَنْتُنَّ رَفَقْتُنَّ بِي فِيمَا لَا يَضُرُّكُنَّ ، رَجَوْتُ أَنْ أُرِيحَكُنَّ مِن الْأَسَدِ ، فَقَالَتِ الْوُحُوشُ : وَمَا الَّذِي تُكَلِّفِينَنَا مِنَ الْأُمُور ؟ . مملکت قَالَتْ : تَأْمُرْنَ الَّذِي يَنْطَلِقُ بِي إِلَى الْأَسَدِ أَنْ يُمهلني ريم ابْطِئُ عَلَيْهِ بَعْضَ الْإِبْطَاءِ . فَقُلْنَ فَمَا ذُلِكِ لَكِ . فَانْطَلَقَتِ الأرنب مُتَبَاطئَةٌ ، حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَقْتَ الَّذِي كَانَ يَتَعَدَّى فِيهِ الأَسَدُ . ثُمَّ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ وَحْدَهَا رُوَيْدًا ، وَقَدْ جَاعَ ؛ فَغَضِبَ وَقَامَ مِن مَكَانِهِ تَحْوَهَا ، فَقَالَ لَهَا : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت : قَالَتْ أَنَا رَسُولُ الْوُحُوشِ إِلَيْكَ : بَعَثْنَني وَمَعِي أَرْنَبُ لكَ ، فَتَبِعَنِي أَسَدُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الطَّرِيقِ ، فَأَخَذَهَا مِنِّي ، وَقَالَ : أَنَا أَوْلَى هذِهِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْوَحْشِ ، فَقُلْتُ : إِنَّ هَذَا غَدَاءُ الْمَلِكِ أَرْسَلَنِي بِهِ الْوُحُوشُ إِلَيْهِ . فَلَا تَغْصِبَنَّهُ ، فَسَبِّكَ وَشَتَمَكَ . فَأَقْبَلْتُ مُسْرِعَةً لِأُخْبِرَكَ. فَقَالَ الْأَسَدُ : انْطَلِقِ مَعِي فَأَرِينِي مَوْضِعَ هَذَا الْأَسَدِ . فَانْطَلَقَتِ الْأَرْنَبُ إِلَى جُبِّ فِيهِ مَاءً عَامِرٌ سد، صَافٍ ، فَاطَّلَعَتْ فِيهِ ، وَقَالَتْ : هذا المكانُ ، فَاطَّلَعَ الأَسَدُ فَرَأَى ظِلَّهُ وَظِلَّ الْأَرْنَبِ فِي المَاءِ ، فَلَمْ يَسُكَ فِي قَوْلِهَا ، وَوَتَبَ إِلَيْهِ لِيُقَاتِلَهُ ، فَغَرِقَ في الحب . فَانْقَلَبَتِ الْأَرْنَبُ إِلَى الْوُحُوشِ فَأَعْلَمَتهُنَّ صَنِيعَهَا بِالْأَسَدِ . قَالَ كَلِيلَةُ : إِنْ قَدَرْتَ عَلَى هَلَاك قال : النَّورِ بِشَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ مَضَرَة لِلْأَسَدِ فَشانَكَ : فَإِنَّ الثَورَ قَدْ أَضَرَ ، وَبِكَ وَبِغَيْرِنَا مِنَ الْجُنْدِ، وَإِنْ أَنتَ لَمْ تَقْدِر عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِهَلَاكِ الْأَسَدِ ، فَلَا تُقْدِمَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ غَدْرُ مِنِّي وَمِنْكَ . ثُمَّ إِنَّ دِمْنَةَ ترك الدُّخُولَ عَلَى الْأَسَدِ أَيَّامًا كَثِيرَةٌ ، ثُمَّ أَتَاهُ عَلَى خَلْوَةٍ مِنْهُ ؛ فَقَالَ لَهُ الْأَسَدُ : مَا حَبَسَكَ عَنِي مُنْذُ زَمَانٍ لَمْ أَرَكَ . أَلَا بِخَيْرٍ كَانَ انْقِطَاعُكَ : قَالَ دِمْنَةُ : فَلْيَكُن خَيْرًا أَيُّهَا المَلِكُ . قَالَ الْأَسَدُ : وَهَلْ حَدَثَ أَمْرُ : قَالَ دِمْنَهُ : حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَلِكُ يُرِيدُهُ ولَا أَحَدٌ مِنْ جُنْدِهِ . قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : كَلَامُ فَظِيعُ . قالَ : أَخْبِرْنِي بِهِ . قَالَ دِمْنَهُ إِنَّهُ كَلَامُ يَكْرَهُهُ سَامِعَهُ ، وَلَا يَسْجُعُ عَلَيْهِ قَائِلُهُ . وَإِنَّكَ أَيُّهَا المَلِكُ لَذُو فَضِيلَةٍ ، وَرَأْبُكَ يَدُلُّكَ عَلَى أنْ يوجعنِي أَنْ أَقُولَ مَا تَكْرَهُ ، وَأَيْقُ بِكَ أَنْ تَعْرِفَ نُصْحِي وَإِيتَارِي إِيَّاكَ عَلَى نَفْسِي . وَإِنَّهُ لَيَعْرِضُ لِي أَنَّكَ غَيْرُ مُصَدِّقِ فيما أُخبِرُكَ بِهِ ، وَلَكِنِي إِذَا تَذَكَرْتُ وَتَفَكَرْتُ أَنَّ نُفُوسَنَا ، مَعَاشِرَ الْوُحُوشِ ، مُتَعَلَّقَةُ بِكَ لَمْ أَجِدْ بُدا مِنْ أَدَاءِ الْحَقِ الَّذِي يَلْزَمُنِي وَإِنْ أَنتَ لَمْ تَسْأَلْنِي وَخِفْتُ أَلَّا تَقْبَلَ مِني فَإِنَّهُ يُقَالُ : مَنْ كَتَمَ السُّلْطَانَ نَصِيحَتَهُ وَالإِخْوَانَ رَأْيَهُ فَقَدْ جَانَ نَفْسَهُ . قَالَ الْأَسَدُ : فَمَا ذَاكَ : قَالَ دِمْنَةُ : حَدَّثَنِي الْأَمِينُ الصَّدُوقُ عِنْدِي أَنَّ شَتْرَبَةً خَلَا بِرُءُوسِ جُندِكَ ، وَقَالَ : قَدْ خَبَرْتُ الأَسَدَ وَبَلُوتُ رَايَهُ وَمَكَيدَتَهُ ن اگر ہوئی G وَقُوتَهُ : فَاسْتَبَانَ لِي أَنَّ ذَلِكَ يَقُولُ مِنْهُ إِلَى ضَعْفٍ وَعَجْرٍ وَسَيَكُونُ لِي وَلَهُ شَأْنُ مِنَ الشَّيُونِ . فَلَمَّا بَلَغَنِي ذَلِكَ عَلِمْتُ أَنَّ شَتْرَبَةً خَوَّانُ غَدَارُ ، وَأَنَّكَ أَكْرَمْتَهُ الْكَرَامَةَ كُلَّهَا ، وَجَعَلَتَهُ نظير نَفْسِكَ ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِثْلَكَ . وَأَنَّكَ مَتَى زُلْتَ عَنْ مَكَانِكَ صارَ لَهُ مُلْكُكَ ، وَلَا يَدَعُ جُهْدًا إِلَّا بَلَغَهُ فِيكَ . وَقَدْ كَانَ يُقَالُ : إِذَا عَرَفَ المَلِكُ مِنَ الرَّجُلِ أَنَّهُ قَدْ سَاوَاهُ فِي المَنْزِلَةِ بجوارد وَالحَالِ ، فَلْيَصْرَعَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ ، كَانَ هُوَ المَصَرُوعَ . وَشَتَرَبَهُ أَعْلَمُ بِالْأُمُورِ وَأَبْلَغُ فِيهَا ؛ وَالْعَاقِلُ هُوَ الَّذِي يَحْتَالُ لِلْأَمْرِ قَبْلَ تَمَامِهِ وَوُقُوعِهِ : فَإِنَّكَ لَا تَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ وَلَا تَسْتَدْرِكُهُ . فإِنَّهُ يُقَالُ : الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ : حَازِمُ وَأَحْزَمُ مِنْهُ وَعَاجِز ، فَأَحَدُ الحَاَزِمَيْنِ مَنْ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ لَمْ يَدْهَشَ لَهُ ، وَلَمْ يَذْهَبْ قَلْبُهُ شَعَاعا ، وَلَمْ تَني بِهِ حِيلَتُهُ وَمَكِيدَتُهُ الَّتِي يَرْجُو بِهَا المخرج مِنْهُ ؛ ار وَأَحْزَمُ مِنْ هَذَا المُتَقَدِّم ذُو العُدَّةِ الَّذِى يَعْرِفُ الابْتِلَاءَ قَبْلَ وُقُوعِهِ ، فَيُعْظِمُهُ إعْظَامًا ، ويَحْتالُ لَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ : ؛ فَيَحْسِمُ الدَّاءَ قَبْلَ أَنْ يُبْتَلَى بِهِ ، وَيَدْفَعُ الْأَمْرَ قَبْلَ وُقُوعِهِ . (٢) > وأمَّا الْعَاجِرُ فَهُوَ فِي تَرَدَّدٍ وتَمَن وَتَوَانٍ حَتَّى يَهْلِكَ . وَمِنْ أَمْثَالِ ذلِكَ مَثَلُ السَّمَكَاتِ الثَّلَاثِ ، قَالَ الْأَسَدُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ? رو قَالَ دِمْنَةٌ : زَعَمُوا أَنَّ غَدِيراً كَانَ فِيهِ ثَلَاثُ سَمَكَاتِ : كَيْسَةٌ (٣) وَأَكْبَسُ مِنْهَا وَعَاجِرَةٌ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْغَدِيرُ بِنَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ لَا يَكَادُ يَقرَبهُ أَحَدٌ ، وَبِقَرِيهِ نَهْرٌ جَارٍ ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ اجْتَازَ بِذَلِكَ ؛ النَّهْرِ صَيَّادَانِ فَأَبْصَرَا الغَدِيرَ ، فَتَوَاعَدَا أَنْ يَرْجِعَا إِلَيْهِ بِسْبَاكِهِمَا فَيَصِيدًا مَا فِيهِ مِنَ السَّمَكَ ، فَسَمِعَ السَّمَكَاتُ قَوْلَهُمَا : فَأَمَّا أكيسمن (٤) لائیں لَمَا سَمِعَتْ قَوْهُمَا ، وَارْتَابَتْ بِهِمَا ، وَتَخَوفَتْ مِنْهُمَا ، فَلَمْ تُعرِجُ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى خَرَجَتْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ (١) متفرقا (٢) يقطع (٣) مرتفع من الأرض (٤) " لم تقف • 33/ ١٢١ المَاءُ مِنَ النَّهْرِ إِلَى الْغَدِيرِ . وَأَمَّا الْكَيسَةُ فَإِنَّهَا مَكَنت مكانها حَتَّى جَاءَ الصَّيَّادَانِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُمَا ، وَعَرَفَتْ مَا يُرِيدَانِ، ذَهَبَتْ لِتَخْرُجَ مِنْ حَيْثُ يَدْخُلُ المَسَاءُ ، فَإِذَا بِهِمَا قَدْ سَدًّا ذَلِكَ المكان حينَئِذٍ قَالَتْ : فَرَضْتُ ، وَهَذِهِ عَاقِبَةُ التَّفْرِيط ، فَكَيْفَ الحيلةُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ : وَقَلَمَا تَنْجَعُ حِيلَةُ الْعَجَلَةِ وَالْإِرْهَاقِ غَيْرَ أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَقْنَطُ مِن مَنَافِعِ الرَّأْي، وَلَا بَيْنَسُ عَلَى حَالٍ ، ولا يَدَعُ الرَّأْيَ وَالْجَهْدَ . ثُمَّ إِنَّهَا تَمَا وَتَتْ فَطَفَتْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ مُنقَلِبَةٌ عَلَى ظَهْرِهَا تَارَةً ، وَتَارَةٌ عَلَى بَطْنِهَا ، فَأَخَذَهَا الصَّيَّادَانِ فَوَضَعَاهَا عَلَى الْأَرْضِ بَيْنَ النَّهْرِ وَالْغَدِيرِ ؛ فَوَثَبَتْ إِلَى النَّهْرِ فَنَجَتْ ، وَأَمَّا الْعَاجِزَةُ فَلَمْ تَزَلْ فِي إِقْبَالٍ وإِدْبَارِ حَتَّى صِيدَتْ . قَالَ الْأَسَدُ : قَدْ فَهِمْتُ ذَلِكَ ، وَلَا أَظُنُّ التَّوْرَ يَغُشْنِي وَيَرْجُو (٢) 6 لِي الْفَوَائِلَ ، وَكَيْفَ يَفْعَلُ ذلِكَ وَلَمْ يَرَ مِنِّي سُوءًا قَط ? وَلَمْ أَدَعْ خَيْرًا إِلَّا فَعَلْتُهُ مَعَهُ ؟ وَلَا أُمْنِيَّةٌ إِلَّا بَلَغْتُهُ إِيَّاهَا ، قَالَ دِمْنَةٌ : ? إِنَّ اللَّهِيمَ لَا يَزَالُ نَافِعًا نَاصِحًا حَتَّى يُرْفَعَ إِلَى المَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا (٢) الدواهي (1) الضيق والعسر . 5 كليلة ودمنة بے وفا (1) بِأهْل ؛ فَإِذَا بَلَغَهَا السَّمَسَ مَا فَوْقَهَا ، وَلَا سَمَا أَهْلُ الحَيَانَةِ وَالْفُجُورِ : فَإِنَّ اللَّهِيمَ الْفَاحِرَ لَا يَحْدُمُ السُّلْطَانَ وَلَا يَنْصَحُ لَهُ إِلَّا منْ فَرَقِ ، فَإِذَا اسْتَغْنَى وَذَهَبَتِ الهَيْبَةُ عَادَ إِلَى جَوْهَرِهِ ، كَذَنَبِ الكَلْبِ الَّذِي يربط لِيَسْتَقِيمَ فَلَا يَزَالُ مُسْتَوِيا مَا دَامَ مَرَبُوطًا ؛ فَإِذَا حُلَّ الْحَلَى وَاعْوَجَ كَمَا كَانَ . وَاعْلَم أَيهَا المَلِكُ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَقْبَل اره مِنْ نُصَحَائِهِ مَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ مِمَّا يَنْصَحُونَ لَهُ بِهِ ، لَمْ يُحْمَد رَأَيْهُ ، ؛ كالمَرِيضِ الَّذِي يَدَعُ مَا يَبْعَثُ لَهُ الطَّبِيبُ ، وَيَعْمِدُ إِلَى مَا يَسْتَهِيهِ . وَحَقٌّ عَلَى مُوَازِرِ السُّلْطَانِ أَنْ يُبَالِغَ فِي التَّحْضِيضِ لَهُ عَلَى مَا يَزِيدُ سُلْطَانَهُ قُوَةً ويَزِينُهُ، وَالْكَفْ عَمَّا يَضُرُّهُ وَيَسْينُهُ ؛ وَخَيْرُ الْإِخْوَانِ وَالْأَعْوَانِ أَفَلَهُمْ مُداهَيَةٌ فِي النَّصِيحَة ؛ وَخَيْرُ الْأَعْمَالِ أَحَلاهَا عَاقِبَةً ، وَخَيْرُ النِّسَاءِ المُوَافِقةُ لِبَعْلِهَا ، وَخَيْرُ شه ای الثَّنَاءِ مَا كَانَ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَخْيَارِ ، وَأَشْرَفُ المُلُوكِ مَنْ لَمْ يُخَالِطُهُ پرپر بَطَرُ، وَخَيْرُ الْأَخْلَاقِ أَعْوَنُهَا عَلَى الْوَرَعِ ، وَقَدْ قِيلَ : لَوْ أَنَّ امْرَأَ توسد النَّارَ وَافْتَرَشَ الحَيَّاتِ ، كَانَ أَحَقَّ أَلَّا يَنتَهُ النَّوْمُ . (١) خوف ١٢٣ والرَّجُلُ إِذَا أَحَسٌ مِنْ صَاحِبِهِ بِعَدَاوَةٍ يُرِيدُهُ بِهَا ، لَا يَطْمَئِنُ إِلَيْهِ ، وَأَعْجَرُ الْمُلُوكِ آخَذُهُمْ بِالهُوَيْنَى ، وَأَقَلَهُم نَظَراً فِي مُسْتَقْبَل مور ، وأشبههم بِالْفِيلِ الهَائِجِ الَّذِي لَا يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ : فَإِنْ حَزَبَهُ أَمْرُ تَهَاوَنَ بِهِ ، وَإِنْ أَضَاعَ الْأُمُورَ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى قُرَنَائِهِ . قَالَ لَهُ الْأَسَدُ : لَقَدْ أَغْلَظَتَ فِي الْقَوْلِ ، وَقَوْلُ النَّاصِحِ مقْبُول عَمُولُ . وَإِنْ كَانَ شَتْرَبَةٌ مُعَادِيًا لِي ، كَما تَقُولُ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ لِي ضَرًا ، وَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى ذلِكَ وَهُوَ آكِلُ عُشب وَأَنَا آكِلُ لَحْمٍ : وَإِنَّمَا هُوَ لِي طَعَامُ، وَلَيْسَ عَلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةٌ . هم لَيْسَ إِلَى الْغَدْرِ بِهِ سَبِيلٌ بَعْدَ الْأَمَانِ الَّذِي جَعَلْتُهُ لَهُ ، وبعد إكْرَامِي لَهُ ، وَتَنَانِي عَلَيْهِ . وَإِنْ غَيَّرْتُ مَا كَانَ مِنِّي وَبَدَلْتُهُ سَفَهْتُ رَأَبِي وَجَهَلْتُ نَفْسِي وَغَدَرْتُ بِذِمَّتِي . قَالَ دِمْنَهُ : ، لا يَغُرْنَكَ قَوْلُكَ : هُوَ لِي طَعَامُ ولَيْسَ عَلَى مِنْهُ مَخَافَةٌ : فَإِنَّ شَتْرَبَةَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْكَ بِنَفْسِهِ احْتَالَ لَكَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ . وَيُقَالُ نایاب

إنِ اسْتَضَافَكَ ضَيْفَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ أَخْلَاقَهُ فلا تأمنهُ عَلَى نَفْسِكَ ، وَلَا تَأْمَنْ أَنْ يَصِلَكَ مِنْهُ أَوْ بِسَبَبِهِ. ما أَصَابَ الْقَمْلَةَ مِنَ الْبُرْغُوثِ . قَالَ الْأَسَدُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ : قَالَ دِمْنَةُ ؛ زَعَمُوا أَنَّ قَلَةٌ لَرَمَتْ فِرَاشَ رَجُلٍ مِنَ الْأَغْنِيَاء دَهْرًا فَكَانَتْ تُصِيبُ مِنْ دَمِهِ وَهُوَ نَائِمُ لَا يَشْعُرُ، وَتَدَبَّ ديبا رفيقا ، فَكَتَتْ كَذلِكَ حِينًا حَتَّى اسْتَضَافَهَا لَيْلَةَ مِنَ الليالي برْغُوتُ ، فَقَالَتْ لَهُ : بِتَ اللَّيْلَةَ عِندَنَا فِي دَمٍ طَيب وفَرَاشِ لَيْنِ؛ فَأَقَامَ الْبُرْغُوتُ عِندَهَا حَتَّى إِذَا أَوَى الرَّجُلُ إِلَى فِرَاشِهِ وَثَبَ عَلَيْهِ الْبُرْغُوتُ فَلَدَغَهُ لَدْغَةٌ أَيفَظَتْهُ ، وَأَطَارَتِ النَّوْمَ عَنْهُ ، فَقَامَ الرَّجُلُ وَأَمَرَ أَنْ يُفَتَشَ فِرَاشُهُ ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ إِلَّا الْقَمْلَةَ ، فَأُخِذَتْ فَقُصعَت وَفَرَّ الْبُرْغُوتُ ، وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا المَثَلَ لِتَعْلَم أَنَّ صَاحِبَ الشَّرِ لَا يَسْلَمُ مِنْ شَرِّهِ أَحَدٌ ، وَإِنْ هُوَ ضَعُفَ عَنْ ذلِكَ جَاءَ الشَّرِ بِسَبَبِهِ . وَإِنْ كُنتَ لَا تَخَافُ مِنْ شَتْرَبَةٌ، نَفَف غَيْرَهُ مِنْ جُنْدِكَ الَّذِينَ قَدْ حَمَلَهُمْ عَلَيْكَ وَعَلَى عَدَاوَتِكَ ، فَوَقَعَ في نَفْس الأَسَدِ كَلَامُ دِمْنَةَ . فَقَالَ : فَمَا الَّذِي تَرَى إِذًا ? دار کا درد وبماذَا تُشِيرُ ؟ قَالَ دِمْنَةُ : إِنَّ الفَرْسَ لَا يَزَالُ مُتَأَكلاً ، وَلَا يزَالُ صَاحِبُهُ مِنْهُ فِي ألم وأدى حَتَّى يُقارِقَهُ ، وَالطَّعَامُ اللَّذِي (١) قتلت بالظفر . (٢) أخراهم. قَدْ عَفِنَ فِي الْبَطْنِ ، الرَّاحَةُ فِي قَدْفِهِ ، وَالْعَدُو المخَوفُ ، دَوَاوه مه نام مردم - = قتْلُهُ . قَالَ الْأَسَدُ : لَقَدْ تَرَكتي أَكْرَهُ مُحاورة شترَبَة إِيَّايَ ؛ وَأَنَا مُرْسِلُ إِلَيْهِ ، وَذَا كُر لَهُ مَا وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ ، ثُمَّ آمُرُهُ بالحاقِ حَيْثُ أَحَبَّ . فَكرة دمنه ذلِكَ ، وَعَلَمَ أَنَّ الْأَسَدَ مَتَى كَلَّمَ شَتْرَبَةَ فِي ذلِكَ وسَمعَ مِنْهُ جَوَابًا عَرَفَ بَاطِلَ مَا أَتَى بِهِ ، واطَّلَعَ عَلَى غَدْرِهِ وَ كَذِبِهِ ، وَلَمْ يَخفَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ . فَقَالَ لِلْأَسَدِ : أَمَّا إِرْسَالُكَ إِلَى شَتْرَبَة فَلَا أَرَاهُ لَكَ رَأْيَا وَلَا حَزْمًا، فَلْيَنظُرِ الْمَلِكُ فِي ذَلِكَ : فَإِنَّ شَتْرَبَةً مَتَى شَعَرَ بِهَذَا الْأَمْرِ ، خِفْتُ أَن يُعَاجِلَ الملِكَ بِالمُكَابَرَةِ . وَهُوَ إِنْ قَاتَلَكَ قَاتَلَكَ مُسْتَعِدًا ، وَإِنْ بور از لاحق ہوا فَارَقَكَ ، فَارَقَكَ فِرَاقًا يَلِيكَ مِنْهُ النَّقْصُ ، وَيَلْزَمُكَ مِنْهُ الْعَارُ . ك المون. مَعَ أَنَّ ذَوِى الرَّأْيِ مِنَ المُلُوكِ لَا يُعْلِنُونَ عُقُوبَةَ مَنْ لَمْ يُعْلِنُ ذَنْبَهُ ، وَلكِنْ لِكُلِّ ذَنْبٍ عِندَهُمْ عُقُوبَةٌ : فَلِذَنْبِ الْعَلَانِيَةِ عُقُوبَةٌ العلانِيَةِ ، وَلِذَنْبِ السِّرِّ عُقُوبَةُ السِّر. قَالَ الْأَسَدُ : إِنَّ الْمَلِكَ إِذَا عَاقَبَ أَحَدًا عَنْ ظِنَّةٍ ظَنَّهَا مِنْ غَيْرِ تَيَقُنِ بِجُرْمِهِ ، فَنَفْسَهُ (١) تهمة (0) 9. كليلة ودمنة عَاقَبَ وَإِيَّاهَا ظَلَم . قَالَ دِمْنَةُ : أَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا رَأَى الْمَلِكِ ، فَلَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكَ شَتْرَبَةُ إِلَّا وَأَنْتَ مُسْتَعِدَّ لَهُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُصِيبَكَ منْهُ غِرَّةُ أَوْ غَفْلَهُ : فَإِنِّى لَا أَحْسَبُ المَلكَ حِينَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِلَّا سَيَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ هُم بِعَظِيمَةٍ وَمِنْ عَلَامَاتِ ذَلِكَ أَنَّكَ تَرَى لونه متغيرا ، وترى أوصاله ترعد ، وَتَرَاهُ مُلْتَفِنا يَمِينًا وَشِمَالًا ، وَتَرَى تُرْعَدُ، وَتَرَاهُ يَهْر قَرْنَيْهِ فِعْلَ الَّذِي هَمَّ بِالنِّطَاحِ وَالْقِتَالِ ، قَالَ الْأَسَدُ . سأكُونُ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ ؛ وَإِن رَأَيْتُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتَ عَلَيْتُ أَنْ مَا فِي أَمْرِهِ شَكٍّ . برو فَلَمَّا فَرَغَ دِمَنَةٌ مِنْ حَمْلِ الْأَسَدِ عَلَى التَّوْرِ ، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ مَا كَانَ يَلْتَمِسُ ، وَأَنَّ الْأَسَدَ سَيَتَحَذَرُ التَّوْرَ ، -- 6 ويَتَهَيَّأَ لَهُ ، أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ التَّوْرَ لِيُغْرِيَهُ بِالْأَسَدِ، وَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إثْيَانُهُ مِنْ قِبَلِ الْأَسَدِ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَهُ ذَلِكَ فَيَتَأَذَى بِهِ . فَقَالَ : أَيُّهَا المَلِكُ أَلَا آتِي شَتَرَبةَ فَأَنْظُرَ إِلَى حَالِهِ وَأمْرِهِ ، وَأَسْمَعَ كلامَهُ : لَعَلَّى أَطَّلِعُ عَلَى سِرِّهِ ، فَأَطْلِعَ المَلِكَ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى مَا يَظْهَرُ لِي مِنْهُ ؟ فَأَذِنَ لَهُ الْأَسَدُ فِي ذَلِكَ . فَانْطَلَقَ فَدَخَلَ ١٣٧ عَلَى شَتْرَبَةَ كَالْكَثِيبِ الْحَزِينِ . فَلَمَّا رَآهُ الثَّوْرُ رَحَبَ بِهِ ، وَقَالَ : مَا كَانَ سَبَبَ انْقِطَاعِكَ عَنِّى : فَإِنِّي لَمْ أَرَكَ مُنْذُ أَيَّامٍ ؛ وَلَعَلَّكَ فِي سَلَامَةٍ ! قَالَ دِمْنَةُ : وَمَتَى كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّلَامَةِ مَنْ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ ، وَأَمْرُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ فَمَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ ، وَلَا يَنْفَكُ عَلَى خَطَرٍ وخَوف . حَتَّى مَا مِنْ سَاعَةٍ تَمُرُّ وَيَأْمَنُ فِيهَا = عَلَى نَفْسه . قَالَ شَتْرَبَةُ : وَمَا الَّذى حَدَثَ : قَالَ دَمْنَةُ حدَثَ مَا قُدْرَ وَهُوَ كَائِنُ . وَمَن ذَا الَّذِي غَالَبَ الْقَدَرَ : وَمَنْ ذَا الَّذِى بَلَغَ مِنَ الدُّنْيَا جَسِيما مِنَ الْأُمُورِ فَلَمْ يَبْطَرُ ؟ وَمَن ? ذَا الَّذِي بَلَغَ مُنَاهُ فَلَمْ يَغْتَرَ: وَمَنْ ذَا الَّذِي تَبِعَ هَوَاهُ فَلَمْ يخسر؟ وَمَنْ ذَا الَّذِى طَلَبَ مِنَ اللَّيَّامِ فَلَمْ يُحْرَمَ ? وَمَنْ ذَا الَّذِي خَالَطَ الْأَشْرَارَ فَسَلِمَ : وَمَنْ ذَا الَّذِي صَحِبَ السُّلْطَانَ فَدَامَ لَهُ مِنْهُ الْأَمَنُ وَالْإِحْسَانُ : قَالَ شَتْرَبَةُ : إِنِّى أَسْمَعُ مِنْكَ كَلَامًا يَدُلُّ پیریان عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَابَكَ مِنَ الأَسَدِ رَيبُ ، وَهَالَكَ مِنْهُ أَمْرُ . قَالَ أن دمنة أَجَلٍ ، لَقَدْ رَابَنِي مِنْهُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي أَمْرِنَ

.

قالَ شَتْرَبَةٌ: فَفِي نَفْسٍ مَنْ رَابَكَ ؟ قَالَ دِمْنَةُ : قَدْ تَعْلَمُ مَا بَيْنِي وبَيْنَكَ ، وَتَعْلَمُ حَقَّكَ عَلَى ، وَمَا كُنْتُ جَعَلْتُ لَكَ مِنَ الْعَهْدِ وَالمِيثَاقِ أَيَّامَ أَرْسَلَنِي الأَسَدُ إِلَيْكَ ، فَلَمْ أَجِدُ بُدا مِنْ حِفْظِكَ وَإطْلَاعِكَ عَلَى مَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ ما أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ . قَالَ شترَبَةُ : وَمَا الَّذِى بَلَغَكَ ؟ قَالَ دِمْنَةُ : حَدَّثَنِي الخَبِيرُ الصَّدُوقُ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِي قَوْلِهِ أَنَّ الأَسَدَ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَجَلَسَانِهِ : ++ قَدْ أَعْجَبَنِي سَمَنُ الثَّوْرِ ؛ وَلَيْسَ لِي إِلَى حَيَاتِهِ حَاجَةٌ ، فَأَنَا آكِلُهُ وَمُطْعِمُ أَصْحَابِي مِن لَحْمِهِ . فَلَمَّا بَلَغَنِي هَذَا الْقَوْلُ ، وَعَرَفْتُ غَدْرَهُ وَنَقَضَ عَهْدِهِ ، أَقْبَلْتُ إِلَيْكَ لِأَقْضَى حَقَّكَ ، وَتَحْتَالَ أَنْتَ لِأمْرِكَ ، فَلَمَّا سَمِعَ شَتْرَبَةٌ كَلَامَ دِمْنَةً ، وَتَذَكَرَ مَا كَانَ دِمْنَهُ جَعَلَ لَهُ مِنَ الْعَهْدِ وَالمِيثَاقِ ، وَفَكَرَ فِي أَمْرِ الْأَسَدِ ، ظَنَّ أنَّ دِمْنَةً قَدْ صَدَقَهُ وَنَصَحَ لَهُ ، وَرَأَى أَنَّ الْأَمْرَ شَبِيهُ بِمَا قَالَ دِمْنَةٌ . فَأَهَمَّهُ ذَلِكَ ؛ وَقَالَ : مَا كَانَ لِلْأَسَدِ أَنْ يَغْدِرَ بِي وَلَمْ ولا آتِ إِلَيْهِ ذَنْبَ ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ جُنْدِهِ ، مُنْذُ صَحِبَتُهُ ، أَظُنُّ الأَسَدَ إِلَّا قَدْ حُمِلَ عَلَيَّ بِالْكَذِبِ وَشَبَةٌ عَلَيْهِ أَمْرِي : فَإِنَّ الْأَسَدَ قَدْ صَحِبَهُ قَوْمُ سَوْءٍ ؛ وجَرَّبَ مِنْهُمُ الْكَذِبَ وَأُمُورًا هِيَ (1) لبر تُصَدِّقُ عِندَهُ مَا بَلَغَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ : فَإِنَّ مُحْبَةَ الْأَشْرَارِ رُبَّمَا أوْرَثَتْ صَاحِبَهَا سُوءَ ظَيْ بِالأَخيَارِ ، وَحَمَلَتْهُ تَجْرِبَتُهُ عَلَى الْخَطَا خطأ البَطَةِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا رَأَتْ فِي الْمَاءِ ضَوْءَ كَوْكَبٍ ، فَظَتَتْهُ سمكة ، فَخَاَوَلَتْ أَنْ تَصِيدَهَا ، فَلَمَّا جَرَّبَتْ ذلك مرارا ، عَلِمَتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُصَادُ فَتَرَكَتْهُ . ثُمَّ رَأَتْ مِنْ غَدِ ذَلِكَ اليوم سَمَكَةً ، فَظَنَّتْ أَنَّهَا مِثْلُ الَّذِى رَأَتْهُ بِالْأَمْسِ ، فَتَرَكَتْهَا


c. ولم تطلب صيدَهَا . فَإن كَانَ الأسد بَلَغَهُ عَنِي كَذِب فَصَدَقَهُ عَلَى وَمِعَهُ فِي ، فَمَا جَرَى عَلَى غَيْرِى يَجْرِى عَلَى . وَإِنْ كَانَ لم يبلغهُ شَيْءٌ ، وأَرَادَ السُّوءَ لِى مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَنْ أَعْجَبِ الْأُمُورِ . وَقَدْ كَانَ يُقَالُ : إِنَّ مِنَ الْعَجَبِ أَنْ يَطْلُبَ الرَّجُلُ رِضَا صَاحِبِهِ وَلَا يَرْضَى . وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَلْتَمِس ( 1 ) رِضَاهُ فَيَسْخَطَ . فَإِذَا كَانَتِ المَوْحِدَةُ عَنْ عِلَّةٍ ، كَانَ الرِّضَا مَوْجُودًا وَالْعَفُو مَأْمُولًا . وَإِذَا كَانَتْ عَنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ، انْقَطَعَ الرَّجَاءُ : لأَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا كَانَتِ الموجدَةُ فِي وُرُودِهَا ، كَانَ الرِّضَا مَأْمُولاً فِي صُدُورَها . (١) الغضب قَدْ نَظَرْتُ : فَلَا أَعْلَمُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَسَدِ جُرْما ، وَلَا صَغِيرَ ذنب ، ولا كَبِيرَهُ . وَلَعَمْرِى مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَطَالَ مُعْبَةَ صاحب أَنْ يَحْتَرِسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ ، وَلَا أَنْ يَحفَظُ من وو أن يكونَ مِنْهُ صَغِيرة أو كبيرة يكْرَهُهَا صَاحِبَهُ، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ ذَا الْعَقْلِ وَذَا الْوَفَاءِ إِذَا سَقَطَ وَذَا الْوَفَاءِ إِذَا سَقَطَ عِندَه صاحبه سقطة نظر فيها . وعَرَفَ قَدْرَ مَبْلَغ خَطَئِهِ عَمَدًا كَانَ أَوْ خَطَأَ ، ثُمَّ يَنظُرُ هَلْ فِي الصَّفْحَ عَنْهُ أَمْرُ يَخَافُ ضَرَرَهُ وَشَيْنَهُ * فَلَا يُؤَاخِذُ صَاحِبَهُ t بشَيْءٍ يَجِدُ فِيهِ إِلَى الصفح عَنْهُ سَبِيلًا . فَإِنْ كَانَ الْأَسَدُ قَدِ اعْتَقَدَ عَلَى ذَنْبٌ ، فَلَسْتُ أَعْلَمُهُ ، إِلَّا أَنِّي خَالَفْتُهُ فِي بَعْضِ رأْيِهِ نَصِيحَةٌ لَهُ ، فَعَسَاهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَنْزَلَ أَمْرِى عَلَى الْحَرَاءَةِ عَلَيْهِ وَالْخَالَفَةِ لَهُ ، وَلَا أَجِدُ لِي فِي هَذَا الْحَضَرِ إِنما مَا : لأتِي شار داد ✓ لَمْ أَخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ إِلَّا مَا قَد نَدَر مِن مُخَالَفَةِ الرُّشْدِ والمنفعة وَالدِّينِ ، وَلَمْ أَجَاهِرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ جُنْدِهِ وَعِنْدَ ت دینے والا أَصْحَابِهِ ، وَلَكِنَى كُنْتُ أَخْلُو بِهِ وَأَكَلَمُهُ سِرًّا كَلَامَ الهَانِبِ المُوَقِّر . (1) وَعَلَيْتُ أَنَّهُ مَنِ الْتَمسَ الرَّحْصَ مِنْ الْإِخْوَانِ عِندَ المُسَاوَرَةِ ، (}} بجمع رخصة وهي التسهيل وَمِنَ الْأَطِباءِ عِنْدَ الْمَرَضِ ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ عِندَ الشُّبْهَةِ ، أَخْطَأ مَنَافِعَ الرأي ، وَازْدَادَ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ تُورُها ، وحُمل الْوِزْرَ . وَإِن لَّمْ يَكُن هَذَا ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ سكَرَاتِ السُّلْطَانِ : فَإِنَّ مُصَاحَبَةَ السُّلْطَانِ خَطرَةٌ ، وإِن صُوحِبَ بِالسَّلَامَةِ وَالعِقَةِ وَالمَوَدَّةِ وَحُسْنِ الصَّحْبَةِ . وَإِنْ لَمْ يكن هذا ، فَبَعْضُ مَا أُوتِيتُ مِنَ الْفَضْلِ قَدْ جُعِلَ لِي فِيهِ الهلاك . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هذَا وَلَا هَذَا ، فَهُوَ إِذًا مِنْ مَوَاقِع الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ الَّذِي لَا يُدْفَعُ ، وَالْقَدَرُ هُوَ الَّذِي يَسْلُبُ الْأَسَدَ قوته وشدته ؛ وَيُدْخِلُهُ الْقَبْرَ ، وَهُوَ الَّذى يَحْمِلُ الرَّجُلَ الضَّعِيفَ (٢) عَلَى ظَهْرِ الْفِيلِ الهَائِجِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّطْ عَلَى الْحَيَّةِ ذَاتِ الحَمَةِ مَن يَنزِعُ حُمتَهَا وَيَلْعَبُ بِهَا ، وهو الذي يَجْعَلُ الْعَاجِزَ حَازِمًا ، وَيُقْبَطُ الشَّهمَ، وَيُوسِعُ عَلَى الْمُقْتَرِ، وَيُسْجَعُ الحَبَانَ، وَيُجَبْنُ الشَّجَاعَ عِنْدَ مَا تَعْتَرِيهِ الْمَقَادِيرُ مِنَ الْعِلَلِ الَّتِي وُضِعَتْ عَلَيْهَا الْأَقْدَارُ . (1) ارتباكا. (٢) منها الحاد (٣) يعوقه (٤) الفقير قَالَ دِمْنَةُ : إِنَّ إِرَادَةَ الْأَسَدِ بِكَ لَيْسَتْ مِنْ تَحْمِيلِ الْأَشْرَارِ وَلَا سَكْرَةِ السُّلْطَانِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهَا الْغَدْرُ وَالْفُجُورُ مِنْهُ : وووو فَإِنَّهُ فَاجِرُ خَوَانُ غَدَّارُ : لِطَعَامِهِ حَلَاوَةً وَ آخِرُهُ سُم يُمِيتُ ، قَالَ شتربةُ : فَأَرَانِي قَدِ استلذذتُ الحَلاوَة إِذْ ذُقْتُهَا : وَقَدِ انْتَهَيْتُ [٤] إِلَى آخِرِهَا الَّذِي هُوَ المَوْتُ ، وَلَوْلَا الْحَيْنُ مَا كَانَ مُقَامِي عِنْدَ الأسد، وَهُوَاكِلُ لَحْمٍ وَأَنَا آكل عُشْبٍ فَأَنَا فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ كَالنَّحْلَة الَّتِي تَجْلِسُ عَلَى نَوْرِ النَّيْلُوفَرِ إِذْ تَسْتَلَا رِيحه وطعمه ، فتَحْبِسُهَا تِلْكَ اللَّهُ ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ يَنْضَمُّ عَلَيْهَا ، فَتَرْتبَكُ فِيهِ وتموتُ ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنَ الدُّنْيَا بِالكَفَافِ الَّذِي يُغْنِيهِ [٥] . وَطَمَحَتْ عَيْنُهُ إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَتَخَوَّفُ عَاقِبَتهَا ، كَانَ الذُّبَابِ الَّذِي لَا يَرْضَى بِالشَّجَرَةِ وَالرَّيَاحِينِ ، وَلَا يُقْنِعُهُ ذلك، حَتَّى يَطْلُبَ المَسَاءَ الَّذِى يَسَيلُ مِنْ أُذُنِ الْفِيلِ ، فَيَضْرِبُهُ الْفِيلُ بِآذَانِهِ فَيُهْلِكُهُ . وَمَن يَبذُلْ وُدَّهُ وَنَصِيحَتَهُ لِمَنْ لَا يَشْكُرُهُ ، فَهُوَ كَمَن يَبْدُرُ فِي السّباخ . وَمَن يُرْ عَلَى المُعْجَبِ ، فَهُوَ كَمَن (٢) ضرب من الرياحين (٣) ارتفعت يشاوِرُ المَيْتَ أَوْ يُسَارُ الأَصم . قَالَ دِمْنَةٌ : دَعْ عَنكَ هذا الكلامَ وَاحْتَلْ لِنَفْسِكَ . قَالَ شَتْرَبَةُ : بِأَيِّ شَيْءٍ أَحْتَالُ لِنَفْسِي ، إِذَا أَرَادَ الأَسَدُ أَكْلِي ، مَعَ مَا عَرَّفْتَنِي مِن رَأَي الْأَسَدِ وَسُوءِ أَخْلَاقِهِ : وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْ بِي إِلَّا خَيْرًا ، ثُمَّ أَرَادَ أَصْحَابُهُ وو بِمَكْرِهِمْ وَتُخُورِهِمْ هَلَاكِي لَقَدَرُوا عَلَى ذلِكَ فَإِنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ المكرَةُ الظَّلَمَةُ عَلَى الْبَرِيءِ الصَّحِيح ، كَانُوا خُلَقَاءَ أَنْ يُهْلِكُوهُ ، وَإِن كَانُوا ضُعَفَاءَ وَهُوَ قَوِيٌّ ؛ كَمَا أَهْلَكَ الذَّنْبُ وَالْغُرَابُ وَابْنُ اوى الجملَ ، حينَ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ بالمكر والخديعة والخيانة . قَالَ دِمْنَةٌ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ : قَالَ شَتْرَبَةُ : زَعَمُوا أَنَّ أَسَدًا كَانَ فِي أَجَمَةٍ مُجَاوِرَةٍ لِطَّرِيقٍ مِنْ طُرُقِ النَّاسِ ؛ وَكَانَ لَهُ أَصْحَابُ ثَلَاثَةُ : ذِئْبُ وغُرَاب وابْنُ آوَى ؛ وَأَنَّ رُعَاةٌ مَرُوا بِذَلِكَ الطَّرِيقِ ، وَمَعَهُمْ جَمَالُ فَتَخَلَّفَ مِنْهَا جَمَلٌ ، فَدَخَلَ تِلْكَ الأَجَمَةَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْأَسَدِ فَقَالَ لَهُ الْأَسَدُ : مِنْ أَيْنَ أَقْبَاتَ : قَالَ : مِنْ مَوْضِعِ كَذَا قالَ : قَ حَاجَتُكَ ؟ قَالَ : مَا يَأْمُرُنِي بِهِ المَلِكُ . قَالَ : تُقِيمُ عِنْدَنَا فِي السَّعَةِ وَالْأَمْنِ وَالخِصْب . فَأَقَامَ الْأَسَدُ وَالْمَل معه زَمَناً طَوِيلًا . ثُمَّ إِنَّ الأَسدَ مَضَى فِي بَعض الْأَيَّامِ لِطَلَبِ الصَّيدِ ، فَلَقِ فِيلاً عَظِياً ، فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا ، وَأَفَلَتَ 6 منه مُنقَلًا مُتَخَنَا بِالخَراجِ ، يَسِيلُ مِنْهُ الدَّمُ ، وَقَدْ خَدَشَهُ الْفِيلُ بِنْيَابِهِ . فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَانِهِ ، وَقَعَ لَا يَسْتَطِيعُ حَرَاكًا 6 ولَا يَقْدِرُ عَلَى طَلَبِ الصَّيْدِ ، فَلَبِثَ الدِّتْبُ وَالْغُرَابَ وابْنُ آوَى أَيَّاما لا يَجِدُونَ طَعَاماً : لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ فَضَلَاتِ الأسد وَطَعَامِهِ ، فَأَصَابَهُمْ جُوعُ شَدِيدُ وهُزَالُ ، وعَرَفَ (1) الأسَدُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، فَقَالَ : لَقَدْ جُهِدْتُمْ وَاحْتَجْتُمْ إِلَى مَا تَأْكُلُونَ . فَقَالُوا : لَا تَهمِّنَا أَنْفُسُنَا : لكا نَرَى المُلَكَ عَلَى مَا نَرَاهُ . فَلَيْتَنَا تَجِدُ مَا يَأْكُلُهُ وَيُصْلِحُهُ . قَالَ الْأَسَدُ : مَا أَشْكُ به ؟ فِي نَصِيحَتِكُمْ ، وَلكِنِ انْتَشِرُوا لَعَلَّكُمْ تُصِيبُونَ صَيْدًا تَأْتُونَنِي فَيُصِينِي وَيُصِيبَكُمْ مِنْهُ رِزْقُ . نَفَرَجَ الدِّيبُ وَالْغُرَابُ و ابْنُ آوَى مِنْ عِندِ الْأَسَدِ ، فَتَنَحَوْا نَاحِيَةٌ ، وَتَشَاوَرُوا فِيهَا . جهد : حصل له مشقة (1) بَيْنَهُمْ ، وَقَالُوا : مَالَنَا وَلِهَذَا الاكلِ الْعُشْبِ الَّذِي لَيْسَ شَأْنُهُ مِنْ شَأْتِنَا ، وَلَا رَأَيْهُ مِنْ رَأَيْنَا ؟ أَلَا نُزُيِّنَ لِلأَسَدِ فَيَأْكُلَهُ وَيُطْعِمَنَا مِنْ لَيْهِ ؟ قَالَ ابْنُ آوَى : هَذَا مِمَّا لَا نَسْتَطِيعُ ذِكَرَهُ E -- للأسد : لأَنَّهُ قَدْ أَمَنَ الجَمَلَ ، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ ذِمَّتِهِ عَهْدًا . قَالَ الْغُرَابُ : أَنَا أَكْفِيكُمْ أَمْرَ الْأَسَدِ . ثُمَّ انْطَلَقَ فَدَخَلَ عَلَى الأسد ، فَقَالَ لَهُ الْأَسَدُ : هَلْ أَصَبْتَ شَيْئًا ؟ قَالَ الْغُرَابُ وہ

