كليلة ودمنة (الأميرية، 1937)/باب ابن الملك والطائر فترة
بابُ ابْنِ الملك وَالطَّائرِ فَنْزَة
قَالَ دَبْسَلِيمُ المَلِكُ لِبَيْدَبَا الفَيْلَسُوفِ : قَدْ سَمِعْتُ هَذَا (1) المَثَلَ ، فَاضْرِبْ لِي مَثَلَ أَهْلِ التَّرَاتِ الَّذِينَ لَا بُدَّ لِبَعْضِهِمْ مِنَ اتَّقَاءِ بَعْضٍ . قَالَ بَيْدَبَا : زَعَمُوا أَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الْعِندِ كَانَ يُقالُ لَهُ بَرِيدُونَ ، وَكَانَ لَهُ طَائِرُ يُقَالُ لَهُ فَتْرَةٌ ، وَكَانَ لَهُ فَرْحُ وكَانَ هذَا الطَّائِرُ وَفَرْخُهُ يَنطِقَانِ بِأَحْسَنِ مَنْطِقٍ ، وَكَانَ الْمَلِكُ ما مُعْجَبًا ، فَأَمَرَ بِهِمَا أَنْ يُجعَلَا عِنْدَ امْرَأَتِهِ ، وَأَمَرَهَا بِالمحافظة حدہ عليهما . وَاتَّفَقَ أَنَّ امْرَأَةَ المَلِكِ وَلَدَتْ غُلَامًا ، فَأَلِفَ الْفَرْجُ الْغُلَامَ . وَكَلاهُمَا طِفْلَانِ يَلْعَبَانِ جَمِيعًا . وَكَانَ فَتْرَةُ يَذْهَبُ إِلَى الْجَبَلِ كُلَّ يَوْمٍ ، فَيَأْتِي بِفَاكِهَةٍ لَا تُعْرَفُ ، فَيُطْعِمُ ابن الملك شَطْرَهَا ، وَيُطْعِمُ فَرْخَهُ شَطْرَهَا . فَأَسْرَعَ ذَلِكَ في نَسْأَتِهِمَا ، وَزَادَ فِي شَبَابِهِمَا ، وَبَانَ عَلَيْهِمَا أَثَرَهُ عِنْدَ الْمَلِكِ فَازْدَادَ لِفَتَزَةَ إِكْرَامًا وَتَعْظِيا وَمَحَبَّةٌ ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ مِن الأَيَّامِ وَفَتْرَةُ غَيْبُ فِي اجْتِنَاءِ الثَّمَرَةِ ، وَفَرْخُهُ فِي حُجْرِ الْغُلَام ، (1) جمع يرة وهى الثأر (٩) ذَرِّقَ فِي هِجْرِهِ ، فَغَضِبَ الغُلَامُ ، وَأَخَذَ الْفَرْخَ فَضَرَبَ بِهِ 6 الْأَرْضَ فَاتَ . ثُمَّ إِنَّ فَنَزَةَ أَقْبَلَ فَوَجَدَ فَرْخَهُ مَقْتُولًا فَصَاحَ وَحَزِنَ ، وَقَالَ : قُبْحًا لِمُلُوكِ الَّذِينَ لَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا وَفَاءَ ! وَيْلٌ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِصُحْبَةِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ لَا حَيَّةَ هُمْ وَلَا مُحْرمَةَ ، وَلَا يُحِبُّونَ أَحَدًا وَلَا يَكْرُمُ عَلَيْهِمْ إِلَّا إِذَا طَمِعُوا فِيمَا عِنْدَهُ مِنْ غناء ، وَاحْتَاجُوا إِلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمٍ : فَيُكرِمُونَهُ لِذلِكَ فَإِذَا ظَفِرُوا بِحَاجَتِهِمْ مِنْهُ ، فَلَا رُدَّ ، وَلَا إِخَاءَ ، وَلَا إِحْسَانَ ، وَلَا غُفْرَانَ ذَنبٍ ، وَلَا مَعْرِفَةَ حَقٍ ! هُمُ الَّذِينَ أَمْرُهُمْ مَبْنِي عَلَى الرِّيَاءِ وَالْفُجُورِ ، وَهُمْ يَسْتَصْغِرُونَ مَا يَرْتَكِبُونَهُ مِنْ عَظِيمٍ الذُّنُوبِ ، وَيَسْتَعْظِمُونَ الْبَسِيرَ إِذَا خُولِفَتْ فِيهِ أَهْوَاؤُهُمْ فَمِنْهُمْ هَذَا الْكَفُورُ الَّذِي لَا رَحْمَةَ لَهُ ، الْغَادِرُ بِأَلِيفِهِ وَأَخِيهِ . ثمَّ وَتَبَ فِي شِدَّةِ حَنَقِهِ عَلَى وَجْهِ الْغُلَامِ فَفَقَأَ عَيْنَهُ ، وَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى شُرفَةِ المَنْزِلِ . ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَ المُلِكَ ذَلِكَ ، فَفَزِعَ أَشَدَّ الْجَزَع ، ثمَّ طَمِعَ أَنْ يَحْتَالَ لَهُ ، فَوَقَفَ قَرِيبًا مِنْهُ ، وَنَادَاهُ ، وَقَالَ لَهُ إِنكَ آمِنُ ، فَانْزِلْ يَافَتَزَةُ ، فَقَالَ لَهُ : أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ الْغَادِرَ Too مَأْخُوذُ بِغَدْرِهِ ، وَإِنَّهُ إِن أَخطأَهُ عَاجِلُ الْعُقُوبَةِ ، لَمْ يُخْطِفهُ الْاَجِلُ ؛ حَتَّى إِنَّهُ يُدْرِكُ الْأَعْقَابَ وَأَعْقَابَ الْأَعْقَابِ ، وَإِنَّ ابنك غَدَرَ بِابْنِي ، فَعَجَلْتُ لَهُ الْعُقُوبَةَ . قَالَ الْمَلِكُ : لَعَمْرِي قَدْ غَدَرْنَا بِابْتِكَ ، فَانْتَقَمْتَ مِنا : فَلَيْسَ لَكَ قِبَلَنَا ، وَلَا لَنَا قبلك وتَرَ مَظْلُوبٌ . فَاَرْجِعْ إِلَيْنَا آمِنًا ، قَالَ فَتْرَةُ : لَسْتُ (3) بِرَاجِعْ إِلَيْكَ أَبَدًا : فَإِنَّ ذَوِى الرأي قَدْ نَهَوْا عَنْ قُرْبِ الْمَوْتُورِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُكَ لُطْفُ الحَقُودِ وَلِينُهُ وَتَكْرِمَتَهُ إِيَّاكَ إِلَّا وَحْشَةً مِنْهُ ، وَسُوءَ ظَنّ بِهِ : فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ لِلْحَقُودِ المَوْتُورِ أَمَانَا هُوَ 6 أوْثَقُ لَكَ مِنَ الأَعْرِ مِنْهُ ، وَلَا أَجْوَدُ مِنَ الْبُعْدِ عَنْهُ والاخترَاسُ مِنْهُ أَوْلَى . وَقَدْ كَانَ يُقَالُ : إِنَّ الْعَاقِلَ يَعُدُّ أَبَوَيْهِ أصدقاءَ ، وَالْإخْوَةَ رُفَقَاءَ ، وَالْأَزْوَاجَ أَلفَاءَ ، وَالْبَنِينَ ذكرا ، والْبَنَاتِ خُصَمَاءَ ، وَالْأَقَارِبَ غُرَمَاءَ وَيَعُدُّ نَفْسَهُ فَرِيدًا . وَأَنَا الْفَرِيدُ الْوَحِيدُ الغَرِيبُ الطَّرِيدُ ، قَدْ تَزَوَّدْتُ مِنْ عِندِكُمْ مِنَ الْحُزْنِ عِبئًا ثَقِيلاً ، لَا يَحْمِلُهُ مَعِيَ أَحَدُ . وَأَنَا ذَاهِب . فَعَلَيْكَ منى السلام (1) 6 من قتل له قتيل فلم يدرك بدمه [١]
قَالَ لَهُ الْمَلِكُ : إِنَّكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ اجْتَزَيْتَ مِنَّا فِيمَا صَنَعْنَاهُ بِكَ ، بَلْ كَانَ صَنِيعُكَ بِنَا مِنْ غَيْرِ ابْتِدَاءِ مِنَّا بِالْغَدْرِ ، كَانَ الأمرُ ما ذَكَرْتَ . وَأَمَّا إِذْ كُنَّا نَحْنُ بَدَأْنَاكَ ، فَمَا ذَنْبُكَ ? وَمَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الثَّقَةِ بِنَا : هَلُمَّ فَارْجِعْ : فَإِنَّكَ آمِنُ قَالَ فَتْرَةُ : اعْلَمْ أَنَّ الْأَحْقَادَ لَهَا فِي الْقُلُوبِ مَوَاقِعُ مُمَكَنَةُ مُوجِعَةٌ ، فَالْأَلْسُنُ لَا تَصْدُقُ فِي خَبَرِهَا عَنِ الْقُلُوبِ 6 وَالْقَلْبُ أَعْدَلُ شَهَادَةً مِنَ اللِسَانِ عَلَى الْقَلْبِ . وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ قَلبي لَا يَشْهَدُ لِسَانِكَ ، وَلَا قَلْبُكَ لِلساني . قَالَ المَلِكُ : أَلَمْ تَعْلَمُ أَنَّ الصَّغَائِنَ وَالْأَحْقَادَ تَكُونُ بَيْنَ كَثِيرِ مِنَ النَّاسِ : فَمَنْ كَانَ ذَا عَقْلَ ، كَانَ عَلَى إِمَانَةِ الْحَقْدِ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى تَرْبِيَتِهِ . قَالَ فَتْرَةُ : إِنَّ ذلِكَ لَكَما ذَكَرْتَ ، وَلَكِن لَيْسَ يَنْبَغِي لِذِي الرأي مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ المَوْتُورَ الْحَقُودَ نَاسٍ مَا وُتِرَبِهِ ، مَصْرُوفُ عَنْهُ فِكْرُهُ فِيهِ . وَذُو الرَّأْي يَتَخَوَّفُ المَكْرَ وَالخَدِيعَةَ والحَيَلَ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعَدُوِّ لَا يُسْتَطَاعُ بِالشِّدَّةِ وَالْمُكَابَرَةِ ؛ حَتَّى يُصَادَ بِالرِّفْقِ وَالْمُلَايَنَةِ : كَمَا يُصَادُ الْفِيلُ ؛ الْوَحْشِيُّ بِالْفِيلِ الدَّاجِنِ . قَالَ الْمَلِكُ : إِنَّ الْعَاقِلَ الْكَرِيم لا يَتْرُكُ الْفَهُ ، وَلَا يَقْطَعُ إخوانَهُ وَلَا يُضَيعُ الْحَفَاظَ ، وَإِنْ خافَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ حَتَّى إِنَّ هَذَا الخُلُقَ يَكُونُ فِي أَوْضَعِ الدَّوَابٌ مَنزِلَةٌ : فَقَد عَلَيْتُ أَنَّ اللعَابِينَ يَلْعَبُونَ بِالْكِلاب ، م يَذْبَحُونَهَا وَيَأْكُلُونَهَا . وَيَرَى الْكَلْبُ الَّذِي قَدْ أَلِفَهُمْ ذَلِكَ ، فَلَا يَدْعُوهُ إِلَى مُفَارَقَتِهِمْ ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ أُلْفَتِهِ إِيَّاهُمْ قال فنزةُ : إِنَّ الْأَحْفَادَ مَخُوفَةً حَيْمَا كَانَتْ . فَأَخْوَفُهَا وَأَشَدُّهَا ما كَانَ فِي أَنْفُسِ الْمُلُوكِ : فَإِنَّ الْمُلُوكَ يَدِينُونَ بِالانْتِقَامٍ ، 6 ويرونَ الدَّرْكَ وَالطَّلَبَ بِالْوِتْرِ مَكْرُمَةً وَنَفَرًا . وَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَغْتَر بسكونِ الْحَقِّدِ إِذَا سَكَنَ فَإِنَّمَا مَثَلُ الْحَقْدِ فِي الْقَلْبِ ، إِذَا لَمْ يجد تحركًا ، مَثَلُ الخَمْرِ المَكنُونِ ، مَا لَمْ يَجِدْ حَطَبًا ، فَلَيْسَ کا يَنْفَكُ الحَقْدُ مُتَطَلعًا إِلَى الْعِلَلِ ، كَمَا تَبْتَغِي النَّارُ الْخَطَبَ : 6 فَإِذَا وَجَدَ عِلَّةٌ اسْتَعَرَ اسْتِعَارَ النَّارِ : فَلَا يُطْفِتُهُ حُسْنُ كَلَامٍ ، ولَا لِينُ وَلَا رِفْقُ ، وَلَا حُضُوعُ وَلَا تَضَرْعُ وَلَا مُصَانَعَةٌ ، وَلَا شَيْءٌ دُونَ تَلَفِ الْأَنْفُسِ . مَعَ أَنَّهُ رُبَّ وَاتِرٍ يَطْمَعُ فِي مُرَاجَعَةِ الموتُورِ بِمَا يَرْجُو أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْعِ لَهُ ، وَالدَّفْعِ عَنْهُ . ولكني أَنَا أَضْعَفُ عَنْ أَنْ أَقْدِرَ عَلَى شَيْءٍ يَذْهَبُ بِهِ مَا فِي نفْسِكَ . وَلَوْ كَانَتْ نَفْسُكَ مُنْطَوِيةٌ لِي عَلَى مَا تَقُولُ مَا كَانَ ذلكَ عَنِّى مُغْنِيًا ، وَلَا أَزَالُ فِي خُوفِ وَوَحْشَةٍ ، وَسُوءِ ظَن، ما اصْطَحَبْنَا . فَلَيْسَ الرَّأْى بينِي وَبَيْنَكَ إِلَّا الْفِرَاقَ 6 وَأَنَا أَقْرَأْ عَلَيْكَ السَّلَام قالَ الْمَلِكُ : لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُ لِأَحَدٍ ضَرًا وَلَا نَفْعًا ، وَأَنَّهُ لَا شَيْء مِنَ الْأَشْيَاء صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا ، يُصِيبُ أَحَدًا ، إِلَّا بِقَضَاء وَقَدَرٍ مَعلُوم . وَكَما أَنَّ خَلَقَ مَا يُخْلَقُ ، وَوِلَادَةَ مَا يُولَدُ ، وَبَقَاءَ مَا يَبقَ ، لَيْسَ إِلَى الخَلَائِقِ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ كَذلِكَ فَنَاءُ مَا يَفْنَى ، وَهَلَاكُ مَا يَهْلِكُ . وَلَيْسَ لَكَ في الَّذِي صَنَعْتَ بِابْنِي ذَنْبٌ ، وَلَا لِابْنِي فِيمَا صَنَعَ بِابْنِكَ ذَنْبُ . إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَدْرًا مَقْدُورًا ، وَكِلَانَا لَهُ عِلَّةٌ : فَلَا نُوأَخَذُ بِمَا أَنَانَا بِهِ الْقَدَرُ . قَالَ فَتْرَةُ : إِنَّ الْقَدَرَ لَا ذَكَرْتَ ، لكِنْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الحَارِمَ مِنْ تَوَلَّى الخَاوِفِ ، وَالاحْتِرَاسِ مِنَ المَكَارِهِ . وَلَكِنَّهُ يَجمعُ تَصْدِيقًا بِالْقَدَرِ وَأَخَذَا بِالْحَزْمِ وَالْقُوَّةِ . وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُكَلِّمُنِي بِغَيْرِ مَا فِي نَفْسِكَ . وَالْأَمْرُ بينِي وَبَيْنَكَ غَيْرُ صَغِيرِ : لأَنَّ ابْنَكَ قَتَلَ ابْنِي ، وَأَنَا فَقَاتُ عَيْنَ ابنكَ ، وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَسْتَفِي بِقَتْلِ ، وَتَكْتُلَنِي عَنْ نَفْسِي وَالنَّفْسُ تَأبَى المَوْتَ . وَقَدْ كَانَ يُقَالُ : الْفَاقَةُ بَلَاءُ ، وَالْحَزْنُ بَلاءُ ، وَقُرْبُ الْعَدُو بَلا ، وَفِراقُ الْأَحِبَّةِ بَلاءُ ، وَالسَّقَمُ بَلَا 6 والهَرَمُ بَلَا ؛ وَرَأْسُ البَلايَا كُلَّهَا المَوْتُ ، وَلَيْسَ أَحَدُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي نَفْسِ المُوجَعِ الحَزِينِ مِمَّنْ ذَاقَ مِثْلَ مَا بِهِ . فَأَنَا بِمَا فِي نَفْسِي عَالِمُ بِمَا فِي نَفْسِكَ : لِلْمَثَلِ الَّذِي عِنْدِي مِنْ ذلِكَ . وَلَا خَيْرَ لِي فِي مُحَبَتِكَ : فَإِنَّكَ لَنْ تَتَذَكَّرَ صَنِيعِي بابنك ، وَلَنْ أَتَذكَرَ صَنِيعَ ابْتِكَ بِأَبْنِي ، إِلَّا أَحْدَثَ ذَلِكَ لِقُلُوبِنَا تَغْبِيرًا قالَ الْمَلِكُ : لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِعْرَاضَ عَمَّا في نَفْسِهِ ، وَيَنْسَاهُ وَيُمِلُهُ ، حَتَّى لَا يَذْكُرَ مِنْهُ شَيْئًا ، وَلَا يَكُونَ لَهُ فِي نَفْسِهِ مَوْقِعُ . قَالَ فَلْزَةُ : إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي فِي بَاطِنِ قَدَمِهِ قُرْحَةٌ ، إِنْ هُوَ حَرَصَ عَلَى المَشْيِ ، فَلَا بُدَّ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَسْتَكِي فَرْحَتَهُ . وَالرَّجُلَ الْأَرْمَدَ الْعَيْنِ إِذَا اسْتَقْبَلَ بِهَا الرِّيح، تَعَرَّضَ لِأَنْ تَزْدَادَ رَمَدًا . وَكَذلِكَ الْوَاتِرُ إِذَا دَنَا مِنَ المَوْتُورِ، فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ ، وَلَا يَنبَغِي لِصَاحِبِ الدُّنْيَا إِلَّا تَوَفَّى المَهَالِكِ وَالمُتَلِفِ ، وَتَقْدِيرُ الْأُمُورِ وَقِلَّةُ الانكل على الحَوْلِ وَالقُوَّةِ ، وَقِلَّةُ الاغْتِرَارِ يمَنْ لَا يَأْمَنُ : فَإِنَّهُ مَن الكل عَلَى قُوَّتِهِ ، فَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَسْلُكَ الْطَرِيقَ الخَوفَ ، فَقَدْ سَعَى فِي حَتْفِ نَفْسِهِ ، وَمَنْ لَا يُقَدِّرُ لِطَاقَتِهِ طَعَامَهُ وشرابه ، وَحَمَلَ نَفْسَهُ مَا لَا تُطِيقُ وَلَا تَحْمِلُ ، فَقَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ . ومَنْ لَا يُقَدِّرُ لُقْمَتَهُ ، وَعَظَمَهَا فَوْقَ مَا يَسَعُ فُوهُ ، فَرُبَّمَا غَصَّ بِهَا فَمَاتَ . وَمَنِ اغْتَرَ بِكَلَامِ عَدُوِّهِ ، وَالْخَدَعَ لَهُ ، وَضَيَّعَ الحَزْمَ ، فَهُوَ أَعْدَى لِنَفْسِهِ مِنْ عَدُوِّهِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ النَّظَرُ فِي الْقَدَرِ الَّذِى لَا يَدْرِى مَا يَأْتِيهِ مِنْهُ وَلَا مَا يُصْرَفُ عنْهُ ، وَلكِنْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالحَزْمِ وَالْأَخْذُ بِالْقُوَّةِ وَمُحَاسَبَة نَفْسِهِ في ذلك . وَالْعَاقِلُ لَا يَشِقُ بِأَحَدٍ مَا اسْتَطَاعَ ، وَلَا يُقِيمُ عَلَى خَوْفٍ وَهُوَ يَجِدُ عَنْهُ مَذْهَبًا ، وَأَنَا كَثِيرُ المُذَاهِبِ ، وَأَرْجُو 3 أَلَّا أَذْهَبَ وَجْهَا إِلَّا أَصَبْتُ فِيهِ مَا يُغْنِنِي : فَإِنَّ خِلَالًا خَمْسًا مَنْ تَزَوَّدَهُنَّ كَفَيْنَهُ فِي كُلِّ وَجْهِ ، وَآنَسْنَهُ فِي كُلِّ غُرْبَةِ ، وَقَرَ بْنَ لَهُ الْبَعِيدَ ، وَأَكْسَبْنَهُ المَعَاشَ وَالْإِخْوَانَ : أَوَّهُنَّ كَفْ الأذى ، وَالثَّانِيَةُ حُسْنُ الأَدبِ ، وَالثَّالِثَةُ مُجَانَبَةُ الرِّيبِ . 6 وَالرَّابِعَةُ كَرَمُ الخُلُقِ ، وَالخَامِسَةُ النَّبْلُ فِي الْعَمَلِ . وَإِذَا خَافَ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا طَابَتْ نَفْسُهُ عَنِ الْمَالِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ -- وَالْوَطَنِ : فَإِنَّهُ يَرْجُو الخَلَفَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَا يَرْجُو عَنِ النَّفْسِ خلفًا . وَشَرُّ المَالِ مَا لَا إِنْفَاقَ مِنْهُ ، وَشَرُّ الْأَزْوَاجِ الَّتِي لَا تُوَاتِي بَعْلَهَا ، وَشَرِّ الْوَلَدِ الْعَاصِي العَاقُ لِوَالِدَيْهِ ، وَشَرُّ الإخْوَانِ الْخَاذِلُ لِأَخِيهِ عِنْدَ النَّجَاتِ وَالشَّدَائِدِ ، وَشَر الملوك الَّذِي يَخَافُهُ الْبَرِىءُ ، وَلَا يُوَاظِبُ عَلَى حِفْظِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، وَشَرَ الْبِلَادِ بِلَاهُ لَا خَصْبَ فِيهَا وَلَا أَمْنَ ، وَإِنَّهُ لَا أَمْنَ لِي عِندَكَ أَيُّهَا المَلِكُ وَلَا طُمَأْنِينَةَ لى فِي جَوَارِكَ . ثُمَّ وَدَعَ الْمَلِكَ وَطَارَ . فَهَذَا مَثَلُ ذَوِى الْأَوْتَارِ الَّذِينَ لَا يَنْبَغِي لِبَعْضِهِمْ أَنْ يق ببعض . انقضى باب ابن الملك والطائر )
- ↑ أدركت الجزاء