قادة الفكر/بين عصرين
بين عصرين
(١)
ظن الذين ائتمروا بقيصر وقتلوه أنهم ائتمروا بما كان يمثله قيصر وقضوا عليه وظنوا أنهم قد وفقوا إلى ما كانوا يطمعون فيه من رد امور الحكم الى الشعب ومحو السلطان الذي كان يحاول القضاء على الروح الديموقراطي. وما الذي يمنعهم ان يظنوا ذلك او يؤمنوا به وقد ائتمر المؤتمرون من قبلهم بالطغيان فأزالوه وانتدبوا لنصر الديموقراطية وحرية الشعوب فوفقوا اليه. ولكن كل شيء وقع بعد قيصر دلّ على أن هؤلاء المؤتمرين كانوا اصحاب خيال لا أصحاب تحقيق وعلى أنهم لم يأتمروا بالطغيان وانما ائتمروا بما كان باقياً من الديموقراطية ولم يقضوا على الجديد وانما قضوا على القديم. نعم ودل كل شيء وقع بعد قيصر على ان الذين كانوا قد ائتمروا من قبل بالطغاة والطغيان انما وفقوا إلى الفوز لان نظام الطغيان كان قد أضعف نفسه وانتهى الى غايته ولان النظام الديمقراطي كان حديث العهد يكاد الناس يجهلونه ولكنهم مع ذلك يحبونه بل قل انهم كانوا يحبونه لانهم يجهلونه. وكان هذا النظام الديمقراطي يريد أن يعم ويسود فلا يحول بينه وبين ما يريد إلا هذا النظام العتيق نظام الطغيان واستئثار الافراد والاقليات بالامر. فلما أزيل هذا النظام العتيق خلت الطريق للجديد فظهر وانتصر وسيطر على العقول والعواطف وفروع الحياه العملية. أما في مصر قيصر فقد كان الأمر على عكس هذا. كان الناس قد سئموا الحرية أو قل كان الناس قد ضاقوا لهذه الحرية ذرعاً لانهم عجزوا عن النهوض باعبائها فلم ينتفعوا بها ولم تنتفع بهم. وكان النظام الديمقراطي القديم قد أصبح عتيقاً مملولاً لا سلطازج له على النفوس ولا تأثير له في القلوب. وكان اختلاط الشعوب واشتداد الصلة فيما بينها قد أثبت عجز النظام الديمقراطي القديم عند سيادة العالم وضبط أموره. وكان العالم في حاجة شديدة إلى من يسوده ويضبط أموره في حزم وعزم. وكان قيصر هذا السيد الحازم العازم الذي أتيح له أن يزيل. أنقاض القديم ليتيح للجديد أن يظهر ويظفر ويسود. لذلك لم يحسن المؤتمرون بقيصر الى الديمقراطية وانما أساءوا اليها وتعجلوا قضاء اللّٰه فيها. وأنت تعلم أن جسم قيصر لم يكد يدس في التراب حتى كان انصاره والمشيعون له أكثر من خصومه والساخطين عليه وحتى اضطر الذين انتمروا به وقتلوه أن يفروا بديمقراطيتهم وحريتهم إلى مكان بعيد. وأنت تعلم أن الذين نهضوا بالامر بعد قيصر ما زالوا بهؤلاء المؤتمرين حتى ثأروا منهم لقيصر وانهم بعد أن فرغوا من هؤلاء المؤتمرين انقسموا على أنفسهم واضطروا إلى أنواع من الجهاد كلفت العالم رجلاً وأموالاً وجشمته خطوباً وأهوالا وانتهت آخر الأمر إلى حيث كان قيصر قد انتهى من تثبيت سلطان الفرد من ناحية وجمع الشرق والغرب تحت هذا السلطان من ناحية أخرى واستقرار اغسطس حيث كان استقر خاله قيصر.
