انتقل إلى المحتوى

كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب القرد والغيلم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: المطبعة الأميرية - بولاق (1937)، الصفحات ٢٣٢–٢٤٠
 

باب القرد والفيلم[١]

قَالَ دَبْسَلِيمُ المَلِكُ لِبيدَبَا الفَيَاسُوفِ : قَدْ سَمِعْتُ هَذَا المَثَلَ ، فاضْرِبْ لِي مَثَلَ الرَّجُلِ الَّذِى يَطْلُبُ الحَاجَةَ ، فَإِذَا ظَفَرَ بِهَا أضاعَهَا . قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : إِنَّ طَلَبَ الْحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنَ الاحْتِفَاظِ هَا ، وَمَنْ ظَفِرَ بِحَاجَةٍ ثُمَّ لَمْ يُحْسِنِ الْقِيَامَ بِهَا أَصَابَهُ مَا أَصَابَ الْغَيْلَم . قَالَ المُملِكُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلِكَ؟ قَالَ بَيْدَبَا : زَعَمُوا أَنَّ قِرْدًا يُقَالُ لَهُ مَاهِرُ ، كَانَ مَلِكَ الْقِرَدَةِ ، وَكَانَ قَدْ كَبِرَ وَهَرِمَ ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ قِرْدُ شَابٌ مِنْ بَيْتِ المَمْلَكَةِ فَتَعَلَّبَ عَلَيْهِ ، وَأَخَذَ مَكَانَهُ . نَفَرَجَ هَارِبًا عَلَى وَجْهِهِ ، حَتَّى انتهى إِلَى السَّاحِلِ ، فَوَجَدَ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الدِّينِ ، فَارْتَقَى إِلَيْهَا ، وَجَعَلَهَا مُقَامَهُ . فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدِّينِ إِذْ سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ تِينَةُ فِي المَاءِ ، فَسَمِعَ لَهَا صَوْتًا وَإيقاعا ، بفَعَلَ يَأْكُلُ وَيَرْيِي فِي المَسَاءِ ، فَأَطْرَبَهُ ذَلِكَ : فَأَكْثَرَ مِنْ طَرْحٍ التينِ في المَساءِ ، وَهَمَّ غَيْكُمْ ، كُلَّمَا وَقَعَتْ تِينَةُ أَكَلَهَا . فَلَمَّا و كثر ذلِكَ ظَنَّ أَنَّ الْقِرْدَ إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَجَلِهِ ، فَرَغِبَ في مُصَادَقَتِهِ ، وَأَنِسَ إِلَيْهِ ، وَكَلَّمَهُ ، وَأَلِفَ كُل وَاحِدٍ منهما صاحِبَهُ . وَطَالَتْ غَيْبَةُ الْغَيْلَمَ عَنْ زَوْجَتِهِ : فَزِعَتْ عَلَيْهِ ، وشكت ذلِكَ إِلَى جَارَةٍ لَهَا ، وَقَالَتْ : قَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ قدْ عَرَضَ لَهُ عَارِضُ سُوءٍ فَاغْتَالَهُ ، فَقَالَتْ لَهَا : إِنَّ زَوْجَك بِالسَّاحِلِ قَدْ أَلِفَ قِرْدًا وَأَلِفَهُ الْقِرْدُ : فَهُوَ مُوا كِلُهُ وَمُشَارِبُهُ ، وَهُوَ الَّذِى قَطَعَهُ عَنْكَ ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُقِيمَ عِندَكِ حَتَّى تَحْتَالِي تهلاك القِرْدِ . قَالَتْ : وَكَيْفَ أَصْنَعُ : . قَالَتْ جَارَتُها : إِذَا لِهَلَاكِ وَصَلَ إِلَيْكِ فَتَمَارَضى ، فَإِذَا سَأَلَكِ عَنْ حَالِكِ فَقُولِي : إِنَّ الحكماء وَصَفُوا لِي قَلْبَ قِرْدٍ . ثُمَّ إِنَّ الْغَيْلَمَ انْطَلَقَ بَعْدَ مُدَّةٍ إلى منزله ، فَوَجَدَ زَوْجَتَهُ سَيِّئَةَ الحَالِ مَهْمُومَةً ، فَقَالَ لَهَا الفيلم : مَالِيَ أَرَاكَ هكَذَا ، فَأَجَابَتْهُ جَارَتُهَا ، وَقَالَتْ : إِنَّ زوجتَكَ مَرِيضَةً مِسْكِينَةٌ. وَقَدْ وَصَفَ لَهَا الْأَطْباءُ قَلْبَ قِرْدٍ، ولَيْسَ لَهَا دَوَاءٌ سِوَاهُ ، قَالَ الْغَيْلَمُ : هَذَا أَمْرُ عَسِيرُ ، مِنْ أَيْنَ لَنَا قَلْبُ قَرْدٍ ، وَنَحْنُ فِي المَاءِ ؟ لَكِنْ سَأَحْتَالُ لِصَدِيقِي . ثمَّ انْطَلَقَ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ : فَقَالَ لَهُ الْقَرْدُ يَا أَبِي ، مَا حَبَسَكَ عَنِّي ؟ قَالَ لَهُ الْغَيْلَمُ : مَا حَبَسَنِي عَنْكَ إِلَّا حَيَالِي : فَلَمْ أَعْرِفْ كَيْفَ أَجَازِيكَ عَلَى إِحْسَانِكَ إِلَى : وَأُرِيدُ أَنْ تُتِمَّ إِحْسَانَكَ إِلَى زِيَارَتِكَ لِي فِي مَنْزِلِي : فَإِنِّى سَاكِنُ فِي جَزِيرَةٍ طَيِّبَةِ الْفَاكِهَةِ . فَارْكَبْ ظَهْرِى لِأَسْبَحَ بِكَ . فَرَغِبَ الْقِرْدُ فِي ذَلِكَ ، وَنَزَلَ فركب ظَهْرَ الْغَيْلَم ، فَسَبَحَ بِهِ ، حَتَّى إِذَا سَبَحَ بِهِ ، عَرَضَ لَهُ مَا أَصْمَرَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْغَدْرِ ، فَنَكَسَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ لَهُ قبح - - القِرْدُ : مَا لِيَ أَرَاكَ مُهْتَماً : قَالَ الْغَيْلَمُ : إِنَّمَا هَمِّى لِأَنِّى ذَكَرْتُ أَنَّ زَوْجَتِي شَدِيدَةُ المَرَضِ ، وَذَلِكَ يَمْنَعُنِي مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا أُرِيدُ أَنْ أَبْلُغَهُ مِنْ كَرَامَتِكَ وَمُلَا طَفَتِكَ . قَالَ الْقِرْدُ : إِنَّ الَّذِي أعْرِفُ مِنْ حَرْصِكَ عَلَى كَرَامَتِي يَكْفِيكَ مَرُّونَةَ التَّكَالْفِ . قَالَ الْغَيْلَمُ : أَجَلْ . وَمَضَى بِالْقِرْدِ سَاعَةٌ ، ثُمَّ تَوَقَفَ بِهِ ثَانِيَةً : فَسَاءَ ظَنْ الْقِرْدِ وَقَالَ فِي نَفْسِهِ : مَا احْتِبَاسُ الْعَيْلَم وَإِبْطَاوُهُ إلا لأمر ! وَلَسْتُ آمِنًا أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ قَدْ تَغَيَّر كى ، وَحَالَ عَنْ مَوَدَّنِي ، فَأَرَادَ بِي سُوءًا : فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ أَخَفْ وَأَسْرَعُ تَقَلْبا مِنَ الْقَلْبِ ، وَقَدْ يُقَالُ : يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَلَّا يَغْفَلَ عَنِ الْيَمَاسِ - 6 ا فِي نَفْسٍ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَإِخْوَانِهِ وَصَدِيقِهِ ، عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ ، كُلّ لَحْظَةٍ وَكَلمَةٍ ، وَعِندَ القِيَامِ وَالْقُعُودِ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ ذلِكَ كُلَّهُ يَشْهَدُ عَلَى مَا فِي القُلُوبِ ، وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ إِذَا دَخَلَ قَلْبَ الصَّدِيقِ مِنْ صَدِيقِهِ رِيبَةٌ فَلْيَأْخُذُ بِالحزم في التحفظ مِنْهُ ، وَلْيَتَفَقَدْ ذلكَ فى لَحَظَا وَحَالَاتِهِ . فَإِنْ كَانَ مَا يَظُنُّ حَقًّا ظَفِرَ بِالسَّلَامَةِ ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا ظَفِرَ بِالْحَزْمِ ، وَلَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ لِلْغَيْلَم : مَا الَّذِي يَحْبِسُكَ : وَمَالِيَ أَرَاكَ مُهتَما ، كَأَنَّكَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مَرَّةً أخرى : قَالَ : يَهُمْنِي أَنَّكَ تَأْتِي مَنْزِلِي فَلَا تَجِدُ أَمْرِى كَما أُحِبُّ : لأَن زَوْجَتِي مَرِيضَةٌ قَالَ الْقِرْدُ : لا تهتم ، فَإِنَّ الهَمَّ لَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . وَلَكِنِ التمس مَا يُصْلِحُ زَوْجَتَكَ مِنَ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ : فَإِنَّهُ يُقَالُ لِيَبْذُل ذُو المَالِ مَالَهُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ : فِي الصَّدَقَةِ ، وَفِي وقتِ الحَاجَةِ ، وَعَلَى الْبَنِينَ ، وَعَلَى الْأَزْوَاجِ ، قَالَ الْغَيْكُمُ : صَدَقْتَ . وَقَدْ قَالَتِ الأطباءُ : إِنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهَا إِلَّا قَلْبُ قردٍ ، فَقَالَ القِرْدُ فِي نَفْسِهِ : وَا أَسَفَاهُ : لَقَدْ أَدْرَكَنِي الْحَرْصُ > كليلة ودمنة والشره على كبر سنى : حَتَّى وَقَعْتُ في شَرَ وَرَطَةِ ! وَلَقَدْ صَدَقَ الَّذِى قَالَ : يَعِيشُ الْقَانِعُ الرَّاضِى مُسْتَرِيح مُطْمَئِنا ، وَذُو الْحَرْضِ وَالشَّرِهِ يَعِيشُ مَا عَاشَ فِي تَعَبٍ وَنَصَبٍ . وَإِنِّي قَدِ احتجْتُ الآنَ إِلَى عَقْلِي فِي الْتِمَاسِ المخرج مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ . هُمَّ قَالَ لِلْغَيْلَم : وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْلِمَنِي عِنْدَ مَنْزِلِي ، حَتَّى كُنتُ أَهْلُ قَلْبِي مَعِي ؟ فَهْذِهِ سُنَّةٌ فِينَا ، مَعَاشِرَ الْقِرَدَةِ ، إِذَا خَرَجَ أحدُنَا لِزِيَارَةِ صَدِيقٍ ، خَلَفَ قَلْبَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ ، أَوْ فِي مَوْضِعِهِ ، لِيَنْظُر إِذَا نَظَرْنَا إِلَى حَرَمِ المُرُورِ وَلَيْسَ قُلُوبُنَا مَعَنَا . قَالَ الغَيْلمُ : وَأَيْنَ قَلْبُكَ الْآنَ : قَالَ : خَلَّفْتُهُ فِي الشَّجَرَةِ ، فَإِنْ شِئْتَ فارجع بى إِلَى الشَّجَرَةِ ، حَتَّى آتِيكَ بِهِ . فَفَرِحَ الْغَيْلَمُ بِذلِكَ . وقَالَ : لَقَدْ وَافَقَنِي صَاحِبِي بِدُونِ أَنْ أَغْدِرَ بِهِ . هُمَّ رَجَعَ بِالْقِرْدِ إلى مَكَانِهِ . فَلَمَّا قَارَبَ السَّاحِلَ ، وَثَبَ عَنْ ظَهْرِهِ ، فَارْتَقَى الشَّجَرَةَ . فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَى الْغَيْلَمَ ، نَادَاهُ : يَا خَلِيلِي ، احْمِلْ قَلْبَكَ وَانْزِلَ ، فَقَدْ حَبَسْتَنِي ، فَقَالَ الْقِرْدُ : هَيْهَاتَ : أَتَظُنُّ أَنِّي . كَالْمَارِ الَّذِي زَعَمَ ابْنُ آوَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَلْبُ وَلَا أُذُنَانِ قَالَ الْغَيْلَمُ : وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ?

