انتقل إلى المحتوى

قادة الفكر/هوميروس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
قادة الفكر
 المؤلف طه حسين
هوميروس


قادة الفكر


هوميروس

هوميروس

ارادت مجلة «الهلال» الغراء أن تكون صلة بيني وبين قرائها في نشر طائفة من الفصول هي التي اقترحت موضوعها، فمن الحق أن ابدأ هذه الفصول بان أقدم الى «الهلال» اجمل الشكر لما تفضلت به من ايجاد الصلة بيني وبين قرائها ولما وفقت اليه من اقتراح هذا الموضوع الذي قد يكون عسيراً أشد العسر ولكنه نافع أعظم النفع فمهما يتكلف الكاتب من العناء في البحث عن دقائقه فهو واثق كل الثقة بان عناءه ليس ضائعاً وبانه واجد في هذا العناء نفسه من اللذة والفائدة ما ينسيه مشقة البحث وآلامه. ولقد أجاهد نفسي جهاداً شديداً لأمنعها عن الاسهاب في بيان ما لهذا الموضوع من نفعٍ وخطر، لاني اعلم ان البحث نفسه سيبين هذا النفع والخطر أحسن بيان. وحسبنا اننا سنعرض في هذه الفصول لا لتاريخ اشخاص بعينهم بل لتاريخ العقل الانساني وما اعترضه من ضروب العطور وألوان الاستحالة والرقي حتى انتهى الى حيث هو الآن

على اني لا اريد أن ابدأ البحث قبل أن أقدم بين يديه تنبيهاً للقراء أرى أن ليس منه بد. فقد تعوَّد الناس في الشرق عامة وفي مصر خاصة أن يفهموا من مثل هذا العنوان الذي قدمته أن عناية لكاتب والباحث ستتناول الاشخاص وتقصر عليهم، فلفظ «قادة الفكر» اذا سمعه القارئ المصري أو الشرقي فهم منه لأول وهلة طائفة من الاشخاص لهم أثر يختلف قوة وضعفاً في تكوين الحياة الفكرية العامة في جيل من الأجيال أو في بلد من البلاد ، ثم اتصل ذهنه بهؤلاء الأشخاص وانتظر من الكاتب أن يقص عليه اطرافاً من حياتهم وما اعترضها من خطوب وما اختلف عليها من محن، وبعبارة موجزة انتظر من الكاتب أن يقص عليه تراجم هؤلاء الاشخاص. وهذا النوع من البحث مألوف شائع في الشرق والغرب. يحبه الناس ويكافون به منذ كتب الكاتب اليوناني المعروف «فلوتارخوس» كتابه المشهور الذي ترجم فيه لعظماء الرجال من اليونان والرومان والذي كان له في العصر القديم وفي القرون الوسطى وفي أول هذا العصر الحديث اثر لا يكاد يعدله أثر والذي ما نزال نقرؤه الآن بلذة لا تعدلها لذة وعناية لا تشبهها عناية. هذا النحو من البحث مألوف شائع ولكني مع ذلك سأعدل عنه وسأكون شديد الاقتصاد في ذكر الحوادث والاخبار والتواريخ التي تتصل بحياة الاشخاص الذين سأعرض لهم في هذه الفصول، لا لاني أهمل هؤلاء الاشخاص اهمالا أو أنسى تأثيرهم العظيم في البيئة التي نشأوا فيها، بل لان لي رأياً أظن أنه هو الرأي المقرر الآن عند الذين يعنون بتاريخ الآداب والآراء وهو أن هذه الآداب والآراء على اختلافها وتباين فنونها ومنازعها ظواهر اجتماعية أكثر منها ظواهر فردية، أي أنها أثر من آثار الجماعة والبيئة أكثر من أن تكون أثراً من آثار الفرد الذي رآها واذاعها

