كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب ابن الملك وأصحابه
بَابُ ابْنِ الملك وَأَصْحَابه
قَالَ دَبْسَلِيمُ المَلِكُ لِبَيْدَبَا الْفَيْلَسُوفِ : قَدْ سَمِعْتُ هَذَا الْمَثَلَ ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَا يُصِيبُ الخَيْرَ إِلَّا بِعَقْلِهِ وَرَأْيِهِ . وتَنَبَّتِهِ فِي الْأُمُورِ كَما يَزْعُمُونَ ، فَقَا بَالُ الرَّجُلِ الجَاهِلِ يُصِيبُ الرفْعَةَ وَالخَيْرَ ، وَالرَّجُلِ الحَكِيمِ العَاقِلِ قَدْ يُصِيبُ الْبَلَاءَ والضَّرَّة . قَالَ بَيْدَبَا : كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُبْصِرُ إِلَّا بِعَيْنَيْه وَلا يَسْمَعُ إِلَّا بِأُذُنَيْهِ ، كَذلِكَ الْعَمَلُ ، إِنَّمَا هُوَ بِالحلم وَالْعَقْلِ وَالتَتَبتِ ، غَيْرَ أَنَّ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ يَغْلِبَانِ عَلَى ذَلِكَ . وَمَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ ابْنِ المَلِكِ وَأَصْحَابِهِ . قَالَ الْمَلِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ : قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : زَعَمُوا أَنَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ اصْطَحَبُوا فِي طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ ، أَحَدُهُمُ ابْنُ مَلِكِ وَالثَّانِي ابْنُ نَاجِرٍ وَالثَّالِثُ ابْنُ [١] شَرِيفَ ذُو جَمَالٍ وَالرَّابِعُ ابْنُ أَكَارٍ. وَكَانُوا جَمِيعًا مُحْتَاجِينَ وقَدْ أَصَابَهُمْ ضَرَرُ وَجَهَدُ شَدِيدٌ فِي مَوْضِعِ غُرْبَةٍ لَا يَمْلِكُونَ إِلَّا مَا عَلَيْهِم مِنَ الشَّيَابِ ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَمَشُونَ إِذْ فَكَّرُوا فِي أَمْرِهم وَكَانَ كُلَّ إِنْسَانِ مِنْهُمْ رَاجِعًا إِلَى طِبَاعِهِ وَمَا كَانَ يَأْتِيهِ مِنْهُ الخيرُ : قَالَ ابْنُ الملك : إِنَّ أَمْرَ الدُّنْيَا كُلَّهُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ، وَالَّذِي قُدْرَ عَلَى الْإِنْسَانِ يَأْتِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَالصَّبْرُ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَانْتِظَارُهُمَا أَفْضَلُ الأُمُورِ ، وَقَالَ ابْنُ التَّاخِر : الْعَقْلُ أَفضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . وَقَالَ ابْنُ الشَّرِيفِ : الجَمَالُ أَفْضَلُ مَا ذَكَرْتُمْ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْأَكَارِ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَفْضَلُ منَ الْاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ . فَلَمَّا قَرُبُوا مِن مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا مَطْرُونُ ، جَلَسُوا فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا يَتَشَاوَرُونَ : فَقَالُوا لِابْنِ الْأَكَارِ: انْطَلِقُ فَاكْتَسِبْ لَنَا بِاجْتِهَادِكَ طَعَامًا لِيَوْمِنَا هَذَا فَانْطَلَقَ ابْنُ الْأَكَارِ ، وَسَأَلَ عَنْ عَمَلٍ إِذَا عَمِلَهُ الْإِنْسَانُ يَحْتَسِبُ فيه طَعَامَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ فَعَرَفُوهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي تِلْكِ المَدِينَةِ شَيْءٌ أَعَزَّ مِنَ الخَطَبِ ، وَكَانَ الخَطَبُ مِنْهَا عَلَى فَرْسَخ . فَانْطَلَقَ ابْنُ الْأَكَارِ فَاحْتَطَبَ طُنًّا مِنَ . مِنَ الخَطَبِ ، وَانّى بِهِ المدينة (1) حزمة فَبَاعَهُ بِدِرْهَم وَاشْتَرَى بِهِ طَعَامًا وَكَتَبَ عَلَى بَابِ المَدِينَةِ عَملُ يَوْمٍ وَاحِدٍ إِذَا أَجْهَدَ فِيهِ الرَّجُلُ بَدَنَهُ قِيمَتُهُ دِرهم . ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِالطَّعَامِ فَأَكَلُوا . فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ : قالُوا يَنْبَغِي لِلَّذِى قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَعَنَّ مِنَ الْمَالِ أنْ تَكُونَ نَوْبَتُهُ . فَانْطَلَقَ ابْنُ الشَّرِيفِ لِيَأْتِيَ المَدِينَةَ ، فَفَكَرَ فِي نَفْسِهِ وَقَالَ : أَنَا لَسْتُ أَحْسِنُ عَمَلًا فَمَا يُدْخِلُنِي المدينة : هُمَّ اسْتَحْيَا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ طَعَامٍ ، وَهُمْ عُفَارَقَتِهِمْ . فَانْطَلَقَ حَتَّى أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ ، فَغَلَبَهُ النَّوْمُ فَنَامَ . فَدَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ عُظَماء المَدِينَةِ فَرَاقَهُ (1) جَمَالُهُ وَتَوَسمَ فِيهِ شَرَفَ النَّجَارِ فَرَقَ لَهُ وَمَنْحَهُ تَمْسَمِائَةِ دِرْهَم . فَكَتَبَ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ : جَمَالُ يَوْمٍ وَاحِدٍ يُسَاوِى سَمِائَةِ دِرْهَم . وَأَتَى بِالدَّرَاهِمِ إِلَى أَصْحَابِهِ . فَلَمَّا أَصْبَحُوا في الْيَوْمِ الثَّالِثِ ، قَالُوا ِلابْنِ التَّارِ : انْطَلِقُ أَنْتَ فَاطْلُبْ لَنَا بِعَقْلكَ وَتِجَارَتِكَ لِيَوْمِنَا هَذَا شَيْئًا . فَانْطَلَقَ ابْنُ التَّارِ (1) الأم فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى بَصُرَ بِسَفِينَةٍ مِنْ سُفْنِ الْبَحْرِ كَثِيرَةِ المَتَاعِ قَدْ قَدِمَتْ إِلَى السَّاحِلِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا جَمَاعَةُ مِنَ التَّجَارِ يُرِيدُونَ أن يَبْتَاعُوا مَا فِيهَا مِنَ المَتَاعِ . فَلَسُوا يَتَشَاوَرُونَ فِي نَاحِيَةٍ من المركب ، وَقَالَ بَعضُهُمْ لِبَعْضٍ : ارْجِعُوا يَوْمَنَا هَذَا لا نَشْتَرى مِنْهُمْ شَيْئًا حَتَّى يَكْسُدَ المَتَاعُ عَلَيْهِمْ فَيُرْخِصُوهُ عَلَيْنَا ، مَعَ أَنَّنَا مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ، وَسَيَرْخُصُ . خَالَفَ الطَّرِيقَ وَجَاءَ إلى أَصْحَابِ المَرْكَبِ ، فَابْتَاعَ مِنْهُمْ مَا فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفِ (1) و دِينَارٍ نَسِيتَةً وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْقُلَ مَتَاعَهُ إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى . فَلَ سَمِعَ التَّجَارُ ذَلِكَ خَافُوا أَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ الْمَتَاعُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، (٢) فَأَرْبَعُوهُ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَأَحَالَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابَ المَرْكَبِ بِالْبَاقِى ، وَحَمَلَ رِبْحَهُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَكَتَبَ عَلَى بَابٍ 19 - المَدِينَةِ : عَقْلُ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَمَنْهُ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَم . فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الرَّابِعُ قَالُوا لِابْنِ المَلِك : انْطَلِقُ أَنْتَ وَاكْتَسِبْ لَنَا بِقَضَائِكَ وَقَدَرِكَ ، فَانْطَلَقَ ابْنُ الْمَلِكِ حَتَّى أَنَّى إِلَى بَابِ (1) الى أجل (٢) أي مأخذ مائة ألف درهم وأحال الخ . لمَدِينَةِ فَخَلَسَ عَلَى مُتَكَا فِي بَابِ الْمَدِينَةِ ، وَاتَّفَقَ أَنَّ مَلِكَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ مَاتَ وَلَمْ يُخْلِفْ وَلَدًا وَلَا أَحَدًا ذَا قَرَابَةٍ . فَرُوا عَلَيْهِ بِجَنَازَةِ المَلِكِ وَلَمْ يُحْزِنَهُ وَكُلُّهُمْ يَحْزَنُونَ . فَأَنكَرُوا حَالَدٌ وَشَتَمَهُ الْبَوَّابُ ، وَقَالَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ يَا هَذَا ؟ وَمَا يُجْلِسُكَ على بَابِ المَدِينَةِ وَلَا نَرَاكَ تَحْزَنُ لِمَوْتِ المَلِكِ : وَطَرَدَهُ الْبَوَّابُ عَنِ الْبَابِ فَلَمَّا ذَهَبُوا عَادَ الْغُلَامُ فَلَسَ مَكَانَهُ . فَلَمَّا دفنوا المَلِكَ وَرَجَعُوا بَصُرَ بِهِ الْبَوَّابُ فَغَضِبَ وَقَالَ لَهُ : ألَمْ أَنْهَكَ عَنِ الجُلُوسِ فِي هذا الموضع : وَأَخَذَهُ فَبَسَهُ . فلما كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعَ أَهْلُ تِلكَ المَدِينَةِ يَتَشَاوَرُونَ فِيمَنْ مَلكُونَهُ عَلَيْهِمْ ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَتَطَاوَلُ يَنْظُرُ صَاحِبَهُ، وَيَخْتَلِفُونَ يينهُمْ . فَقَالَ لَهُمُ الْبَوَّابُ : إِنِّي رَأَيْتُ أَمْسِ غُلَامًا جَالِسًا بینه عَلَى الْبَابِ ، وَلَمْ أَرَهُ يَحْزَنُ لِحُزْنِنَا ، فَكَلَّمْتُهُ فَلَمْ يُجِبْنِي فَطَرَدتَهُ عَنِ الْبَابِ . فَلَمَّا عُدْتُ رَأَيْتُهُ جَالِسًا ، فَأَدْخَلْتُهُ السِّجْنَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا ، فَبَعَتَتْ أَشْرَافُ أَهْلِ المَدِينَةِ إلَى الْغُلَامِ فَاءُوا بِهِ ، وَسَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ ، وَمَا أَقْدَمَهُ إلى مَدِينَتِهِمْ . فَقَالَ : أَنَا ابْنُ مَلِكِ فَوِيرَانَ ، وَإِنَّهُ لَكَ مَاتَ والدى غَلَبَنِي أَخِي عَلَى المُلْكِ ، فَهَرَبْتُ مِنْ يَدِهِ حَذَرًا عَلَى نَفْسِي حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ . فَلَمَّا ذَكَرَ الْغُلَامُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَمْرِهِ عَرَفَهُ مَنْ كَانَ يَغْشَى أَرْضَ أَبِيهِ مِنْهُمْ ، وأثنوا عَلَى أَبِيهِ خَيْراً . ثُمَّ إِنَّ الْأَشْرَافَ اخْتَارُوا الْغُلَامَ أنْ يُمَلَكُوهُ عَلَيْهِمْ وَرَضُوا بِهِ . وَكَانَ لِأَهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ سُنَةٌ إذَا مَلَكُوا عَلَيْهِمْ مَلِكًا حَمَلُوهُ عَلَى فِيلٍ أَبْيَضَ ، وَطَافُوا بِهِ حوَالَي المَدِينَةِ . فَلَمَّا فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ مَرَّ بِبَابِ المَدِينَةِ فَرَأَى الكتابة عَلَى الْبَابِ فَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ : إِنَّ الْاجْتِهَادَ وَالجَمَالَ والعقلَ وَمَا أَصَابَ الرَّجُلُ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَر أَمَا هُوَ بِقَضَاءِ وَقَدَرٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَدِ ازْدَدْتُ فِي ذَلكَ اعْتِبَارًا بِمَا سَاقَ اللهُ إِلَى مِنَ الْكَرَامَةِ وَالخَيْرِ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِهِ فَخَلَسَ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ وَأَرْسَلَ إلَى أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانَ مَعَهُمْ فَأَحْضَرَهُمْ ، فَأَشْرَكَ صَاحِبَ الْعَقْلِ مَعَ الْوُزَرَاءِ ، وَضَمَّ صَاحِبَ الِاجْتِهَادِ إِلَى أَصْحَابِ الزَّرْعِ ، وأَمَرَ لِصَاحِبِ الجَمَالِ بِمَالٍ كَثِيرٍ ثُمَّ نَفَاهُ كُنْ لَا يُفْتَتَنَ بِهِ . ثُمَّ جَمَعَ عُلَمَاءَ أَرْضِهِ وَذَوِى الرَّأْي مِنْهُمْ وَقَالَ لَهُمْ : أَمَّا أَصْحَابِي فَقَدْ تَيَقَنُوا أَنَّ الَّذِى رَزَقَهُمْ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الخَير إِنَّمَا هُوَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، وَإِنَّمَا أُحِبُّ أَنْ تَعْلَمُوا ذَلِكَ وَتَسْتَيْقِنُوهُ ، فَإِنَّ الَّذِي مَنَخَنِيَ اللهُ وَهَيَّاهُ لِي إِمَا كَانَ بِقَدَرٍ ، وَلَمْ يَكُنْ بِجَمَالٍ وَلَا عَقْلٍ وَلَا اجْتِهَادٍ . وَمَا كُنْتُ أَرْجُو إِذْ طَرَدَنِي أَخِي أَنْ يُصِيبَنِي مَا يُعَينِي مِنَ الْقُوتِ فَضْلًا عَنْ أَنْ أصِيبَ هَذِهِ المَنْزِلَةَ ، وَمَا كُنتُ أَوَّمَلُ أَنْ أَكُونَ بِهَا : لأَنِّى قَدْ رَأَيْتُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ حُسْنًا وَجَمَالاً، وَأَشَدُّ اجْتِهَادًا وَأَسَد رَأيًا ، فَسَاقَنِي الْقَضَاءُ إِلَى أَنِ اعْتَزَزْتُ --- بِقَدَرٍ مِنَ الله ، وَكَانَ فِي ذلِكَ الجمع شَيْخُ فَنَهَضَ حَتَّى اسْتَوَى قائما ، وَقَالَ : إِنَّكَ قَدْ تَكَلَّمْتَ بِكَلامِ كَامِل عَقْلِ وَحكمة ، وَإِنَّ الَّذِي بَلَغَ بِكَ ذلِكَ وُفُورٌ عَقْلِكَ وَحُسْنُ ظَنْكَ وَقَدْ حَقَّقْتَ ظَنَّنَا فِيكَ وَرَجَاءَنَا لَكَ . وَقَدْ عَرَفْنَا مَا ذَكَرْتَ ، ٣١٥ وَصَدَّقْنَاكَ فِيمَا وَصَفْتَ . وَالَّذِى سَاقَ اللَّهُ إِلَيْكَ مِنَ الْمُلْكِ وَالْكَرَامَةِ كُنْتَ أَهْلًا لَهُ ، مَا قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ مِنَ الْعَقْلِ وَالرَّأي . وَإِنَّ أَسْعَدَ النَّاسِ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ رأيا وعقلا . وَقَدْ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْنَا إِذْ وَفَقَكَ لَنَا عِنْدَ مَوْتِ میلكا وَكَرَّمَنَا بِكَ . ثُمَّ قَامَ شَيْخُ آخَرُ سَائِحُ فَمَدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وأثنى عَلَيْهِ وَقَالَ : إِنِّى كُنتُ أَخْدُمُ وَأَنَا غُلَامٌ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ سَائِحا ، رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ ، فَلَمَّا بَدَا لِي رَفْضُ الدُّنْيَا فَارَقْتُ ذلكَ الرَّجُلَ ، وَقَدْ كَانَ أَعْطَانِي مِنْ أَجْرَنِي دِينَارَيْنِ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا ، وَاسْتَبقِي الْآخَرَ ، فَأَتيتُ السُّوقَ ، فَوَجَدْتُ مَعَ رَجُلٍ مِنَ الصَّيَّادِينَ زَوْجَ هُدْهُدٍ ، فَسَاوَمْتُهُ فِيهِمَا فَأَبَى الصَّيَّادُ أَن يَبِيعَهُمَا إِلَّا بِدِينَارَيْنِ ؛ فَاجْتَهَدَتُ أنْ يبيعَنِيهِمَا بِدِينَارٍ وَاحِدٍ فَأَبَى . فَقُلْتُ في نَفْسِي : أَشْتَرى أَحَدَهُمَا وَأَتْرُكُ الْآخَرَ . ثُمَّ فَكَرْتُ وَقُلْتُ لَعَلَّهُمَا
يَكُونَانِ زَوجَينِ ذَكَرًا وَأَنثَى فَأَفَرقَ بَيْنَهُمَا ، فَأَدْرَكَنِي هُمَا رَحْمَةً فَتَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ وَابْتَعْتُهُمَا بِدِينَارَيْنِ وَأَشْفَقْتُ إِنْ أَرْسَلْتُهُمَا فِي أَرْضِ عَامِرَةٍ أَنْ يُصَادًا ، وَلَا يَسْتَطِيعًا أَنْ يَطِيرًا مِمَّا لَقِيَا منَ الْجُوعِ وَالهُزَالِ ، وَلَمْ آمَنْ عَلَيْهِمَا الْآفَاتِ . فَانْطَلَقْتُ بمَا إِلَى مَكَانٍ كَثِيرِ الْمَرْعَى وَالْأَشْجَارِ بَعِيدٍ عَنِ النَّاسِ والْعُمْرَانِ ، فَأَرْسَلْهُمَا ، فَطَارًا وَوَقَعَ عَلَى شَجَرَةٍ مُنْمِرَةٍ . فَلا صَارَا فِي أَعْلَاهَا شَكرا لي ، وَسَمِعْتُ أَحَدَهُمَا يَقُولُ لآخِرِ : لَقَدْ خَلَّصَنَا هَذَا السَّائِحُ مِنَ الْبَلَاءِ الَّذِى كُما فِيهِ ، وَاسْتَنْقَذَنَا وَتَجَانَا مِنَ الْهَلَكَةِ . وَإِنَّا خَلِيقَانِ أَنْ نُكَافِتَهُ بِفِعْلِهِ . وَإِنَّ فِي أَصْلِ هذه الشَّجَرَةِ جَرَّةٌ عَمَلُوءَةً دَنَانِيرَ أفَلَا نَدُلُّهُ عَلَيْهَا فَيَأْخُذَهَا : فَقُلْتُ هُمَا : كَيْفَ تَدُلانِنِي عَلَى كَيْرِ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ وَأَنتُم لَمْ تُبْصِرَا الشَّبَكَةَ ، فَقَالَا إِنَّ الْقَضَاءَ إِذَا نَزَلَ صَرَفَ الْعُيُونَ عَنْ مَوْضِعِ الشَّيْء وَغَنَّى الْبَصَرَ . وَإِنَّمَا صَرَفَ الْقَضَاءُ أَعْيُنَنَا عَنِ الشَّرَكِ وَلَمْ يَصْرِفَهَا (1) عَنْ هَذَا الكَبْرِ ، فَاحْتَفَرْتُ وَاسْتَخْرَجْتُ البَرْنِيةَ وَهِيَ ( 1 ) إناء من خزف مَمْلُوءَةُ دَنَانِيرَ ، فَدَعَوْتُ هُمَا بِالْعَافِيَةِ ، وَقُلْتُ هُمَا الحمدُ لله الَّذِى عَلَمَها مَا لَمْ تَعْلَمَا ، وَأَنتُم تَطِيرَانِ فِي السَّمَاءِ ، وأخْبِرْتُم بِمَا تَحْتَ الْأَرْضِ ، فَقَالَا لِي : أَيُّهَا الْعَاقِلُ 6 أما تَعْلَمُ أَنَّ الْقَدَرَ غَالِبٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أنْ يَنْجَاوَزَهُ . وَأَنَا أَخْبِرُ المُلِكَ بِذلِكَ الَّذِي رَأَيْتُهُ : فَإِنْ أَمَرَ الملِكُ أَتَيْتُهُ بِالمَالِ فَأَوْدَعْتُهُ فِي نَزَائِنِهِ . فَقَالَ الْمَلِكُ درست کر ذلك لَكَ ، وَمُوفَر عَلَيْكَ
- ↑ الأكار : الحراث و جمعه أكرة كأنه جمع آکر