قادة الفكر/يوليوس قيصر
يوليوس قيصر

(١) ليس من اليسير أن يذكر الاسكندر دون أن يذكر قيصر فقد كان التشابه بينهما عظيماً على ما بينهما من اختلاف الجنس وعلى ما بين عصريهما من تباين وعلى ما بين الظروف التي أحاطت بحياتهما وبالعالم القديم من عصر يهما من افتراق. كان التشابه بينهما عظيماً الى حد أن ثانيهما مكمل لأولهما تكميلاً شعر به القدماء أنفسهم فشبهوا قيصر بالاسكندر واخترعوا في ذلك أساطير مختلفة كثيرة وسواء أكان قيصر يفكر في الاسكندر ويتخذه مثلاً في سيرته ومطامعه السياسية أم لم يكن فليس من شك في أن حياة قيصر وسيرته قد تمما حياة الاسكندر وسيرته أراد الاسكندر أن يخضع العالم القديم كلـه لسلطان واحد سياسي وأراد أن يكون خضوع العالم لهذا السلطان السياسي وسيلة الى ايجاد الوحدة العقلية في النوع الانساني كله والى ازالة الفروق المختلفة التي كانت تفرق بين الشعوب، وقد أخضع جزءًا عظيماً جداً من العالم القديم لسلطانه ولم تتح له الحياة الوقت الكافي لاخضاع بقية العالم القديم لهذا السلطان. فتح الشرق ولم يستطع ان يفتح الغرب بل إن الظروف أرادت ألا يكون فوز الاسكندر هذا متصلاً فقد عاجله الموت ولما يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره ولما يضع لدولته الضخمة من النظم والقوانين ما يكفل لها الوحدة السياسية التي كان يريد تحقيقها، فما هي إلا ان اختلف قواده وتقطع ملكه وقامت على الانقاض دولته الضخمة دول كثيرة مختلفة ومع هذا فان فوز الاسكندر عظيم مثلناه لك في الفصل الماضي لأن هذه الدولة التي قامت على انقاض دولته في أقطار الشرق كانت يونانية كلها فقاربت بين الشعوب ووحدت الحضارة الانسانية وجعلت تعاون الشرق والغرب أمراً ميسوراً
وينما كانت هذه الدول اليونانية الشرقية تؤدي في الشرق هذه الخدمة الانسانية القيمة كان الغرب الأوربي الذي لم يستطع الاسكندر أن يصل اليه خاضعاً لمؤثرين مختلفين هزّاه هزاً عنيفاً وأحدثا فيه نفس الظاهرة التي احدثتها حركة الاسكندر في الشرق: أول هذين المؤثرين ظهور الجمهورية الرومانية في ايطاليا وانبساط سلطانها قليلاً قليلاً على شبه الجزيرة الايطالي فقد كانت هذه الجمهورية قوة سياسية وعسكرية لم يعهد الغرب الأوربي مثلها وكانت نهضتها في الغرب كنهضة مقدونيا في الشرق تمهيداً لحركة عامة غايتها القضاء على الفوضى والوصول إلى جمع أمور الشعوب الغربية في يد قوية حازمة تضبط فيها الأمور. الثاني الجهاد بين الحضارة اليونانية التي كانت تمثلها المستعمرات اليونانية في ايطاليا وفرنسا واسبانيا وصقلية والحضارة السياسية التي كانت تمثلها هذه الجمهورية الفينيقية الضخمة في أفريقيا الشمالية وهي جمهورية قرطاجنة. كان اليونان قد انبثوا على الساحل الايطالي والفرنسي والاسباني وفي جزيرة صقلية ونشروا حضارتهم وسياستهم وآدابهم وفلسفتهم في جميع البلاد التي استقروا فيها وكان الفينيقيون قد انبتوا في ساحل أفريقيا الشمالية وفي اسبانيا وفي جزيرة صقلية وكان الجهاد عنيفاً بين الجنسين کلاهما يريد أن يظفر بسيادة البحر ليحتكر التجارة احتكاراً ولكن الطبع اليوناني الذي كان يستتبع الخصومة الحزبية داخل المدن والحروب السياسية بين المدن انتج في هذا القسم من الغرب نفس الذي أنتجه في الشرق فضعف أمر اليونان وتفرقت جهودهم واستفاد الفينيقيون من هذا في الغرب كما استفاد الفرس منه في الشرق. ونهضت الأمة الرومانية في ايطاليا لتحقق نفس الغاية التي حققتها النهضة اليونانية في البلقان فاخضعت المدن الايطالية المستقلة وقضت على سكان المستعمرات اليونانية في ايطاليا وصقلية وكونت وحدة غربية قوية جاهدت الفينيقيين كما جاهد