واذا كان الأمر كذلك فليس من الحق في شيء أن تنسى الجماعة التي هي المؤثر الأول في ظهور الآداب والآراء الفلسفية وتقصر عنايتك على الفرد الذي كان مظهراً لهذه الآداب أو هذه الآراء، واحب أن نتفق قبل كل شيء. فالناس يذهبون في مثل هذا الموضوع مذهبين متباينين أشد التباين، أريد أنا كما أراد غيري من المؤرخين المحدثين أن أتوسط بينهما وأن آخذ من كل منهما خلاصته. فمن الناس من يغلو في اكبار الجماعة والبيئة واضافة كل شيء اليها واستنباط كل شيء منها حتى ينسى الفرد نسياناً تاماً فان ذكره فانما يذكره على أنه اداة من الادوات ومظهر من المظاهر ليس له قوة ولا عمل ولا ارادة. ومنهم من يغلو في اكبار الفرد فيضيف اليه كل شيء ويقصر عليه كل عناية ويفني الجماعة فيه كما يفنيه السابقون في الجماعة، أولئك يمحون الفرد محواً وهؤلاء يمحون الجماعة محواً، اولئك وهؤلاء مخطئون فيها اعتقد. فلست أجهل أن الفرد قوة تختلف عظماً وضالة ولكنها قوة على كل حال، قوة لها أثرها في تكوين القوة الاجتماعية بل لها أثرها العظيم في تكوين هذه القوَّة، واذن فليس من البحث العلمي القيم في شيء ان تعتبر هذا الفرد مهملا كما يقولون، ولست أجهل أن الفرد لم ينشئ نفسه وليس من سبيل الى تصوره مستقلا، وانما هو في وجوده المادي والمعنوي أثر اجتماعي وظاهرة من ظواهر الاجتماع، لا يوجد الا اذا التقى الجنسان فاذا وجد فالجماعة كلها متعاونة متظاهرة على تنشيئه وتربية جسمه وعقله وشعوره وعواطفه، وهل التربية المادية والمعنوية الا قالب يصاغ فيه الفرد على صورة الجماعة التي ينشأ فيها. يتعلم الفرد بهذه التربية اللغة التي يتكلمها وليس هو الذي يحدث هذه اللغة وليس من الممكن أن تعرف الفرد الذي أحدث لغة من اللغات، بل ليس من الممكن أن توجد اللغة الا اذا كانت هناك جماعة تحدثها لانها محتاجة اليها، ثم يتعلم الفرد الدين الذي ينظم حياته الروحية وليس هو الذي أحدث هذا الدين، بل ما من سبيل الى وجود الدين اذا لم تكن هناك جماعة توجده لانها تحتاج اليه، وقل مثل هذا في الاخلاق، وقل مثله في النظم الاجتماعية والسياسية، وقل مثله في جميع الاوضاع والآداب. الفرد اذن ظاهرة اجتماعية واذن فليس من البحث القيم العلمي في شيء أن تجعل الفرد كل شيء وتمحو الجماعة التي انشأته وكونته محواً، انما السبيل أن تقدر الجماعة وأن تقدر الفرد وأن تجتهد ما استطعت في تحديد الصلة بينهما وفي تعيين ما لكليهما من أثر في الآداب والآراء الفلسفية والنظم الاجتماعية والسياسية المختلفة. واذا كانت هذه هي السبيل المعقولة فلا ينبغي أن تنتظر من هذه الفصول تراجم لقادة الفكر كما تقرأ في کتاب «فلوتارخوس» تراجم عظماء الرجال من اليونان والرومان. ولا ينبغي أن تنتظر من هذه الفصول مباحث اجتماعية أو جغرافية ندرس منها البيئات والبلدان درساً مفصلا بحجة انها هي المؤثر الاول في وجود الآراء والافكار التي خضعت لها الاجيال الانسانية. إنما هذه الفصول مزاج من البحث الفردي والاجتماعي سأجتهد ما استطعت في أن أبين فيها شخصية الفلاسفة والمفكرين الذين سأعرض لهم ولكن على أن تكون هذه الشخصية متصلة بالبيئة التي نشأت فيها متأثرة بها ومؤثرة فيها أيضاً