قَالَ الْقِرْدُ : زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ أَسَدُ فِي أَجَمَةٍ ، وَكَانَ مَعَهُ ابْنُ

آوَى يَأْكُلُ مِنْ فَوَاضِلِ طَعَامِهِ ، فَأَصَابَ الْأَسَدَ حَرَب وَضَعْفُ شَدِيدٌ ، وَجَهْدُ ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ الصَّيْدَ . فَقَالَ لَهُ ابن آوى : مَابَالُكَ ، يَا سَيْدَ الرِّباعِ ، قَدْ تَغَبَرَتْ أَحْوَالُكَ : قال : هذَا الْحَرَبُ الَّذِى قَدْ أَجْهَدَنِي ، وَلَيْسَ لَهُ دَواءٌ إِلَّا قَلْبُ تمَارٍ وَأَذْنَاهُ ، قَالَ ابْنُ آوَى : مَا أَيْسَرَ هَذَا ! وَقَدْ عَرَفْتُ ( 1 ) يمَكان كَذَا حَمَارًا مَعَ قَصَّارٍ يَحْمِلُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ، وَأَنَا آتِيكَ بِهِ ، 6 ثُمَّ دَلَفَ إِلَى الْحِمَارِ فَأَتَاهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : مَالِيَ أَرَاكَ مَهْزُولًا ؟ قَالَ مَا يُطْعِمُني صَاحِبِي شَيْئًا . فَقَالَ لَهُ : وَكَيْفَ تَرْضَى المُقَامَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : فَقَا لِي حِيلَةٌ فِي الْهَرَبِ مِنْهُ ، لَسْتُ معه أَتَوَجَّهُ إِلَى جِهَةٍ إِلَّا أَضَرَّ بِى إِنسَانُ فَكَدَّنِي وَأَجَاعَنِي . قَالَ ابْنُ آوَى : فَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى مَكَانٍ مَعْرُولٍ عَنِ النَّاسِ ، لَا يَمر بِهِ إِنْسَانُ ، خَصِيب الْمَرْعَى ، فِيهِ قَطِيعُ مِنَ الحَمرُ لَمْ تَرَعَيْنُ مثلها حُسْنًا وَسَمَنًا ، قَالَ الجَارُ : وَمَا يَحْبِسُنَا عَنْهَا * فَانْطَلِقْ (1) محور الثياب بِنَا إِلَيْهَا ، فَانْطَلَقَ بِهِ ابْنُ آوَى نَحْوَ الْأَسَدِ، وَتَقَدَّمَ ابْنُ آوَى، وَدَخَلَ الْغَابَةَ عَلَى الْأَسَدِ ، فَأَخْبَرَهُ بِمَكَانِ الحِمَارِ . فَرَجَ إِلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ يَنبَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ لَضَعْفِهِ ، وَتَخَلَّصَ الْجَارُ (1) -- منْهُ . فَأَفْلَتَ هَلِعَا عَلَى وَجْهِهِ . فَلَمَّا رَأَى ابْنُ آوَى أَنَّ الْأَسَدَ لَمْ يَقْدِرُ عَلَى الْحِمَارِ ، قَالَ لَهُ : أَتَجَرْتَ يَا سَيِّدَ السَّبَاعِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ ? فَقَالَ لَهُ : إِنْ جِنْتَنِي بِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَنْ يَنْجُومِنِي أبدا . قَضَى ابْنُ آوَى إِلَى الْمَارِ فَقَالَ لَهُ : مَا الَّذِي جَرَى عَلَيْكَ إِنَّ أَحَدَ الْحُمُرِ رَاكَ غَرِيبًا ، فَرَجَ يَتَلَقَّاكَ مُرحَبابِكَ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَهُ لَا نَسَكَ ، وَمَضَى بِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ . فَلَمَّا سَمِعَ 6 الحِمارُ كَلَامَ ابْنِ آوَى ، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى أَسَدًا قَط ، صَدَّقَهُ وَأَخَذَ طَرِيقَهُ إِلَى الْأَسَدِ ، فَسَبَقَهُ ابْنُ آوَى إِلَى الْأَسَدِ، وَأَعْلَمَهُ بمكانِهِ . وَقَالَ لَهُ : اسْتَعِدَّ لَهُ ، فَقَدْ خَدَعْتُهُ لَكَ : فَلَا يُدْرِكَنَّكَ الضَّعْفُ فِي هَذِهِ التَّوْبَةِ : فَإِنَّهُ إِنْ أَهْلِتَ فَلَنْ يَعُودَ مَعِيَ أَبَدًا . فَاشَ جَاشُ الْأَسَدِ لِتَحْرِيضِ ابْنِ آوَى لَهُ ، وَنَخَرَجَ إِلَى مَوْضِع (٢) (1) اطلع :