كل هذه الاحداث التي المح اليها تلميحا تدل دلالة واضحة قوية على انه كان قد آن لقيادة الفكر أن تنتقل من طور الى طور ومن يد الى يد. وفي الحق أنك لا تكاد تنظر في التاريخ منذ ابتداء عصر القياصرة حتى تستيقن أن شيئين قد فشلا فشلاً مطلقاً وآن أن يقوم مقامهما شيئان آخران. فاما الشيئان اللذان فشلا فهما الديموقراطية والفلسفة. وأما الشيئان الذين قدرت لهما السيادة وكتب لهما الفوز فهما الاوتوقراطية والدين. وقد يكون من الحق والصواب أيضاً أن نقول أن كل شيء كان يدل في ذلك الوقت على أن الغرب قد فشل وعلى ان الشرق قد قدر له الفوز والانتصار ومع ذلك فقد كان الغرب منتصراً والشرق منهزماً. ألم تكن جيوش الرومان قد وطئت أقطار الشرق وأخذت تستعمره وتستذله؟ ألم يكن أغسطس قد محا استقلال آخر البلاد الشرقية ستقلة وهي مصر؟ كان الغرب منتصراً من الوجهة العسكرية ولكن الشرق كان ينتصر من الوجهة العقلية والشعورية. أتظن من المصادقة المطلقة أن تنشأ الامبراطورية في روما ويثبت سلطانها في. نفس الوقت الذي يظهر فيه الدين المسيحي في الشرق وتبدأ الدعوة اليه؟ وهل كان النظام الامبراطوري في الغرب الا نحواً من نظام الملك الشرقي؟ لقد عرضنا أمامك في الفصول الماضية ألوان الحياة اليونانية الرومانية وصور الحكم في هذه الحياة فما رأيت فيما عرضنا عليك نظاماً أوتوقراطياً صحيحاً وانما رأيت حكماً مقيداً ينتقل بين الملكية والارستوقراطية والديموقراطية ولكنه مقيد دستوري على كل حال. ورأيت فيها عرضنا عليك ان اليونان والرومان لم يعرفوا نظام الدول الضخمة والامبراطوريات الواسعة في أوربا وانما عرفوا في جميع أطوارهم نظام المدن الصغيرة المنفصلة المستقلة التي تأتلف من حين الى حين ولكن كما يأتلف الاحترار المتحالفون. ورأيت كيف فشل الاسكندر حين أراد أن يحقق النظام الاوتوقراطي ويكوّن من الشرق والغرب دولة تخضع لهذا النظام؟ أما الآن فقد كان نظام الحكم المقيد قد فشل وكان نظام المدن المنفصلة قد فشل أيضاً وكان الاتصال بين الشرق والغرب قد قوي واشتدت أواصره وأخذت تظهر نتائجه فما الذي يمنع قياصرة الرومان أن يحكموا العالم كما كان يحكم الفراعنة في مصر والملوك في بلاد الفرس؟ على أن انتصار الشرق على وضوحه وظهوره لم يكن كاملا موفوراً ولم يكن بدٌّ من أن يتم الجهاد وتنتهي التجربة الى أقصاها وينهار النظام الغربي القديم أمام النظام الشرقي الجديد
ولم يكن ذلك ميسوراً الا بعد أن يمضي وقت طويل يزداد فيه الاتصال بين الغرب والشرق شدة وقوة. ومهما يكن من شيء فقد فاز قيصر ومذهبه وانخذل النظام الجمهوري وأنصاره. ولم يكن فشل الفلسفة بأقل من فشل هذا النظام السياسي. وكيف لا تفشل وقد كثر الفلاسفة حتى تجاوزوا الاحصاء وكثرت مذاهبهم واشتد بينها الخلاف والتقاطع وعجزت الفلسفة ومذاهبها عن أن تحقق للناس ما كانوا يريدون أو بعض ما كانوا يريدون؟ وأين هي آثار سقراط وافلاطون وارسططاليس في الحياة السياسية والاجتماعية؟ ألم تحتفظ المدن اليونانية التي كانت تدرس فيها هذه الفلسفة بنظمها القديمة التي اندفعت بها الى الفوضى والاضطراب وقادتها الى الذلة والخضوع؟ وهل تريد دليلاً على فشل الفلسفة من الوجهة النظرية الخالصة أكثر من هذا الخلاف بين الفلاسفة ومن اضطرار فريق منهم إلى أن يستأنفوا الشك في كل شيء كما كان يشك السوفسطائية في القرن الخامس قبل المسيح؟ واضطرار فريق آخرين إلى أن ينصرف عن الفلسفة النظرية الى الفلسفة الخلقية؟ واضطرار نفر من هؤلاء الى ان يزهدوا في اللذة ونفر آخرين إلى أن يتهالكوا عليها؟ عجزت الفلسفة اذن عن ارضاء الحاجات السياسية للناس كما عجزت عن ارضاء العقل والشعور. فلم يكن بد من أن تنزل عن قيادة الفكر ولم يكن بد من أن يتولى الدين هذه القيادة. وأي دين هذا الذي يجب أن يخلف الفلسفة على قيادة الفكر؟ ليس هو الدين الوثني القديم فقد جدت الفلسفة في هدم هذا الدين ووفقت الى تشكيك الناس فيه وقد عجز الغرب عن أن يستبدل بهذا الدين الوثي دينا جديداً يستحدثه واضطرب الغرب بين هذه الوثنية المضحكة وبين اباحية هادمة لكل شيء مقوضة لكل سلطان. واذن فلم لا ينتشر في الغرب دين شرقي كما انتشرت في الغرب سياسية شرقية؟
—٢—
كان هذا كله ظاهراً بيناً في العصر الذي وليَ أيام قيصر ولكنه مع ذلك لم يتحقق الا بعد جهاد طويل عنيف. فقد ناضل القديم فأحسن النضال. لجأت المدن الجمهورية الى مجلس الشيوخ في روما فناضلت القياصرة ما أتيح لها النضال ولجأت النظم الوثنية الى مجلس الشيوخ وقصور القياصرة فجاهدت المسيحية ما استطاعت الجهاد . ولكن القرن الثالث للمسيح لم يبلغ آخره حتى كان انتصار الشرق على الغرب تاماً شاملا. فأما آثار النظام الجمهوري فمحيت محواً. وأما القياصرة فقد أصبحوا فراعنة يعبدون في العالم كله على نحو ما كان يعبد الفراعنة في مصر. وأما الوثنية فقد كانت تنفق أقصى ما تملك من عنف لتحتفظ بالبقاء ولكن البقاء لم يكن قد قدّر لها. وإذا القرن الرابع قد انتصف واذا المسيحية هي الديانة الرسمية للامبراطورية الرومانية كلها. واذا المسيحية تضطهد الوثنية بعد ان كانت الوثنية تضطهدها. واذا الشرق قد سيطر على الغرب بنظمه السياسية وميوله الدينية.