الاسكندر دولة الفرس وقضت على الفينيقيين كما قضى الاسكندر على الفرس وخضع الغرب كله للرومان كما خضع الشرق كله لليونان، ثم لم يبق بد بعد أن تم هذا كله من أن تصطدم القوتان الشرقية والغربية وتفوز بالسلطان أقدرهما على الحياة وأصلحهما للبقاء. ولست في حاجة إلى أن أبين لك فساد الأمر في الدول البونانية الشرقية وصلاحه في الدولة الرومانية الغربية فانت تستطيع أن تجد هذا مفصلاً في كتب التاريخ وإنما الذي يعنينا في هذا الفصل هو ان نقول ان القرن الثاني قبل المسيح لم يكد ينقضي حتى كان السلطان الروماني منبسطاً بدرجات تختلف قوة وضعفاً على البلاد اليونانية في اوربا وعلى الدول اليونانية في الشرق وحتى كانت فكرة الاسكندر وهي تحقيق الوحدة السياسية للعالم القديم قد أخذت تسرع إلى التحقق وتظفر بالوجود الفعلي
(٢) ولكن شيئاً واحداً كان يحول دون تحقيق هذه الفكرة بالفعل وهو أن العالم القديم على ما أصابه من التطور العقلي والسياسي لم يستطع أن ينسى نظمه القديمة ويضع لنفسه نظما ملائمة لحياته الجديدة فكانت بلاد اليونان محتفظة بحياة المدن على النحو القديم وكانت دول الشرق قائمة على نظم الدول الشرقية القديمة بل كانت مدينة روما نفسها تعيش على نظامها الجمهوري القديم وكان العالم حينئذ مظهراً لطائفة من التناقضات الغريبة لا تكاد تحصى دوله ومدنه المستقلة ولكن هذا الاستقلال الذي كانت تستمتع به إنما كان استقلالا لفظياً لا حقيقياً لأن السلطة الفعلية كانت لمدينة روما على ان مدينة روما نفسها لم تكن تستمتع باستقلالها وحريتها إلا استمتاعاً لفظياً فقد كانت النظم الجمهورية قائمة فيها ولكن السلطة الفعلية كانت قد انحصرت في أيدي الأغنياء يديرونها كما يشتهون ويصرفونها كما تريد أطماعهم وأهواؤهم وكان السخط عاماً على هذه الحال المنكرة التي تعلن أنواعاً من الاستقلال لا قيمة لها وتجعل حياة الشعوب المختلفة الى أفراد من الناس لا يكادون يبلغون الالف عدًّا فكان الاضطراب متصلا في الشرق وكان الجهاد بين الطبقات عنيفاً في الغرب وكان كل شيء يدل على أن صلاح الامر واستقراره في هذا العالم القديم لن يتم الا اذا تحققت بالفعل فكرة الاسكندر واشرف على هذه الدول والمدن المستقلة سلطان قوي قاهر حازم يضبط الأمور فيها وانت تستطيع أن تجد في تاريخ الرومان تفصيل هذه الاضطرابات وهذه الألوان من الجهاد الذي ختم حياة الجمهورية الرومانية وكان مقدمة لتكوين الامبراطورية الرومانية
(٣) في هذا الوقت ظهر شاب روماني من طبقة الاشراف هو يوليوس قيصر، ليس في حياته الأولى ما يميزه من غيره إلا أنه كان مسرفاً فاسد الاخلاق دنس السيرة مبغضاً إلى الذين كانوا يحرصون على الآداب الرومانية القديمة ومع ذلك فقد كان داهية ماكراً لا حدّ لأطماعه وكان مع هذا كله لا يعرف حداً خلقياً يحول بينه وبين المكر في سبيل تحقيق هذه الأطماع، كان من الأشراف وكان يزعم أن نسبه يتصل بآلهة «فينوس» ولكنه كان ذكياً فما أسرع ما فهم العصر الذي كان يعيش فيه وما أسرع ما قدر ظروف الحياة من حوله وما أسرع ما عرف أن العوز السياسي انما ينال بالتملق إلى طبقات الشعب والمبالغة في ارضاء هذه الطبقات وما هي إلا أن أخذ يترضى هذه الطبقات فإذا هو كريم مسرف ينفق بغير حساب يستدين حتى يثقله الدين ولا يدع شيئاً يتوهم أن فيا رضى لطبقات الشعب الا اقدم عليه وأسرف فيه وإذا هو زعيم يلجأ اليه الفقراء والبائسون ويلتف حوله أصحاب الأطماع على اختلافهم وإذا هو قوة يجب أن تحسب لها الدولة حساباً وإذا هو يتقدم إلى مناصب الدولة فظفر في الانتخاب وإذا هو خصم لمجلس الشيوخ الروماني يدافعه ويجاهده يظهر نفسه مظهر الصديق للديموقراطية وانظر اليه قد فاز في جهاده فتولى حكم إقليم من الأقاليم الرومانية ولم يكد يصل إلى هذا الاقليم في فرنسا حتى ظهرت مقدرته السياسية والعسكرية ففتح فرنسا كلها وتعمق في المانيا وعبر البحر إلى بريطانيا العظمى واستفاد لنفسه من هذه الفتوح ثروة ضخمة استعان بها على كسب الفقراء والمصوتين في روما وإيطاليا كما أنه ضم إلى روما جزءاً من الأرض واسعاً خصباً وأتاح للحضارة اليونانية الرومانية أن تثبت أقطار الغرب كما ثبتت في أقطار الشرق. فلما أتيح له كل هذا الفوز كثر خصومه ومنافسوه و عظمت أطماعه وإذا مجلس الشيوخ الروماني يريد أن يعزله من منصبه وإذا هو يمانع في هذا العزل وإذا الحرب قد شبت بينه وبين الجمهورية وإذا هو يقتحم إيطاليا فيظهر بروما وقد فر خصومه ينصبون له الحرب في الشرق وهنا ظهر أن قيصر خليفة الاسكندر حقاً، انظر اليه قد أخضع ايطاليا ثم طار إلى اسبانيا فقضى فيها على الحزب المناصر لخصومه وأخضع فيه طريقه مدينة مرسيليا التي كانت مستعمرة يونانية مستقلة، ثم انظر اليه قد طار إلى الشرق فقضى على خصومه في موقعة فرسال ثم هو في مصر يقضي على المناصرين لخصومه ويجد من الوقت ما يمكنه من التدخل في أمور مصر ومن السعادة بالحياة مع ملكتهت «كليوباترة»، وهو الآن في آسيا يصلح من أمرها ويقضي علي الاضطراب فيها ثم هو في أفريقيا الشمالية يبطش بخصومه بطشاً أخيراً ثم هو في اسبانيا يقضي على آخر مقاومة لخصومه ثم هو في مدينة روما يعلن ظفره وفوزه ويستمتع بنتائجها وقد تم له ما لم يتم للاسكندر من مالك العالم القديم المتحضر كله
(٤) وكان حظه خيراً من حظ الاسكندر فقد استطاع أن ينظم هذه الوحدة السياسية التي فشل الاسكندر في تنظيمها أو أن يضع الأساس لهذا التنظيم، لم يكد يستقر في روما حتي محا السيادة الفعلية للنظام الجمهوري واستأثر بالسلطة كلها فجعل نفسه ديكتاتوراً طول حياته وجعل نفسه مقدساً وجعل لنفسه السلطة الدينية العليا ونصب نفسه زعيماً للضعفاء يحميهم ويحوطهم ولم يبق إلا أن يتخذ لقب الملك وكأنه كان يريد أن يتخذه لولا ان تعجله المؤتمرون فقتلوه في مجلس الشيوخ (مارس سنة ٤٤ قبل المسيح)
(٥) قتلوه وقد خيل اليهم أنهم سيقضون على الطغيان ويردون إلى الشعب الروماني حريته ونظمه الجمهورية ولكن الحوادث دلت على أنهم كانوا مخطئين وعلى أن الشعب الروماني قد زهد في هذه الحرية وسئم النظم الجمهورية وعلى أن العالم القديم كله كان قد نضج لتحقيق فكرة الاسكندر وايجاد هذه الوحدة السياسية العامة التي يشرف عليها سلطان قوي متين ، كان الاسكندر اذا صاحب الفكرة وكان قيصر منفذها ومهما يقل الفلاسفة وأنصار الحرية ومهما يكن حكم التاريخ على قيصر أو له فليس من شك ما في انه بعد الاسكندر أكبر قائد للفكر السياسي في العصر القديم، هو الذي أسس الامبراطورية الرومانية ورسم نظامها وجمع العالم كله تحت لواء واحد واخضعه لنظام سياسي واحد ولنظام قضائي واحد وأعده ليخضع لنظام ديني واحد أيضاً والعالم القديم مدين لقيصر بهذا كله وأوربا في القرون الوسطى مدينة لقيصر بحياتها السياسية وحسبك ان الامبراطورية الالمانية كانت ترى نفسها وارثة للامبراطورية الرومانية التي أسسها قيصر وكان رؤساؤها يسمون أنفسهم قياصرة بل إن أوربا مدينة بنظامها السياسي في العصر الحديث لقيصر فما كان لويس الرابع عشر في فرنسا ولا قياصرة الألمان الذين كانوا يخاصمونه الا متأثرين بالنظام القيصري بل لقد عصفت باوريا وبالعالم الحديث عاصفة الثورة الفرنسية فما هي إلا أعوام حتى أنتج النظام الجمهوري الفرنسي نفس ما أنتجه النظام الجمهوري الروماني وقام نابوليون بونابارت في باريس مقام يوليوس قيصر في روما