أفش الجزع .

(T) غلى والجأش ، ، وقد لا يهمز، من معانيه النفس ٢٣٩ الحمار . فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ عَاجَلَهُ بِوَثْبَةٍ افْتَرَسَهُ بِهَا . ثُمَّ قَالَ : قَدْ ذكَرَتِ الْأَطِبَاءُ أَنَّهُ لَا يُؤكَلُ إِلَّا بَعْدَ الغَسْلِ وَالطَّهُورِ : فَاحْتَفِظُ ه حَتَّى أَعُودَ فَاكُلَ قَلْبَهُ وَأُذُنَيْهِ ، وَأَتْرُكَ مَا سِوَى ذَلِكَ قُوتًا لَكَ . فَلَمَّا ذَهَبَ الْأَسَدُ لِيَغْتَسِلَ ، عَمَدَ ابْنُ آوَى إِلَى الْحِمَارِ فأكل قَلْبَهُ وَأَذُنَيْهِ ، رَجَاءَ أَنْ يَتَعَيَّرَ الْأَسَدُ مِنْهُ ، فَلَا يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا . ثُمَّ إِنَّ الْأَسَدَ رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ ، فَقَالَ لِابْنِ آوَى : أَيْنَ قَلْبُ الْمَارِ وَأَذْنَاهُ ؟ قَالَ ابْنُ آوَى : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ قَلْبُ يَفْقَهُ بِهِ ، وَأَذْنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا ، لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْكَ بَعْدَ مَا أَفَاتَ وَنَجَا مِنَ الهَلَكَةِ وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هذَا المَثَلَ لِتَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ كَذَلِكَ الْحِمَارِ الَّذِى زَعَمَ ابْنُ آوَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَلْبَ وَأَذُنَانِ ، وَلَكِنَّكَ اختلتَ عَلَى ، وَخَدَعْتَنِي ، فَخَدَعْتُكَ بِمِثْلِ خَدِيعَتِكَ ، وَاسْتَدْرَكْتُ فَارِطَ أَمْرِى . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الَّذِي يُفْسِدُهُ الْحَلْمُ لا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْعِلْمُ . قَالَ الْغَيْلَمُ : صَدَقْتَ ، إِلَّا أَنَّ الرَّجُل الصَّالِحَ يَعْتَرِفُ بِزَلَّتِهِ ، وَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا لَمْ يَسْتَحْيِ أَن يُودَبَ : لِصِدْقِهِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ ، وَإِنْ وَقَعَ فِي وَرْطَةٍ أَمْكَنَهُ التَّخَلُصُ مِنْهَا بحيلَتِهِ وَعَقْلِهِ : كَالرَّجُلِ الَّذِى يَعْبُرُ عَلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ يَنْهَضُ علَيْهَا مُعْتَمِدًا . فَهَذَا مَثَلُ الرَّجُلِ الَّذِي يَطْلُبُ الحَاجَةَ فَإِذَا ظَفِريهَا أَضَاعَهَا .

( انقضى باب القرد والفيلم )


  1. السلحفاة الذكر