—٣—
وأنت تعفيني طبعاً من أن أتحدث اليك عن المسيح كما تحدثت اليك عن سقراط وافلاطون والاسكندر وقيصر. فليس المسيح في حاجة إلى أن تدرس شخصيته وآثاره وقيادته للفكر في فصل موجز كهذا الفصل أو كتاب مجمل كهذا الكتاب
هناك شيء لا سبيل الى الشك فيه وهو ان المسيح قد قاد الفكر الانساني دهراً وقد لقيت قيادته للفكر صعاباً ازالتها وعقاباً ذللها وأتيح لها أن تستأثر وحدها بالسلطان في الشرق والغرب حيناً. ولكن هذا الحين لم يتصل. وقد أخرج عما رسمته لنفسي ان حاولت ان أفصل الاسباب التي حالت بين الدين المسيحي وبين الاحتفاظ بما كان قد وصل اليه من سيطرة على العالم القديم كله أو أكثره. وانما ألاحظ ان هذا الدين المسيحي هوجم في وقتين متقاربين من ناحيتين متباعدتين. وقد أتيح له الانتصار في احدى هاتين الناحيتين، وقدر له الانقباض في الناحية الأخرى لم يكد ينتصر في الغرب حتى أخذت القبائل الوثنية المتبربرة تهاجم العالم الروماني القديم. وقد استطاع الدين المسيحي أن ينتصر على هذه القبائل المهاجمة ويظلها باوانه شيئاً فشيئاً حتى سلمت له أوربا المتحضرة. ولكنه بينما كان يسود في أوربا ويبسط لواءه على هؤلاء الوثنيين قليلا قليلا كانت حركة أخرى تحدث في آسيا. في هذه الصحراء العربية التي لم يكد يظلها القرن السابع للمسيح حتى كانت كلها مضطربة بظهور الاسلام. ولم يكد ينتصف عليها هذا القرن حتى كانت قد قذفت بأهلها في أقطار الارض المجاورة فاذا هم يفتحون ويمعنون في الفتح وينشرون دينهم الجديد. واذا المسيحية تنقبض أمامهم في الشرق كما ينقبض أمامهم النظام السياسي القيصري أيضاً. ولست في حاجة الى ان افصل لك الصراع بين الاسلام والمسيحية ولست في حاجة الى ان اذكر لك ان ظهور الاسلام مع انه قد احتفظ للدين بقيادة الفكر الانساني فقد قسم هذه القيادة بين دينين. فأما أحدهما فاستأثر بها في الشرق وهو الاسلام وأما الآخر فاستأثر بها في الغرب وهو المسيحية
—٤—
وقد استقر الدينان كل في موضعه مع انبساط وانقباض من حين الى حين وتمت لها قيادة الفكر عصوراً لا يكاد ينازعهما فيها منازع. ومن غريب الأمر أنها خضعا لاطوار متشابهة في الشرق والغرب. كلاهما لم يستطع أن يستغني عما ترك اليونان والرومان من فلسفة وأدب وتشريع. وكلاهما استغل هذه التركة اليونانية الرومانية وأساغها راضياً مرة وكارهاً مرة أخرى. باسماً حينا وعابساً حيناً آخر. كلاهما آوى فلسفة اليونان وتشريع الرومان واستعان بهما في كلامه وتشريعه. وكلاهما تجهم لفلسفة اليونان وتشريع الرومان حين أحسّ منهما خطراً قليلا أو كثيراً. وكلاهما أحدث في العالم حضارة مزدهرة ما استعان بالفلسفة اليونانية والتشريع الروماني مبتسماً متلطفاً محتاطاً. وكلاهما أحدث في العالم خطوباً شداداً وجشمه أهوالا عظاماً حين اندفع الجهل بأهله الى اساءة الاستعانة بفلسفة اليونان وتشريع الرومان
تبين أمر الفلاسفة الذين ظهروا في الشرق والغرب في ظل الاسلام والمسيحية. وتبين حظوظهم المختلفة من نعمة وبؤس ومن سعادة وشقاء. وتبين أسباب هذا كله فأنت مضطر إلى أن تلاحظ أن هذه الأسباب متشابهة وإن اختلفت أطوارها وبيئاتها وأنها راجعة كلها أو أكثرها إلى فهم الناس للدين والفلسفة أكثر من رجوعها إلى الدين والفلسفة في نفسهما. راجعة إلى مقدار ما كان للناس من علم يعظم معه نصيبهم من حرية الرأي أو جهل يضعفه معه تصيبهم من هذه الحرية.