*   *   *


وبأي هؤلاء المفكرين والفلاسفة تريد أن أبدأ هذه الفصول؟ هم كثيرون، هم أكثر من عشرة، بل أكثر من مئة ، بل أحسب ان العد لا يكاد يحصيهم، بل ازعم إنا نجهل منهم أفراداً كثيرين. فيكم من مفكر وكم من فيلسوف كان له الأثر الاعظم في ترقية بيئته وتهيئتها للتطور، ولكن الزمان محا شخصيته محواً واخفاها على الاجيال اخفاءً فلم يعرف الناس من أمرهم قليلا ولا كثيراً، وانما استمتعوا بآثاره وانتفعوا بآرائه وهم يجهلونه ثم قد يخطر لهم أحياناً ان يبحثوا عنه ويتلمسوا شخصيته فاذا لم يجدوا اليها سبيلا اخترعوها اختراعاً وابتكروها ابتكاراً وخلقوها من عند أنفسهم، ولقد أريد أن أحدثك اليوم عن شخص من هؤلاء الاشخاص أو عن طائفة من هؤلاء الأشخاص، كان لهم أعظم أثر في تكوين أمة بأسرها وفي تصوير النظم السياسية والاجتماعية والدينية التي خضعت لها هذه الامة عصوراً طوالا وفي تهيئة هذه الامة للرقي والتطور اللذين جعلاها مصدر الحياة العقلية التي لا تزال الانسانية متأثرة بها الى اليوم والى غد والى آخر الدهر. أريد بهؤلاء الاشخاص أولئك الشعراء الذين انشأوا «الالياذة» «والاودسا» وغيرهما من الاناشيد القصصية اليونانية التي لم يبق لنا منها الا طرف قليل والتي كانت قوام الحياة اليونانية عصوراً طوالا حتى خلفتها الفلسفة، ولعلك تدهش حين تراني أحدثك عن منشئ «الالياذة» «والاودسا»، ولعلك كنت تقدر اني سأحدثك عن فيلسوف من هؤلاء الفلاسفة الذين خلد التاريخ القديم والحديث اسماءَهم وآراءهم، عن «سقراط» أو «افلاطون» أو «ديكارت» أو «جان جاك روسو» او «كانت» او «اوجوست كونت» أو «سبنسر». سأحدثك عن هؤلاء، ولكن بعد أن أحدثك عن «هوميروس» وخلفاء «هوميروس»

وفكر معي قليلا في تاريخ اليونان الذي ترجع اليه الحضارة الانسانية الحديثة والقديمة وفكر معي قليلا في تاريخ العرب أيضاً الذي ترجع اليه الحضارة الاسلامية من بعض الوجوه. علام كانت تقوم الحياة اليونانية في بداوة اليونان وأول عهدها بالحضارة؟ وعلام كانت تقوم الحياة العربية في بداوة العرب وأول عهدهم بالاسلام؟ على الشعر! ونستطيع أن تقول على الشعر وحده. فالعرب واليونان. يتشابهون من هذه الجهة تشابهاً كاملا، تستطيع أن تبحث عن فلاسفهم وحكمتهم وقادتهم وساستهم ومديري أمورهم الاجتماعية أيام البداوة فلا تجد الا الشعراء. ثم تستطيع أن تبحث عن فلسفتهم ودينهم ونظمهم المختلفة وحياة عقولهم وعواطفهم فلا تجدها إلا في الشعر. الشعر أذن هو أول مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية القوية لهاتين الامتين؟ وتستطيع أن تقول في غير حرج أن الشعر هو أول مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية القوية لكل الامم المتحضرة التي عرفها التاريخ، واذن فالشعراء هم قادة الفكر في هذه الامم، تأثروا بحياتها البدوية فنشأوا ملائمين لها وتميزت شخصياتهم فاثروا فيمن حولهم ثم في الاجيال التي خلقتهم. وهل كانت توجد الحضارة اليونانية التي انشأت «سقراط» و «ارسطاطالیس» والتي انشأت «ايسكولوس» و«سوفوكليس» والتي انشأت «فيدياس» و«بيريكليس» لو لم توجد البداوة اليونانية التي سيطر عليها شعر «هوميروس» وخلفائه؟ وهل كانت توجد الحضارة الاسلامية التي ظهر فيها من ظهر من الخلفاء والعلماء وافذاذ الرجال لو لم توجد البداوة العربية التي سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والاعشى وزهير وغيرهم من هؤلاء الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم؟ غير أن هناك فرقاً عظيما بين بداوة العرب وبداوة اليونان. بداوة العرب أثرت في العرب وفي الحضارة الاسلامية ولم تتجاوز الحضارة الاسلامية الا قليلا، واذن فشعراء الجاهلية العربية عرب لا أكثر ولا اقل. أما بداوة اليونان فقد أثرت في اليونان واثرت في الرومان واثرت في العرب واثرت في الانسانية القديمة والمتوسطة وهي تؤثر الآن في الانسانية الحديثة وستؤثر فيها إلى ما شاء اللّٰه، واذن فشعراء البداوة اليونانية يونان ولكنهم ملك للانسانية كلها.

ومن هؤلاء الشعراء من نسيتهم الانسانية نسياناً تاماً وعاشت بآنار هم عصوراً طوالا ثم تنبهت لجمال هذه الآثار فأخذت تبحث عن أصحابها وما تزال تبحث عنهم الى الآن دون أن تجدهم، وأكبر الظن أنها لن تجدهم أبداً، واذن فقد خلقتهم خلقاً وابتكرتهم ابتكاراً، وبين أيدينا منهم صور مختلفة تختلف باختلاف الاجيال التي انشأتها، بين أيدينا الصورة اليونانية التي اخترعها اليونان في القرن السابع قبل المسيح وفي القرون التي وليته، والتي تمثل لنا «هوميروس» بطلا من الابطال نشأ من الزواج بين نهر من أنهار آسيا الصغرى وامرأة من عامة النساء، وتقص علينا من أخباره أقاصيص نعجب بها ولكننا لا نستطيع أن نؤمن لها. ثم بين يدينا صورة أخرى ظهرت في أوربا في القرن الثامن عشر وصور أخرى ظهرت في أوربا في القرن التاسع عشر تمثل «هوميروس» رجلا من الرجال وتجتهد في أن تنشئ له سيرة تشبه سير الناس، ثم بين يدينا صورة أخرى ظهرت في اوربا أوائل القرن الماضي تنكر شخص «هوميروس» وتجحده جحوداً تاماً وتزعم أن «هوميروس» هو الامة اليونانية البدوية كلها وان «الالياذة» و«الاودسا» أثران من آثار الامة اليونانية كلها. ثم بين يدينا هذه الصورة التي وقف عندها البحث الحديث إلى حين إلى يوم يظهر باحث جديد يظهر لنا صورة أخرى، وهذه الصورة التي انتهى اليها البحث الآن تنكر شخص «هوميروس»، كما روته الاساطير وتزعم أن هناك أسرة كانت تسمى أسرة «الهوميريين» توارثت الشعر القصصي فيما بينها واذاعته في المبلاد اليونانية . ولست تريد فيما أظن أن أوغل بك في هذه المباحث المختلفة المعقدة حول شخص «هوميروس» أو أشخاص الشعراء القصصيين الذين انشأوا «الالياذة» و«الاودسا» وغيرهما من الشعر القصصي اليوناني، فذلك شيء لا غناء فيه الآن. وانما الذي تستطيع أن تأخذني به هو أن أبين لك كيف كان هؤلاء الشعراء الذين نسيهم التاريخ قادة الفكر أثناء البداوة اليونانية وأثناء عصر طويل من الحضارة اليونانية وكيف لا يزال هؤلاء الشعراء يؤثرون في الحياة الانسانية الى الآن

تصور جماعة من الناس لا يقرأون ولا يكتبون ولا يختلفون إلى مدرسة ولا يستمعون الى فيلسوف ولا يطمحون في حياتهم الى أكثر من الاكل والشرب والامن والدعة. هذه الجماعة التي تعيش هذه العيشة الخشنة تجدها في البلاد اليونانية قديماً وفي البلاد العربية قبل الاسلام وفي بلاد أخرى لم تبلغها الحضارة اليوم. تصور هذه الجماعة وقد أقبل عليها في يوم من الايام رجل في يده اداة موسيقية تشبه الربابة فاخذ يلحن على اداته الموسيقية واجتمع الناس حوله يستمعون له وما هي الا أن أضاف الى ألحانه غناءً أخذ ینشده فغنى الناس به وشجعوه واندفع هو في غنائه واذا هو يقص عليهم في لغة عذبة ساذجة رائعة اخبار طائفة من الابطال يمثلون الثروة التي يطمحون اليها والقوة التي يعتزون بها والشجاعة والبأس وما الى ذلك من الأخلاق والخلال التي يكبرها البدو ويحرصون عليها لانها قوام حياتهم، اندفع الشاعر في قصصه يغنيه ويلحنه وأغرق الناس في الاستماع له والاعجاب به واذا هم معلقون بشفتيه واذا هو يخلب البابهم ويستهوي تقولهم حتى اذا فرغ من قصصه وغنائه التفوا حوله مهنئونه ويكرمونه واستبقوا اليه يضيفونه ويمنحونه المنح حتى اذا قضى بينهم أياماً ينشدهم ويجيزونه تركهم وقد حفظوا عنه كثيراً وقد احيا عواطفهم وغذا عقولهم، تركهم وانتقل الى جماعة أخرى وقد شجعه ما لقي من الجماعة الاولى فكان أمره مع الجماعة الثانية كأمره مع الجماعة الاولى، تصور هذه الجماعات وهؤلاءِ الشعراء المغنين توجد لنفسك صورة مقاربة للحياة اليونانية وتأثير الشعر فيها أيام البداوة

