كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب الفحص عن أمر دمنة
باب الفحص عَنْ أَمْر دمنة
قَالَ دَبْشَدِيمُ المَلِكُ لبَيْدَبَا الْفَيْلَسُوفِ : قَدْ حَدَّثْتَنِي عَنِ الْوَاشِي الماهي القتال، كيف يُفيد بالقيمة المسودة الثابتة بين المتحابين . كَيْفَ يُفْسِدُ قَدِّتْنِي حِينَئِذٍ بِمَا كَانَ مِن حَالِ دِمْنَةَ وَمَا آلَ أَمْرُهُ إِلَيْهِ بَعْدَ قَبْلِ شَتَرَبةَ ، وَمَا كَانَ من معَاذَيرِهِ عِنْدَ الْأَسَدِ وَأَصْحَابِهِ حِينَ الْأَسَدُ رَأَيَهُ فِي الثَّوْرِ، وَتَحَقَّقَ السَّيمَةَ مِنْ دِمْنَةَ ، وَمَا كَانَتْ حُجَّتُهُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا ، قَالَ الفَيْلَسُوفُ : أَنَا وَجَدْتُ في حديث دمنَةَ أَنَّ الْأَسَدَ حِينَ قَتَلَ شَتْرَبَةَ نَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ ، وَذَكَرَ قَدِيم صُحْبَتِهِ وَجَسمَ خِدْمَتِهِ ، وَأَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ . وَأَخَصَّهُمْ - منزِلَةٌ لَدَيْهِ ، وَأَقْرَبَهُمْ وَأَدْنَاهُمْ إِلَيْه ؛ وَكَانَ يُوَاصِلُ لَهُ المَشُورَةَ دُونَ خَوَاصٌهِ . وَكَانَ مِنْ أَخَصِ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ بَعْدَ التَّوْرِ المَرُ . فَاتَّفَقَ أَنَّهُ أَمْسَى المَرُ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ الْأَسَد ، نَخَرَجَ مِنْ عِنْده جوْفَ اللَّيْلِ يُرِيدُ مَنزِلَهُ ، فَاجْتَازَ عَلَى مَنْزِلِ كَليلَةَ وَدِمْنَةً . فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ ، سَمعَ كَليلَةَ يُعَاتِبُ دِمْنَةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، ١٠٠ و يَلُومُهُ عَلَى النَّمِيمَةِ وَاسْتِعْمَالِهَا ، خُصُوصًا مَعَ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ في حَقِّ الحَاصَّةِ . وَعَرَفَ النَّمِرُ عِصْيَانَ دِمْنَةَ وَتَرْكَ الْقَبُولِ لَهُ . فَوقَفَ يَسْتَمِعُ مَا يَجْرِى بَيْنَهُمَا فَكَانَ فِيمَا قَالَ كَلِيلَهُ لِدِمَنَةَ : لَقَدِ از تَكَبَتَ مَريكا صعبًا ، وَدَخَلْتَ مَدْخَلًا ضَيِّقًا ، وَجَنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ جَنَايَةٌ مُوبِقَةٌ ، وعَاقِبَتُهَا وَخِيمَةٌ ، وسَوْفَ يَكُونُ مَصْرَعُكَ شَدِيدًا ، إِذَا انْكَشَفَ لِلْأَسَدِ أَمْرُكَ ، وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ ، حيل [١] وَعَرَفَ غَدْرَكَ وَمِحَالَكَ ، وَبَقِيتَ لَا نَاصِرَ لَكَ ؛ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْكَ الهَوَانُ وَالْقَتْلُ ، مَخَافَةَ شَرَكَ ، وَجَذَرًا مِنْ غَوَائِلِكَ ، فَلَسْتُ بِمُتَخِذِكَ بَعْدَ اليَومٍ خَلِيلًا ، وَلَا مُفْشِ إِلَيْكَ سِرًّا ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ قَالُوا : تَبَاعَدْ عَمَّنْ لَا رَغْبَةَ فِيهِ . وَأَنَا جَدِيرٌ بِمُبَاعَدَتِكَ وَالْتِمَاسِ الخَلَاصِ لِي مِمَّا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْأَسَدِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ . 6 فَلَمَّا سَمِعَ النَّمِرُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِمَا قَفَلَ رَاجِعًا ، فَدَخَلَ عَلَى امُ الْأَسَدِ ، فَأَخَذَ عَلَيْهَا الْعُهُودَ وَالْمَوَائِيقَ أَنَّهَا لَا تُفْشِي مَا يُسِرُ E إِلَيْهَا ، فَعَاهَدَتِه عَلَى ذلِكَ فَأَخبَرهَا بِمَا سَمِعَ مِنْ كليلة وَدِمْنَةَ . فَلَمَّا أَصْبَحَتْ دَخَلَتْ عَلَى الْأَسَدِ، فَوَجَدَتْهُ كَثِيبًا حزينًا مَهْمُوماً : مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلِ شَتَرَبَةَ . فَقَالَتْ لَهُ : ما هَذَا الهُمُ الَّذِى قَدْ أَخَذَ مِنْكَ ، وَغَلَبَ عَلَيْكَ ؟ قَالَ : يُحْزِنُنِي وه دو روزه بهره و قتْلُ شَتَرَبةَ ، إِذْ تَذَكَرْتُ صُحبَتَهُ وَمُوَاظَبَتَهُ عَلَى خِدْمَتِي كُنتُ أَسْمَعُ مِنْ نَصِيحَتِهِ ، وَأَسْكُنُ إِلَيْهِ مِن مُشَاوَرَتِهِ ، وَأَقْبَلُ مُنَا صَحَتِهِ . قَالَتْ أُمُّ الْأَسَدِ : إِنَّ أَشَدَّ مَا شَهِدَ امْرُو عَلَى نَفْسِهِ ، وَهَذَا خَطَأَ عَظِيمٌ ، كَيْفَ أَقْدَمْتَ عَلَى قَتْلِ التَّوْرِ بِلَا مِن ، وما عِلْمٍ وَلَا يَقِينٍ ? وَلَوْلَا مَا قَالَتِ الْعُلَمَاءُ فِي إِذَاعَةِ الْأَسْرَارِ ، عبير وَمَا فِيهَا مِنَ الإِثْمِ وَالصَّنَارِ ، لَذَكَرْتُ لَكَ وَأَخْبَرْتُكَ بِمَا عَلِمْتُ ، قَالَ الْأَسَدُ : إِنَّ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ هَا وُجُوهُ كَثِيرَةٌ ، ومَعَانٍ مُختلِفَةٌ ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ صَوَابَ مَا تَقُولِينَ : وَإِنْ كَانَ عِندَكِ رَأَى فَلَا تَطْوِيهِ عَلَى ؛ وَ إِنْ كَانَ قَدْ أَسَرَّ إِلَيْكِ أَحَدٌ سِرًا فَأَخْبِرِينِي بِهِ ، وَأَطْلِعِينِي عَلَيْهِ ، وَعَلَى جُمْلَةِ الْأَمْرِ ، فَأَخْبَرَتَهُ تجميع مَا أَلْقَاهُ إِلَيْهَا النَّمِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخْبِرَهُ بِاسْمِهِ . وَقَالَتْ : (1) الشنار : أقبح العيب والعار . إنِّى لَمْ أَجْهَلْ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْظِيمِ الْعُقُوبَةِ وَتَشْدِيدِهَا کانی نیز تا ، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الْعَارِ فِي إِذَاعَةِ الْأَسْرَارِ ، وَلكِنى أَحْيَيْتُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِمَا فِيهِ المَصَلَحَةُ لَكَ ، وَإِنْ وَصَلَ خَطَوهُ وَضَرَرُهُ إِلَى الْعَامَّةِ فَإِصْرَارُهُمْ عَلَى حَيَانَةِ الْمَلِكِ مِمَّا لَا يَدَفَعُ الشَّرَّ عَنْهُمْ ، وَبِهِ يَحْتَجُ السُّفَهَاءُ ، وَيَسْتَحْسِنُونَ مَا يَكُونُ مِن "[٢] أَعْمَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ . وَأَشَدُّ مَعَارِهِمْ إِقْدَامُهُمْ عَلَى ذِي الْحَزم. فَلَمَّا قَضَتْ أُمُّ الْأَسَدِ َهذَا الكَلامَ ، اسْتَدْعَى أَصْحَابَهُ وَجَندَهُ فَأَدْخِلُوا عَلَيْهِ . ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُوتَى بِدِمَنَةَ ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَي الأسدِ، وَرَأَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُزْن وَالْكَابَةِ الْتَفَتَ إِلَى بَعْضِ الحاضرينَ فَقَالَ : مَا الَّذِى حَدَثَ : وَمَا الَّذِي أَحْزَنَ الْمَلِكَ ? فالتَفَتَتْ أُمُّ الْأَسَدِ إِلَيْهِ وَقَالَتْ : قَدْ أَحْزَنَ المُلِكَ بِقَاوِكَ وَلَوْ طرْفَةَ عَيْنٍ ؛ وَلَنْ يَدَعَكَ بعدَ الْيَوْمِ حَيًّا ! قَالَ دِمْنَةُ : مَا تَرَكَ الأول للآخِرِ شَيْئًا : لأنهُ يُقَالُ : أَشَدُّ النَّاسِ فِي تَوَفَّى الشَّرِ ، وو خت کرنے والے سے 6 يُصِيبُهُ الشَّرُّ قَبْلَ المُستَسلم لَهُ ، فَلَا يَكُونَنَّ الملِكُ وَخَاصَّتُهُ Sutemil 10A وَجُنُودُهُ المُثَلَ السُّوءَ ؛ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ : مَنْ صَحِبَ الْأَشْرَارَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ حَاهُمْ ، كَانَ أَذَاهُ مِن نَفْسِهِ : وَلِذَلِكَ تنیدگی انْقَطَعَتِ النَّسَاءُ بِأَنْفُسِهَا عَنِ الخَلْقِ ، وَاخْتَارَتِ الْوِحْدَةَ عَلَى الْمُخَالَطَةِ ، وحُبَّ الْعَمَلِ لِلَّهِ عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا وَمَن يَجْزِى بِالخَيْرِ خَيْرًا وَبِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا إِلَّا اللَّهُ ؟ وَمَنْ طَلَبَ الحَزَاءَ عَلَى الخَيْرِ مِنَ النَّاسِ ، كَانَ حَقِيقًا أَنْ يَحْفَى بالحِرْمَانِ ، إِذْ يُخْطِئُ الصَّوَابَ فِي خُلُوصِ الْعَمَلِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وطلب الجَزَاء مِنَ النَّاسِ . وَإِنَّ أَحَقِّ مَا رَغِبَتْ فِيهِ رَعِيةً المَلِكِ هُوَ مَحَاسِنُ الْأَخْلَاقِ وَمَوَاقِعُ الصَّوَابِ وَجَميلُ السِّيرِ ؟ وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : مَنْ صَدَّقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُكَذَّبَ ، وَكَذَّبَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ ، خَرَجَ مِن مَصَافِ الْعُقَلَاءِ ، وَكَانَ جَدِيرًا بِالاِزْدِرَاء . فَيَنْبَغِي أَلَّا يُعَجِّل الملِكُ في أَمْرِى بِشُبهةٍ ، وَلَسْتُ -- زیجات أقُولُ هَذَا كَرَاهَةٌ لِلْمَوْتِ : فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَرِيها ، لَا مَنجَى مِنْهُ . وَكُل حَى مَالِكَ . وَلَوْ كَانَتْ لِي مِائَةُ نَفْسٍ وَأَعْلَمُ أَنَّ هَوَى الْمَلَكِ في إِتْلَافِهِنَّ ، لَطَبْتُ لَهُ بِذلِكَ نَفْسًا ، فَقَالَ بَعْضُ الْجُنْدِ لَمْ يَنطِقُ بِهذَا لِحُبِّهِ المَلِكَ ، وَلكِنْ حَلَاصِ نَفْسِهِ ، وَالْتِمَاسِ الْعُذرِهَا . فَقَالَ لَهُ دِمُنَةٌ : وَيْلَكَ : وَهَلْ عَلَى فِي الْتِمَاسِ الْعُذْرِ لِنَفْسِى عَيْبُ : وَهَلْ أَحَدٌ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنسَانِ مِنْ نَفْسِهِ ؟ وَإِذَا لَمْ يَلْتَمِسُ هَا الْعُذَرَ ، فَلِمَنْ يَلْتَمِسُهُ * لَقَدْ ظَهَرَ مِنْكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ كِثْمَانَهُ مِنَ الْحَسَدِ والبَغْضَاءِ ، وَلَقَدْ عَرَفَ مَنْ سَمعَ مِنْكَ ذلكَ أَنَّكَ لَا تُحِبُّ لأحَدٍ خَيْرًا ، وَأَنَّكَ عَدُوُّ نَفْسِكَ ، فَمَنْ سِوَاهَا بالأَوْلَى . فَعْلُكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْبَهَائِمِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمَلِكِ، وَأَنْ يَكُونَ بِبَابِهِ . فلمَّا أَجَابَهُ دِمْنَةٌ بِذلِكَ ، نَحَرَجَ مُكْتَيْبًا حَزِينًا مُسْتَحِيًا ، فَقَالَتْ أُمُّ الْأَسَدِ لِدِمْنَةَ : لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْكَ ، أَيُّهَا المحتالُ ، فِي قِلَّةِ حَيَائِكَ ، وَكَثْرَةِ وَقَاحَتِكَ، وَسُرْعَةِ جَوَابِكَ لِمَنْ كَلَّمَكَ . قَالَ دِمْنَةُ : لِأَنَّكِ تَنْظُرِينَ إِلَى بِعَيْنِ وَاحِدَةٍ ، وَتَسْمَعينَ مِنِي [٣] بِأَذُنِ وَاحِدَةٍ ، مَعَ أَنَّ شَفَاوَة جَدَى قَدْ زَوَتْ عَنِي كُلَّ شَيْءٍ ، 6 حَتَّى لَقَدْ سَعَوْا إِلى الملك بِالنَّمِيمَةِ عَلَى ، وَلَقَدْ صَارَ مَنْ بِبَابِ الْمَلِكِ لِاسْتِخْفَافِهِمْ بِهِ ، وَطُولِ كَرَامَتِهِ إِيَّاهُمْ ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ وَالنَّعْمَةِ ، لَا يَدْرُونَ فِي أَى وَقْتِ يَنْبَغِي لَهُمُ الْكَلَامُ وَلَا مَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ السُّكُوتُ . قَالَتْ : أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الشَّقِ ، مَعَ عِظَم ذَنْبِهِ ، كَيْفَ يَجْعَلُ نَفْسَهُ بَرِين كَن لَا ذَنْبَ لَهُ : قَالَ دِمْنَةُ : إِنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ غَيْرَ أَعْمَالِهِمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ ؛ كَالَّذِي يَضَعُ الرَّمَادَ مَوضِعاً يَنبَغِي أَنْ يَضَعَ فِيه الرَّمَلَ ، وَيَسْتَعْمِلُ فِيهِ السِّرْجِينَ ، وَالرَّجُلِ الَّذِي يَلْبَسُ لِبَاسَ المَرْأَةِ ، وَالمَرْأَةِ الَّتِي تَلْبَسُ لِبَاسَ الرَّجُلِ ، وَالضَّيْفِ الَّذِي يَقُولُ : أَنَا رَبُّ الْبَيْتِ ، وَالَّذِي يَنْطِقُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ بِمَا لَا يُسْأَلُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا الشَّيُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْأُمُورَ وَلَا أَحْوَالَ النَّاسِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الشَّرِّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ . قَالَتْ -- أُمُّ الْأَسَدِ : أَتَظُنُّ أَيُّهَا الْغَادِرُ الْمُحْتَالُ بِقَوْلِكَ هَذَا أَنَّكَ تَخْدَعُ _ الملكَ ، وَلَا يَسْجُنُكَ * قَالَ دمْنَةُ : الْغَادِرُ الَّذِي لَا يَأْمَنُ عدُوهُ مَكْرَهُ ، وَإِذَا اسْتَمْكَنَ مِنْ عَدُوِّهِ قَتَلَهُ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ (1) السرجين بكسر أوله :
- الزبل قالَتْ أُمُّ الْأَسَدِ : أَيُّهَا الْغَادِرُ الْكَذُوبُ ، أَتَظُنُّ أَنَّكَ نَاجِ
مِنْ عَاقِبَةِ كَذِبِكَ : وَأَنَّ مِحَالَكَ هَذَا يَنْفَعُكَ مَعَ عِظَم جُرْمِكَ ؟ قَالَ دِمْنَةُ : الْكَذُوبُ الَّذِي يَقُولُ مَا لَمْ يَكُنْ ، وَيَأْتِي بِمَا لَمْ يُقَل وَلَمْ يُفْعَل ، وَكَلامِي وَاضِحَ مُبِينٌ . قَالَتْ أُمُّ الْأَسَدِ الْعُلْبَاءُ مِنْكُمْ هُمُ الَّذِينَ يُوَسِعُونَ أَمْرَهُ بِفَضْلِ الْخِطَابِ • هم نهَضَتْ نَخَرَجَتْ ، فَدَفَعَ الْأَسَدُ دِمْنَةَ إِلَى الْقَاضِي ، فَأَمَنَ - الْقَاضِي بِحَبْسِهِ ، فَأَلْقِ فِي عُنُقِهِ حَبْلُ ، وَانْطَلِقَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ . محمد احمد فلمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَخْبِرَ كَيلَةُ أَنَّ دِمْنَةَ فِي الْحَبَسِ ، فَأَتَاهُ سْتَخْفيًا ، فَلَمَّا رَآهُ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِ القيود ، وحرج --- الْمَكَانِ ، بَكَى ، وَقَالَ لَهُ : مَا وَصَلْتَ إِلَى مَا وَصَلْتَ إِلَيْهِ إِلَّا لاستعمالِكَ الحَدِيعَةَ وَالمَكْرَ ، وَإِضْرَابِكَ عَنِ الْعِظَةِ ، وَلكِنْ لَمْ يَكُن لى بد بد فِيمَا مَضَى مِنْ إِنْدَارِكَ وَالنَّصِيحَةِ لَكَ وَالمُسَارَعَة إِلَيْكَ فِي خُلُوصِ الرَّغْبَةِ فِيكَ : فَإِنَّهُ لِكُلِّ مَقَامِ مَقَالُ ، وَلِكُلِّ مَوْضِع کیست تجَالُ . وَلَوْ كُنْتُ قَصَرْتُ فِي عِظَتِكَ حِينَ كُنتَ فِي عَافِيَةٍ 6 لكُنْتُ الْيَوْمَ شَرِيكَكَ فِي ذَنْبِكَ ، غَيْرَ أَنَّ الْعُجْبَ دَخَلَ مِنْكَ با مدْخَلا قَهَرَ رَأَيَكَ ، وَغَلَبَ عَلَى عَقلِكَ ، وَكُنْتُ أَضْرِبُ لَكَ ، الْأَمْثَالَ كَثِيرًا ، وَأَذكَركَ قَوْلَ الْعُلَماء . وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : إِنَّ المختالَ يَمُوتُ قَبْلَ أَجَلِهِ . قَالَ دِمْنَةُ : قَدْ عَرَفْتُ صِدْقَ گھیرا مقالتِكَ . وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : لَا تَجْزَعْ مِنَ الْعَذَابِ إِذَا وَقَفْتَ مِنْكَ عَلَى خَطِيئَة ، وَلَأَنْ تُعَدَّبَ فِي الدُّنْيَا بِجُرْمِكَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُعَذِّبَ فِي الْآخِرَةِ بِجَهَنَّمَ مَعَ الْإِثْمِ ، قَالَ كَلِيلَهُ : قَدْ فَهِمْتُ . Pulf. كَلامَكَ ، وَلَكِنَّ ذَنْبَكَ عَظِيمٌ ، وَعِقَابَ الْأَسَدِ شَدِيدُ أَلِيمٌ .. وَكَانَ بِقَرِيهِمَا فِي السِّجْنِ فَهَدُ مُعْتَقَلْ يَسْمَعُ كَلَامَهُمَا ، وَلَا يريانه ؛ فَعَرَفَ مُعَاتَبَةَ كَلِيلَةَ لِدِمْنَةَ عَلَى سُوء فعله ، وَمَا كَانَ >. مر منه ، وان دمنة مقر بسوءٍ عَمَلِهِ ، وَعَظيم ذَنْبِهِ ، فَخَفِظَ الْمُحَاوَرَةَ .. بينهما ، وَكَتَمَهَا لِيَشْهَدَ بِهَا إِنْ سُئِلَ عَنْهَا . ثُمَّ إِنَّ كَلِيلَةَ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ ، وَدَخَلَتْ أُمُّ الْأَسَدِ مِينَ أَصْبَحَتْ عَلَى الْأَسَدِ ، [٤] بھول وَقَالَتْ لَهُ : يَا سَيِّدَ الْوُحُوشِ ، حُوشِيتَ أَنْ تَنْسَى مَا قُلْتَ بِالْأَمْسِ ، وَأَنَّكَ أَمَرْتَ بِهِ لِوَقْتِهِ ، وَارْضَيْتَ بِهِ رَبِّ الْعِبَادِ . (١) نوع من السباع . (٢) (٣) نزهت محبوس وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : لَا يَنبَغِي لِلإِنسَانِ أَنْ يَتَوَانَى فِي الحَدِ لِلتَّقْوى؛ بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدَافِعَ عَنْ ذَنْبِ الْأَثِيمِ ، فَلَمَّا سَمِعَ الْأَسَدُ كَلَامَ أُمِّهِ ، أَمَرَ أَنْ يَحْضُرَ النَّمِرُ ، وَهُوَ صَاحِبُ القَضَاءِ . فَلَمَّا حَضَرَ قَالَ لَهُ وَالْجَواسُ الْعَادِلِ : اجْلِسَا فِي مَوْضِعِ الحُكْم ، وَنَادِيَا فِي الجُنْدِ صَغِيرهِمْ وَكَبيرِهِمْ أَن يَحْضُرُوا وَيَنظُرُوا فِي حَالِ دِمْنَةَ ، وَيَجْلُوا عَنْ شَأْنِهِ ، وَيَفْحَصُوا عَنْ ذَنْبِهِ ، وَيُنبِتُوا فلما . قوْلَهُ وَعُدْرَهُ فِي كُتب الْقَضَاءِ ، وَارْفَعَا إِلَى ذلِكَ يَوْمًا فَيَوْمًا سَمِعَ ذَلِكَ النَّمِرُ وَالْحَوَاسُ الْعَادِلُ وَكَانَ هَذَا الحَوَّاسُ عَمَّ الأَسَدِ، قَالَا : سَمْعًا وَطَاعَةٌ مَا أَمَرَ المَلِكُ ، وَنَحَرجًا مِنْ عِندِه .
- .
فَعَمِلا مُقْتَضَى مَا أَمَرَهُمَا بِهِ ، حَتَّى إِذَا مَضَى مِنَ الْيَوْمِ الَّذِى جلَسُوا فِيهِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ ، أَمَرَ الْقَاضِي أَنْ يُؤْتَى بِدِمْنَةَ ، فَأْتِيَ بِهِ ، فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَالجَمَاعَةُ حُضُورٌ ، فَلَبَّ اسْتَقَرَّبِهِ المَكَانُ نَادَى سَيدُ الجَمْعِ بِأَعَلَى صَوْتِهِ : أَيُّهَا الجَمْعُ مرمرة . إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ سَيْدَ البَاعِ لَمْ يَزَلْ مُنْدُ قُتِلَ شَتْرَبَةُ خَائِرَ (1) الأسد (٢) ضعيف النَّفْس كَثِيرَاهُم وَالْحَزَنِ ، يَرَى أَنَّهُ قَدْ قَتَلَ شَتْرَبَةً بِغَيْرِ ذَنْبٍ؛ وَأَنَّهُ أَخَذَهُ بِكَذِبِ دِمْنَةَ وَنَمِيمَتِهِ . وَهَذَا الْقَاضِي قَدْ أُمِرَ أَنْ يَجْلِسَ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ ، وَيَبْعَثَ عَنْ شَأْنِ دِمْنَةَ . فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا فِي أَمْرِ دِمْنَةَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍ ، فَلْيَقُلْ ذَلِكَ ، وَلْيَتَكَلَّمْ بِهِ عَلَى رُعون الجَمْعِ وَالْأَشْهَادِ ، لِيَكُونَ الْقَضَاءُ فِي أَمْرِهِ بِحَسَبِ ذلكَ ، فَإِذَا اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ فَالتَبَتُ في أَمْرِهِ أَوْلَى ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الْهَوَى ، وَمُتَابَعَةُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْبَاطِلِ ذُلُّ ، فَعِنْدَهَا قَالَ الْقَاضِي : أيها الجمعُ اسْمَعُوا قَوْلَ سَيْدِكُمْ، وَلَا تَكْتُمُوا مَا عَرَفْتُمْ مِنْ أَمْرِهِ ؛ وَاحْذَرُوا فِي السَّتْرِ عَلَيْهِ ثَلَاثَ خِصَالٍ : إِحْدَاهُنَّ، وَهِيَ أَفْضَلُهُنَّ ، أَلَّا تَزْدَرُوا فِعْلَهُ ، وَلَا تَعُدُّوهُ يَسيرًا : فَمَنْ أَعْظَمِ الخَطَايَا قَتْلُ الْبَرِيء الَّذِي لَا ذَنْبَ لَهُ بِالْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ ؛ وَمَنْ عَلِمَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْكَذَابِ الَّذِى أَتَهمَ الْبَرِى بِكَذِبِهِ وَنَمِيمَتِهِ شَيْئًا ، فَسَتَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ شَرِيكَهُ فِي الإِثْمِ وَالْعُقُوبَةِ . وَالثَّانِيَةُ إِذَا اعْتَرَفَ المُذنِبُ بِذَنْبِهِ ، كَانَ أَسْلَمَ لَهُ ، وَأَخرَى بِالْمَلِكِ وَجُنْدِهِ أَنْ يَعْفُوا عَنْهُ وَيَصْفَحُوا . وَالثَّالِثَةُ تَرْكُ مُرَاعَاةِ أَهْلِ الدَّمِ والفُجُورِ ، وَقَطْعُ أَسْبَابِ مُوَاصَلَاتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ عَنِ الخاصة وَالْعَامَّةِ ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْ أَمْرِ هذا المحتالِ شَيْئًا ، فَلْيَتَكَلَّمْ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ مِمَّنْ حَضَرَ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ مَنْ كَتَمَ شَهَادَةَ مَيْتٍ ، أَحْمَ بِلِجَامِ مِن نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلْيَقُلْ كُل وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا عَلِمَ . فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الجَمْعُ كَلَامَهُ، أَمْسَكُوا عَنِ الْقَوْلِ ، فَقَالَ دِمْنَةُ : مَا يُسْكِتُكُمْ تَكَلَّمُوا بِمَا عَلَيْتُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ لِكُلِّ كَلِمَةٍ جَوَابًا ، وَقَدْ قَالَت . الْعُلَمَاءُ : مَنْ يَشْهَدْ بِمَا لَمْ يَرَ ، وَيَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ ، أَصَابَهُ ما أَصَابَ الطَّبِيبَ الَّذِى قَالَ مَا لَا يَعْلَمُهُ : إِنِّي أَعْلَمُهُ . قَالَتِ الجَمَاعَةُ : وَكَيْفَ كَانَ ذلك : قَالَ دِمْنَةُ : زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْمُدُنِ طَبِيبُ لَهُ رِفْقُ وَعِلْمُ ، وَكَانَ ذَا فِطْنَةٍ فِيمَا يَجْرِى عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمُعَالَحَاتِ ، فَكَبَرَ ذلِكَ الطَّبِيبُ وَضَعُفَ بَصَرُهُ . وَكَانَ لَمَلِكِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ ابْنَةُ قَدْ زَوْجَهَا لِابْنِ أَجْ لَهُ ، فَعَرَضَ لَهَا مَا يَعْرِضُ لِلْحَوَامِلِ مِنَ متر كليلة ودمنة وجَاعِ . بِقَى بِهَذَا الطَّبِيبِ ، فَلَمَّا حَضَرَ، سَأَلَ الخَارِيَةُ عَن وَجَعَهَا وَمَا تَجِدُ ، فَأَخْبَرَتْهُ ، فَعَرَفَ دَاءَهَا وَدَوَاءَهَا ، وَقَالَ : لَوْ كُنْتُ أَبْصِرُ ، لَجَمَعْتُ الأَخْلَاطَ عَلَى مَعْرِفَتِي بِأَجْنَاسِهَا ، وَلَا أَيْقُ فِي ذلِكَ بِأَحَدٍ غَيْرِي ، وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ سَفِيه : فَبَلَغَهُ الخَبَرُ ، فَأَتَاهُمْ وَادَّعَى عِلْمَ الطَّب ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ خَبِيرٌ [٥] معْرِفَةِ أَخْلَاطِ الْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ ، عَارِفُ بِطَبَائِعِ الأَدويَةِ المُركَبَةِ وَالْمُفَرَدَةِ ، فَأَمَرَهُ الْمَلِكُ أَن يَدْخُلَ خِزَانَةَ الْأَدْوِيَةِ فَيَأْخُذَ أَخْلَاطِ الدَّوَاءِ حَاجَتَهُ ، فَلَمَّا دَخَلَ السَّفِيهُ الخِزَانَةَ ، من وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ الْأَدْوِيَةُ ، وَلَا يَدْرِي مَا هِيَ ، وَلَا لَهُ بِهَا مَعْرِفَةً ، أَخَذَ فِي جُمْلَةٍ مَا أَخَذَ مِنْهَا صُرَّةٌ فِيهَا سُمَّ قَاتِلُ لِوَقْتِهِ ، وَخَلَطَهُ فِي الْأَدْوِيَةِ ، وَلَا عِلمَ لَهُ بِهِ ، وَلَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُ بِجُنْسِهِ فَلَمَّا تَمَّتْ أَخْلَاطُ الْأَدْوِيَةِ ، سَقَى الجَارِيَةَ مِنْهُ ، فَاتَتْ لَوَقْتِهَا . فَلَمَّا عَرَفَ المَلِكُ ذَلِكَ، دَعَا بِالسَّفِيهِ ، فَسَقَاهُ مِنْ ذَلكَ الدَّوَاءِ ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ . وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكُمْ هَذَا المَثَلَ لِتَعْلَمُوا Str ودمن مَا يَدْخُلُ عَلَى الْقَائِلِ وَالْعَامِلِ مِن الزَّلَةِ بِالشُّبْهَةِ فِي --- عن الحد ، فمن خرج مِنكُمْ عَنْ حَدِهِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ ذَلِكَ است الجَاهِلَ ، وَنَفْسَهُ المسلومة . وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : رُبَّمَا جُزِيَ المتكلم بِقَوْلِهِ . وَالكَلَامُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ : فَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ . فَتَكَلَّمَ سَيِّدُ الخَنَازِيرِ ، لِإِدْلَالِهِ وَتِيهِ بِمَنْزِلَتِهِ عِندَ الْأَسَدِ فَقَالَ : يَأْهْلَ الشَّرَفِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، أَسْمَعُوا مَقَالَتِي ، وَعُوا بِأَحْلَامِكُمْ كَلَامِي ، فَالْعُلَمَاءُ قَالُوا فِي شَأْنِ الصَّالِحِينَ : إِنَّهُم يُعْرِفُونَ الة بسيماهم ، وَأَنتُمْ ، مَعَاشِرَ ذَوِي الاقْتِدَارِ ، يحسن صنع من صنع الله لكم وَتَمَامِ نِعْمَتِهِ لَدَيْكُمْ ، تَعْرِفُونَ الصَّالِحِينَ بِسِيمَاهُم وَصُوَرِهِمْ ؛ تَخبُرُونَ الشَّيْءَ الْكَبِيرَ بِالشَّيْءِ الصَّغِيرِ ، وَهَا هُنَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةً تدلُّ عَلَى هَذَا الشَّقِي دِمْنَةَ ، وَتُخْبِرُ عَنْ شَيْرِهِ ، فَاطْلُبُوهَا عَلَى ظَاهِي جِسْمِهِ : لِتَسْتَيْقَنُوا وَتَسْكُنُوا إِلَى ذَلِكَ . قَالَ الْقَاضِي لِسَيّدِ الحَنَازِيرِ : قَدْ عَلِمْتُ ، وَعَلِمَ الجَمَاعَةُ الْحَاضِرُونَ ، أَنَّكَ یسید عارف بِمَا فِي الصُّورِ مِنْ عَلَامَاتِ السُّوءِ ، فَقَسِر لَنَا مَا تَقُولُ ، عَارِفُ w وَأَطْلِعْنَا عَلَى مَا تَرَى فِي صُورَةٍ هَذَا الشَّتِي ، فَأَخَذَ سَيِّدُ الخَنَازِيرِ - يدم دمْنَةَ ، وَقَالَ : إِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ كَتَبُوا وَأَخْبَرُوا : أَنَّهُ مَنْ كَانَتْ عَيْنُهُ الْيُسْرَى أَصْغَرَ مِنْ عَيْنِهِ الْيُمْنَى وَهِيَ لَا تَزَالُ تَخْتَلِجُ ، وَكَانَ أَنْفُهُ مَائِلًا إلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ ، فَهُوَ شَقٌ خَبِيثُ . قَالَ لَهُ ددِمْنَةُ : شَأْنُكَ عَجَبٌ ، أَيُّهَا الْقَدِرُ ، ذُو الْعَلَامَاتِ الْفَاضِحَةِ القَبِيحَةِ ، ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ جَرَاءَتِكَ عَلَى طَعَامِ الْمَلِكِ ، وَقِيَامِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، مَعَ مَا بِسْمِكَ مِنَ الْقَدْرِ وَالْقُبْحِ ، وَمَعَ مَا تَعْرِفُهُ أَنْتَ وَيَعْرِفُهُ غَيْرُكَ مِنْ عُيُوبِ نَفْسِكَ ، أَفَتَتَكَلَّمُ فِي النَّقِي الجِسْمِ الَّذِي فِيهِ ؟ وَلَسْتُ أَنَا وَحْدِى أَطَّلِعُ عَلَى عَيْنِكَ ، لَكِنَّ جَميعَ مَنْ حَضَرَ قَدْ عَرَفَ ذَلِكَ . وَقَدْ كَانَ يَحْجُزُنِي عَنْ إظْهَارِهِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الصَّدَاقَةِ . فَأَمَّا إِذْ قَدْ كَذَبْتَ عَلَى [٦] وبهتني فِي وَجْهِى ، وَقُمْتَ بِعَدَاوَتِي ، فَقُلْتَ مَا قُلْتَ فِي بِغَيْر عِلْمٍ عَلَى رُءُوسِ الْحَاضِرِينَ ، فَإِنِّي أَقْتَصِرُ عَلَى إِظْهَارِ مَا أَعْرِفُ مِنْ عُيُوبِكَ ، وَتَعْرِفُ الجَمَاعَةُ ؛ وَحَقُّ عَلَى مَنْ عَرَفَكَ حَقَّ معرِفَتِكَ أنْ يَمنَعَ المَلِكَ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ إِيَّاكَ عَلَى طَعَامِهِ ، فَلَوْ ترک میان که ابتدا ١٦٩ كلفتَ أَنْ تَعْمَلَ الزِرَاعَةَ لَكُنتَ جَدِيرًا بِالحِدْلَانِ فِيهَا فالأخرَى بِكَ إِلَّا تَدْنُو إِلَى عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَأَلَّا تَكُونَ دباعًا وَلَا حَجَامًا لِعَامَى فَضْلًا عَنْ خَاصٌ خِدْمَةِ الْمَلِكِ . قَالَ سيدُ الخَنَازِيرِ : أَتَقُولُ لِي هَذِهِ الْمَقَالَةَ ، وَتَلْقَانِي هَذَا الْمُلْقَى : قَالَ دِمْنَهُ ، نَعَمْ ، وَحَقًّا قُلْتُ فِيكَ ، وَإِيَّاكَ أَعْنِي ، أَيْهَا الْأَعْرَجُ المَكْسُورُ الأَفْدَعُ الرِّجْل ، الْمَنْفُوحُ الْبَطْنِ ، الْأَفْلَحُ (1) الشَّفَتَيْنِ ، السَّيُّ المُنظَرِ وَالمَخبَرِ . فَلَمَّا قَالَ ذلكَ دَمْنَةٌ ، تغير وجه سيد الخنازيرِ وَاسْتَعْبَرَ وَاسْتَحَى ، وَتَلَجْلَجَ لِسَانُهُ ، واسْتَكَانَ وَفَتَرَ نَشَاطُهُ . فَقَالَ دِمْنَةُ ، حِينَ رَأَى الْكِسَارَهُ وبكاءَهُ : إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَطُولَ بُكَاؤُكَ ، إِذَا اطَّلَعَ المَلِكُ عَلَى قَدْرِكَ وَعُيُوبِكَ فَعَزَلَكَ عَنْ طَعَامِهِ ، وَحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ خِدْمَتِهِ ، وَأَبْعَدَكَ عَنْ حَضْرَتِهِ ، ثُمَّ إِنَّ شَغْبَرًا كَانَ الْأَسَدُ قَدْ حَرَّبَهُ فَوَجَدَ فِيهِ أَمَانَةٌ وَصِدْقًا ، فَرَتْبَهُ فِي خِدْمَتِهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْفَظُ مَا يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ ، وَيُطْلِعَهُ عَلَى ذلِكَ . فَقَامَ الشَّعْبَرُ فَدَخَلَ (1) الأعوج . (٢) المشقوق (٣) جبرت عبرته وحزنه (٤) ذل عَلَى الْأَسَدِ حَدَّتَهُ بِالحَدِيثِ كُلِّهِ عَلَى جَلِيتِهِ ، فَأَمَرَ الْأَسَدُ . بِعَزْلِ سَيدِ الخَنَازِير عَنْ عَمَلِهِ ، وَأَمَرَ أَلَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَرَى وَجْهَهُ ، وَأَمَرَ بِدِمْنَةً أَنْ يُسْجَنْ ، وَقَدْ مَضَى مِنَ النَّهَارِ أَكْثَرُهُ، وَجَميعُ مَا جَرَى وَقَالُوا وَقَالَ قَدْ كُتِبَ وَخُتِمَ عَلَيْهِ : عَلَيْهِ بِخَاتَم النَّمِرِ ؛ وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى مَنْزِلِهِ . ثُمَّ إِنَّ شَغْبَرًا ابْنَ آوَى يُقَالُ لَهُ رَوزَيَةٌ ، كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلِيلَة إِخَاءُ وَمَوَدَّةً ، وَكَانَ عِنْدَ الْأَسَدِ وَجيهَا ، وَعَلَيْهِ كَرِيمًا ، وَاتَّفَقَ أَنَّ كَلِيلَةَ أَخَذَهُ الوَجْدُ إِشْفَاقًا وَحَذَرًا عَلَى نَفْسِهِ وَأَخِيهِ، . فَرِضَ وَمَاتَ ، فَانْطَلَقَ هَذَا الشَّعْبَرُ إِلَى دِمْنَةَ ، فَأَخْبَرَهُ بِمَوْتِ كليلَةَ فَبَكَى وَحَزِنَ ، وَقَالَ : مَا أَصْنَعُ بِالدُّنْيَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَخِ الصَّفِيِّ : وَلَكِنْ أَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى حَيْثُ لَمْ يَمَتْ كَلِيلَهُ حَتَّى أَبْقَ لِي مِنْ ذَوِى قَرَابَتِي أَخًا مِثْلَكَ : فَإِنِّي قَدْ وَتَقْتُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِحْسَانِهِ إِلَى فِيمَا رَأَيْتُ مِنَ اهْتِمَامِكَ بِي وَمُرَاعَاتِكَ لِي ، P وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ رَجَائِي وَرُكْنِي فِيمَا أَنَا فِيهِ ، فَأُرِيدُ مِنْ إِنْعَامِكَ أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَى مَكَان كَذَا ، فَتَنْظُرَ إِلَى مَا جَمَعْتُهُ أَنَا وَأَخِي بِحِيلَتِنَا وَسَعْيِنَا وَمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَتَأْتِينِي بِهِ ، فَفَعَلَ الشَّعْبَرُ مَا أَمَرَهُ بِهِ دمنة /* . فَلَمَّا وَضَعَ المَالَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَعْطَاهُ شَطْرَهُ ، وَقَالَ لَهُ : tret إِنَّكَ عَلَى الدُّخُولِ والخروج عَلَى الْأَسَدِ أَقدَرُ مِنْ غَيْرِك ، فَتَفَرَّعْ لِشَأْنِي ، وَاصْرِفَ اهْتِمَامَكَ إِلَى ، وَاسْمَعْ مَا أَذْكَرُ بِهِ عِنْدَ 6 الْأَسَدِ ، إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ مَا يَجْرِى بَيْنِي وَبَيْنَ الخُصُومِ ، وَمَا يَبْدُو 6 مِنْ أَمَ الْأَسَدِ فِي حَقِّ ، وَمَا تَرَى مِن مَتَابَعَةِ الْأَسَدِ لَهَا وَمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهَا فِي أَمْرِى ؛ وَاحْفَظْ ذَلِكَ كُلَّهُ . فَأَخَذَ الشَّعْبَرُ مَا أَعْطَاهُ دِمْنَةُ وَانْصَرَفَ عَنْهُ عَلَى هَذَا الْعَهْدِ . فَانْطَلَقَ إِلَى پانی منزلِهِ فَوَضَعَ المَالَ فِيهِ . ثُمَّ إِنَّ الْأَسَدَ بَكَرَ مِنَ الْغَدِ فَلَسَ ، حَتَّى إِذَا مَضَى مِنَ النَّهَارِ سَاعَتَانِ ، اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَأَذِنَ هُمْ ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ، وَوَضَعُوا الْكِتَابَ بَيْنَ يَدَيْهِ . فَلَمَّا عَرَفَ قوهم وقولَ دِمْنَةَ دَعَا أمهُ فَقَرَأَ عَلَيْهَا ذَلِكَ : فَلَهَا سَمِعَتْ مَا فِي الْكِتَابِ نَادَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا : إِنْ أَنَا أَغْلَظَتُ فِي الْقَوْلِ فَلَا تلني : فَإِنَّكَ لَسْتَ تَعْرِفُ ضُرَّكَ مِنْ نَفْعِكَ . أَلَيْسَ هَذَا مِمَّا كُنتُ أَنْهَاكَ عَنْ سَمَاعِهِ : لأَنَّهُ كَلَامُ هَذَا الْمُجْرِمِ المُسِيء إِلَيْنَا 6 الْغَادِرِ بِذِمَّتِنَا : ثُمَّ إِنَّهَا خَرَجَتْ مُغضَبَةٌ ، وذلِكَ بِعَيْنِ الشَّعْبَرِ الَّذِي آخَاهُ دِمْنَةُ وَبِسَمْعِهِ . نَخَرَجَ فِي أَثَرِهَا مُسْرِعًا ، حَتَّى أَتَى دمنة 6 ، فَدَتَهُ بِالحَدِيثِ ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهُ إِذْ جَاءَ رَسُولُ فَانْطَلَقَ بِدِ مَنَةَ إِلَى الجَمْعِ عِنْدَ الْقَاضِي . فَلَمَّا مَنَلَ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي اسْتَفْتَحَ سَيِّدُ المَجْلِسِ فَقَالَ : يَادِمْنَةٌ ، قَدْ أَنْبَاني بِخَبَرِكَ الأمينُ الصَّادِقُ ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفْحَصَ عَنْ شَأْنَكَ أَكْثَرَ مِنْ هذا : لأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الدُّنْيَا سبباً ومِصْدَاقًا لِلْآخِرَةِ : لِأَنَّهَا دَارُ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ الدَّالِينَ عَلَى الخير ، الهَادِينَ إِلَى الجَنَّةِ ، الدَّاعِينَ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى . وقَدْ نَبَتَ شَأْنُكَ عِندَنَا ، وَأَخْبَرَنَا عَنْكَ مَنْ وَيُقْنَا بِقَوْلِهِ ، إِلَّا أَنَّ سَيِّدَنَا أَمَرَنَا بِالْعَوْدِ فِي أَمْرِكَ وَالْفَحْصِ عَنْ شَأْنِكَ 6 ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَنَا ظَاهِرًا بَيْنَا . قَالَ دِمْنَةُ : أَرَاكَ أَيُّهَا الْقَاضِي م من جه مال لم تتعوّدِ الْعَدْلَ فِي الْقَضَاءِ ، وَلَيْسَ فِي عَدْل المُلُوكِ دَفَعُ الْمَظْلُومِينَ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ إِلَى قَاضٍ غَيْرِ عَادِلٍ ؛ بَلِ الْمُخَاصَمَةُ جلدي و عَنْهُمْ وَالدَّوْدُ . فَكَيْفَ تَرَى أَنْ أَقْتَلَ وَلَمْ أَخَاصَمْ ? وَتُعَجِّلُ ذلك . ١٧٣ مُوَافَقَةٌ هَوَاكَ ، وَلَمْ تَحْضِ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَلكِنْ صَدَقَ الَّذِي قَالَ : إِنَّ الَّذِي تَعَودَ عَمَلَ البِر مَنْ عَلَيْهِ عَمَلُهُ ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ . قَالَ الْقَاضِى : إِنَّا تَجِدُ فى كُتُبِ الأَوَّلِينَ : أَنَّ الْقَاضِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ عَمَلَ المُحسن والمسيء ، لِيُجَازِي الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ والمسيءَ بِإِساءَتِهِ ، فَإِذَا ذَهَبَ إِلَى هَذَا ازْدَادُ الْمُحْسِنُونَ حَرْضًا علَى الْإِحْسَانِ ، وَالمَسِيمُونَ اجْتِنَابًا لِلذُّنُوبِ . وَالرَّأَى لَكَ ، يَا دِمْنَةُ ، أَنْ تَنْظُرَ الَّذِي وَقَعْتَ فِيهِ ، وَتَعْتَرِفَ بِذَنْبِكَ ، وتُقرَّ بِهِ ، وَتَتُوبَ . فَأَجَابَهُ دِمْنَةُ : إِنَّ صَالِي الْقُضَاةِ لا يَقْطَعُونَ بِالظَّنَ ، وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ ، لَا فِي الخَاصَّةِ وَلَا فِي العَامَّةِ : لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا . وَأَنْتُمْ إِنْ ظَنَنْتُمْ أَنِّي مُجْرِمُ فِيمَا فَعَلْتُ ، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْكُمْ ، وَعِلْي بِنَفْسِى يَقِينُ لَا شَكٍّ فِيهِ ، وَعِلْمُكُمْ بِي غَايَةُ الشَّكِ ، وَإِنَّمَا قَبَّحَ کھا ت أخرى عِندَكُمْ أَنِّي سَعَيْتُ بِغَيْرِي ، فَمَا عُذْرِى عِنْدَكُمْ إِذَا سَعَيْتُ بنَفْسِي كَاذِبًا عَلَيْهَا ، فَأَسْلَمْتُهَا لِلْقَتْلِ وَالْعَطَبِ ، عَلَى مَعْرِفَةٍ مِن بِبَرَاءَتِي وَسَلَامَتِي مِمَّا قُرِفْتُ بِهِ : وَنَفْسِي أَعْظَمُ الْأَنْفُسِ عَلَى حرمةٌ وأَوْجَبُهَا حَقًّا . فَلَوْ فَعَلْتُ هَذَا بِأَقْصَاكُمْ وَادْنَا كُمْ ، لَ وَسِعَنِي فِي دِينِي ، وَلَا حَسُنَ بِي فِي مُرُوءَتِي ، وَلَا حَقَّ لِي أَنْ أَفْعَلَهُ، فَكَيْفَ أَفْعَلُهُ بِنَفْسِى ? فَا كَفَفْ أَيُّهَا الْقَاضِي عَنْ هَذِهِ المقالة : فَإِنَّها إِنْ كَانَتْ مِنْكَ نَصِيحَةٌ ، فَقَدْ أَخْطَأتَ موضِعَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ خَدِيعَةٌ ، فَإِنَّ أَقْبَحَ الْخِدَاعِ مَا نَظَرْتَهُ عرفت انه من غيرِ اهلِهِ مَعَ انَّ الخَدَاعَ وَالمُكَرَ لَيْسًا مِنْ أَعْمَالِ صَالِحِى الْقُضَاةِ ، وَلَا تُقَاةِ الْوُلَاةِ -- وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَكَ مِمَّا يَتَّخِذُهُ الْجُهَالُ وَالْأَشْرَارُ سُنَّةٌ يَقْتَدُونَ بِهَا : لأنَّ أُمُورَ الْقَضَاءِ يَأْخُذُ بِصَوَاتِهَا أَهْلُ الصَّوَابِ، وَبِخَطَيْهَا أَهْلُ الخَطَا وَالْبَاطِلِ وَالْقَلِيلُو الْوَرَعِ ، وَأَنَا خَائِفُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْقَاضِي مقَالَتِكَ هَذِهِ أَعْظَمَ الرزايا وَالْبَلَايَا ، وَلَيْسَ مِنَ الْبَلاءِ وَالْمُصِيبَةِ أَنَّكَ لَمْ تَزَلَ فِي نَفْسِ المَلِكِ وَالْجُنْدِ وَالْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فاضلا فِي رَأْيِكَ، مُقْنِعًا فِي عَذَلِكَ، مَرْضِيًّا فِي حُكْمِكَ وَعَفَافِكَ وَفَضْلِكَ ، وَإِنَّمَا الْبَلَاءِ كَيْفَ أَسِينَ ذلِكَ فِي أَمْرِي من ( 1 ) اتهمت فَلَمَّا سَمِعَ الْقَاضِى ذلِكَ مِن لَفْظ دمْنَةً ، نَهَضَ فَرَفَعَهُ إِلَى الْأَسَدِ عَلَى وَجْهِهِ فَنَظَرَ فِيهِ الْأَسَدُ ، ثُمَّ دَعَا أَمَّهُ سَد ، ثُم دعا امه فعرضه عليها خدا فَقَالَتْ حِينَ تَبرَتْ كَلَامَ دِمْنَةَ لِلأَسَدِ : لَقَدْ صَارَ اهْتِمَامِي بِمَ أَتَخَوَّفُ مِنَ احْتِيَالِ دِمَنَةَ لَكَ بِمَكْرِهِ وَدَهَانِهِ حَتَّى يَقْتُلَكَ أَوْ يُفْسِدَ عَلَيْكَ أَمْرَكَ ، أَعْظَمَ مِنَ اهْتِمَامِي بِمَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ إلَيْكَ فِي الْعِشْ وَالسَّعَايَةِ ، حَتَّى قَتَلْتَ صَدِيقَكَ بِغَيْرِ ذَنبٍ فَوَقَعَ قَولُهَا فِي نَفْسِهِ . فَقَالَ لَهَا : أَخْبِرِينِي عَنِ الَّذِي أَخْبَرَكِ دِمْنَةَ بِمَا أَخْبَرَكِ ، فَيَكُونَ حُيَّةٌ لِي فِي قَتْلِي دِمْنَةً . فَقَالَتْ : = مان کی داستا إنِّي لَأكرهُ أَنْ أَفْنِي سِر مَنِ اسْتَكْتَمَنِيهِ استكمنيهِ ، فَلَا يَهْنِتُنِي سُرُورِى اسب بِقَتْلِ دِمْنَةَ إِذَا تَذَكَرْتُ أَنِي اسْتَظْهَرْتُ عَلَيْهِ بِرُكُوبِ مَا نَهَت عَنْهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ كَشْفِ السِّرِّ ، وَلكِى أَطَالِبُ الَّذِي اسْتَوْدَ عَنِيهِ أنْ يَجْعَلَنِي في حلّ مِنْ ذِكْرِهِ لَكَ ، وَيَقُومَ هُوَ بِعِلْيهِ وَمَا سَمِعَ منه . ثُمَّ انْصَرَفَتْ ، وَأَرْسَلَتْ إِلَى النَّمِرِ ، وَذَكَرَتْ لَهُ مَا يَحِقُ عَلَيْهِ مِنْ حُسن مُعاوَنَتِهِ الْأَسَدَ عَلَى الْحَقِّ ، وَإِخْرَاجِ نَفْسِهِ مِنَ " الشَّهَادَةِ الَّتِي لا يكتمهَا مِثْلَهُ ، مَعَ مَا يَحِقُ عَلَيْهِ مِنْ نَصْرِ الْمَظْلُومِينَ ، وتثْبِيتِ حُجَّةِ الحَقِّ فِي الْحَيَاةِ وَالمَمَاتِ : فَإِنَّهُ قَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ : مَن كَتَمَ جَةَ مَيْتٍ أَخطأَ مُجَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ ، حَتَّى . قَامَ فَدَخَلَ عَلَى الْأَسَدِ ، فَشَهِدَ عِندَهُ بِمَا سَمِعَ مِنْ إِقْرَارِ دِمَنَةَ . فَلَمَّا شَهِدَ النَّمِرُ بِذلِكَ ، أَرْسَلَ الْفَهْدُ المَحْبُوسُ الَّذِي سَمِعَ إِقْرَارَ دمنةٌ وَحَفِظَهُ إِلَى الْأَسَدِ فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِى شَهَادَةٌ. فَأَخْرَجُوهُ . فَشَهِدَ عَلَى دِمْنَةَ بِمَا سَمِعَ مِنْ إِقْرَارِهِ . فَقَالَ هُمَا الأَسَدُ : مَا مَنَعكُما أَنْ تَقُومَا بِشَهَادَتِها ، وَقَدْ عَلِمْتُمَا أَمْرَنَا وَاهْتِمَامَنَا بِالْفَحْصِ عَنْ أَمْرِ دِمْنَةَ ، فَقَالَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا : قَدْ عَلِمْنَا أنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ لَا تُوجِبُ حُكْماً فَكَرِهْنَا التَعَرَّضَ لِغَيْرِ مَا يَمَضِى بِهِ الحُلم ، حَتَّى إِذَا شَهِدَ أَحَدُنَا قَامَ الْآخَرُ بِشَهَادَتِهِ ، فَقَبِلَ الأسَدُ قَوْلَهُمَا ، وَأَمَرَ بِدِمْنَةَ أَنْ يُقْتَلَ فِي حَبْسِهِ : فَقُتِلَ أَشْعَ قِتْلَةٍ . مَنْ نَظَرَ فِي هَذَا فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَرَادَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ ( ) ) بِضُرٍّ غَيْرِهِ بِالخلابة والمكرِ ، فَإِنَّهُ سَيُجْرَى عَلَى خِلَابَتِهِ وَمَكْرِهِ. ) انقضى باب الفحص عن أمر دمنة ) (1) الخديعة بلطف القول