إنَّمَا يُصِيبُ مَن يَسْعَى وَيُبْصِرُ . وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا سَعَى لَنَا وَلَا بصَرَ : لِمَا بِنَا مِنَ الْجُوعِ ، وَلكِن قَدْ وُفَقْنَا لِرأي واجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ ، إِنْ وَافَقَنَا المَلِكُ فَنَحْنُ لَهُ مُجيبُونَ . قَالَ الأَسدُ : وَمَا ذاكَ ؟ قَالَ الْغُرَابُ : هَذَا الجمل اكلُ الْعُشْبِ المُتَمَرِعُ بَيْنَنَا مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لَنَا مِنْهُ ، وَلَا رَدِ عَائِدَةٍ ، وَلَا عَمَلٍ يُعْقِبُ مصْلَحَةٌ ، فَلَمَّا سَمعَ الأَسَدُ ذلِكَ غَضِبَ وَقَالَ : مَا أَخْطَأ رأيك ، وَمَا أَعْجَزَ مَقَالَكَ ، وَأَبْعَدَكَ مِنَ الْوَفَاءِ وَالرَّحْمَةِ ! وَمَا ' كُنتَ حَقِيفًا أَنْ تَجْتَرِكَ عَلَى بِهذِهِ المُقَالَةِ ، وَتَسْتَقْبِلَنِي بِهذا الخطاب ؛ مَعَ مَا عَلَيْتَ مِنْ أتِي قَدْ أَمَنتُ الجملَ ، وَجَعَلْتُ لَهُ مِنْ ذِمَّتِي . أَوَلَمْ يَبْلُغُكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقُ مُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ هِيَ الله أعْظَمُ أَجْرًا مِمَّنْ أَمَنَ نَفْسًا خَائِفَةٌ ، وحَقَنَ دَمًا مُهْدَرًا ? وَقَدْ أَمَنتُهُ وَلَسْتُ بِغَادِرٍ بِهِ . قَالَ الْغُرَابُ : إِنِّي لَأَعْرِفُ مَا يَقُولُ الملِكُ ، وَلكِنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ يُفْتَدَى بِهَا أَهْلُ الْبَيْتِ ، وَأَهْلُ البَيْتِ تُفْتَدَى بِهِمُ الْقَبِيلَةُ ، وَالْقَبِيلَةُ يُفْتَدَى بَهَا أَهْلُ المَصْرِ ؛ وَأهْلُ المِصْرِ فِدَاءُ المَلِكِ . وَقَدْ نَزَلَتْ بِالملك الحَاجَةُ ، وَأَنَا أَجْعَلُ لَهُ مِنْ ذِمَّتِهِ مَخْرَجًا ، عَلَى أَلَّا يَتَكَلَّفَ الْمَلِكُ ذلِكَ ، وَلَا يليهُ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يَأْمُرَ بِهِ أَحَدًا ، وَلا تَحْتَالُ بِحِيلَةٍ لَنَا وَلَهُ . فيهَا إِصْلَاحُ وظَفَرُ . فَسَكَتَ الْأَسَدُ عَنْ جَوَابِ الْغُرَابِ عَنْ هَذَا الخطاب . فَلَمَّا عَرَفَ الغُرَابُ إِقْرَارَ الْأَسَدِ أَتَى أَصْحَابَهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : قَدْ كَلَّمْتُ الْأَسَدَ فِي أَحْلِهِ الجَمَلَ عَلَى أَنْ تَجْتَمِعَ نَحْنُ وَالجَمَلُ عِنْدَ الْأَسَدِ ، فَنَذْكُرَ مَا أَصَابَهُ ، وَنَتَوَجَعَ لَهُ اهْتِمَامًا مِنَّا بأمره ، وَحَرْصًا عَلَى صَلَاحِهِ ، وَيَعْرِضُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَفْسَهُ عَلَيْهِ لا لِيَأْكُلَهُ ، فَيَرُدُّ الْإِحْرَانِ عَلَيْهِ ، وَيُسَفِهَانِ رَأَيْهُ ، ويُبَيِّنَانِ الضَّرَرَ فِي أَكِلِهِ . فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ ، سَلِمْنَا كُنَا وَرَضِيَ الأَسَدُ عَنَّا . فَفَعَلُوا ذلِكَ، وَتَقَدَّمُوا إِلَى الْأَسَدِ ، فَقَالَ الْغُرَابُ :

قد احتجتَ أَيُّهَا المَلِكُ إِلَى مَا يُقَوِّيكَ ، وَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَهَبَ أَنْفُسَنَا لَكَ : فَإِنَّا بِكَ نَعِيشُ ؛ فَإِذَا هَلَكْتَ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَّا بقاءُ بَعْدَكَ ، وَلَا لَنَا فِي الْحَيَاةِ مِنْ خِيَرَةٍ ، فَلْيَأْكُلْنِي الْمَلِكُ : فَقَدْ طِبْتُ بِذلكَ نَفْسًا ، فَأَجَابَهُ الذِّنْبُ وَابْنُ آوَى أَنِ اسْكُتْ ؛ فَلَا خَيْرَ لِلْمَلِكِ فِي أَكْلِكَ ، وَلَيْسَ فِيكَ شِبَعُ، قَالَ ابْنُ آوَى . لكِنْ أَنَا أُشْبِعُ المَلِكَ ، فَلْيَأْكُلْنِي : فَقَدْ رَضِيتُ بِذَلِكَ 6 وطبْتُ عَنْهُ نَفْسًا ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الذَّنْبُ وَالْغُرَابُ بِقَوْلِهِمَا : إِنَّكَ لمُنْتِنُ قَذِرُ . قَالَ الذَّنْبُ : إِنِّي لَسْتُ كَذلِكَ ، فَلْيَا كُلْنِي المَلِكُ ، فَقَدْ سَمَحْتُ بِذلِكَ ، وَطَبْتُ عَنْهُ نَفْسًا ، فَاعْتَرَضَهُ الْغُرَابُ وَابْنُ آوَى وَقَالَا : قَدْ قَالَتِ الْأَطْباءُ : مَنْ أَرَادَ قَتَلَ نَفْسِهِ فَلْيَأْكُلْ لَحْمَ ذِئب . فَظَنَّ الجَمَلُ أَنَّهُ إِذَا عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى الْأَكْلِ ، التمَسُوا لَهُ عُذرا ا الْتَمَسَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ الْأَعْدَارَ ، فَيَسلم وَيَرْضَى الْأَسَدُ عَنْهُ بِذلِكَ ، وَيَنْجُو مِنَ الْمُهَالِكِ . فَقَالَ : لكِنْ أَنَا فِي لِمَلِكِ شِبَعٌ وَرى ؛ وَلَحَمِي طَيِّبٌ هَنَى ، وَبَطْنِي نَظِيفُ ، فَلْيَأْكُلْيَ المَلِكُ ، وَيُطْعِمْ أَصْحَابَهُ وَخَدَمَهُ : فَقَدْ رَضِيتُ بِذلِكَ ، وَطَابَتْ نَفْسِى عَنْهُ ، وَسَمَحَتْ بِهِ . فَقَالَ الذَّنْبُ والْغُرَابُ وَابْنُ آوَى : لَقَدْ صَدَقَ الجَمَلُ وَكَرمَ، وَقَالَ مَا عُرِفَ . ثُمَّ إِنَّهُمْ وَثَبُوا عَلَيْهِ فَرَّقُوهُ . وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا المُثَلَ لِتَعْلَمَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَسَدِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى هَلَاكِي فَإِنِّي لَسْتُ أَقْدِرُ أَنْ أَمْتَنِعَ مِنْهُمْ ، . وَلَا أَحْتَرِسَ ، وَإِنْ كَانَ رَأَى الْأَسَدِ لِي عَلَى غَيْرِ مَاهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْي في ، فَلَا يَنْفَعُنِي ذَلِكَ ، وَلَا يُغْنِي عَنِي شَيْئًا . وَقَدْ يُقَالُ : خَيْرُ السَّلَاطِينِ مَنْ عَدَلَ فِي النَّاسِ . وَلَوْ أَنَّ الْأَسَدَ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ لِي إِلَّا الخيرُ وَالرَّحْمَةُ ، لَغَيَّرَتَهُ كَثْرَةُ الْأَقَاوِيلِ : فَإِنَّهَا إِذَا كَثُرَتْ لم تَلْبَتْ دُونَ أَنْ تُذْهِبَ الرّقَةَ وَالرَّافَةَ . أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ كالقول ؛ وَأَنَّ الْحَجَرَ أَشَدُّ مِنَ الْإِنْسَانِ ؟ فَالْمَاءُ إِذَا دَامَ امحدَارُهُ عَلَى الْحَجَرِ لَمْ يَلبَتْ حَتَّى يَنقَبَهُ وَيَوْثَرَ فِيهِ . وَكَذَلِكَ > or الْقَوْلُ فِي الْإِنْسَانِ . قَالَ دِمْنَةُ : فَمَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ الْآنَ ؟ قَالَ شَتْرَبَةُ : مَا أَرَى إِلَّا الاجْتِهَادَ وَالْجَاهَدَةَ بِالْقِتَالِ : فَإِنَّهُ لَيْسَ للْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ ، وَلَا لِلْمُتَصَدِّقِ فِي صَدَقَتِهِ ، وَلَا لِلْوَرع فِي وَرَعِهِ مِنَ الْأَجْرِ مَا لِلْمُجَاهِدِ عَنْ نَفْسِهِ ، إِذَا كَانَتْ مُجَاهَدَتُهُ على الحَقِّ ، قَالَ دِمْنَةُ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُخَاطِرَ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ يَسْتَطِيعُ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ ذَا الرَّأْي جَاعِلُ الْقِتَالِ آخِرَ الْحِيلِ ؛ وَبَادِى قَبْلَ ذَلِكَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِن رِفْقٍ وَتَمَحل . وَقَدْ قِيلَ : لا تَحْقِرَنَّ الْعَدُوّ الضَّعِيفَ المَهِينَ ، وَلَا سِيمَا إِذَا كَانَ ذَا حِيلَةٍ ويَقْدِرُ عَلَى الْأَعْوَانِ ؛ فَكَيْفَ بِالْأَسَدِ عَلَى جَرَاءَتِهِ وَشِدَّتِهِ فَإِنَّ مَنْ حَقَرَ عَدُوَّهُ لِضَعْفِهِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ وَجَلَ الْبَحْرِ مِنَ [٦] J -- الطيطَوَى قَالَ شَتْرَبَةُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ ؟ قَالَ دِمْنَةُ : زَعَمُوا أَنَّ طَائِرًا مِنْ طُيُورِ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ الطَّيطَوَى كَانَ وَطَنُهُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، وَمَعَهُ زَوْجَةً لَهُ ، فَلَمَّا جَاءَ أَوَانُ تَفْرِيخِهِمَا قَالَتِ الأُنثَى لِلذَّكَرِ : لَوِ الْتَمَسْنَا مَكَانًا حَرِيرًا نُفَرِّخُ فِيهِ : فَإِنِّي أَخْشَى مِن وَكِيلِ الْبَحْرِ إِذَا مَدَّ المَاءُ أَنْ ذهَبَ بِفَرَاحْنَا . فَقَالَ لَهَا : أَفْرِنِي مَكَانَكِ : فَإِنَّهُ مُوَافِقُ لَنَا ، وَالمَاءُ وَالزَّهْرُ مِنَّا قَرِيبٌ ، قَالَتْ لَهُ : يَا غَافِلُ لِيَحْسُنْ نَظَرُكَ : فَإِنِّي أَخَافُ وَكِيلَ الْبَحْرِ أَنْ يَذْهَبَ بِفِرَاحْنَا ، فَقَالَ لَهَا : أَفْرِي [٧] مَكَانَكِ : فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذلِكَ فَقَالَتْ لَهُ : مَا أَشَدَّ تَعَنْتَكَ ! و أما تذكُرُ وَعِيدَهُ وَتَهدَدَهُ إِيَّاكَ أَلَا تَعْرِفُ نَفْسَكَ وَقَدْرَكَ ؟ فَأَبَى أَنْ يُطِيعَهَا . فَلَمَّا أَكْثَرَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهَا ، قَالَتْ لَهُ إِنَّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ النَّاصِحِ يُصِيبُهُ مَا أَصَابَ السُّلَحْفَاةَ حِينَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الْبَطْتَيْنِ . قَالَ الذَّكَرُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ ؟ قالَتِ الْأُنْثَى : زَعَمُوا أَنَّ غَدِيرًا كَانَ عِنْدَهُ عُشْبُ ، وَكَانَ فِيهِ بَطَّتَانِ وَكَانَ فِي الْغَدِيرِ سُلَحْفَاةُ ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَطْتَينِ مَوَدَّةً وصَدَاقَهُ . فَاتَّفَقَ أَنْ غِيضَ ذَلِكَ المَاءُ ؛ فَجَاءَتِ الْبَطَّتَانِ لَوَدَاع السَّلَحْفَاةِ، وَقَالَنَا : السَّلَامُ عَلَيْكَ فَإِنَّنَا ذَاهِبَتَانِ عَنْ هَذَا المَكَانِ لأَجْلِ نُقْصَانِ الْمَاءِ عَنْهُ ، فَقَالَتْ : إِنَّمَا يَبِينُ نُقْصَانُ الْمَاءِ مِثْلِي : فَإِنِي كَأَنَى السَّفِينَةُ لَا أَقْدِرُ عَلَى الْعَيْشِ إِلَّا بِالْمَاءِ . فَأَمَّا أَنْتُمَا فَتَقْدِرَانِ عَلَى الْعَيْشِ حَيْثُ كُنْتُمَا ، فَاذْهَبَابِي مَعَكُما . قالَتَا لَهَا : نَعَمْ . قَالَتْ : كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى حَمْلي ؟ قَالَت : تأْخُذُ بِطَرَفَى عُودٍ ، وتَتَعَلَّقِينَ بِوَسَطِهِ ، وَنَطِيرُ بِكِ فِي الحَوِ . وَإِيَّاكَ ، إِذَا سَمِعْتِ النَّاسَ يَتَكَلَّمُونَ ، أَنْ تَنْطِقِ . ثُمَّ أَخَذَتَاهَا بين فَطَارَنَا بِهَا فِي الْحَوِّ فَقَالَ النَّاسُ : عَجَبٌ : سُلَحْفَاةٌ بطتين ، قَدْ حَمَلَتَاهَا . فَلَا سَمِعَت ذلكَ قَالَتْ : فَقَأَ اللَّهُ أَعْيُنَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، فَلَمَّا فَتَحَتْ فَاهَا بِالنُّطْقِ وَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ فَاتَتْ . قَالَ الذَّكَرُ : قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ ، فَلَا تَخَافِي وَكِيلَ البَحْرِ ، فَلَمَّا مَدَّ المَاءُ ذَهَبَ بِفِرَاخِهِمَا ، فَقَالَتِ الْأُنْثَى : قَدْ عَرَفْتُ فِي بَدء الأمْرِ أَنَّ هَذَا كَائِنَ . قَالَ الذَّكَرُ : سَوْفَ أَنْتَقِمُ مِنْهُ ، ثُمَّ مَضَى إِلَى جَمَاعَةِ الطَّيْرِ فَقَالَ لَهُنَّ : إِنَّكُنَّ أَخَوَانِي وَثِقَاتِي : فَأَعِتَي . قُلْنَ : مَاذَا تُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ : قَالَ : تجتمعنَ وَتَذْهَبْنَ مَعِي إِلَى سَائِرِ الطَّيْرِ ، فَنَشْكُو إِلَيْهِنَّ مَا لَقِيتُ 4 مِنْ وَكِيلِ الْبَحْرِ ، وَنَقُولُ هُنَّ : إِنَّكُنَّ طَيْرُ مِثْلُنَا : فَأَعتَنَا فَقَالَتْ لَهُ جَمَاعَةُ الطَّيْرُ : إِنَّ الْعَنْقَاءَ هِيَ سَيِّدَتُنَا وَمَلِكَتُنَا : فَاذْهَبْ بِنَا إِلَيْهَا حَتَّى نَصِيحَ بِهَا ، فَتَظْهَرَ لَنَا ، فَنَشْكُو إِلَيْهَا مَا نَالَكَ مِن وَكِيلِ الْبَحْرِ ؛ ونَسْأَلَهَا أَنْ تَنْتَقِمَ لَنَا مِنْهُ بِقُوَّةِ مُلْكِهَا . . ثُمَّ إِنَّهُنَّ ذَهَبْنَ إِلَيْهَا مَعَ الطَّيطوى ، فَاسْتَغْتنَها ، ومِحْنَ بها فَتَراءَتْ هُنَّ فَأَخبرتها بِقِصَّتِهِنَّ ، وَسَأَلْنَهَا أَنْ تَسِيرَ مَعَهُنَّ إِلَى مُحَارَبَةِ وَكِيلِ الْبَحْرِ ، فَأَجَابَهُنَّ إِلَى ذلِكَ . فَلَمَّا عَلِمَ وَكِيلُ البَحْرِ أَنَّ الْعَنْقَاءَ قَدْ قَصَدَتْهُ فِي جَمَاعَةِ الطَّيْرِ خَافَ مِنْ مُحَارَبَةِ ملِكٍ لا طَاقَةَ لَهُ بِهِ . فَرَدَّ فِرَاخَ الطَّيطَوَى ؛ وَصَاحَهُ فَرَجَعَتِ الْعَنْقَاءُ عَنْهُ . وَإِنَّمَا حَدَّثْتُكَ بِهذَا الْحَدِيثِ لِتَعْلَمَ أَنَّ الْقِتَالَ مَعَ الْأَسَدِ ، لَا أَرَاهُ لَكَ رَأْيَا . قَالَ شَتْرَبَةٌ : فَمَا أَنَا بِمُقَاتِلِ الْأَسَدِ ولا نَاصِبٍ لَهُ الْعَدَاوَةَ سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً وَلَا مُتَغَيرِ لَهُ عَمَّا كُنتُ عَلَيْهِ ، حَتَّى يَبْدُوَلِي مِنْهُ مَا أَتَخَوَّفُ فَأَغَالِبَهُ ، فَكَرِهَ دِمْنَةٌ قَوْلَهُ ، وَعَلِمَ أَنَّ الأَسَدَ إِنْ لَمْ يَرَ مِنَ التَّورِ الْعَلَامَاتِ الَّتِي كَانَ ذَكَرَهَا لَهُ أتَهَمَهُ وَأَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ . فَقَالَ دِمْنَةٌ لِشَتْرَبَةَ : اذْهَبْ إِلَى الْأَسَد فَسَتَعْرِفُ حِينَ يَنْظُرُ إِلَيْكَ مَا يُرِيدُ مِنْكَ . قَالَ شَتْرَبَةٌ : وَكَيْفَ أَعْرِفُ ذَلِكَ ؟ قَالَ دِمْنَةُ : سَتَرَى الْأَسَدَ حِينَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ مُقْعِيًا عَلَى ذَنَبِهِ ، رَافِعًا صَدْرَهُ إِلَيْكَ ، مَاذَا بَصَرَهُ نَحْوَكَ ، قَدْ نه صَرَ أُذُنَيْهِ ، وَفَغَرَ فَاهُ ، وَاسْتَوَى لِلْوَثْبَةِ . قَالَ شَتْرَبَةُ : إِنْ رَأَيْتُ هذِهِ الْعَلَامَاتِ مِنَ الْأَسَدِ عَرَفَتُ صِدْقَكَ فِي قَوْلِكَ . ثُمَّ إِنَّ دِمْنَةً مَا فَرَغَ مِنْ حَمْلِ الْأَسَدِ عَلَى النَّوْرِ ، وَالتَّوْرِ عَلَى الْأَسَدِ تَوَجَّهَ إلى كليلة . فَلَمَّا الْتَقَيَا ، قَالَ كَلِيلَةُ : إِلَامَ انْتَهَى عَمَلكَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ ؟ قَالَ دِمْنَةٌ : قَرِيبٌ مِنَ الْفَرَاغِ عَلَى مَا أُحِبُّ وتُحِبُّ . ثُمَّ إِنَّ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ انْطَلَقَا جَمِيعًا لِيَحْضُرَا قِتَالَ الأسدِ وَالتَّورِ ، وَيَنْظُرَا مَا يَجْرِى بَيْنَهُمَا ، وَيُعَايِنَا مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أمْرُهُمَا ، وَجَاءَ شَتْرَبَةٌ ، فَدَخَلَ عَلَى الْأَسَدِ ، فَرَاهُ مُفْعِيًا كَما وَصَفَهُ لَهُ دِمْنَهُ ، فَقَالَ : مَا صَاحِبُ السُّلْطَانِ إِلَّا كَصَاحِب الحَيَّةِ الَّتِي فِي مَبِيتِهِ وَمَقِيلِهِ ، فَلَا يَدْرِي مَتَى تَهِيجُ بِهِ . ثُمَّ إِنَّ الْأَسَدَ نَظَرَ إِلَى النَّوْرِ فَرَأَى الدِّلَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا لَهُ دِمْنَةُ : فَلَمْ يَسُكَ أَنَّهُ جَاءَ لِقِتَالِهِ . فَوَالبَهُ، وَنَشَأَ بَيْنَهُمَا الْحَرْبُ ، مرصد واشْتَدَّ قِتَالُ التَّوْرِ وَالْأَسَدِ ، وَطَالَ ، وَسَالَتْ بَيْنَهُمَا الدِّمَاءُ (١) نصبهما للاستماع . فَلَمَّا رَأَى كَليلَةُ أَنَّ الْأَسَدَ قَدْ بَلَغَ مِنْهُ مَا قَدْ بَلَغَ . قَالَ لِدِمْنَةً : أَيُّهَا الْفَسْلُ مَا أَنْكَرَ جَهْلَتَكَ وَأَسْوَا عَاقِبَتكَ فِي تَدْبِيرِكَ ! قَالَ دِمْنَةٌ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ كَلِيلَةُ : جُرِحَ الْأَسَدُ وَهَلَكَ الثَّوْرُ. وَإِنَّ أَخْرَقَ الْحُرْقِ مَنْ حَمَلَ صَاحِبَهُ عَلَى سُوءِ الْخُلُقِ وَالْمُبَارَزَةِ وَالْقِتَالِ، وَهُوَ يَجِدُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ سَبِيلًا . وَإِنَّ الْعَاقِلَ يُدَبِّرُ الْأَشْيَاءَ وَيَقِيسُهَا قبْلَ مُبَاشَرَتِهَا : فَارَجَا أَنْ يَتِمَّ لَهُ مِنْهَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ ، وَمَا خَافَ أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ مِنْهَا الْحَرَفَ عَنْهُ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ . وَإِنِّي لَأَخَافُ عَلَيْكَ عَاقِبَةَ بَغْيِكَ هذَا : فَإِنَّكَ قَدْ أَحْسَنْتَ الْقَوْلَ وَلَمْ تُحْسِنِ العَمَلَ . أَيْنَ مُعَاهَدَتكَ إِيَّايَ أَنَّكَ لَا تَضُرُّ بِالْأَسَدِ فِي تَدْبِيرِكَ ؟ وقد قيل : لاخَيْرَ فِي القُولِ إِلا مَعَ الْعَمَلِ ، وَلَا فِي الْفِقْهِ إِلَّا معَ الْوَرَعِ ، وَلَا فِي الصَّدَقَةِ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ ، وَلَا فِي المَالِ إِلَّا معَ الْجُودِ ، وَلَا فِى الصِّدْقِ إِلَّا مَعَ الْوَفَاءِ ، وَلَا فِي الْحَيَاةِ إِلَّا مَعَ الصَّيَّةِ ، وَلَا فِي الْأَمْنِ إِلَّا مَعَ السُّرُورِ . (١) الغسل : الرذل الذي لا مروءة له . واعْلَمْ أَنَّ الْأَدَبَ يُذْهِبُ عَنِ الْعَاقِلِ الطَّيْشَ ، وَيَزِيدُ الْأَحْمَقَ طَيْشًا ، كَمَا أَنَّ النَّهَارَ يَزِيدُ كُلَّ ذِى بَصَرِ نَظَرًا ، وَيَزِيدُ الخَفَاشَ سُوءَ النَّظَرِ . وَقَدْ أَذْكَرَنِي أَمْرُكَ شَيْئًا سَمِعْتُهُ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : إِنَّ السُّلْطَانَ - إِذَا كَانَ صَالِحاً ، وَوُزَرَاؤُهُ وَزَرَاءَ سُوءٍ، مَنعُوا خَيْرَهُ ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَدْنُوَمِنْهُ . وَمَثَلُهُ فِي ذلِكَ مَثَلُ الماءِ الطَّيِّبِ الَّذِي فِيه التَّمَاسِيحُ : لَا يَقْدِرُ أَحَدُ أَن يَتَنَاوَلَهُ ، وَإِنْ كَانَ إِلَى الْمَاءِ محتاجا . وَأَنتَ يَادمْنَهُ أَرَدْتَ أَلَّا يَدْنُو مِنَ الْأَسَدِ أَحَدٌ سِوَاكَ . وَهذَا أَمْرُ لَا يَصِحُ وَلَا يَتِمَّ أَبَدًا . وذلكَ لِلْمَثَلِ المُضْروبِ : إِنَّ الْبَحْرَ بِأَمْوَاجِهِ ، وَالسُّلْطَانَ بِأَصْحَابِهِ . وَمِنَ الْمُقِ الْحَرْصُ عَلَى الْتِمَاسِ الْإِخْوَانِ بِغَيْرِ الْوَفَاءِ لَهُم ، وَطَلب الآخِرَةِ بِالرِّيَاءِ، وَنَفْعِ النَّفْسِ بِضَرِ الْغَيْرِ ، وَمَا عِظَتِي وَتَأْدِينِي إِيَّاكَ إِلَّا مَا قَالَ الرَّجُلُ لِلطَّائِرِ : لَا تَلْتَمِسُ تَقوِيمَ مَا لَا يَسْتَقِيمُ ، وَلَا تُعَالِج تاديب من مَنْ لَا يَتَأَدَّبُ ، قَالَ دِمْنَةُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ : . [٨] [٩] كليلة ودمنة قَالَ كَلِيلَةُ : زَعَمُوا أَنَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقِرَدَةِ كَانُوا سُكَانَا فِي جَبَلٍ. فَالْتَمَسُوا فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ ذَاتِ رِيَاجٍ وأَمْطَارٍ نَارًا ، فَلَمْ يَجِدُوا . رأوا يَرَاعَةً تَطيرُ كَأَنَّهَا شَرَارَةُ نَارٍ ، فَظَنُّوهَا نَارًا ، وجَمَعُوا حَطَبٌ كَثِيرًا فَأَلْقَوْهُ عَلَيْهَا ، وَجَعَلُوا يَنْفُخُونَ طَمَعًا أَنْ يُوقِدُوا نَارٌ يَصْطَلُونَ بِهَا مِنَ الْبَرْدِ . وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ طَائِرُ عَلَى شَجَرَةٍ ، يَنْظُرُود إِلَيْهِ وَيَنظُرُ إِلَيْهِمْ ، وَقَدْ رَأَى مَا صَنَعُوا ، فَعَلَ يُنَادِيهِمْ وَيَقُولُ لا تتعَبُوا فَإِنَّ الَّذى رَأَيْتُمُوهُ لَيْسَ بِنَارٍ . فَلَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْ عَزَمَ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُمْ لِيَنْهَاهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ ، فَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَعَرَفَ ما عَزَمَ عَلَيْهِ . فَقَالَ لَهُ : لَا تَلْتَمِسُ تَقْوِيمَ مَا لَا يَسْتَقِيمُ . [١٠] فَإِنَّ الْحَجَرَ المَانِعَ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ لَا تُجَرَّبُ عَلَيْهِ السُّيُوفُ وَالْعُودَ الَّذِي لَا يَنْخَنِي لَا يُعْمَلُ مِنْهُ الْقَوْسُ : فَلَا تَتْعَبُ ، فَأَبَ الطَّائِرُ أَنْ يُطِيعَهُ ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْقِرَدَةِ لِيُعَرَّفَهُمْ أَنَّ الْيَرَاعَةَ لَيْسَتْ بنارٍ. فَتَنَاوَلَهُ بَعضُ الْقِرَدَةِ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ فَاتَ . فَهَذَ مَتَلِي مَعَكَ فِي ذَلِكَ . ثُمَّ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ الحَب وَالْفُجُورُ ، وَهُمَا خَلَنَا سُوءٍ ، وَالحِب شَرهُمَا عَاقِبَةً . وَلِهِذَا مَثَلُ . قَالَ دِمْنَةٌ : وما ذلك المثل : رو [١١] قَالَ كَلِيلَةُ : زَعَمُوا أَنَّ حَبا ومغفلاً اشتركا فِي تِجَارَةٍ وَسَافَها بيْنَمَا هُمَا فِي الطَّرِيقِ ، إِذْ تَخَلَّفَ الْمُغَفَّلُ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ ، 6 فَوَجَدَ كيسًا فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ ، فَأَخَذَهُ ، فَأَحَسَ بِهِ الْحَبُّ ، فَرجَعَا إِلَى بَلَدِهِمَا ، حَتَّى إِذَا دَنَوَا مِنَ الْمَدِينَةِ فَعَدَا لِاقْتِسَامِ المالِ . فَقَالَ الْمُعَفَلُ : خُذْ نِصْفَهُ وَأَعْطِنِي نِصْفَهُ ، وَكَانَ الحَبُّ قَدْ قَرَّرَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ بِالْأَلْفِ جَمِيعِهِ ، فَقَالَ لَهُ : موم لَا نَقْتَسِمُ ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ وَالْمُفَاوَضَةَ أَقْرَبُ إِلَى الصَّلَمَاءِ وَالمُخالَطَةِ ؟ ولكن أخُذُ نَفَقَةٌ ، وتَأخُذُ مِثْلَهَا ، وَنَدْفِنُ الْبَاقِيَ فِي أَصْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ : فَهُوَ مَكَانُ حَرِيزُ . فَإِذَا احْتَجْنَا جِئْنَا أَنَا وَأَنْتَ فَنَأْخُذُ ģ = حَاجَتَنَا مِنْهُ ، وَلَا يَعْلَمُ بِمَوْضِعِنَا أَحَدٌ . فَأَخَذَا مِنْهُ يَسِيرًا ، وَدَفَنَا (1) الخداع (٢) الحب : المفسد الخداع اللقيم 33 [١٢] كليلة ودمنة [١٣] الْبَاقِي فِي أَصْلِ دَوحَةٍ ، ودَخَلَا الْبَلَدَ . ثُمَّ إِنَّ الحِبَّ خَالَفَ • الْمُغَفَلَ إِلَى الدَّنَانِيرِ فَأَخَذَهَا، وَسَوَى الْأَرْضَ كَمَا كَانَتْ وَجَاءَ المُعَفَّلُ بَعْدَ ذلِكَ بِأَشْهُرٍ فَقَالَ لِلْخَبِ : قَدِ احْتَجْتُ إِلَى نفقَةٍ فَانْطَلِقَ بِنَا نَأْخُذَ حَاجَتَنَا ، فَقَامَ الحِبُّ مَعَهُ وَذَهَبَ إلى المَكَانِ فَخَفَرًا ، فَلَمْ يَجِدًا شَيْئًا . فَأَقْبَلَ الخَتْ عَلَى وَجْهِهِ يَاطِمُهُ يَقُولُ : لَا تَغْتَرَ بِصُحْبَةِ صَاحِب : خَالَفْتَنِي إِلَى الدَّنَانِيرِ فَأَخَذْتَهَا . فَعَلَ الْمُغفَلُ يَحْلِفُ وَيَلْعَنُ آخِذَهَا وَلَا يَزْدَادُ الحب إِلَّا شِدَّةٌ فِي الظم . وَقَالَ : مَا أَخَذَهَا غَيْرُكَ . وَهَلْ شَعَرَبِهَا أَحَدٌ سِوَاكَ : ثُمَّ طَالَ ذلِكَ بَيْنَهُمَا ، فَتَرَافَعَا إلَى الْقَاضِي ، فَاقْتَصَّ القَاضِي قِصَّهُمَا ، فَادَّعَى الحب أَنَّ المُعَقَلَ أَخَذَهَا ، وَجَحَدَ المُغَفَّلُ . فَقَالَ لِلْخَبَ : أَلَكَ عَلَى دَعْوَاكَ بَيْنَةُ : قَالَ : نَعَمُ الشَّجَرَةُ الَّتِي كَانَتْ الدَّنَانِيرُ عِنْدَهَا تَشْهَدُ لِي أَنَّ المُغفَلَ أَخَذَهَا . وَكَانَ الحَب قَدْ أَمَرَ أَبَاهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَتَوَارَى فِي الشَّجَرَةِ بِحَيْثُ إِذَا سُئِلَتْ أَجَابَ ، فَذَهَبَ أَبُو الحب 124 فَدَخَلَ جَوْفَ الشَّجَرَةِ . ثُمَّ إِنَّ الْقَاضِي مَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الحب أكبَرَهُ ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَالحِبُّ وَالْمُغَفَّلُ مَعَهُ ، حَتَّى وَافَى الشَّجَرَةَ ، فَسَأَلَهَا عَنِ الخَبَرِ . فَقَالَ الشَّيْخُ مِنْ جَوفِهَا : نعَمِ الْمُغَفَّلُ أَخَذَهَا . فَلَمَّا سَمِعَ الْقَاضِي ذَلِكَ اشْتَدَّ تَعَجَّبُهُ . فَدَعَا بِحَطَبٍ وأَمَرَ أَنْ تُحْرَقَ الشَّجَرَةُ ، فَأَضْرِمَتْ حَوْلَهَا الذِيرَانُ فَاسْتَغَاثَ أَبُو الحِب عِنْدَ ذلِكَ . فَأُخْرِجَ وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى الهلاك . فَسَأَلَهُ الْقَاضِي عَنِ الْقِصَّةِ فَأَخَبَرَهُ بِالخَبَرِ ، فَأَوْقَعَ . [١٤] بالحب ضَرْباً ، وبِأَبِيهِ صَفَعًا ، وَأَرْكَبَهُ مَشْهُورًا ، وَغَرَّمَ الحِبَّ الدنانير ، فَأَخَذَهَا وَأَعْطَاهَا الْمُغَفَّلَ . وَإِمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا المَثَلَ لِتَعْلَمَ أَنَّ الْخَبَّ وَالْخَدِيعَةَ رُبَّمَا و كَانَ صَاحِبُهُمَا هُوَ الْمَغْبُونَ . وَإِنَّكَ يَادِمْنَةُ جَامِعُ لِلْخَبِّ وَالحَدِيعَةِ وَالْفُجُورِ ، وَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ ثَمَرَةَ عَمَلِكَ ، مَعَ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَاجٍ مِنَ الْعُقُوبَةِ : لِأَنَّكَ ذُو لَوْنَيْنِ وَلِسَانَيْنِ . وَإِنَّمَا عُذُوبَةً مَاء الأَنْهَارِ مَا لَمْ تَبْلُغَ إِلَى الْبِحَارِ. وَصَلَاحُ أَهْلِ الْبَيْتِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمُ المُفْسِدُ. وَإِنَّهُ لَا شَيْءَ أَشبَهُ بِكَ مِنَ الْحَيَّةِ ذَاتِ النِّسَانَيْنِ الَّتِي فيهَا السُّمَّ : فَإِنَّهُ قَدْ يَجْرِى مِن لِسَانِكَ كَسُمِّهَا . وَإِنِّى لَمْ أَزَلْ لذلكَ السم مِنْ لِسَانِكَ خَائِفًا ، ولِمَ يَحل بِكَ مُتَوَقعًا ، وَالْمُفْسِدُ بَيْنَ الْإِخْوَانِ وَالْأَصْحَابِ كَالْحَيَّةِ يُرَبِّهَا الرَّجُلُ وَيُطْعِمُهَا وَيُمَسحُهَا وَيُكْرِمُهَا ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْهَا غَيْرُ اللَّدْعَ . وَقَدْ يُقَالُ : الْزَمَ ذَا الْعَقْلِ وَذَا الْكَرَمِ، وَاسْتَرْسِلْ إِلَيْهِمَا ، وَإِيَّاكَ و مُفَارَقَتْهُمَا ، وَأَصْحَب الصَّاحِبَ إِذَا كَانَ عَاقِلًا كَرِيمًا أَوْ عَاقِلًا غَيْرَ كَرِيمٍ : فَالْعَاقِلُ الْكَرِيم كَامِلُ ، وَالْعَاقِلُ غَيْرُ الْكَرِيم أَصْحَبُه ، وإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْمُودِ الخَلِيقَةِ ، وَاحْذَرُ مِنْ سُوءٍ أَخْلَاقِهِ وَانْتَفَعُ بِعَقْلِهِ ، وَالكَرِيمُ غَيْرُ الْعَاقِلِ ، الزَمَهُ وَلَا تَدَعْ مُوَاصَلَتَهُ ، وَإِذْ كنت لا تَحَمدُ عَقَلَهُ، وَانْتَفِعُ بكَرَمِهِ ، وَانْفَعَهُ بِعَقْلِكَ ، وَالْفِرَار كُلَّ الْفِرَارِ مِنَ اللَّهِيمِ الْأَحْمَقِ. وَإِنِّى بِالْفِرَارِ مِنْكَ بِحَدِيرُ . 390 وكيفَ يَرْجُو إِخوانكَ عِندَكَ كَرَما وَوُدًا وَقَدْ صَنَعْتَ بِمَلكك = الَّذِى أَكْرَمَكَ وَشَرَفَكَ مَا صَنعت ؟ وَإِنَّ مَثَلَكَ مَثَلُ التَّاجِرِ الَّذِي [١٥] ١٥١ قَالَ : إِنَّ أَرْضًا تَأْكُلُ جِرْدانُها مِائَةَ مَنْ حَدِيدًا ، لَيْسَ بِمُسْتَنكَرٍ على بُزَاتِهَا أَنْ تَحْتَطِفَ الْأَفْبَالَ. قَالَ دِمْنَةٌ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ! قَالَ كَلِيلَةُ : زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ بِأَرْضِ كَذَا تَاجِرُ، فَأَرَادَ الْخُرُوجَ 6 إِلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ لِابْتِغَاءِ الرِّزْقِ ، وَكَانَ عِنْدَهُ مِائَهُ مَنْ حَدِيدًا؛ فَأَوْدَعَهَا رَجُلًا مِنْ إِخْوَانِهِ ، وَذَهَبَ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ ذلِكَ بِمُدَّةٍ ، فَاءَ وَالْتَمَسَ الحَدِيدَ ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ قَدْ أَكَلَتَهُ الخرْذَانُ ، فَقَالَ : قَد سَمِعْتُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَقْطَعُ مِنْ أَنْيَا بِهَا لِلْحَدِيدِ . فَفَرِحَ الرَّجُلُ بِتَصْدِيقِهِ عَلَى مَا قَالَ وَادَّعَى . ثُمَّ إِنَّ التَّارَ خَرَجَ ، فَلَقِ ابْنَا لِلرَّجُلِ ، فَأَخَذَهُ وَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ : هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ بِابْنِي : فَقَالَ لَهُ النَّارُ : إِنِّي لَمَ نَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ بِالْأَمْسِ ، رَأَيْتُ بَازِيًا قدِ اخْتَطَفَ صَبيًا ، وَلَعَلَهُ ابْنُكَ . فَلَطَمَ الرَّجُلُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ : يَا قَوْمِ هَلْ سَمِعْتُمْ أَو رَأَيْتُمْ أَنَّ الْبُزَاةَ تَخْطَفُ الصِّبْيَانَ : فَقَالَ : نَعَمْ . وَإِنَّ أَرْضًا تَأْكُلُ حَرْذَانَهَا مِائَةَ مَنْ حَدِيدًا لَيْسَ (1) من نوع العيران مفرده برد (٢) المر : وطلات • يعجب أن تختطف براتُهَا الْفِيلَةَ . قَالَ لَهُ الرَّجُلُ : أَنَا أَكَلْتُ حَدِيدَكَ وَهَذَا تَمَنْهُ . فَارْدُدْ عَلَى ابْنِي . وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هذا المُثَلَ لِتَعْلَمَ أَنَّكَ إِذَا غَدَرْتَ بِصَاحِبِكَ فَلَا شَكَ أَنَّكَ يمَن سِوَاهُ أَغْدَرُ ؛ وَأَنَّهُ إِذَا صَاحَبَ أَحَدٌ صَاحِبًا وغَدَرَ بِمَنْ سوَاهُ فَقَدْ عَلَمَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِندَهُ لِلْمَوَدَّةِ مَوْضِعُ : فَلَا شَيْءَ رو م الله أضيعُ مِن مَوَدَّةٍ تُمْنَحُ مَنْ لَا وَفَاءَ لَهُ ، وَحِبَاءٍ يُصْطَنَعُ عِنْدَ مَنْ -- لا شُكْرَ لَهُ، وَأَدَبِ يُعْمَلُ إِلَى مَنْ لَا يَتَأَدَّبُ بِهِ وَلَا يَسْمَعُهُ وسر يُستَودَعُ مَن لَا يَحْفَظُهُ ، فَإِنَّ مُحَبَةَ الْأَخْيَارِ تُورِثُ الخَيْرَ ، ، وصحبةَ الأَشْرَارِ تُورِثُ الشَّرَّ : كَالرِّيحِ إِذَا مَرَّتْ بِالطَّيب حَمَلَتْ طيبًا، وَإِذَا مَرَتْ بِالنَّيْنِ حَمَلَتْ نكناً ، وَقَدْ طَالَ وَثَقُلَ كَلَامِي عَلَيْكَ . فانتهى كَلِيلَةُ مِنْ كَلامِهِ إِلَى هَذَا المَكَانِ وَقَدْ فَرَغَ الأَسَدُ مِنَ التَّورِ . ثُمَّ فَكَرَ فِي قَتْلِهِ بِعَدَ أَنْ قَتَلَهُ وَذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ . وَقَالَ : لَقَدْ بَفَعَنِي شَتْرَبَةٌ بِنَفْسِهِ ، وَقَدْ كَانَ ذَا عَقْل ورأي وخُلُقِ كَريم ، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَانَ بَرِيئًا أَوْ مَكْذُوباً عَلَيْهِ ، خَزَنَ ونَدَمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ ، وَتَبَيَّنَ ذلكَ في وَجْهِهِ ؛ وَبَصُرَ بِهِ دِمْنَةُ ، فَتَرَكَ مُحَاوَرَةَ كَلِيلَةَ ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْأَسَدِ فَقَالَ لَهُ : لِيَهْنِكَ الظَّفَرُ إِذْ أَهْلَكَ اللَّهُ أَعْدَاءَكَ . فَاذَا يُحْزِنُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ : قَالَ : أَنَا حَزِينٌ عَلَى عَقْلِ شَتْرَبَةً وَرَأْيِهِ وأدبِهِ ؟ قَالَ لَهُ دِمْنَهُ : لَا تَرْحَمْهُ أَيُّهَا المَلِكُ : فَإِنَّ الْعَاقِلَ لا يَرْحَمُ مَنْ يَخَافُهُ . وَإِنَّ الرَّجُلَ الْحَازِمَ رُبَّمَا أَبْغَضَ الرَّجُلَ رو وَكَرِهَهُ ، ثُمَّ قَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ : مَا يَعْلَمُ عِندَهُ مِنَ الْغَنَاءِ وَالحِمَايَةِ ، 6 فِعْلَ الرَّجُلِ الْمُتَكَارِهِ عَلَى الدَّوَاءِ السَّنِيعِ رَجَاءَ مَنْفَعَتِهِ ، وَرُبَّمَا أَحَبَّ الرَّجُلَ ، وَعَنْ عَلَيْهِ ، فَأَقْصَاهُ وَأَهْلَكَهُ ، مَخَافَةَ ضَرَرِهِ ؛ كالَّذِى تَلدَعُهُ الحَيَّةُ في إِصْبَعِهِ فَيَقْطَعُهَا ، وَيَتَبَرَّأُ مِنْهَا مَخَافَةَ أَنْ يسرى سُمهَا إِلَى بَدَنِهِ . فَرَضِيَ الْأَسَدُ بِقُولِ دَمَنَةَ . ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذلك بِكَذِبِه وَغَدْرِهِ وَبُخُوره فَقَتَلَهُ شَرَّ قَتْلَةٍ (انتهى باب الأسد والثور)


  1. يحرك ذنبه
  2. ظنا لما يخاف منه .
  3. الشجر الكثير الملتف
  4. الهلاك والمحنة
  5. ضرب من الرياحين (٣) ارتفعت
  6. الطليطوى : ضرب من القطا "
  7. التعنت : إدخال المشقة
  8. يستدفنون
  9. البراع: ذباب يطير بالليل كأنه نار .
  10. الصلد
  11. الخداع (٢) الحب : المفسد الخداع اللقيم 33
  12. شجرة عظيمة
  13. قصد الدنانير مخالفا له سر
  14. شهره كثيره أظهره في شعة
  15. من نوع العيران مفرده برد (٢) المر : وطلات •