ومن غريب الأمر أن ما يسميه الناس اضطهاداً للفلسفة في ظل الاسلام أو المسيحية لم يحدث الا من قوم كان جهلهم بالاسلام والمسيحية أكثر من علمهم بهما. وكان تعصبهم للمنافع والاطماع أشد من تعصبهم الدين. ماذا نقول؟ بل من غريب الأمر أن اضطهاد الفلسفة هذا لم يحدث في ظل الاسلام والمسيحية وحدهما بل حدث في ظل الوثنية أيضاً ولنفس الاسباب التي أحدثته عند المسلمين والمسيحيين وهي الجهل من ناحية والمطامع والمنافع من ناحية أخرى. ولقد يكون من الحق على الذين يذكرون اضطهاد ابن رشد عند المسلمين وتحريق من حرقوا عند المسيحيين الّا ينسوا مقتل سقراط وهرب ارسطاطاليس عند الوثنيين. وألّا ينسوا أن هؤلاء الفلاسفة جميعاً انما نكبوا في أيام فتنة ومحنة وجهل وانحطاط في السياسة والأخلاق
—٥—
استقرت قيادة الفكر للاسلام والمسيحية طوال القرون الوسطى ولكن اللّٰه كان قد أراد أن تسترد الفلسفة والسياسة قيادة الفكر مرة أخرى وأن يكره الاسلام والمسيحية على أن يدعا قيادة الفكر بعدما استأثرا بها هذه القرون الطوال
لست في حاجة إلى أن أفصل لك تاريخ النهضة الأوربية الحديثة ولا ما كان من استكشاف الكتب الفلسفية والآثار الأدبية والفنية التي تركها اليونان والرومان فأنت تعرف هذا مثل ما أعرفه ولكني أحب أن تفكر معي قليلا في هذه الاثار اليونانية الرومانية التي كان كل شيء في القرن الأول للمسيح يدل على أنها قد فشلت وأصبحت لا تصلح قواماً للحياة العامة. ما بالها في القرن الخامس عشر والسادس عشر قد أخذت تفتن الناس عن أنفسهم وديانتهم وعاداتهم وأخلاقهم وميولهم؟ وما بالها قد أخذت تستأثر بقلوب الناس حتى أنهم ليعرضون أنفسهم في سبيلها لمثل ما كان يتعرض له المسيحيون في محاربتها من سجن وموت ومن ألوان التنكيل والتمثيل؟ بل ما بالها قد أخذت تثمر في هذا العصر الحديث ما لم تستطع أن تثمره في العصر القديم؟ لقد كانت الفلسفة اليونانية قد انتهت إلى الشك في العصر القديم وعجزت عن اصلاح النظام السياسي والاجتماعي حتى سئمها الناس وزهدوا فيها. ولكن الناس لم يكادوا يدرسونها في العصر الحديث حتى فتحت أمامهم أبواب الأمل والعمل ومكنتهم من استحداث العلم وتغيير نظم الحياة وانتهت بهم الى ما هم فيه الآن من رقي. ما بالها فشلت قديماً وفازت حديثاً؟ قل في تعليل ذلك ما شئت فقد تصيب وقد تخطئ، ولكنك مصيب من غير شك ان لاحظت معي أن هؤلاء الفلاسفة من اليونان كانوا أرقى من الأجيال التي عاشوا فيها وكانوا قد سبقوا هذه الأجيال إلى حيث لم تستطع أن تدركهم. ولم يكن بد من أن تنتظر فلسفتهم قروناً طوالاً حتى يتم نضوج العقل الانساني فيحسن اساغتها واستثمارها. وهذا هو الذي كان. لم تكد تظهر هذه الفلسفة وتشيع بين المحدثين حتى آتت ثمرها طيباً منتجاً. واذا هي توجه نفراً من الفلاسفة والساسة تولوا قيادة الفكر حتى انتهوا به إلى الثورة الفرنسية ثم إلى ما نحن فيه الآن