كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين
باب الحمامَة وَالثَّعْلَبِ وَمَالك الحزين
وَهُوَ بَابُ مَنْ يَرَى الرَّأَى لِغَيْرِهِ وَلَا يَرَاهُ لِنَفْسِهِ . قَالَ الْمَلِكُ لِلْفَيْلَسُوف للفيلسوف : قَدْ سَمِعْتُ هذا المثل فَاضْرِبْ لِي مَثَلاً ه ام في شَأْنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَرَى الرَّأْيَ لِغَيْرِهِ وَلَا يَرَاهُ لِنَفْسِه . قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : إِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ الحَمَامَةِ وَالثَّعْلَب وَمَالك الحَرِينِ . قَالَ الْمَلِكُ : وَمَا مَثَلُهُنَّ ؟ قَالَ الْفَيْلَسُوفُ : زَعَمُوا أَنَّ حَمَامَةٌ كَانَتْ تُفْرِخُ فِي رَأْسِ تخلَةٍ طَوِيلَةٍ ذَاهِبَةٍ فِي السَّمَاءِ ، فَكَانَتِ الْحَمَامَةُ تَشْرَعُ فِي نَقْلِ الْعُشْ إِلَى رَأْسِ تِلْكَ النَّخْلَةِ ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْقُلَ مَا تَنْقُلُ منَ الْعُشُ وَتَجْعَلَهُ تَحتَ البيض إِلَّا بَعدَ شِدَّةٍ وَتَعَب وَمَشَقَةٍ : يطُولِ النَّخْلَةِ وَسُحْقِهَا ، فَإِذَا فَرَغَتْ مِنَ النَّقْلِ بَاضَتْ ثُمَّ حَضَنَتْ بَيضَهَا ، فَإِذَا فَقَسَتْ وأَدْرَكَ فِرَاحُهَا جَاءَهَا ثَعْلَب قدْ تَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهَا لِوَقْتِ قَدْ عَلِمَهُ بِقَدْرِ مَا يَنْهَضُ فِرَاحُهَا ، فَيَقِفُ بِأَصْلِ النَّخْلَةِ فَيَصِيحُ بِهَا وَيَتَوَعَدُهَا أَنْ يَرْقَى إِلَيْهَا فَتُلْقِي إِلَيْهِ فِرَاخَهَا . فَبَيْنَمَا هِىَ ذَاتَ يَوْمٍ قَدْ أَدْرَكَ لَهَا فَرْخَانِ إذْ أَقْبَلَ مَالِكُ الحَرِينُ فَوَقَعَ عَلَى النَّخْلَةِ . فَلَمَّا رَأَى الحَمَامَةَ كَئِيبَةٌ حَزِينَةٌ شَدِيدَةَ الهُمْ قَالَ لَهَا مَالِكُ الْحَزِينُ : يَا حَمَامَةُ ، مالي أراكِ كَاسِفَةَ اللَّوْنِ سَيِّئَةَ الحَالِ : فَقَالَتْ لَهُ : يَا مَالِكُ الْحَرِينَ ، إِنَّ تَعْلَبًا دُهِيتُ بِهِ كُلَّمَا كَانَ لِي فَرْخَانِ جَاءَنِ يُهدِّدُنِي وَيَصِيحُ فِي أَصْلِ النَّخْلَةِ ، فَأَفْرَقُ مِنْهُ فَأَطْرَحُ إِلَيْهِ فَرْحَيَّ قَالَ لَهَا مَالِكُ الْحَزِينُ : إِذَا أَتَاكِ لِيَفْعَلَ مَا تَقُولِينَ فَقُولِي لَهُ : 6 لا أُلْقِي إِلَيْكَ فَرْنَيَّ ، فَارْقَ إِلَى وَغَرُرُ بِنَفْسِكَ ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ وَأَكَلْتَ فَرْحَى ، طَرْتُ عَنْكَ وَتَجَوْتُ بِنَفْسِي ، فَلَمَّا عَلَمَهَا مالِكُ الحَزِينُ هَذِهِ الحِيلَةَ طَارَ فَوَقَعَ عَلَى شَاطِيُّ نَهَرٍ . فَأَقْبَلَ التَّعْلَبُ فِي الْوَقْتِ الَّذِى عَرَفَ ، فَوَقَفَ تَحْتَهَا ، ثُمَّ صَاحَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ . فَأَجَابَتْهُ الحَمَامَةُ بِمَا عَلَمَهَا مَالِكُ الخَزِينُ. فَقَالَ لَهَا التَّعْلَبُ : أَخْبِرِينِي مَنْ عَلَمَكِ هذا لا قَالَتْ : عَلَمَنِي مَالِكُ الْحَرِينُ . فَتَوَجَّهَ التَعْلَبُ حَتَّى أَتَى مَالِكًا الْحَزِينَ عَلَى شَاطِيْ النّهْرِ ، فَوَجَدَهُ وَاقِفًا . فَقَالَ لَهُ التَّعْلَبُ : يَا مَالِكُ الحَزِينَ : إذَا أَتَتْكَ الرِّيحُ عَنْ يَمِينِكَ فَأَيْنَ تَجْعَلُ رَأْسَكَ : قَالَ : عَنْ شمالي . قَالَ : فَإِذَا أَتَتْكَ عَنْ شمَالك فَأَيْنَ تَجْعَلُ رَأْسَكَ : قَالَ : أَجْعَلُهُ عَنْ عَيْنِي أَوْ خَلْفِي . قَالَ : فَإِذَا أَتَتْكَ الرِّيحُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَكُل نَاحِيَةٍ فَأَيْنَ تَجْعَلَهُ : قَالَ : أَجْعَلُهُ تَحْتَ جَنَاحِي . قالَ : وَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَهُ تَحْتَ جَنَاحِكَ : مَا أَرَاهُ يَتَهَيَّأَ لَكَ . قالَ : بَلَى : قَالَ : فَأَرِنِي كَيْفَ تَصْنَعُ ? فَلَعَمْرِى يَا مَعْشَرَ الطَّيْرِ لَقَدْ فَضَّلَكُمُ اللَّهُ عَلَيْنَا . إِنَّكُنَّ تَدْرِينَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةِ مِثْلَ ماندرِى فِي سَنَةٍ ، وَتَبْلُغْنَ مَا لَا تَبْلُعُ ، وَتُدْخِلْنَ رُءُوسَكُنَّ تَحْتَ أَجْنِحَتِكُنَّ مِنَ الْبَرَدِ وَالرِّيح . فَهَنِيئًا لَكُنَّ فَأَرِنِي كَيْفَ تصْنَعُ ، فَأَدْخَلَ الطَّائِرُ رَأْسَهُ تَحْتَ جَنَاحِهِ ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ التَّعْلَبُ مَكَانَهُ فَأَخَذَهُ فَهَمَزَهُ هَمْزَةٌ دَقَتْ عُنُقَهُ ، ثُمَّ قَالَ : يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ ، . تَرَى الرَّأْيَ لِلْحَمَامَةِ ، وَتُعَلمُهَا الحِيلَةَ لِنَفْسِهَا ، وَتَعْجِرُ عَنْ ذَلِكَ لِنَفْسِكَ ، حَتَّى يَسْتَمْكِنَ مِنْكَ عَدُوكَ ، ثُمَّ أَجْهَزَ عَلَيْهِ وَأَكَلَهُ . فَلَمَّا انْتَهَى المَنْطِقُ لِلْمَلِكِ وَالفَيْلَسُوفِ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ سكت المَلِكُ . فَقَالَ لَهُ الفيلسوف : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، عِشْتَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَمَلَكْتَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ ، وَأَعْطِيتَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سببًا ، مَعَ وُفُورِ سُرُورِكَ وَفَرَّةٍ عَيْنِ رَعِيَّتِكَ بِكَ ، وَمُسَاعَدَةِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لَكَ ، فَإِنَّهُ قَدْ كَمَلَ فِيكَ الحِلمُ وَالْعِلْمُ ، وَزَكَا مِنْكَ الْعَقْلُ وَالْقَوْلُ وَالنِّيَّةُ ؛ فَلَا يُوجَدُ فِي رَأْيِكَ نَقْصُ وَلَا فِي قَوْلِكَ سَقَط وَلَا عَيْبٌ . وَقَدْ جَمَعَتَ النَّجْدَةَ وَاللَّينَ ، ، فَلَا تُوجَدُ جَبَانًا عِندَ الْلِقَاءِ ، وَلَا ضَيْقَ الصَّدْرِ عِندَ مَا يَنُوبُكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ . وَقَدْ جَمَعْتُ لكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ شَمْلَ بَيَانِ ، وَشَرَحْتُ لَكَ جَوَابَ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ مِنْهَا ، فَأَبْلَغْتُكَ فِي ذَلِكَ غَايَةَ نُصْحِى ، وَاجْتَهَدْتُ فِيهِ بِرَأَبِي وَنَظَرِى وَمَبْلَغ فِطْنَتِي ، الْتِمَاسًا لِقَضَاءِ حَقَّكَ وَحُسْنِ النِّيَّةِ مِنْكَ . بِاعْمَالِ الْفِكْرَةِ وَالْعَقْلِ. فَاءَ كَما وَصَفْتُ لَكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْمَوْعِظَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ الْآمِرُ بالخَيْرِ بِأَسْعَدَ مِنَ المُطِيعِ لَهُ فِيهِ النَّاصِحُ بِأَوْلَى بِالنَّصِيحَة مِنَ المَنصُوحِ ، وَلَا المعلم للخير وَلَا بأسعدَ مِنْ مُتَعَليهِ مِنْهُ . فَافَهم ذلِكَ أَيُّهَا المَلِكُ ، وَلَا حَوْلَ -- وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ ( انتهت الطبعة السابعة عشرة ) ١٣٠٠ ه ١٩٣٦ م