تصور الشعراء العاميين الذين يقصون على الناس في قرى مصر أخبار الهلالية والزناتية يلحنونها على الربابة، ولكن لا تتصور الناس الذين يستمعون لهؤلاء الشعراء متحضرين تحضر المصريين يلتمسون آدابهم وأخلاقهم ونظمهم المختلفة في الدين والعلم والفلسفة والسياسة، وانما تصورهم قوماً ليس لهم دين منظم ولا أدب مدوَّن ولا فلسفة ولا سياسة وانما الشعراء يحملون اليهم من هذا كل شيء، تصور هذا تتمثل تأثير «الالياذة» و«الاودسا» في الحياة اليونانية الاولى

ثم اضف الى هذا كله شيئاً آخر وهو أن هذه الاناشيد التي كان يتغنى بها الشعراء على هذا النحو الذي قدمته لم تكن كأخبار الهلالية والزناتية وانما كانت تمتاز بشيء من الجمال والروعة ليس الى وصفها من سبيل، فلم يقف تأثيرها عند هذه الجماعات البادية وانما تحضرت هذه الجماعات والتمست آدابها وفلسفتها ونظمها في مصادر أخرى غير هذه الاناشيد ولكنها مع ذلك لم تستطع أن تنسى هذه الاناشيد أو تسلوها وانما أخذت تستظهرها وتروبها وتحرص عليها الحرص كله وبالغت في ذلك حتى عنيت حكوماتها المنظمة بتدوينها على نحو ما عنيت حكومة الخلفاء الراشدين بتدوين القرآن الكريم

ثم لم يقف الامر عند هذا الحد وانما ظهر في هذه الامة اليونانية شعراء عدلوا عن القصص الى الغناء أو قل عدلوا عن هذا الشعر الذي يقص سير الابطال إلى شعر آخر يتغنى العواطف الانسانية المختلفة من حزن وابتهاج فلم يستطع هؤلاء الشعراء أن يستغنوا عن الشعر القصصي القديم وانما التمسوا فيه موضوعاتهم، ولم يقف الامر عند هذا الحد وانما ظهر في هذه الامة اليونانية شعراء آخرون عدلوا عن القصص والغناء الى التمثيل في الملاعب فلم يبتكروا قصصهم ابتكاراً وانما التمسوا أكثرها في الشعر القصصي القديم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ظهر في هذه الامة اليونانية فلاسفة ومفكرون عدلوا عن القديم كله وجددوا كل شيء ولكنهم لم يستطيعوا أن يستغنوا عن الشعر القصصي القديم لانه كان مستودع المثل العليا في الاخلاق والحياة الانسانية الساذجة البريئة من الفساد فرجعوا اليه في فلسفتهم وأخلاقهم. ثم دالت الدول وتغير الزمان وكان العصر الحديث وأراد الشعراء المحدثون أن ينشئوا القصص التمثيلية والقصائد الغنائية فالتمسوا نماذجهم عند شعراء اليونان فاذا هم ينشئون قصصهم وقصائدهم على نحو ما كان يفعل اليونان متأثرين «بالالياذة» و «الاودسا». ثم بدا لهم أن يمثلوا القصص اليونانية نفسها فترجموها إلى لغاتهم وأخذوا يمثلونها حيناً في اللغات الحديثة وحيناً في اللغة اليونانية القديمة نفسها. و«بيت موليير» الآن معني بتمثيل قصة من قصص «سوفوكليس» هي «أوديب في كولونا» اشتغل المترجم ينقلها الى الفرنسية عشرين سنة. ومن قبل ذلك اشتغل عميد «بيت موليير» بنقل قصة «الفرس» «لا يسكيلوس» وتمثيلها. ومن قبل ذلك اشتهر الممثل الفرنسي النابغة «سولي» بتمثل «أوديب ملكا». وفوق هذا كله لا توجد مدرسة تحترم نفسها في أوربا لا يدرس فيها الشباب الاوربي «الالياذة» و«الاودسا» في نصوصها اليونانية أو مترجمة الى اللغات الحديثة

أكنت مصيباً اذن حين زعمت أن شعراء «الالياذة» و«الاودسا» يعدون بحق من قادة الفكر الانساني؟ ولكنك ستسألني: ما «الالياذة» وما «الاودسا»؟ ولست أجيبك على هذا السؤال وانما أريد أن تجيب نفسك عليه، أريد أن تقرأ «الالياذة» و«الاودسا» لتعرف ما هما؛ وكل ما أطمح اليه في هذه الفصول هو أن أشوقك إلى أن تقرأ شيئاً قليلا أو كثيراً من آثار المفكرين الذين اتخذهم موضوعاً لهذه الاحاديث